Page 1
تقديم
هذه مجموعة مختارة من مقالاتي في «السفير» خلال فترة الاضطراب الكبير بين 2005 و2008. تشكل هذه المقالات فعل مقاومة بوجه الانهيار الذي طاول مؤسسات الدولة الدستورية ووحدة المجتمع. إن الهاجس المسيطر هو ألّا يكرر اللبنانيون تجاربهم السابقة في الحروب الأهلية المدمّرة.
المسؤولية في الكتابة هنا دائماً ثقيلة ومضاعفة. من غير المسموح لجيلنا أن يرتكب أخطاء سبق أن عاينها في العقود القليلة الماضية، أما لبنان فهو متحف صغير محشو بالأثريات وممنوع أن ترقص بينها فتساهم في تحطيمها.
لسوء الحظ أن القضايا التي تشغل لبنان تزداد أهمية وخطورة لأنه لم ينجز مشروع الدولة بعد. تتحول القضايا الخلافية إلى ما يشبه الأسئلة الأولى أو التأسيسية. المقالات التالية مترعة بروح التسوية التي ميزت نمو الوطنية اللبنانية المتنوعة الفروع تاريخياً لكنها مفتوحة دائماً على مشروع الإصلاح.
سليمان
وطن أعزل يشكو السلاح!
القصف الإسرائيلي الذي ألهب الحدود الجنوبية الأحد الماضي يريد تذكيرنا بمشهد قديم من سنوات الحرب والفوضى. فمن بوابة الجنوب بدأت مسيرة انهيار الدولة اللبنانية بعد أن أعلنت عجزها عن حماية أرضها والدفاع عن مواطنيها.
بعد ثلاثة عقود ونيف على غياب الدولة، وست سنوات من زمن التحرير، نفتش عن الدولة لتأتي جنوباً لتحتضن إنجاز التحرير، فإذا بها ما زالت معلقة على طاولة حوار وطني يتداول أطرافها في الأجوبة عن أسئلة قديمة: من هو العدو ومن هو الصديق، وكيف تتحول القرارات الدولية خيمة واقية لسمائنا لا تخترقها العصافير ولا العقبان.
هذه مجموعة مختارة من مقالاتي في «السفير» خلال فترة الاضطراب الكبير بين 2005 و2008. تشكل هذه المقالات فعل مقاومة بوجه الانهيار الذي طاول مؤسسات الدولة الدستورية ووحدة المجتمع. إن الهاجس المسيطر هو ألّا يكرر اللبنانيون تجاربهم السابقة في الحروب الأهلية المدمّرة.
المسؤولية في الكتابة هنا دائماً ثقيلة ومضاعفة. من غير المسموح لجيلنا أن يرتكب أخطاء سبق أن عاينها في العقود القليلة الماضية، أما لبنان فهو متحف صغير محشو بالأثريات وممنوع أن ترقص بينها فتساهم في تحطيمها.
لسوء الحظ أن القضايا التي تشغل لبنان تزداد أهمية وخطورة لأنه لم ينجز مشروع الدولة بعد. تتحول القضايا الخلافية إلى ما يشبه الأسئلة الأولى أو التأسيسية. المقالات التالية مترعة بروح التسوية التي ميزت نمو الوطنية اللبنانية المتنوعة الفروع تاريخياً لكنها مفتوحة دائماً على مشروع الإصلاح.
سليمان
وطن أعزل يشكو السلاح!
القصف الإسرائيلي الذي ألهب الحدود الجنوبية الأحد الماضي يريد تذكيرنا بمشهد قديم من سنوات الحرب والفوضى. فمن بوابة الجنوب بدأت مسيرة انهيار الدولة اللبنانية بعد أن أعلنت عجزها عن حماية أرضها والدفاع عن مواطنيها.
بعد ثلاثة عقود ونيف على غياب الدولة، وست سنوات من زمن التحرير، نفتش عن الدولة لتأتي جنوباً لتحتضن إنجاز التحرير، فإذا بها ما زالت معلقة على طاولة حوار وطني يتداول أطرافها في الأجوبة عن أسئلة قديمة: من هو العدو ومن هو الصديق، وكيف تتحول القرارات الدولية خيمة واقية لسمائنا لا تخترقها العصافير ولا العقبان.
Page 2
يعز علينا كثيراً نحن جيل الحرب أن يكرر هذا الوطن المعذب مأساته، فيأخذنا أهل السياسة مجدداً إلى حوار عقيم سبق أن دفع اللبنانيون ثمنه فيما هو لبنان من حيث الوجه واللسان. ونختلف على جلد الدب قبل صيده، فنضع مشروع الدولة في وجه سلاح المقاومة، فيما لو كانت الدولة لم تكن هناك مقاومة.
من طبيعة الدولة بحق أن تحتكر السلاح ولا تحاور سلاحاً. هذا إذا كانت الدولة دولة لا مؤتمر قبائل وطوائف وأمراء نواح وأقاليم. أما إذا كانت الدولة مستضعفة، عندها لكل سلاح شرعيته وهيبته ودوره ولكل أمير إمارة ولو على حجارة.
قبل أسبوع من العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في صيدا على لبنانيين توطن في قلبيهما حب فلسطين، واكتمل في السلطان يعقوب والناعمة ومن ثم الحدود، قبل هذا العدوان طلب سفير دولة أوروبية مهتمة جداً باستقلال لبنان من وزير محسوب على الأكثرية أن يطلب مؤتمر الحوار من «حزب الله» موقفاً علنياً يضمن عدم تحريك الجبهة الجنوبية إذا تعرضت إيران لضربة عسكرية. هواجس السفير الأوروبي إيرانية في لبنان وإسرائيلية وليست لبنانية. ثم قامت إسرائيل بإشعال جبهة الجنوب لتصويب الحوار اللبناني باتجاه سلاح «حزب الله»، وطبعاً في محاولة لاختبار ما لديه من جديد.
لكن إسرائيل نبهتنا مجدداً الى أن لبنان وطن أعزل تستطيع أن توقع فيه أفدح الخسائر والأضرار، وأن دفاعنا الوطني ما كان ممكناً يوماً أن يكون توازناً استراتيجياً أو سياسة تقليدية.
لقد كنا على مدى ثلاثين سنة أيتاماً على مائدة المجتمع الدولي حتى عندما اجتاحت إسرائيل عاصمتنا بيروت. لم يساعدنا المجتمع الدولي على اقتناء السلاح ولا على طرد المحتل ولم يعطف علينا بقراراته كالتي يتكرّم بها اليوم علينا بسخاء، وهي تأتي في اتجاه واحد من حدود لبنان.
بعد التحرير الذي أنجزته المقاومة رفعنا شعار: «كل الجنوب إلى الدولة. كل الدولة إلى الجنوب». لكن الدولة ليست فرعاً للمعلومات في وزارة الداخلية، ولا حكومة تعطل مؤسساتها القضائية، وليست طبعاً تجمع الشركات «القابضة» على اقتصاد البلد وقوت العباد.
بعد ست سنوات من التحرير، وبعد عقد ونصف من وقف الحرب وسلام الطائف، ظل لبنان وطناً أعزل ودولة «شاكية من السلاح» فيما المقاومة ترابط في الجنوب: حرّرت، ردت أكثرية الأسرى، وما تزال «تقلق» العدو الإسرائيلي، تساجله دون أوهام الردع، لكنه يحسب لها حساباً ويطلب وقف النار.
تهدد إسرائيل لبنان اليوم بأمنه، لكنها منذ وجودها تهدده بكيانه وصيغته واقتصاده. قوة لبنان اليوم أن يحصر التهديد الإسرائيلي بالأمن وأن يرد عن نفسه مخاطر التفكك أو الهيمنة. تلك هي مسؤولية المتحاورين في المؤتمر الوطني فإن نجحوا في حماية مشروع الدولة في لبنان لا يعود سلاح المقاومة مسألة أساسية. ولا قيامة للدولة إن لم يكن أبرز مهامها حفظ حدودها وأمن مواطنيها وإدارة شؤونهم فيقدموا لها الولاء والطاعة.
عند ذاك تستطيع الدولة أن تحدد خياراتها بين طهران وواشنطن وعلاقاتها بجيرانها سواء أكانت مميزة أم غير مميزة.
لقد ذكّرتنا إسرائيل الأسبوع الفائت أن لبنان وطن أعزل ودولة قيد الدرس تستجدي الأمن من مجلس الأمن بعد ثلاثين سنة من الأمن المستعار.
هذا الوطن الأعزل من مشروع الدولة كيف يشكو من سلاح المقاومة!؟
3/6/2006
من طبيعة الدولة بحق أن تحتكر السلاح ولا تحاور سلاحاً. هذا إذا كانت الدولة دولة لا مؤتمر قبائل وطوائف وأمراء نواح وأقاليم. أما إذا كانت الدولة مستضعفة، عندها لكل سلاح شرعيته وهيبته ودوره ولكل أمير إمارة ولو على حجارة.
قبل أسبوع من العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في صيدا على لبنانيين توطن في قلبيهما حب فلسطين، واكتمل في السلطان يعقوب والناعمة ومن ثم الحدود، قبل هذا العدوان طلب سفير دولة أوروبية مهتمة جداً باستقلال لبنان من وزير محسوب على الأكثرية أن يطلب مؤتمر الحوار من «حزب الله» موقفاً علنياً يضمن عدم تحريك الجبهة الجنوبية إذا تعرضت إيران لضربة عسكرية. هواجس السفير الأوروبي إيرانية في لبنان وإسرائيلية وليست لبنانية. ثم قامت إسرائيل بإشعال جبهة الجنوب لتصويب الحوار اللبناني باتجاه سلاح «حزب الله»، وطبعاً في محاولة لاختبار ما لديه من جديد.
لكن إسرائيل نبهتنا مجدداً الى أن لبنان وطن أعزل تستطيع أن توقع فيه أفدح الخسائر والأضرار، وأن دفاعنا الوطني ما كان ممكناً يوماً أن يكون توازناً استراتيجياً أو سياسة تقليدية.
لقد كنا على مدى ثلاثين سنة أيتاماً على مائدة المجتمع الدولي حتى عندما اجتاحت إسرائيل عاصمتنا بيروت. لم يساعدنا المجتمع الدولي على اقتناء السلاح ولا على طرد المحتل ولم يعطف علينا بقراراته كالتي يتكرّم بها اليوم علينا بسخاء، وهي تأتي في اتجاه واحد من حدود لبنان.
