eKtab
EN ع
المشوهون
Read free sample

المشوهون

by توفيق فياض

Page 1
عشرات الطلاب انحدرت في أزقة مدينة الناصرة، لتلتقي جميعها في ذلك الزقاق الترابي، المؤدي الى الحي الشرقي منها، والذي يفصله الشارع الرئيسي عن باقي الأحياء فيها.. ليتقيأهم زرافات متلاحقة في ساحة المدرسة الترابية الضيقة.. تنفصل بعدها إلى حلقات صاخبة مثرثرة، تدل كل منها على أبناء قرية واحدة، أو زملاء جمعتهم سنون دراسة سابقة.
 
أحسست وكأني اختنق في هذا الجو الصاخب من حولي. شعور من الإشفاق راح يعتمل في نفسي نحو أولئك الطلاب الصغار، الذين تضمهم هذه الساحة لأول مرة. نظرات من البله الحائر تشع في أعينهم.
 
تذكرت نفسي عندما جئت من القرية لإتمام تحصيلي الثانوي في هذه المدينة.
 
لم أشعر برغبة في البحث عن أحد زملائي في الصف. إنني أضيق بالتجمهرات. انزويت في أحد أركان الساحة، متكئا على جذع تينة عجوز تقوم هناك. هذه المرة الأولى التي تضمني فيها هذه الساحة. هذا القسم من المدرسة أجمل من القسم الذي تعلمت فيه خلال العامين السابقين.. جميل أن يحمل حي في مدينة طابعا ريفيا.
 
غرفتي لهذا العام أفضل منها في السنة السابقة. كانت قذرة. ستخلو القرى من العاملين في الأرض. لعنت أصحاب المنازل في المدينة. من الصعب أن يعثر الطالب على غرفة يسكنها لهذا العام. يجب أن لا أذهب إلى دار العرض أكثر من مرة خلال الشهر كي أوفر أجر غرفتي. أمقت السكن مع طالب آخر في غرفة واحدة. سيكون ذلك صعبا. بصقت.
 
تذكرت جارتي. إنها رائعة الجمال. كانت تنظر إلي بنوع من الإشفاق، حين كنت أصعد السلم بأمتعتي لأدخلها غرفتي. كنت أشعر بالاشمئزاز من نفسي ومن المدرسة. سئمت التنقل بأمتعتي من غرفة إلى غرفة. إنها الغرفة الرابعة التي أسكنها خلال عامين. هكذا يفعل المشردون. تعدم نفوسهم في الطرقات. شعرت بالغبطة حين رأيت جارتي. من الجميل أن يكون للإنسان جارة حلوة.
 
انتبهت إلى سامي يقترب مني. كان زميلي في المقعد طيلة العام الدراسي السابق. هو الطالب الوحيد الذي أشعر نحوه بشيء من الود. نظرت إليه مبتسما. بسطت له كفي:
 
أهلا سامي
 
أهلا سعيد. هـ.. ما بك تقف وحدك. إننا لم نسمع طنين الجرس لهذه السنة بعد.
 
نظر بخبث ناحية حلقة من الطالبات:
 
آه.. معذرة. نسيت أنك تحب الجمال وأنك ترغب في الصلاة له وحدك. يبدأ الربيع عندنا في الخريف.
 
ضحكت.. ضحك سامي. صمتنا. قال بهدوء:
 
ما أخبارك؟ كيف قضيت العطلة في القرية؟
 
كالعادة.
 
أود لو كنت قرويا. جو المدينة يخنقني. لن يترك الجرس لنا وقتا للصلاة، اللهم إلا إذا كنت تعتبر نفسك في كنيسة.
Page 2
ضحكنا. حاولت لكمه مداعبا، غير أنه استدار بخفة مبتعدا عني. توقف فجأة وهو يصفر بذهول. التفت إلي قائلا وهو ينفض يده:
 
يا إله السماء! انظر! أراهن أنها جاءت إلينا لإتمام الثانوية هنا.
 
نظرت إليه حيث التفت هو ثانية. قلت متسائلا:
 
من هي؟
 
قال وهو يشدني لنلبي دعوة الجرس، دون أن يلتفت إلي:
 
تلك الآتية عند مدخل الساحة. هل تراها؟ إنها من مدرسة راهبات الطليان، تيرا سنتة. أعرفها.
 