بعد التحرير الذي أنجزته المقاومة رفعنا شعار: «كل الجنوب إلى الدولة. كل الدولة إلى الجنوب». لكن الدولة ليست فرعاً للمعلومات في وزارة الداخلية، ولا حكومة تعطل مؤسساتها القضائية، وليست طبعاً تجمع الشركات «القابضة» على اقتصاد البلد وقوت العباد.
بعد ست سنوات من التحرير، وبعد عقد ونصف من وقف الحرب وسلام الطائف، ظل لبنان وطناً أعزل ودولة «شاكية من السلاح» فيما المقاومة ترابط في الجنوب: حرّرت، ردت أكثرية الأسرى، وما تزال «تقلق» العدو الإسرائيلي، تساجله دون أوهام الردع، لكنه يحسب لها حساباً ويطلب وقف النار.
تهدد إسرائيل لبنان اليوم بأمنه، لكنها منذ وجودها تهدده بكيانه وصيغته واقتصاده. قوة لبنان اليوم أن يحصر التهديد الإسرائيلي بالأمن وأن يرد عن نفسه مخاطر التفكك أو الهيمنة. تلك هي مسؤولية المتحاورين في المؤتمر الوطني فإن نجحوا في حماية مشروع الدولة في لبنان لا يعود سلاح المقاومة مسألة أساسية. ولا قيامة للدولة إن لم يكن أبرز مهامها حفظ حدودها وأمن مواطنيها وإدارة شؤونهم فيقدموا لها الولاء والطاعة.
عند ذاك تستطيع الدولة أن تحدد خياراتها بين طهران وواشنطن وعلاقاتها بجيرانها سواء أكانت مميزة أم غير مميزة.
لقد ذكّرتنا إسرائيل الأسبوع الفائت أن لبنان وطن أعزل ودولة قيد الدرس تستجدي الأمن من مجلس الأمن بعد ثلاثين سنة من الأمن المستعار.
هذا الوطن الأعزل من مشروع الدولة كيف يشكو من سلاح المقاومة!؟
3/6/2006
Page 3
استراتيجيا...
يحتاج الدفاع عن لبنان إلى استراتيجيتين: واحدة ضد إسرائيل وثانية ضد الطائفية.
لن ينهض لبنان وطناً ودولة ما لم يدفع هذين الخطرين خارج حدوده. لم يعد هذا الكلام فائضاً عن أولويات وطنية أخرى. هزت الطائفية في الشارع لبنان كما لم تهزه من قبل، فهل بات يكفي «ميثاق شرف» يهذّب الخطاب السياسي حتى نعالج الفتنة وأسبابها؟
عندما رفعت الطوائف والمذاهب راياتها، صارت لنا ثقافات حصرية، وتقاليد ومحرّمات ورموز وكيانات لا تُعَد ولا تُحصى. خرجنا من حدود الدولة والوطن، فلم تعد الجغرافيا واحدة ولا التاريخ. لا يستغربنّ أحد أن تسقط «شبعا» من الخارطة أو غيرها من القرى والمدن، فعندما اختلفنا على هوية لبنان في العروبة ومع العروبة وعليها، سقطت بيروت. ولم تنهض بيروت إلا على أيدي أبطال حلموا بعاصمة للحرية والإنسان.
يقودنا النظام الطائفي اليوم إلى صراع مفتوح على السلطة تُهدَر فيه حقوق اللبنانيين لمصلحة أوهام سياسية. كل مشروع لا يتطلع إلى لبنان كله وإلى اللبنانيين كلهم هو مشروع واهم ومستحيل. يختلف اللبنانيون على الأمن وفي السلاح. ربما كان السلاح مقلقاً أو مخيفاً، لكن أن يختلفوا في العدالة ويُسقطوا نظامها فأمر يخرج عن كل منطق ومعقول.
عندما ترتفع رايات الطوائف فوق الدولة تنكسر رماح المقاومة، وينكسر ميزان العدالة، وتموت الحرية من الخوف، ويسير الناس إلى سجون طوائفهم المذعورة صاغرين.
شراكة اللبنانيين في المقاومة خيار، لكن شراكتهم في الوطن قدر لا مفر منه. لقد كان الحوار ضرورة وهو يبقى كذلك ما دام الهدف لبنان وحدود لبنان ووحدة لبنان.
لقد اتفق المتحاورون على إيجاد استراتيجيا دفاعية عن لبنان بوجه إسرائيل، إنها نصف الطريق لتحديد هذه الاستراتيجيا. واتفقوا على «ميثاق شرف» في قواعد المخاطبة والحوار والتعايش في ما بينهم، أما الشارع فيحتاج إلى استراتيجية دفاع عن لبنان ضد الطائفية. ليتهم يدركون.
10/6/2006
يحتاج الدفاع عن لبنان إلى استراتيجيتين: واحدة ضد إسرائيل وثانية ضد الطائفية.
لن ينهض لبنان وطناً ودولة ما لم يدفع هذين الخطرين خارج حدوده. لم يعد هذا الكلام فائضاً عن أولويات وطنية أخرى. هزت الطائفية في الشارع لبنان كما لم تهزه من قبل، فهل بات يكفي «ميثاق شرف» يهذّب الخطاب السياسي حتى نعالج الفتنة وأسبابها؟
عندما رفعت الطوائف والمذاهب راياتها، صارت لنا ثقافات حصرية، وتقاليد ومحرّمات ورموز وكيانات لا تُعَد ولا تُحصى. خرجنا من حدود الدولة والوطن، فلم تعد الجغرافيا واحدة ولا التاريخ. لا يستغربنّ أحد أن تسقط «شبعا» من الخارطة أو غيرها من القرى والمدن، فعندما اختلفنا على هوية لبنان في العروبة ومع العروبة وعليها، سقطت بيروت. ولم تنهض بيروت إلا على أيدي أبطال حلموا بعاصمة للحرية والإنسان.
يقودنا النظام الطائفي اليوم إلى صراع مفتوح على السلطة تُهدَر فيه حقوق اللبنانيين لمصلحة أوهام سياسية. كل مشروع لا يتطلع إلى لبنان كله وإلى اللبنانيين كلهم هو مشروع واهم ومستحيل. يختلف اللبنانيون على الأمن وفي السلاح. ربما كان السلاح مقلقاً أو مخيفاً، لكن أن يختلفوا في العدالة ويُسقطوا نظامها فأمر يخرج عن كل منطق ومعقول.
عندما ترتفع رايات الطوائف فوق الدولة تنكسر رماح المقاومة، وينكسر ميزان العدالة، وتموت الحرية من الخوف، ويسير الناس إلى سجون طوائفهم المذعورة صاغرين.
شراكة اللبنانيين في المقاومة خيار، لكن شراكتهم في الوطن قدر لا مفر منه. لقد كان الحوار ضرورة وهو يبقى كذلك ما دام الهدف لبنان وحدود لبنان ووحدة لبنان.
لقد اتفق المتحاورون على إيجاد استراتيجيا دفاعية عن لبنان بوجه إسرائيل، إنها نصف الطريق لتحديد هذه الاستراتيجيا. واتفقوا على «ميثاق شرف» في قواعد المخاطبة والحوار والتعايش في ما بينهم، أما الشارع فيحتاج إلى استراتيجية دفاع عن لبنان ضد الطائفية. ليتهم يدركون.
10/6/2006
Page 4
إدارة الاختلاف بالتسوية
يكاد تاريخ الصراع السياسي في لبنان أن يُختصر بتغيير التوازنات الطائفية في الدولة.
كلما حصل تبدل داخلي في المعطيات السياسية والاجتماعية والديموغرافية، أو تبدل مؤثر في المناخ الخارجي يعزز مكانة جماعة من اللبنانيين، دخلنا في أزمة وطنية تقود في نهاية المطاف الى تسوية. هذه القواعد الذهبية لنظامنا السياسي لا يمكن تجاوزها إلا بتبديل قواعد اللعبة نفسها المتمثلة بالنظام الطائفي.
في الأفق اللبناني أزمة تتفاعل منذ القرار الدولي 1559 وتداعياته. لقد دخلنا مرحلة التدويل في الاقتصاد ثم العدالة ثم الأمن وطبعاً في السياسة من بابها العريض، وتبدل الاستقرار الإقليمي بنزاع مفتوح. كل هذا يقلق الفئات اللبنانية جميعها على مصيرها ومستقبل دورها في ما سيؤول إليه الكيان موقعاً ودوراً وخيارات وطنية، وفي ما سيؤدي إليه الوضع من معادلات ونفوذ داخل السلطة.
من العبث إذاً، أن تنبري جهة من الناس لتشهر سيف الجمهورية والدستور والديموقراطية وأدوات هذه المفاهيم، التي مازلنا غرباء عنها في واقعنا المعيش لا المأمول. نحن في «صيغة» للحكم تعلو على الدستور اسمها «العيش المشترك» ومقتضياته الميثاقية. نحن محكومون من (أولغارشيات طغمة) من نخب الطوائف والمذاهب، تختلف مكوناتها، لكنها تقتطع اللبنانيين كرعايا لمنظوماتها السياسية.في مناخ كهذا يصبح الحديث عن معايير قانونية شكلانية غير مجد في معالجة مشكلات من طبيعة ميثاقية تتصل بإدارة البلاد والخيارات الكبرى. فلا الثلث المعطل، ولا الثلثان المقرّران يصح اعتمادهما في غياب الوفاق الذي يرعى صيغة الحكم هذه.
لقد خبرنا منذ عام 1975 شعارات «السيادة قبل الأمن» و«الأمن قبل الإصلاح والرغيف»، وسوى ذلك من شعارات الدفاع السلبي عن حكم لا يحظى بولاء وطني عريض. وها نحن اليوم أمام تحديات مماثلة ما لم يحلها الحوار الوطني والشراكة الفعلية والعميقة، فإن تصعيد النزاع يقودنا للبحث عن «عقد وطني جديد».
إن مؤسساتنا الدستورية ليست في واقعها الراهن مستقلة عن أشخاصها ورموزها، وهي ليست منبثقة عن إرادة شعبية تعكس تماماً واقع الحياة الوطنية لتكون لها الشرعية والمشروعية النافية لكل طعن، فلا يحق لنا إذاً أن نجعل من آليات عملها حجة قاطعة.
لبنان المنقسم على نفسه، المختلف في توجهات أبنائه، لا يُدار لتحفظ وحدته إلا بالشراكة ومنطق التسوية. والحكومة ليست في هذا أداة توازن سياسي، تقوّي فريقاً وتضعف آخر، بل هي محور إعادة إنتاج وفاق اللبنانيين ووحدتهم الوطنية ومشروع الدولة المعلق حتى الآن.
7/10/2006
يكاد تاريخ الصراع السياسي في لبنان أن يُختصر بتغيير التوازنات الطائفية في الدولة.