أفلت منه. قلت:
 
إننا بحاجة لمن يبشر بنا.
 
تذكرت الله. إنسانية سامي ثانية. التفت إلي قائلا:
 
اسمها نوار. آية في الجمال.
 
وضعت كفي على صفحة خده، وأدرت وجهه إلى الأمام:
 
ناظر المدرسة ينظر إلينا.
 
قال وهو يشيح بيده:
 
فليذهب إلى الجحيم. استمع...
 
قاطعته:
 
إنه إنسان طيب. احترمه.
 
تابع:
 
آسف.. استمع. إذا لم تلتحق في الحادي عشر فسأطلب إلى الناظر إبقائيفي الصف الذي ستلتحق به. ماذا؟ ماذا قال الناظر يا سعيد!؟ لماذا يتفرقا لطلاب ثانية!؟
 
قلت ضاحكا:
 
لم اسمع إلا أننا سنمكث نصف ساعة أخرى في الساحة.
 
لماذا؟... أنظر ها هي تدخل غرفة الإدارة. سأذهب لاستجلاء الخبر.
Page 3
إنها رائعة الجمال. شعرت بالاشمئزاز. يخلو صفنا من الطالبات الجميلات إلا سامية.. وكأنهن أردن التعويض عما لم يمنحنه من نعمة الجمال. فاتنة
 
صغيرة. وددت لو تلتحق بصفنا.
 
ظهرت في الباب بصحبة أحد المدرسين. أشار بيده ناحية طالبات صفي. تعلق نظري بها. كنت أمضغ عود ثقاب أقتل به رغبتي في إشعال لفافة. شتمت قوانين المدرسة. التدخين محظور على الطلاب.
 
يستهويني في المرأة شعرها الطويل. رائعة تلك الغديرة العنبرية الممتلئة، تميل عند أسفل جيدها لتنساب بين نهديها النافرين.. فيحتضنانها برفق عجيب.. أنوثة متفتحة.
 
انضمت إلى طالبات صفي. تعرفت على بعضهن، فرحن يسألن عما إذا كانت ستتم دراستها في مدرستنا. أجابت بالإيجاب، وبأنها ستكون إحدى طالبات صفنا.
 
شعرت بنوع من الارتياح. الثرثرة جزء لا يتجزأ من النساء. شعرت بالنقمة على سامية لحجبها نوار عني. كنت لا أمل النظر اليها.
 
صحوت على يد سامي تهزني:
 
هالو.. ماذا دهاك؟ لماذا تقف كالصنم هكذا؟ هالو.. هل تسمعني، أم أنك قد صممت!؟
 
التفت اليه. حولت نظري عن ناحيتها. أشاح بيده مشمئزا. بصق. قال وهو يتركني:
 
أقسم أنك بكمت أيضا، أو أن مسا قد أصابك. وما دمت قد تحولت إلى صنم، فلأبحثن لي عن إنسان أحدثه.
 
قرع الجرس ثانية. هرع الطلاب يصطفون. جررت نفسي ووقفت في مؤخرة الصف. نظرت اليها وهي تنتظم بين الطالبات إلى جانب الطلاب. شيء من الارتباك يستولي على حركاتها.انتبهت إلى أنها تلحظ على اهتمامي بها توردت وجنتاها. غضضت طرفي باسما. لم تخجل حواء من آدم. خجل النساء كذبة كبيرة. إنه صرخة جنسية. لم أخجل. راحت ترتسم لي على تراب الساحة.
 
لا أفقه شيئا مما يقوله ناظر المدرسة. كل ما فيها جميل ساحر. رائع أن تحمل بنت المدينة جمالا ريفيا هادئا. رقصة ربيعية دائمة تعمر عينيها لواسعتين، ذوات الأهداب السمر الطويلة. سمرة دافئة تلوح بشرتها، تظللها بمسحة من الأصالة الهادئة ترتاح على وجهها.
Page 4
حسست بالإشفاق عليها من عيون الطلاب. هكذا تفعل القطط. يصاب الجياع بالبله. إننا جياع. عدت للنظر إليها. تجاهلت نظرات سامي التي رمقني بها ملتفتا خلفه. أخذ الطلاب يسيرون الى غرفة التدريس. يجب أن أجلس بقربها. حدثت نفسي.
 