كلما حصل تبدل داخلي في المعطيات السياسية والاجتماعية والديموغرافية، أو تبدل مؤثر في المناخ الخارجي يعزز مكانة جماعة من اللبنانيين، دخلنا في أزمة وطنية تقود في نهاية المطاف الى تسوية. هذه القواعد الذهبية لنظامنا السياسي لا يمكن تجاوزها إلا بتبديل قواعد اللعبة نفسها المتمثلة بالنظام الطائفي.
في الأفق اللبناني أزمة تتفاعل منذ القرار الدولي 1559 وتداعياته. لقد دخلنا مرحلة التدويل في الاقتصاد ثم العدالة ثم الأمن وطبعاً في السياسة من بابها العريض، وتبدل الاستقرار الإقليمي بنزاع مفتوح. كل هذا يقلق الفئات اللبنانية جميعها على مصيرها ومستقبل دورها في ما سيؤول إليه الكيان موقعاً ودوراً وخيارات وطنية، وفي ما سيؤدي إليه الوضع من معادلات ونفوذ داخل السلطة.
من العبث إذاً، أن تنبري جهة من الناس لتشهر سيف الجمهورية والدستور والديموقراطية وأدوات هذه المفاهيم، التي مازلنا غرباء عنها في واقعنا المعيش لا المأمول. نحن في «صيغة» للحكم تعلو على الدستور اسمها «العيش المشترك» ومقتضياته الميثاقية. نحن محكومون من (أولغارشيات طغمة) من نخب الطوائف والمذاهب، تختلف مكوناتها، لكنها تقتطع اللبنانيين كرعايا لمنظوماتها السياسية.في مناخ كهذا يصبح الحديث عن معايير قانونية شكلانية غير مجد في معالجة مشكلات من طبيعة ميثاقية تتصل بإدارة البلاد والخيارات الكبرى. فلا الثلث المعطل، ولا الثلثان المقرّران يصح اعتمادهما في غياب الوفاق الذي يرعى صيغة الحكم هذه.
لقد خبرنا منذ عام 1975 شعارات «السيادة قبل الأمن» و«الأمن قبل الإصلاح والرغيف»، وسوى ذلك من شعارات الدفاع السلبي عن حكم لا يحظى بولاء وطني عريض. وها نحن اليوم أمام تحديات مماثلة ما لم يحلها الحوار الوطني والشراكة الفعلية والعميقة، فإن تصعيد النزاع يقودنا للبحث عن «عقد وطني جديد».
إن مؤسساتنا الدستورية ليست في واقعها الراهن مستقلة عن أشخاصها ورموزها، وهي ليست منبثقة عن إرادة شعبية تعكس تماماً واقع الحياة الوطنية لتكون لها الشرعية والمشروعية النافية لكل طعن، فلا يحق لنا إذاً أن نجعل من آليات عملها حجة قاطعة.
لبنان المنقسم على نفسه، المختلف في توجهات أبنائه، لا يُدار لتحفظ وحدته إلا بالشراكة ومنطق التسوية. والحكومة ليست في هذا أداة توازن سياسي، تقوّي فريقاً وتضعف آخر، بل هي محور إعادة إنتاج وفاق اللبنانيين ووحدتهم الوطنية ومشروع الدولة المعلق حتى الآن.
7/10/2006
Page 5
عدوى العنف المكبوت ...
العنف متأصل في علاقاتنا الاجتماعية، لأننا مجتمع تقليدي، ولأن نظامنا الديموقراطي لا يشتغل بفاعلية في وظيفته الأكثر أهمية: التداول السلمي للسلطة.
الانتخابات تتم عندنا في ظروف من التعصيب السياسي الذي يلغي الاختيار الحر يرافقها بعض العنف المادي ترهيباً وترغيباً تمارسه جماعات «الفتوة» و«المفاتيح الانتخابية» في الأحياء والمدن والقرى.
يقترع الجمهور للقوى الطائفية ثم يطالب بسياسات وطنية عابرة للطوائف.
بلد مأزوم ومواطن مأزوم مثقل بالمشكلات الاجتماعية والسياسية المتراكمة وبالعجز عن تغيير الأوضاع نتيجة صلابة التكتلات الطائفية ورضوخها لمنطق التوازن الإقليمي الرجراج.
يأتي العنف في الخطاب السياسي وكأنه التعويض عن فراغ المشروع الوطني ويتصاعد كلما ظهر عجز القوى عن أخذ الجمهور إلى خيارات عاقلة. لاحظوا أن مفردات التعامل في هذا الخطاب تختزن أعلى درجات العنف: الانقلاب السياسي، اغتصاب السلطة، استئثار، انفراد، تسلط، تعطيل، أمر عمليات، خيانة... إلخ. تخيّلوا مجتمعاً فيه هذا المستوى من التوصيف السلبي لقواه السياسية، كم ينطوي على منسوب عال من الكراهية، وما خلف الكراهية من مشاريع إلغاء.
ينحدر العنف من لغة العقول إلى لغة الأيدي، ينفرط عقد جمهور الملاعب الرياضية وطلاب الجامعات وسكان الأحياء والشوارع المتقابلة. نحن الآن في بلد لكل قوة سياسية «عاصمة» وساحة احتشاد وديوك على المنابر. ولكل جماعة منظومة من الأفكار التي تحوّر الأزمات الوطنية وتلقيها في مسؤولية الجهة السياسية الأخرى، وكأن لا عائبة عندها ولا نسبية في الحقيقة ولا محل للأوهام.
لبنان اليوم بلد عائم على خطاب الوحدة الوطنية وهو منقسم، غارق في التطمينات الإعلامية عن معوقات حربه الأهلية وهو في سيلها البارد. فماذا عساها تكون «حرب الأهل» إلا هذا التناحر على السلطة والغنيمة، تحفزه وعود الخارج دعماً ونصرة!!
في حجيج المطمئنين إلى استقرار السلم الأهلي، ضعف «الرغبة» وقلة «السلاح». فلا الرغبة مما يقاس ازاء «العناد» والإصرار على الغلبة، ولا السلاح مما يفتقد في المحميات الطائفية وهو اليوم أكثر من «حلاوة الجبن» على موائد السهرات الرمضانية. فالسلاح المطلوب للفتنة غيره المطلوب للدفاع عن الوطن. لقد انقسمت هند غاندي، داعية السلام حتى في مواجهة المستعمر، بحرائق المشاعل والسلاح الأبيض.
مهمتنا الوطنية الأولى أن نتدارك العنف لأن الحرب السياسية بدأت في عقول الكبار وفي صراع مفتوح لا يحترم حدود الدولة. هذه الحرب بدأت تتسرّب إلى الشارع وتلتقط عدوى منطقة يؤجج الأميركيون فيها الفوضى من العراق إلى فلسطين كلما استعصت عليهم الهيمنة.
حذار العنف المكبوت في بلد مأزوم ونحن نشهد بعض موجاته المتفرقة، لأن العنف أعمى سواء مارسته السلطة أو مارسته الجماعة، ولأن العنف عدوى!
16/10/2006
العنف متأصل في علاقاتنا الاجتماعية، لأننا مجتمع تقليدي، ولأن نظامنا الديموقراطي لا يشتغل بفاعلية في وظيفته الأكثر أهمية: التداول السلمي للسلطة.
الانتخابات تتم عندنا في ظروف من التعصيب السياسي الذي يلغي الاختيار الحر يرافقها بعض العنف المادي ترهيباً وترغيباً تمارسه جماعات «الفتوة» و«المفاتيح الانتخابية» في الأحياء والمدن والقرى.
يقترع الجمهور للقوى الطائفية ثم يطالب بسياسات وطنية عابرة للطوائف.
بلد مأزوم ومواطن مأزوم مثقل بالمشكلات الاجتماعية والسياسية المتراكمة وبالعجز عن تغيير الأوضاع نتيجة صلابة التكتلات الطائفية ورضوخها لمنطق التوازن الإقليمي الرجراج.
يأتي العنف في الخطاب السياسي وكأنه التعويض عن فراغ المشروع الوطني ويتصاعد كلما ظهر عجز القوى عن أخذ الجمهور إلى خيارات عاقلة. لاحظوا أن مفردات التعامل في هذا الخطاب تختزن أعلى درجات العنف: الانقلاب السياسي، اغتصاب السلطة، استئثار، انفراد، تسلط، تعطيل، أمر عمليات، خيانة... إلخ. تخيّلوا مجتمعاً فيه هذا المستوى من التوصيف السلبي لقواه السياسية، كم ينطوي على منسوب عال من الكراهية، وما خلف الكراهية من مشاريع إلغاء.
ينحدر العنف من لغة العقول إلى لغة الأيدي، ينفرط عقد جمهور الملاعب الرياضية وطلاب الجامعات وسكان الأحياء والشوارع المتقابلة. نحن الآن في بلد لكل قوة سياسية «عاصمة» وساحة احتشاد وديوك على المنابر. ولكل جماعة منظومة من الأفكار التي تحوّر الأزمات الوطنية وتلقيها في مسؤولية الجهة السياسية الأخرى، وكأن لا عائبة عندها ولا نسبية في الحقيقة ولا محل للأوهام.
لبنان اليوم بلد عائم على خطاب الوحدة الوطنية وهو منقسم، غارق في التطمينات الإعلامية عن معوقات حربه الأهلية وهو في سيلها البارد. فماذا عساها تكون «حرب الأهل» إلا هذا التناحر على السلطة والغنيمة، تحفزه وعود الخارج دعماً ونصرة!!
في حجيج المطمئنين إلى استقرار السلم الأهلي، ضعف «الرغبة» وقلة «السلاح». فلا الرغبة مما يقاس ازاء «العناد» والإصرار على الغلبة، ولا السلاح مما يفتقد في المحميات الطائفية وهو اليوم أكثر من «حلاوة الجبن» على موائد السهرات الرمضانية. فالسلاح المطلوب للفتنة غيره المطلوب للدفاع عن الوطن. لقد انقسمت هند غاندي، داعية السلام حتى في مواجهة المستعمر، بحرائق المشاعل والسلاح الأبيض.
مهمتنا الوطنية الأولى أن نتدارك العنف لأن الحرب السياسية بدأت في عقول الكبار وفي صراع مفتوح لا يحترم حدود الدولة. هذه الحرب بدأت تتسرّب إلى الشارع وتلتقط عدوى منطقة يؤجج الأميركيون فيها الفوضى من العراق إلى فلسطين كلما استعصت عليهم الهيمنة.
حذار العنف المكبوت في بلد مأزوم ونحن نشهد بعض موجاته المتفرقة، لأن العنف أعمى سواء مارسته السلطة أو مارسته الجماعة، ولأن العنف عدوى!
16/10/2006
Page 6
جماهير وطوائف!
التفاؤل الذي تُبديه المعارضة بقدرتها على إسقاط الحكومة وإنجاز التحول السياسي المطلوب خلال أيام، لا ينسجم مع توصيفها لطبيعة السلطة وقواها والجهات الدولية التي تقف وراءها. مثلما أنَّ السلطة تبدي تفاؤلاً مفرطاً بقدرتها على الاحتفاظ بموقعها وهي تواجه ما تصفه بالانقلاب المدبّر من قوى اقليمية تبالغ في تأثيرها على السياسة اللبنانية. وخلافاً لمنطق الفريقين المستخدم في التعبئة السياسية، فإن جمهور البلاد منقسم على حد السكين، ولدى كل فريق عصب شعبي وطائفي ومكان جغرافي فسيح يلوذ به ويعتصم. هذا التوازن الصعب للقوى المحلية في امتداد توازن اقليمي ودولي لم يُحسَم بعد، يجعل من معركة التغيير في لبنان أقرب إلى مأزق حقيقي. فإذا كان التفاوض السياسي الذي ارتدى طابع الحوار والتشاور، لم يؤد الى توافق سياسي عنوانه تحقيق الشراكة، فإن استعراض القوى في الشارع بالوسائل الديموقراطية والسلمية عن طريق التظاهر والاعتصام وحتى العصيان المدني، واقناع الطرف الآخر بالتخلي عن امتيازات السلطة حفاظاً على مشروعه السياسي الذي يستمد زخمه من مقاومة «الوصاية السورية»، لن يكون سهلاً. إنَّ فريق الأكثرية النيابية يقبض على صلاحيات يعتبرها دستورية، ويستقوي بالقانون «الديموقراطي» ليرفض مطالب فريق الأكثرية الشعبية الذي يطالب باحترام الاعتبارات «الميثاقية». لكن الفعلي في الأمر أن البلاد لا تحكم من دون شراكة بين المجموعات الطائفية، كما لا يمكن أن تدار في ظل التعطيل المتبادل الناتج عن طبيعة الانقسام الوطني، وليس فقط من خلال علاقات المؤسسات وآليات عملها. فالميثاقية في النظام اللبناني هي انعكاس لخيارات سياسية كبرى تلتقي مع التوزيع الطائفي وليس العكس.
من البديهي أن يقف رئيس الحكومة مدافعاً عن شرعية حكومته وسياساتها، ويرفض التنحّي باسم الأكثرية البرلمانية، لكن من غير المعقول أن يصف المعارضة بما تمثل من مكونات البلاد بالانقلابية والخارجة على القانون والوطن. يتداعى إلى الذاكرة فوراً بيان رئيس الحكومة الأسبق رشيد الصلح عام 1975 وهو يتهم الكتائب آنذاك بما اتهمها به، ولو أن الرئيس فؤاد السنيورة قال ما قال في جلسة برلمانية لكان تعرّض لما تعرّض له الرئيس الصلح آنذاك من ردة فعل. لكن فارق الأحداث أنَّ رشيد الصلح كان يمثل القوى التي تريد المشاركة والتغيير، بينما يمثل الرئيس السنيورة الفريق الذي يريد الحفاظ على توازنات السلطة الحالية من دون مشاركة من فريق المعارضة.
قد يكون هذا التشبيه غير مطابق تماماً للواقع، فالتاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة ومرة كمهزلة، لكن الشعب اللبناني «العنيد» يكرر صراعاته الأهلية حين يتغافل عن قوانين الصراع. فهل يحق لهذا الجيل الذي يعرف أن اللبنانيين ليسوا مجرد مواطنين تنطبق عليهم «حيلة» الديموقراطية، بل هم مجموعات طائفية ذات طبيعة جماهيرية، وانهم مستقطبون إلى خيارات سياسية أشبه بالأوهام الكبرى والأساطير منها إلى البرامج «الذكية» التي تتحدث عن نمط حياة «فرح» مقابل نمط حياة نضالي «متقشف». وهذا الاستقطاب ليس من طبائع الجماعات، فلا الليبرالية الحداثية التي يبشر بها رئيس الحكومة وصحبه هي التي تجذب سُنة عكار والضنية وطرابلس والطريق الجديدة واقليم الخروب، ولا الكربلائية التي يمثلها زعيم المعارضة الأول، هي التي تجذب زغرتا وكسروان والمتن وبعض الشوف وزحلة. ثمة ما هو أبعد بكثير يحرك هذه الجماهير في خطوط المواجهة بين السلطة والمعارضة، حيث تتكون قوى جاهيرية للمشروع الأميركي في المنطقة كما لنقيض هذا المشروع.
إن مطلب المشاركة في إدارة شؤون البلاد هو محور القضية، الأمر الذي لا مفر من الاقرار به طريقاً لصون وحدة البلاد واستقلالها. ولن تبدّل أشكال المواجهة المختلفة الحقيقة الثابتة التي تقضي بأن يعود الجميع إلى منطق التفاوض وصولاً إلى التسوية.
2/12/2006
التفاؤل الذي تُبديه المعارضة بقدرتها على إسقاط الحكومة وإنجاز التحول السياسي المطلوب خلال أيام، لا ينسجم مع توصيفها لطبيعة السلطة وقواها والجهات الدولية التي تقف وراءها. مثلما أنَّ السلطة تبدي تفاؤلاً مفرطاً بقدرتها على الاحتفاظ بموقعها وهي تواجه ما تصفه بالانقلاب المدبّر من قوى اقليمية تبالغ في تأثيرها على السياسة اللبنانية. وخلافاً لمنطق الفريقين المستخدم في التعبئة السياسية، فإن جمهور البلاد منقسم على حد السكين، ولدى كل فريق عصب شعبي وطائفي ومكان جغرافي فسيح يلوذ به ويعتصم. هذا التوازن الصعب للقوى المحلية في امتداد توازن اقليمي ودولي لم يُحسَم بعد، يجعل من معركة التغيير في لبنان أقرب إلى مأزق حقيقي. فإذا كان التفاوض السياسي الذي ارتدى طابع الحوار والتشاور، لم يؤد الى توافق سياسي عنوانه تحقيق الشراكة، فإن استعراض القوى في الشارع بالوسائل الديموقراطية والسلمية عن طريق التظاهر والاعتصام وحتى العصيان المدني، واقناع الطرف الآخر بالتخلي عن امتيازات السلطة حفاظاً على مشروعه السياسي الذي يستمد زخمه من مقاومة «الوصاية السورية»، لن يكون سهلاً. إنَّ فريق الأكثرية النيابية يقبض على صلاحيات يعتبرها دستورية، ويستقوي بالقانون «الديموقراطي» ليرفض مطالب فريق الأكثرية الشعبية الذي يطالب باحترام الاعتبارات «الميثاقية». لكن الفعلي في الأمر أن البلاد لا تحكم من دون شراكة بين المجموعات الطائفية، كما لا يمكن أن تدار في ظل التعطيل المتبادل الناتج عن طبيعة الانقسام الوطني، وليس فقط من خلال علاقات المؤسسات وآليات عملها. فالميثاقية في النظام اللبناني هي انعكاس لخيارات سياسية كبرى تلتقي مع التوزيع الطائفي وليس العكس.
من البديهي أن يقف رئيس الحكومة مدافعاً عن شرعية حكومته وسياساتها، ويرفض التنحّي باسم الأكثرية البرلمانية، لكن من غير المعقول أن يصف المعارضة بما تمثل من مكونات البلاد بالانقلابية والخارجة على القانون والوطن. يتداعى إلى الذاكرة فوراً بيان رئيس الحكومة الأسبق رشيد الصلح عام 1975 وهو يتهم الكتائب آنذاك بما اتهمها به، ولو أن الرئيس فؤاد السنيورة قال ما قال في جلسة برلمانية لكان تعرّض لما تعرّض له الرئيس الصلح آنذاك من ردة فعل. لكن فارق الأحداث أنَّ رشيد الصلح كان يمثل القوى التي تريد المشاركة والتغيير، بينما يمثل الرئيس السنيورة الفريق الذي يريد الحفاظ على توازنات السلطة الحالية من دون مشاركة من فريق المعارضة.
قد يكون هذا التشبيه غير مطابق تماماً للواقع، فالتاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة ومرة كمهزلة، لكن الشعب اللبناني «العنيد» يكرر صراعاته الأهلية حين يتغافل عن قوانين الصراع. فهل يحق لهذا الجيل الذي يعرف أن اللبنانيين ليسوا مجرد مواطنين تنطبق عليهم «حيلة» الديموقراطية، بل هم مجموعات طائفية ذات طبيعة جماهيرية، وانهم مستقطبون إلى خيارات سياسية أشبه بالأوهام الكبرى والأساطير منها إلى البرامج «الذكية» التي تتحدث عن نمط حياة «فرح» مقابل نمط حياة نضالي «متقشف». وهذا الاستقطاب ليس من طبائع الجماعات، فلا الليبرالية الحداثية التي يبشر بها رئيس الحكومة وصحبه هي التي تجذب سُنة عكار والضنية وطرابلس والطريق الجديدة واقليم الخروب، ولا الكربلائية التي يمثلها زعيم المعارضة الأول، هي التي تجذب زغرتا وكسروان والمتن وبعض الشوف وزحلة. ثمة ما هو أبعد بكثير يحرك هذه الجماهير في خطوط المواجهة بين السلطة والمعارضة، حيث تتكون قوى جاهيرية للمشروع الأميركي في المنطقة كما لنقيض هذا المشروع.
إن مطلب المشاركة في إدارة شؤون البلاد هو محور القضية، الأمر الذي لا مفر من الاقرار به طريقاً لصون وحدة البلاد واستقلالها. ولن تبدّل أشكال المواجهة المختلفة الحقيقة الثابتة التي تقضي بأن يعود الجميع إلى منطق التفاوض وصولاً إلى التسوية.
2/12/2006
Page 7
شرعية الحكومةولاشرعية النظام!
الجدل الدائر حول شرعية الحكومة الدستورية مفهوم سياسياً ومفهوم قانونياً، حتى من أصحاب الفتاوى العلماء والفقهاء. فالعلم الدستوري مرتبط بشكل وثيق بالعناصر السياسية والتاريخية والاجتماعية.