بقني سامي إلى اختيار المقعد الذي يتلو مقعدها. نظر إلي باسما والطلاب يختارون مقاعدهم، يدعوني للجلوس إلى جواره:
 
لقد التقى الجمال.
 
غمزني سامي دالا بعينيه على نوار وهي تجلس إلى جانب سامية.لفني انقباض لمشهد غرفة التدريس المزري من الداخل. قال الناظر بأن علينا ملاءمة أنفسنا مع شروط المدرسة. لم أدرك عندها ما يرمي اليه. ضقت بهمسات سامي ووشوشاته. طلبت اليه الكف عن الحديث. لم يكف عنه إلا عندما وجدنا نفسينا نجلس وحيدين، بينما وقف الطلاب أجلالا لمربي الصف.
 
وما كدنا ننتصب، حتى جلس جميع الطلاب منفجرين بالضحك لمنظرنا ونحن نجلس مرتبكين. غيظ مجنون قفز إلى رأسي. راح سامي يشارك الطلاب ضحكهم منا.
 
التقت نظراتي المتميزة غضبا، بنظرات نوار التي لم تكف عن الضحك مع سامية، بعد أن كف جميع الطلاب عنه.. حين التفتت نحونا ورأت سامي غرق بالضحك من نفسه. توردت وجنتاها. كفت عن الضحك.
 
كم لذيذ أن يكون للإنسان جارة جميلة. إن لابتسامتها سحرا خاصا.
 
صباح الخير.
 
قلت وهي تنحي طفلها من طريقي باسمة.
 
صباح النور
 
قالت وهي ترفع عينيها، بينما كانت تنحني على طفلها. إذا ضحكت المرأة وبان نابها، فاتبعها ولا تهابها. هكذا سمعت جدتي تقول لابنة الجيران وهي تجزرها عن الضحك. نوار رائعة الجمال. سألقي عليها تحية الصباح.
 
التقيت في طريقي الى المدرسة بسامي يقف عند المنحنى. أدركت سبب وقفته. ابتسم حين رآني. قلت وأنا أضع يدي على كتفه:
 
صباح الخير.. من تنتظر؟
 
صباح النور..
 
أجاب وهو ينحي يدي بضيق.
 
لم تمر بعد. هيا بنا.
 
من؟
 
قلت متسائلا. نظر إلي باسما. قال:
 
المبشرة الجميلة. تلذ لي رؤيتها عند الصباح.
 
إنك مريض.
 
قلت ونحن نتابع سيرنا. ضحك سامي. قال باشمئزاز:
 
سل أصغر يرهق نفوسنا. مستنقع آسن كل مجتمعنا. بصق. نظر إلي مردفا:
 
ما رأيك فيها؟ في نوار، أقصد.
 
نظرت إليه باستهتار. قلت بعدم مبالاة:
 
أراها تستولي على كل تفكيرك.
 
قال دون أن ينظر إلي.
Page 5
ماذا تعني؟
 
من يدري؟ - ربما تحبها:
 
ضحك. قال باستهتار:
 
أحبها! لم يبق فيك يا حياة جد. نكتة رائعة.
 
إذن ما كل هذا الاهتمام بها، لماذا تلذ لك رؤيتها عند الصباح؟
 
مجرد لذة أشعر بها عند رؤية كل شيء جميل.. وخاصة عند الصباح.
 
أتفاءل. كثيرة هي الاشياء القبيحة في حياتنا. لا أحب رؤيتها.
 
ضحكت هازئا. ابتسم. أردف قائلا:
 
ربما تكون لذة تنبع من شهوتي لها. فشلت في مطاردتها قبل سنوات. أهوى مطاردة الفتيات. كل الفتيات. يأنسن لهذري. وأنت ألا تشتهيها؟
 
نظرت إليه. أغاظني. لم أجبه. لعنته. ضحك باستهتار وهو ينظر خلفه.
 
جبان هل تخشى الاعتراف بالحقيقة.
 
ضربته بحافظة كتبي. زاد في ضحكه. قال وهو يبتعد عني:
 
إذن أقسم بأنك تحبها. نظرة واحدة في عينيك عندما تنظر إليها تكفي
 
لمعرفة ما تكنه لها. بالمناسبة، سمعتها تقول أنك غريب الأطوار.
 
إذن فهي تهتم بي!
 
عبر بحركة من يده:
 
وبناء على نظريتك، تكون موضع اهتمام جميع الطلاب في الصف.
 
قلت متسائلا:
 
ماذا تعني؟ هل جميع الطلاب يقولون عني ذلك؟
 
بالضبط.
 
حتى أنت!؟
 
قال معبرا بحركة من شفتيه:
 
ربما. في بعض الأحيان تبدو كذلك. أنت وزياد في ذلك سواء، غير أنه أكثر منك مرحا.
 
شعرت بالارتياح. لا أدري لماذا. ربما يكون الغرور. يلذ للإنسان معرفة ما يرى فيه الآخرون.
 
إنني لا أفهم شيئا.
 
قال:
 
تماما كما أنني لا أفهمك. إنك تبدو كمن يسير في جنازة دائمة. من يدري؟
 
- ربما تكون حقا قد وقعت في حب نوار.
 
شعرت برغبة في الضحك. ضحكت. ضحك سامي. قال:
 
كل شيء أتوقع أن أكونه، إلا عالما نفسانيا.
 
كنا قد دخلنا في ساحة المدرسة. تركني سامي قائلا:
 
تلك هي. سألقي عليها تحية الصباح، وبالنيابة عنك أيضا.
Page 6
لعنة عليك يا سامي. إنني لم أفكر فيما قاله لي أحد أكثر مما أفكر فيما قلته لي. كنت أحاول معرفة ما إذا كنت أحب نوار أم اشتهيها، وكأن كلا الشعورين قد امتزجا في نفسي حتى أصبح من الصعب علي التمييز بينهما.
 
لم يكن عجزي عن الإجابة على أسئلة سامي ذلك اليوم، إلا عجزي حقا عن تحديد ما أكنه لها من شعور. أصبحت أفكر فيها أكثر من أي فتاة
 
أخرى، سواء كان ذلك داخل المدرسة أو خارجها، حتى أكثر من جارتي ناديا..
 
قالت عني نوار، أنني غريب الأطوار، وجميع الطلاب يشاركونها الرأي، حتى سامي يميل إلى الاعتقاد بصحة ذلك. إنني أشبه زياد إلى حد ما بعيد، هكذا قال. شعور من الاشمئزاز يستولي علي كلما فكرت في ذلك. وفي زياد بصورة خاصة، إلى حد الاختناق. يشاركني شخصيتي.
 
إنها السنة الدراسية الأولى التي تجمعنا فيها غرفة تدريس واحدة، بعد أن أدمجت جميع الشعب من صفنا في شعبتين اختصاصيتين.. فصورته لا تنفك تنتقل في خاطري، وتتجلى أمام ناظري. شعره المجنون لا ينفك يتبعثر فوق جبهته العريضة السمراء. عيناه الحادتان توزعان نظرات الاشمئزاز على كل شيء حولهما. تلك الابتسامة الساخرة، لا تفارق شفتيه الغليظتين أصبحت إحدى ملامحه المميزة.
 
كنت ألقاه معظم أيام الاسبوع خلال العامين الدراسيين السابقين لا سيما في تلك الحانة الصغيرة، حيث كنت أقتل ساعات فراغي النفسي. وكان زياد كثيرا ما يجلس فيها، لعيشه في نفس الحي الذي أعيش فيه.. حتى لكان يخيل إلي في معظم الأحيان فيما يفكر، ونحن نجلس وحيدين، بعد أن ينفض زبائن الحانة القلائل.
 
كل ما كنت أعرفه عنه آنذاك أنه واحد من عشرات الطلاب الوافدين من القرى، لإتمام تحصيلهم الثانوي في هذه المدينة مثلي. وأنه أحد أبناء الشعبة الثانية من صفي في البناية الثانية من المدرسة، وبعض الأخبار التي كنت أسمعها عن تصرفاته الشاذة وحدة مزاجه.
 