الغريب فعلاً هذا الإسراف الديموقراطي بالقول إن الأكثرية يجب أن تحكم والمعارضة أن تعارض، والحديث عن نصاب قانوني لقرارات الحكومة، «لأن لبنان ليس فدرالية طائفية»! ولو صحّ ذلك كانت الحكومة شرعية ودستورية، وكان نظامنا السياسي لاشرعياً ولادستورياً. فمن يعطي الشرعية لتوزيع الرئاسات طائفياً وللمجلس النيابي والقوانين الانتخابية؟
هذه اللعبة الخطرة قد تنجح في تبرير بعض القرارات والمواقف، لكنها تفتح شهية الراغبين في البحث عن توازن طائفي جديد انطلاقاً من قاعدة العدد والأرقام وانسجاماً مع نظريات المدافعين عن شرعية الحكومة.
إن المسائل الدستورية في لبنان أكثر وضوحاً وبساطة مما يتصورها بعض المجتهدين.
من المعروف أن هناك قواعد لتفسير النصوص القانونية، وهي الأعمال التحضيرية والمناقشات البرلمانية والأسباب الموجبة. وبدون هذه الخلفية «التاريخية» التي تعطي النصوص مضامينها الفعلية، يصبح التفسير مفتوحاً على اجتهاد ينطلق من ميزان قوى سياسي أو من رأي تغلب عليه المصلحة بعيداً عن «نيّة المشرع» أو إرادته.
لقد كان الصراع دائراً في لبنان على مبدأ «المشاركة الطائفية» في السلطة التنفيذية. وتوالت المقترحات التي راوحت بين إيجاد مجلس رئاسي تتمثل فيه الطوائف الست الأساسية، أو تتداول الرئاسات، أو إيجاد نيابات رئاسات، إلى غير ذلك من الأفكار التي تؤمن هذه المشاركة والحد من سلطة رئيس الجمهورية اعتراضاً على طائفية الرئاسة لا كرهاً بالنظام الرئاسي نفسه. ولم يتنازل الموارنة عن تلك الصلاحيات إلا لمصلحة حلول ومخارج ابتدعها حكماء الطائف تجعل السلطة التنفيذية في هيئة جماعية هي مجلس الوزراء لسلطة تشارك فيها جميع الطوائف وفق حصص وآليات محددة.
وإذا كان دستور الطائف، كما دستور 1926، لم ينص على توزيع طائفي للسلطات، خجلاً من فقهاء الديموقراطية اللبنانيين، وأملاً في تجاوز النظام الطائفي، إلا أن العرف الدستوري ظل سارياً بقوة ما فوق القانون، وبالمقدمة الدستورية التي أكدت على أولوية «الصيغة» الأثيرة جداً على قلوب زعماء الطوائف جميعهم. وما كان ميثاقاً من مواثيق الشرف غير المكتوب، صار ميثاقاً وطنياً مكتوباً تتوّجه عبارة: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».
من الجائز اليوم أن تستشعر القوى السياسية «الضيق» من نظامنا السياسي وقواعده الدستورية «الهجينة»، لكن التجاوز على هذه القواعد نقض للميثاق في أحد مرتكزاته: «الشراكة في الحكم».
ومن أجل الإنصاف يجب أن نعترف بأننا في أزمة نظام يشارك الجميع في دفعها إلى حدود المأزق الوطني. فلا يمكن أن تعالج المشكلات إلا بتطبيق نزيه وأمين للطائف انطلاقاً من قانون انتخاب عادل ينزع الذرائع الأصلية التي تطعن في تكوين جميع المؤسسات الدستورية، الرئاسة والحكومة والبرلمان.
في هذه «المعمعة» ممنوع أن تبقى البلاد في «شبهة الديموقراطية» ديموقراطية العدد أم ديموقراطية التوافق بين الجماعات الطائفية. وسيختار أهل السياسة ما لا يسرّ فقهاء الديموقراطية الجدد. فلا تكثروا من الاجتهادات!
18/11/2006
الجدل الدائر حول شرعية الحكومة الدستورية مفهوم سياسياً ومفهوم قانونياً، حتى من أصحاب الفتاوى العلماء والفقهاء. فالعلم الدستوري مرتبط بشكل وثيق بالعناصر السياسية والتاريخية والاجتماعية.
الغريب فعلاً هذا الإسراف الديموقراطي بالقول إن الأكثرية يجب أن تحكم والمعارضة أن تعارض، والحديث عن نصاب قانوني لقرارات الحكومة، «لأن لبنان ليس فدرالية طائفية»! ولو صحّ ذلك كانت الحكومة شرعية ودستورية، وكان نظامنا السياسي لاشرعياً ولادستورياً. فمن يعطي الشرعية لتوزيع الرئاسات طائفياً وللمجلس النيابي والقوانين الانتخابية؟
هذه اللعبة الخطرة قد تنجح في تبرير بعض القرارات والمواقف، لكنها تفتح شهية الراغبين في البحث عن توازن طائفي جديد انطلاقاً من قاعدة العدد والأرقام وانسجاماً مع نظريات المدافعين عن شرعية الحكومة.
إن المسائل الدستورية في لبنان أكثر وضوحاً وبساطة مما يتصورها بعض المجتهدين.
من المعروف أن هناك قواعد لتفسير النصوص القانونية، وهي الأعمال التحضيرية والمناقشات البرلمانية والأسباب الموجبة. وبدون هذه الخلفية «التاريخية» التي تعطي النصوص مضامينها الفعلية، يصبح التفسير مفتوحاً على اجتهاد ينطلق من ميزان قوى سياسي أو من رأي تغلب عليه المصلحة بعيداً عن «نيّة المشرع» أو إرادته.
لقد كان الصراع دائراً في لبنان على مبدأ «المشاركة الطائفية» في السلطة التنفيذية. وتوالت المقترحات التي راوحت بين إيجاد مجلس رئاسي تتمثل فيه الطوائف الست الأساسية، أو تتداول الرئاسات، أو إيجاد نيابات رئاسات، إلى غير ذلك من الأفكار التي تؤمن هذه المشاركة والحد من سلطة رئيس الجمهورية اعتراضاً على طائفية الرئاسة لا كرهاً بالنظام الرئاسي نفسه. ولم يتنازل الموارنة عن تلك الصلاحيات إلا لمصلحة حلول ومخارج ابتدعها حكماء الطائف تجعل السلطة التنفيذية في هيئة جماعية هي مجلس الوزراء لسلطة تشارك فيها جميع الطوائف وفق حصص وآليات محددة.
وإذا كان دستور الطائف، كما دستور 1926، لم ينص على توزيع طائفي للسلطات، خجلاً من فقهاء الديموقراطية اللبنانيين، وأملاً في تجاوز النظام الطائفي، إلا أن العرف الدستوري ظل سارياً بقوة ما فوق القانون، وبالمقدمة الدستورية التي أكدت على أولوية «الصيغة» الأثيرة جداً على قلوب زعماء الطوائف جميعهم. وما كان ميثاقاً من مواثيق الشرف غير المكتوب، صار ميثاقاً وطنياً مكتوباً تتوّجه عبارة: «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».
من الجائز اليوم أن تستشعر القوى السياسية «الضيق» من نظامنا السياسي وقواعده الدستورية «الهجينة»، لكن التجاوز على هذه القواعد نقض للميثاق في أحد مرتكزاته: «الشراكة في الحكم».
ومن أجل الإنصاف يجب أن نعترف بأننا في أزمة نظام يشارك الجميع في دفعها إلى حدود المأزق الوطني. فلا يمكن أن تعالج المشكلات إلا بتطبيق نزيه وأمين للطائف انطلاقاً من قانون انتخاب عادل ينزع الذرائع الأصلية التي تطعن في تكوين جميع المؤسسات الدستورية، الرئاسة والحكومة والبرلمان.
في هذه «المعمعة» ممنوع أن تبقى البلاد في «شبهة الديموقراطية» ديموقراطية العدد أم ديموقراطية التوافق بين الجماعات الطائفية. وسيختار أهل السياسة ما لا يسرّ فقهاء الديموقراطية الجدد. فلا تكثروا من الاجتهادات!
18/11/2006
Page 8
الداخل والخارجوالدولة والكيان!
يشكو اللبنانيون من انكشاف الوضع الداخلي على الخارج الإقليمي والدولي. لا يسألون أنفسهم عن سبب ضعفهم هذا. يستدرجون دول العالم، شرقاً وغرباً، لنصرتهم ثم للتوسط في ما بينهم. يخوضون المواجهات، يندمون ويعتذرون. هل يمكن أن نحثهم اليوم على أخذ التجربة من آخرها؟ لا تخوضوا في التسوية من أجل الوصول إلى الحرب. فكّروا تماماً بالحرب، لعلها أخطر فكرة، ثم تعالوا إلى التسوية.
منذ الاستقلال تلعب الصراعات الإقليمية والدولية دور العواصف في لبنان. تهز النظام وتشل الدولة. صحيح أن بعضهم كان يتحفظ عن كيان لبنان، لكن ذلك لم يمنع أن يصير الكيان «نهائياً» والحدود محروسة بعشرات القرارات الدولية في الماضي والحاضر. لا خوف على الكيان، الخوف على وحدته.
عندما اجتاحت الموجة «الناصرية» الشارع العربي، أخذت في لبنان بُعداً آخر. قال الرئيس فؤاد شهاب: «إن الموجة الناصرية خضّت الشارع اللبناني، لأنها عبّرت عن طموحات المسلمين الذين يشعرون بالغبن والحرمان». من هنا انطلقت سياسة الرئيس شهاب في بناء دولة المؤسسات ومعالجة الحرمان «كأساس لبناء الولاء الوطني». سخر الرئيس شهاب من فكرة «اللبننة» التي لا تسبقها طريق ومدرسة إلى «الملحقات والأطراف».
أسقط «الانعزال» الشهابية، ليس دفاعاً عن لبنان، بل دفاعاً عن مصالح الإقطاع السياسي الطائفي المتحالف مع رأس المال. هذا الحلف ينظر إلى لبنان الكبير «مساحة من الأرض وعبئاً من السكان»!
في كل مرة لا تجد فئة لبنانية في الدولة حاضنة لها، تنزع إلى خارج الحدود، وحيثما تكُن «الأم الحنون» تكُن «الهوية».
هذه العلاقة بين الداخل والخارج لم ينجح اللبنانيون في جعلها هماً وطنياً يتشاركون في معالجته، على الرغم من أنهم باتوا جميعاً يتشاركون في مكابدته. وليس الحرمان وحده بالضرورة مصدر الأزمات، بل إن الخوف من سقوط الحماية و«الضمانات» قاد في الماضي، ويمكن أن يقود اليوم بعض المغامرات. كل توتر طائفي في جماعة يقود إلى توترات، وكل عيب في الرضا يفسد العقود والعهود.
أزمة لبنان اليوم في مكوناته جميعها، لا في موضع واحد. هكذا يستدعي الداخل الخارج ويحتويه، كأنه هو هو، والأمر ليس كذلك. والكل يريد الفوز بلبنان لا أن يلغيه. فإذا ما أُنصف الناس جميعهم تسالموا وأقبلوا على مشروع الدولة بالقلب واللسان.
لقد دخل لبنان في فوضى عارمة، لأن الدستور لم يعد دستوراً، والدولة لم تكن دولة. ومن دواعي معالجة الأزمات البحث عن أدواتها. وليس ما يجمع إلا القواعد العامة التي تواطأ البشر على صياغتها في قوانين ودساتير. قد تنفجر الأزمة غداً أو تنفرج، لكن النظام الديموقراطي «اللاديموقراطي» لم يعد صالحاً لاحتواء الأزمات وحلها داخل المؤسسات لمنعها من ركوب الشارع. أما الحل فهو في تسوية مدارها العودة إلى «الكتاب»، أي الدستور والطائف وتجسيد «المقدمة»: لبنان جمهوري، ديموقراطي، برلماني، ونحو إلغاء الطائفية. ولأن لبنان ملتزم ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، علينا أن نضيف، ومكافحة العنصرية.
23/12/2006
يشكو اللبنانيون من انكشاف الوضع الداخلي على الخارج الإقليمي والدولي. لا يسألون أنفسهم عن سبب ضعفهم هذا. يستدرجون دول العالم، شرقاً وغرباً، لنصرتهم ثم للتوسط في ما بينهم. يخوضون المواجهات، يندمون ويعتذرون. هل يمكن أن نحثهم اليوم على أخذ التجربة من آخرها؟ لا تخوضوا في التسوية من أجل الوصول إلى الحرب. فكّروا تماماً بالحرب، لعلها أخطر فكرة، ثم تعالوا إلى التسوية.
منذ الاستقلال تلعب الصراعات الإقليمية والدولية دور العواصف في لبنان. تهز النظام وتشل الدولة. صحيح أن بعضهم كان يتحفظ عن كيان لبنان، لكن ذلك لم يمنع أن يصير الكيان «نهائياً» والحدود محروسة بعشرات القرارات الدولية في الماضي والحاضر. لا خوف على الكيان، الخوف على وحدته.
عندما اجتاحت الموجة «الناصرية» الشارع العربي، أخذت في لبنان بُعداً آخر. قال الرئيس فؤاد شهاب: «إن الموجة الناصرية خضّت الشارع اللبناني، لأنها عبّرت عن طموحات المسلمين الذين يشعرون بالغبن والحرمان». من هنا انطلقت سياسة الرئيس شهاب في بناء دولة المؤسسات ومعالجة الحرمان «كأساس لبناء الولاء الوطني». سخر الرئيس شهاب من فكرة «اللبننة» التي لا تسبقها طريق ومدرسة إلى «الملحقات والأطراف».
أسقط «الانعزال» الشهابية، ليس دفاعاً عن لبنان، بل دفاعاً عن مصالح الإقطاع السياسي الطائفي المتحالف مع رأس المال. هذا الحلف ينظر إلى لبنان الكبير «مساحة من الأرض وعبئاً من السكان»!
في كل مرة لا تجد فئة لبنانية في الدولة حاضنة لها، تنزع إلى خارج الحدود، وحيثما تكُن «الأم الحنون» تكُن «الهوية».
هذه العلاقة بين الداخل والخارج لم ينجح اللبنانيون في جعلها هماً وطنياً يتشاركون في معالجته، على الرغم من أنهم باتوا جميعاً يتشاركون في مكابدته. وليس الحرمان وحده بالضرورة مصدر الأزمات، بل إن الخوف من سقوط الحماية و«الضمانات» قاد في الماضي، ويمكن أن يقود اليوم بعض المغامرات. كل توتر طائفي في جماعة يقود إلى توترات، وكل عيب في الرضا يفسد العقود والعهود.
أزمة لبنان اليوم في مكوناته جميعها، لا في موضع واحد. هكذا يستدعي الداخل الخارج ويحتويه، كأنه هو هو، والأمر ليس كذلك. والكل يريد الفوز بلبنان لا أن يلغيه. فإذا ما أُنصف الناس جميعهم تسالموا وأقبلوا على مشروع الدولة بالقلب واللسان.
لقد دخل لبنان في فوضى عارمة، لأن الدستور لم يعد دستوراً، والدولة لم تكن دولة. ومن دواعي معالجة الأزمات البحث عن أدواتها. وليس ما يجمع إلا القواعد العامة التي تواطأ البشر على صياغتها في قوانين ودساتير. قد تنفجر الأزمة غداً أو تنفرج، لكن النظام الديموقراطي «اللاديموقراطي» لم يعد صالحاً لاحتواء الأزمات وحلها داخل المؤسسات لمنعها من ركوب الشارع. أما الحل فهو في تسوية مدارها العودة إلى «الكتاب»، أي الدستور والطائف وتجسيد «المقدمة»: لبنان جمهوري، ديموقراطي، برلماني، ونحو إلغاء الطائفية. ولأن لبنان ملتزم ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان، علينا أن نضيف، ومكافحة العنصرية.
23/12/2006
Page 9
أفلس النظام السياسي ماذا عن الصيغة!؟
كل شيء في لبنان اليوم يدل على أنَّ الازمة مفتوحة الى أمد بعيد. بريد الحكومة وصل بسرعة الى نيويورك ولم يصل ولن يصل الى ساحة النجمة. المحكمة في مجلس الأمن الدولي، قد تنجح كأداة سياسية لكنها على مستوى العدالة باتت مثقلة بالشبهات.
الفريقان السياسيان أعلنا وقف التفاوض. لا أفق لحل سياسي. بعضهم يعتبر الشراكة «انتحاراً سياسياً»، والآخر نفض اليد من مطالبه السابقة: لقد «باخت وهزلت». المرجعيات الروحية اكثر من قلقة. جهة منها ترى «المخاطر الكبيرة تهدد لبنان ووحدته»، وجهة أخرى ترى أنَّ عدم تحقيق «الشراكة» سيطيح «بالميثاق الوطني والعيش المشترك».
موعد الانتخابات الرئاسية يقترب. فُتحت المعركة فأضافت عنواناً خلافياً قديماً جديداً. لا تسوية في الأفق. احتمال الرئاستين والحكومتين احد المشاهد الممكنة جداً، وإلا فالفراغ آت لا محالة!
فريق الحكومة يتوغل في الاتكال على مجلس الأمن الدولي، ولمزيد من القوات، هذه المرة على الحدود السورية. فريق المعارضة يراهن على شلل السلطة الضاغط على مرافق البلاد وقُوت العباد، وانحسار قاعدتها الشعبية وإضعاف شرعيتها الوطنية!.
حققت الموالاة هدفاً أساسياً طمحت إليه منذ زمن. المحكمة في مجلس الأمن، والمصالح الدولية وتوازناتها أفضل بكثير من التوازنات الداخلية أو الاقليمية الراهنة. الأكثرية النيابية تتصرف وكأنها تحررت من عبء المحكمة والمسؤولية الوطنية عنها. المعارضة خسرت ورقة التفاوض حول المحكمة وربحت شرعية الاعتراض والمعارضة لها.
إذا أُقرت المحكمة وفق نظامها الحالي المعيوب في مجلس الأمن تحت الفصل السادس أو السابع، تفقد حكومة لبنان شرعيتها، وتكون الأكثرية الطرف الذي يضحي بالسيادة على مذبح مطامعه السلطوية. لقد فقد النظام السياسي اللبناني دوره ووظيفته، في ادارة شؤون البلد ورعاية قضايا الناس، بنظر أهله قبل الآخرين. ما يوحي به المشهد السياسي، أو ما يظهره صراحة، هو عجز اللبنانيين عن حكم أنفسهم. المخارج التي يطرحها الفرقاء مخارج «كلامية» هي في الواقع تعميق للأزمة. فلا مجلس الأمن يستطيع أن ينتدب لبنان أو يوفر الاستقرار السياسي أو الأمني، ولا الانتخابات النيابية المبكرة هي مطلب ديموقراطي اليوم.
الأكثرية النيابية لن تتنازل عن أرجحيتها في السلطة، والأكثرية الجديدة الموعودة في الانتخابات لا تستطيع أن تحكم مثلها مثل سابقتها، هذا إذا اتفق الفريقان على قانون الانتخاب بداية.
لقد أفلس النظام السياسي لأنه لم يطبَّق فعلياً في عهد الوصاية السورية، وأفلس اليوم لأن قوى النظام ترفض تطبيقه من أولها إلى آخرها، في الموالاة والمعارضة. لقد قام هذا النظام على تسويتين، واحدة تتعلق بالشراكة في السلطة وطريقة توزيعها وتعاونها وضوابطها المتقابلة، وثانية تتعلق بالهوية السياسية للبنان وبموقعه وخياراته، وبالتحديد سياسته الخارجية. الأزمة الوطنية اليوم تشكل مراجعة تطاول المسألتين معاً. ومن البداهة أن المشكلة تحتاج إلى طرفين، حيث لا يتسامح أي طرف في مكتسباته أو امتيازاته طوعاً. دويلات الأمر الواقع الطائفية والمذهبية اعلنت عن وجودها في الانتخابات النيابية، وهي الآن تتقوى بالعصبية وبالسلاح. بدأت ازمة النظام السياسي تضرب بقوة «الصيغة اللبنانية» التي قامت عليها فلسفة النظام الطائفي أصلاً. لقد سقط «الطائف» لمجرد أن اللبنانيين يبحثون عن بدائل من خارج المؤسسات التي اقامها و«الثوابت» و«المسلمات الوطنية» الميثاقية التي كرّسها، لأول مرة في مقدمة الدستور. من حق اللبنانيين، بل من واجبهم، أن يطرحوا بشجاعة، الاسئلة الصعبة عن مستقبل لبنان وأن يبحثوا عن اجوبة لا يمكن الادعاء أن أياً من الفرقاء المتنازعين يملكها تحت سقف الوحدة الوطنية. من حسن الطالع أن يشدد الفرقاء ويكرروا رفضهم الانزلاق إلى الحرب الأهلية. هذه فرصة متاحة لان يطلق المجتمع المدني مبادرات جريئة نحو تكوين مؤتمر وطني يستقطب الجمهور الأكبر في لبنان، من أجل البحث عن نظام سياسي يمكّن اللبنانيين من أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لأن ذلك هو اساس السيادة، وأن يحافظوا على وحدتهم وعيشهم المشترك لأن ذلك هو اساس في مطلب النظام الديموقراطي.
لقد أفلس النظام، تعالوا ننقذ «الصيغة».