إنه من الأشخاص الذين لا يرتاح الإنسان لرؤيتهم، غير أنني كنت أرتاح لرؤيته، بل وكنت أشعر بشيء ما يجذبني إليه والتعرف به. ذلك الصمت الذي لا يخرج عنه، وتلك النظرات الغريبة الحائرة، التي لا تنفك تشع في عينيه، حين كان يجلس وحيدا إلى إخوانه في الزاوية القصوى من الحانة، كانت تقربني منه يوما بعد يوم.
 
كنت أرى فيه نسخة مني. فأتصوره ككل الأشياء التي تعم بفوضاها غرفتي القذرة في ذلك الحي. ثمة صلة ما تربطني به، أو أي شيء آخر مشترك بيننا. شروده الدائم يصحبه في سيره. القلق الحائر يبصقه في ظلام شارع النمساوي مع أعقاب لفافاته المتعاقبة، لتعقبها أعقاب لفافاتي. حيث كانت عليه تزداد لقاءاتنا حين كانت تقذفني عزلتي القاتلة، وتبرمي بالدراسة إليه.. ليكون زياد، الشخص الوحيد الذي ألقاه في دربي، في مثل ذلك الوقت المتأخر من الليل، بعد أن تكون جميع الأنوار في المدينة قد لفظت آخر أنفاسها، إلا من تلك المنبعثة من بعض نوافذ الطلاب المنتثرة في كل حي.
Page 7
لقد تعودت لقاءه، ككل الأشياء التي تعودتها في هذه المدينة. أصبح يخيل لي أنني لا أخرج في بعض الأحيان، إلا لألقاه.. تماما كما كان يخيل إلي أحيانا أنني لا أخرج إلا لأمر بتلك المقعدة العمياء في باب قبوها، عند زاوية الزقاق، ولا أسمع رنة ما أضعه في صحنها.
 
لم يكن لي آنذاك من صديق أبادله الود بين جميع الطلاب، حتى سامي لم تتعد صلتي به حد الزمالة في المدرسة. فكرت مرة في التعرف إليه، اعتقادا مني بأنه الإنسان الوحيد الذي يمكن لي أن أتخذ منه صديقا.
 
إستوقفته أمسية، جاعلا من إشعال لفافتي تعلة، غير أنني لم أجد سوى كلمة شكر أقولها له! ولم يدع لي هو فرصة لغير ذلك.. فما كاد يشعل لفافتي حتى كان يتركني متابعا سيره، دون أن يرد على شكري له.
 
نشوة عذبة كانت تغمرني، كلما أشرقت شمس الصباح ذلك الخريف، بعد أن أكون قد قطعت ليلا رهيبا من الوحشة والعزلة.
 
كنت أفزع إلى كتبي، إلا أنني سرعان ما كنت أضيق بها. لتعاود الدقائق زحفها المقيت في كل خلية من جسمي.. فأشعر بدبيب أرجلها الشائكة وهي تمزقها بملايين نتوءاتها، وأحس بألياف جسدي تتمزق، فتحدث نعيبا غريبا لمئات أشياء تتألم.. حتى تشرق الشمس وتتسلل عبر نافذتي، لتغمر وجهي بدفء غدائرها العابقة برائحة الحياة، بعد أن يكون شك في موتها الأبدي قد ساورني.
 
شعور من الاستملاح والنشوة الجنسية، كان يخالطني في البداية كلما رأيت نوار.. بل وشيء من الشعور بالارتياح والرضا أصبح يخالطني لدخولها على حياتي، وأشغال جزء من تفكيري الذي أخذ يكبر يوما بعد يوم. كنت أتعمد ذلك أحيانا بل في كثير منها، لما كنت أشعر به من الراحة النفسية، بعد أن أجتمع بتفكيري فيها، نتف عقلي التائهة في دوامة العدم من حولي.
 