10/4/2007
كل شيء في لبنان اليوم يدل على أنَّ الازمة مفتوحة الى أمد بعيد. بريد الحكومة وصل بسرعة الى نيويورك ولم يصل ولن يصل الى ساحة النجمة. المحكمة في مجلس الأمن الدولي، قد تنجح كأداة سياسية لكنها على مستوى العدالة باتت مثقلة بالشبهات.
الفريقان السياسيان أعلنا وقف التفاوض. لا أفق لحل سياسي. بعضهم يعتبر الشراكة «انتحاراً سياسياً»، والآخر نفض اليد من مطالبه السابقة: لقد «باخت وهزلت». المرجعيات الروحية اكثر من قلقة. جهة منها ترى «المخاطر الكبيرة تهدد لبنان ووحدته»، وجهة أخرى ترى أنَّ عدم تحقيق «الشراكة» سيطيح «بالميثاق الوطني والعيش المشترك».
موعد الانتخابات الرئاسية يقترب. فُتحت المعركة فأضافت عنواناً خلافياً قديماً جديداً. لا تسوية في الأفق. احتمال الرئاستين والحكومتين احد المشاهد الممكنة جداً، وإلا فالفراغ آت لا محالة!
فريق الحكومة يتوغل في الاتكال على مجلس الأمن الدولي، ولمزيد من القوات، هذه المرة على الحدود السورية. فريق المعارضة يراهن على شلل السلطة الضاغط على مرافق البلاد وقُوت العباد، وانحسار قاعدتها الشعبية وإضعاف شرعيتها الوطنية!.
حققت الموالاة هدفاً أساسياً طمحت إليه منذ زمن. المحكمة في مجلس الأمن، والمصالح الدولية وتوازناتها أفضل بكثير من التوازنات الداخلية أو الاقليمية الراهنة. الأكثرية النيابية تتصرف وكأنها تحررت من عبء المحكمة والمسؤولية الوطنية عنها. المعارضة خسرت ورقة التفاوض حول المحكمة وربحت شرعية الاعتراض والمعارضة لها.
إذا أُقرت المحكمة وفق نظامها الحالي المعيوب في مجلس الأمن تحت الفصل السادس أو السابع، تفقد حكومة لبنان شرعيتها، وتكون الأكثرية الطرف الذي يضحي بالسيادة على مذبح مطامعه السلطوية. لقد فقد النظام السياسي اللبناني دوره ووظيفته، في ادارة شؤون البلد ورعاية قضايا الناس، بنظر أهله قبل الآخرين. ما يوحي به المشهد السياسي، أو ما يظهره صراحة، هو عجز اللبنانيين عن حكم أنفسهم. المخارج التي يطرحها الفرقاء مخارج «كلامية» هي في الواقع تعميق للأزمة. فلا مجلس الأمن يستطيع أن ينتدب لبنان أو يوفر الاستقرار السياسي أو الأمني، ولا الانتخابات النيابية المبكرة هي مطلب ديموقراطي اليوم.
الأكثرية النيابية لن تتنازل عن أرجحيتها في السلطة، والأكثرية الجديدة الموعودة في الانتخابات لا تستطيع أن تحكم مثلها مثل سابقتها، هذا إذا اتفق الفريقان على قانون الانتخاب بداية.
لقد أفلس النظام السياسي لأنه لم يطبَّق فعلياً في عهد الوصاية السورية، وأفلس اليوم لأن قوى النظام ترفض تطبيقه من أولها إلى آخرها، في الموالاة والمعارضة. لقد قام هذا النظام على تسويتين، واحدة تتعلق بالشراكة في السلطة وطريقة توزيعها وتعاونها وضوابطها المتقابلة، وثانية تتعلق بالهوية السياسية للبنان وبموقعه وخياراته، وبالتحديد سياسته الخارجية. الأزمة الوطنية اليوم تشكل مراجعة تطاول المسألتين معاً. ومن البداهة أن المشكلة تحتاج إلى طرفين، حيث لا يتسامح أي طرف في مكتسباته أو امتيازاته طوعاً. دويلات الأمر الواقع الطائفية والمذهبية اعلنت عن وجودها في الانتخابات النيابية، وهي الآن تتقوى بالعصبية وبالسلاح. بدأت ازمة النظام السياسي تضرب بقوة «الصيغة اللبنانية» التي قامت عليها فلسفة النظام الطائفي أصلاً. لقد سقط «الطائف» لمجرد أن اللبنانيين يبحثون عن بدائل من خارج المؤسسات التي اقامها و«الثوابت» و«المسلمات الوطنية» الميثاقية التي كرّسها، لأول مرة في مقدمة الدستور. من حق اللبنانيين، بل من واجبهم، أن يطرحوا بشجاعة، الاسئلة الصعبة عن مستقبل لبنان وأن يبحثوا عن اجوبة لا يمكن الادعاء أن أياً من الفرقاء المتنازعين يملكها تحت سقف الوحدة الوطنية. من حسن الطالع أن يشدد الفرقاء ويكرروا رفضهم الانزلاق إلى الحرب الأهلية. هذه فرصة متاحة لان يطلق المجتمع المدني مبادرات جريئة نحو تكوين مؤتمر وطني يستقطب الجمهور الأكبر في لبنان، من أجل البحث عن نظام سياسي يمكّن اللبنانيين من أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لأن ذلك هو اساس السيادة، وأن يحافظوا على وحدتهم وعيشهم المشترك لأن ذلك هو اساس في مطلب النظام الديموقراطي.
لقد أفلس النظام، تعالوا ننقذ «الصيغة».
10/4/2007
Page 10
الحربُ: دولة ضعيفة ومجتمع منقسم
يتذكّر اللبنانيون اليوم حادثة 13 نيسان 1975 كما لم يتذكروها في العقود الثلاثة الماضية. ثمة سؤال يضج بين الناس عمّا إذا كان هذا الانقسام بين اللبنانيين وهذا التأزم السياسي المتصاعد يمكن أن يؤدي إلى اندلاع العنف ويقود مجدداً إلى «الحرب الأهلية».
لا أحد يستطيع أن يقطع الشك باليقين أو يطمئن الخائفين على بلد شكلت الحروب الأهلية في تاريخه مصدر تحولاته الكبرى. الهواجس ليست مرَضيّة بل هي تستعيد من الذاكرة شريط المقدمات التي تنذر بالعاصفة. وليس بعيداً من هذا سلسلة حوادث «طازجة» لامست فيها المواجهات السياسية حدود الصدامات الطائفية والمذهبية.
عناصر الأزمة في عناوينها العريضة تجدّد المشهد الذي انطلقت منه الفتنة المتنقلة والجوّالة التي أثخنت الجسد اللبناني بالطعنات والجراح حتى صار نزفه لا يتوقف. انقسام وطني بين خيارات سياسية متناقضة. كتل طائفية قلقة وخائفة تتكوّر على ذاتها. جغرافية مفككة موصولة بمعابر ضيقة تفرز عليها الناس فرزاً عنصرياً. أزمة حكم معقدة استطالت حتى صارت الدولة شبحاً. شراكة لا ثقة بين أطرافها يتنازعها الطمع وتتقاذفها وسائل السيطرة. أزمة اجتماعية تحرّض على الانخراط في الاقتصاد الأسود الخفي. مناخ إقليمي متوتر ومأزوم وقوى دولية ضاغطة. مداخلات خارجية وسلاح يتدفق عبر الحدود. ومذياع يطلق خطباً سياسية تشوّه صورة الآخر تمهيداً لاكتساب الشرعية بإلغائه معنوياً ومادياً.
هذه الصورة هي الماضي وهي الحاضر. كأن اللبنانيين في سباق مع الزمن «وظهورهم إلى المستقبل». ونكاد نجزم أنهم لم يتعظوا من تجارب الماضي ودروسه، ولم يخرجوا نهائياً من أجواء حروبهم إلى سلم أهلي ثابت وراسخ. خوف مشروع وتخويف مصطنع، يسقط أمان الدولة ويفتح ملاجئ الطوائف. يمكن العودة للحرب لسبب واحد يختصر كل الأسباب، لأننا لم نتجاوزها.
أولاً لأن اللبنانيين لم يتفقوا على قراءة واحدة لحروبهم ولم يحدّدوا أسبابها، فهي ما زالت لقيطة لا يتبناها أحد. وهي مازالت عيباً يأنف الناس من الحديث عنه جهارة ومداواته. «لا تتفق وأخلاق اللبنانيين وعاداتهم وتقاليدهم»، كما كان يتردد خلالها. هي «حروب الآخرين على أرضنا» فلا تعطي الشهداء شرف الالتزام بقضايا كانت وما زالت محل خلاف ونزاع في ما بينهم. أو هي حرب الدفاع عن لبنان ضد «مؤامرة التوطين» يعلن أصحابها النصر في معركة لم تنتهِ. وهي معركة تثبيت عروبة لبنان، ولبنان يدخل ويخرج من بوابة العروبة وفق مصالح وأهواء النافذين في معسكر العروبة أو نقيضها. وهي في ما نعلم معركة لتصحيح مسار الحكم وإصلاح النظام لدى فريق، أو مسألة شراكة وضمانات في وجه الامتيازات والحرمانات الطائفية والاجتماعية لدى فريق آخر.
ثانياً لأن اللبنانيين لم يعالجوا أسباب الحرب، بل هم وقفوا عند عتبة «التسوية» منها «لوقف المدفع» ولترتيب توازنات استجابت للأمر الواقع. أسقطوا من «الطائف» كل إصلاح له أثر عميق في بناء معادلة راسخة ومؤسسات منفتحة على التطور والتقدم قادرة على احتواء التوتر وتدبيره بالطرق السلمية والديموقراطية.
ثالثاً لأن اللبنانيين لم يحاسبوا أحداً عن آلام الحرب ومآسيها. تخلوا عن حقوقهم في أن يسألوا لماذا كانت، ولماذا توقفت، وما هي ضمانات عدم تكرارها. أسقطوا الضحايا والتضحيات، أقفلوا ذاكرة الأوجاع وأغمضوا عيونهم عن حاجات المستقبل، وأقاموا لرموز الحرب النصب والتماثيل وأحاطوهم بالقداسة.
لم تنطلق سياسات تعاكس اتجاه الحرب وتعالج ذيولها. الملفات القديمة ما زالت قائمة من فرز سكاني وتحويل ديموغرافي وتقسيم وتقاسم للمؤسسات الوطنية الجامعة. فيما قويت شوكة المؤسسات الطائفية وتعززت في الأحزاب والإعلام والتعليم ومرافق الخدمات الاجتماعية كافة.
رابعاً لأن المصالحة الحقيقية لم تقع حتى بين المتقاتلين بما هم قوى وتيارات. حصلت مصالحات فوقية حققت أغراضها السياسية الظرفية في لعبة التوازنات السياسية والتحالفات المستقبلية. لم تتم أية مراجعة نقدية على المستوى السياسي، لم تتضح المسؤوليات، لم يعتذر أحد من أصحاب القرار الفعلي في الحرب، لم تعالج مسألة الذاكرة وتشوهاتها، لم تقارب ثقافة الحرب وسلوكياتها وممارساتها. أصدرت الحكومة والمجلس النيابي عفواً عاماً تضمّن أبشع أنواع التمييز، مكرساً إرادة القاهر للمقهور، مسدلاً ستاراً من النسيان عن جرائم ما زالت متمادية كالخطف والاحتجاز، متغاضياً عن المقابر الجماعية متجاهلاً حق الضحايا بإعلان موتها.
خامساً لم تؤرّخ الحرب، لم تسجل بشاعاتها عبرة لمن يعتبر. ولم تسجل المروءات فيها لتقوية حسّ التضامن الإنساني والوطني والاجتماعي. ما بقي من الحرب على صعيد الذاكرة ركام كأنه في جملة النفايات يختلط فيها الحديد والتراب والدم والأشلاء وأشياء أخرى يصعب تصنيفها.
يختلف اللبنانيون في الحرب وما زالوا يختلفون على الماضي والحاضر والمستقبل. ليس من شأننا أن «نصهرهم» في «الوحدة الوطنية» وهي ليست إلا كذبة زائفة. ما نطمح إليه أن لا يصير «التعدد» انقساماً وتنوع الثقافة واختلاف الرأي حجة للسلاح، والوطنية المتعصبة في حدود الطائفة والمذهب.
بعد 32 سنة من بدء الحرب و17 سنة من تاريخ انتهائها الرسمي، يتكرّر المشهد القديم نفسه. مؤسسات مطعون في شرعيتها، غبن وحرمان وخوف. سلاح وتحريض واستقواء بهذا أو ذاك من قوى الخارج. نزاع على الهوية يغطي نزاع السلطة وشراكة اختلّت في مسيرة الطائف أولاً وهي تختل اليوم أكثر فأكثر. وشعارات تطفو على سطح الحياة السياسية مذكّرة بما كان من قبل. توطين، وحياد، وتعددية، وفيدرالية ووفاق وطلاق. كل هذا فروع لأصل واحد.
كانت الحرب لأن الدولة ضعيفة والمجتمع منقسم. ولا تزال الحرب ممكنة لأن الدولة ما زالت ضعيفة والمجتمع لا يزال منقسماً.
لن تكون دولة قوية في نظام طائفي، ولن يكون مجتمع موحد في غياب المواطنية والمساواة في الحقوق والواجبات.
14/4/2007
يتذكّر اللبنانيون اليوم حادثة 13 نيسان 1975 كما لم يتذكروها في العقود الثلاثة الماضية. ثمة سؤال يضج بين الناس عمّا إذا كان هذا الانقسام بين اللبنانيين وهذا التأزم السياسي المتصاعد يمكن أن يؤدي إلى اندلاع العنف ويقود مجدداً إلى «الحرب الأهلية».
لا أحد يستطيع أن يقطع الشك باليقين أو يطمئن الخائفين على بلد شكلت الحروب الأهلية في تاريخه مصدر تحولاته الكبرى. الهواجس ليست مرَضيّة بل هي تستعيد من الذاكرة شريط المقدمات التي تنذر بالعاصفة. وليس بعيداً من هذا سلسلة حوادث «طازجة» لامست فيها المواجهات السياسية حدود الصدامات الطائفية والمذهبية.
عناصر الأزمة في عناوينها العريضة تجدّد المشهد الذي انطلقت منه الفتنة المتنقلة والجوّالة التي أثخنت الجسد اللبناني بالطعنات والجراح حتى صار نزفه لا يتوقف. انقسام وطني بين خيارات سياسية متناقضة. كتل طائفية قلقة وخائفة تتكوّر على ذاتها. جغرافية مفككة موصولة بمعابر ضيقة تفرز عليها الناس فرزاً عنصرياً. أزمة حكم معقدة استطالت حتى صارت الدولة شبحاً. شراكة لا ثقة بين أطرافها يتنازعها الطمع وتتقاذفها وسائل السيطرة. أزمة اجتماعية تحرّض على الانخراط في الاقتصاد الأسود الخفي. مناخ إقليمي متوتر ومأزوم وقوى دولية ضاغطة. مداخلات خارجية وسلاح يتدفق عبر الحدود. ومذياع يطلق خطباً سياسية تشوّه صورة الآخر تمهيداً لاكتساب الشرعية بإلغائه معنوياً ومادياً.
هذه الصورة هي الماضي وهي الحاضر. كأن اللبنانيين في سباق مع الزمن «وظهورهم إلى المستقبل». ونكاد نجزم أنهم لم يتعظوا من تجارب الماضي ودروسه، ولم يخرجوا نهائياً من أجواء حروبهم إلى سلم أهلي ثابت وراسخ. خوف مشروع وتخويف مصطنع، يسقط أمان الدولة ويفتح ملاجئ الطوائف. يمكن العودة للحرب لسبب واحد يختصر كل الأسباب، لأننا لم نتجاوزها.
أولاً لأن اللبنانيين لم يتفقوا على قراءة واحدة لحروبهم ولم يحدّدوا أسبابها، فهي ما زالت لقيطة لا يتبناها أحد. وهي مازالت عيباً يأنف الناس من الحديث عنه جهارة ومداواته. «لا تتفق وأخلاق اللبنانيين وعاداتهم وتقاليدهم»، كما كان يتردد خلالها. هي «حروب الآخرين على أرضنا» فلا تعطي الشهداء شرف الالتزام بقضايا كانت وما زالت محل خلاف ونزاع في ما بينهم. أو هي حرب الدفاع عن لبنان ضد «مؤامرة التوطين» يعلن أصحابها النصر في معركة لم تنتهِ. وهي معركة تثبيت عروبة لبنان، ولبنان يدخل ويخرج من بوابة العروبة وفق مصالح وأهواء النافذين في معسكر العروبة أو نقيضها. وهي في ما نعلم معركة لتصحيح مسار الحكم وإصلاح النظام لدى فريق، أو مسألة شراكة وضمانات في وجه الامتيازات والحرمانات الطائفية والاجتماعية لدى فريق آخر.
ثانياً لأن اللبنانيين لم يعالجوا أسباب الحرب، بل هم وقفوا عند عتبة «التسوية» منها «لوقف المدفع» ولترتيب توازنات استجابت للأمر الواقع. أسقطوا من «الطائف» كل إصلاح له أثر عميق في بناء معادلة راسخة ومؤسسات منفتحة على التطور والتقدم قادرة على احتواء التوتر وتدبيره بالطرق السلمية والديموقراطية.
ثالثاً لأن اللبنانيين لم يحاسبوا أحداً عن آلام الحرب ومآسيها. تخلوا عن حقوقهم في أن يسألوا لماذا كانت، ولماذا توقفت، وما هي ضمانات عدم تكرارها. أسقطوا الضحايا والتضحيات، أقفلوا ذاكرة الأوجاع وأغمضوا عيونهم عن حاجات المستقبل، وأقاموا لرموز الحرب النصب والتماثيل وأحاطوهم بالقداسة.
لم تنطلق سياسات تعاكس اتجاه الحرب وتعالج ذيولها. الملفات القديمة ما زالت قائمة من فرز سكاني وتحويل ديموغرافي وتقسيم وتقاسم للمؤسسات الوطنية الجامعة. فيما قويت شوكة المؤسسات الطائفية وتعززت في الأحزاب والإعلام والتعليم ومرافق الخدمات الاجتماعية كافة.
رابعاً لأن المصالحة الحقيقية لم تقع حتى بين المتقاتلين بما هم قوى وتيارات. حصلت مصالحات فوقية حققت أغراضها السياسية الظرفية في لعبة التوازنات السياسية والتحالفات المستقبلية. لم تتم أية مراجعة نقدية على المستوى السياسي، لم تتضح المسؤوليات، لم يعتذر أحد من أصحاب القرار الفعلي في الحرب، لم تعالج مسألة الذاكرة وتشوهاتها، لم تقارب ثقافة الحرب وسلوكياتها وممارساتها. أصدرت الحكومة والمجلس النيابي عفواً عاماً تضمّن أبشع أنواع التمييز، مكرساً إرادة القاهر للمقهور، مسدلاً ستاراً من النسيان عن جرائم ما زالت متمادية كالخطف والاحتجاز، متغاضياً عن المقابر الجماعية متجاهلاً حق الضحايا بإعلان موتها.
خامساً لم تؤرّخ الحرب، لم تسجل بشاعاتها عبرة لمن يعتبر. ولم تسجل المروءات فيها لتقوية حسّ التضامن الإنساني والوطني والاجتماعي. ما بقي من الحرب على صعيد الذاكرة ركام كأنه في جملة النفايات يختلط فيها الحديد والتراب والدم والأشلاء وأشياء أخرى يصعب تصنيفها.
يختلف اللبنانيون في الحرب وما زالوا يختلفون على الماضي والحاضر والمستقبل. ليس من شأننا أن «نصهرهم» في «الوحدة الوطنية» وهي ليست إلا كذبة زائفة. ما نطمح إليه أن لا يصير «التعدد» انقساماً وتنوع الثقافة واختلاف الرأي حجة للسلاح، والوطنية المتعصبة في حدود الطائفة والمذهب.
بعد 32 سنة من بدء الحرب و17 سنة من تاريخ انتهائها الرسمي، يتكرّر المشهد القديم نفسه. مؤسسات مطعون في شرعيتها، غبن وحرمان وخوف. سلاح وتحريض واستقواء بهذا أو ذاك من قوى الخارج. نزاع على الهوية يغطي نزاع السلطة وشراكة اختلّت في مسيرة الطائف أولاً وهي تختل اليوم أكثر فأكثر. وشعارات تطفو على سطح الحياة السياسية مذكّرة بما كان من قبل. توطين، وحياد، وتعددية، وفيدرالية ووفاق وطلاق. كل هذا فروع لأصل واحد.
كانت الحرب لأن الدولة ضعيفة والمجتمع منقسم. ولا تزال الحرب ممكنة لأن الدولة ما زالت ضعيفة والمجتمع لا يزال منقسماً.
لن تكون دولة قوية في نظام طائفي، ولن يكون مجتمع موحد في غياب المواطنية والمساواة في الحقوق والواجبات.
14/4/2007