لتتركز جميعها في نوار، وبما يمنحني هذا التفكير من نشوة وارتياح.لم أجد لاهتمامي بها، وما يخالطني من شعور نحوها من تعليل، فألجأ إلى ما أجده من تعليل لمثل ذلك الشعور في الروايات التي كنت قد شغفت بقراءتها. أصبحت أعتقد بأنني أحبها.. وأن ذلك الشعور الغامض من النشوة والقلق في قربها وبعدها، ما هو إلا الحب بعينه.
 
جميل أن يصبح لدى الإنسان إيمان بشيء معين.. لما يشعر به من ارتياح لذلك الإيمان. سرعان ما كنت أنتقل بتفكيري إلى موضوع آخر كلما ساورني الشك في صحة إيماني بذلك الحب لنوار.. فما أن أشعر بدفء الصباح، حتى أترك غرفتي، لأطير إلى جنة أحلامي التي خلقتها لنفسي. وصنعتها من خلال نفسي وتفكيري.
Page 8
كان يلذ أن أراها كل صباح وهي تأتي إلى المدرسة. وأن أرقبها إلى أن تنضم إلى إحدى حلقات الطالبات، بينما أنضم أنا إلى إحدى حلقات الطلاب القريبة منها.. أو أنزوي إلى جذع التينة أتابع حركاتها خلسة خشية أعين الطلاب. كنت أشعر بلذة عميقة دافئة كلما كانت تأتي بحركة في مزاحها مع الفتيات.. فترقص لها مشاعري، وكأنها تحرك بها وترًا خفيا من أوتار السعادة المسجونة في أعماقي.
 
وكم كان مضحكا أن أحلم في تلك اللحظات من النشوة الغامضة، بتلك القبعة السحرية التي كانت تملأ علي ليالي طفولتي مع حكايات جدتي. فأحلم بامتلاكها ولو إلى لحظات.. تماما كما كنت أحلم في طفولتي لامتلاك حاجة تحظرها علي أمي.. علني أحظى بقرب نوار، وامتلاك ذلك الجسد المتثني بدلاله الفاتن دون أن يراني أحد. فأظل مستغرقا في تلك الأفكار تمنحني بسلطان خيالها، لذة مبهمة رائعة، ما تلبث أن تفلت مني مع قرعات الجرس.. أو دعابات سامي.
 
هكذا كانت الأشهر الأولى، تمر بي أيامها مزيجا من النشوة والألم.يتوزعهما كل من نهاري وليلي. بينما كان حبي لنوار يكبر مع إشراقة كل صباح. ويتأجج في أعماقي مع انسدال كل ليل. فأقذف بكتابي، لتقذفني فوضى غرفتي إلى تلك الحانة الصغيرة.. ومن ثم إلى ظلام الشارع لأتسكع وطيفها، الذي كان يرافقني كل خطوة عليه، حيث تبدأ عند انحناءة الدرب المؤدي إلى المدرسة، إلى أن تنتهي حيث المنحنى المؤدي إلى منزلها.
 
لم يكن ليبقى لي من ذلك الحب العاثر في آخر كل ليل، غير الخيبة واحتقاري لنفسي لما كان يعتريني من شعور في عبث وجودي، وتفاهة شبابي. فقد كانت تتجاهل حبي لها، وتمعن في أعراضها عني.. فتزيد من جنون كبريائي لامتلاكها.... ومن أنانية حبي لنيلها.
 
كانت تلاحظ مني اهتمامي بها وولهي المجنون عليها فتقابل نظراتي بالنظرات المتسائلة أحيانا، وبالنظرات الخلية المتوددة أحيانا أخرى.. مما جعلني كلما صممت على مصارحتها بحبي، أشعر وكأن حاجزا يمنعني من ذلك. إذ كنت أخشاها، بل وكنت أخشى نفسي التي لم تكن لتستقر على حال أو شعور.. فتموت جرأتي لمصارحتها عند مقابلتها. كي لا يكون فيها موت ما كنت أدعيه من كبرياء، إذا ما نبذت حبي.. فتزيد بذلك من ازدحام ذلك السديم الخانق من حولي، وتغرق خلف غمامه القاتم آخر مرفأ أنظر إليه في الأفق البعيد. أقود إليه سفينة الضياع من عمري.. ليكون عليه آخر محط لها.. وآخر مرسى.