eKtab
EN ع
المسرح في العراق
Read free sample

المسرح في العراق

by أديب القليه جى

Page 1

المقدمة

خلال عملي على تسطير كتابي الاول ـ 97عاما من مسيرة المسرح في العراق ـ الذي صدر عام 2009، كانت لدي حاجة ماسة لكتابة ملخص السيرة الذاتية والفنية للعديد من الفنانين الذين عملوا بأبداع ملحوظ، وجهود عالية، اضافة الى نكران ذات واضح من اجل تأسيس المسرح في بلدنا وحمل رايته، والدفاع عن مبادئه وافكاره النيرة والخيرة، لكن شحة الكتابة عن فنانينا، وعدم انتباه الصحف والمجلات العراقية لهذه السيرة، حجمت من امكانية تلبية ما اردته، وتعميمه على الجميع، لذلك سطرت في مقدمة الكتاب آنف الذكر قائلا، ان على الكتاب والمهتمين بشؤون ارشفة المسرح عندنا الاهتمام بالكتابة عن الفنانين وما قدموه من اعمال مسرحية، اضافة الى ما حققوه من انجازات في اللقاءات والمؤتمرات والمهرجانات المسرحية، وما نالوه من جوائز تؤكد امكاناتهم وابداعهم وتفوقهم.

وبعد ان طبع الكتاب، وجدت لدي وقت فراغ كبير وطويل، وفكرت في تبديد هذا الفراغ بمبادرة الكتابة عن السير الفنية والذاتية لبناة المسرح في العراق، رواده ورموزه، وعزمت على اختيار خمسين من هؤلاء المسرحيين ليضمهم الجزء الاول من كتابي الجديد ـ المسرح في العراق، مؤسسون ورموز ـ وكان اختيار المسرحيون الذين يضمهم هذا الجزء دقيقا و صعبا ايضا، وعدت من جديد الى اكداس الصحف والمجلات والقصاصات المتوفرة لدي وهي ليست قليلة، واستعنت بالأنترنت في مجاليه “Yahoo” و”Google” اضافة الى مكالماتي التلفونية للعديد من الفنانين المختارة اسمائهم مسبقا وكتاباتي للبعض عن طريق البريد الالكتروني.

وكما هو معتاد مع (شديد الاسف) وعدني الكثيرين بأرسال ملخصات عن حياتهم الفنية وانجازاتهم في مجال المسرح الرحب، غير ان القليلين، والقليلين جدا استجابوا فعليا الى ما طلبته، وارسلوا مادة غنية اغنت بالأساس صفحاتهم وسيرتهم وانا هنا اقدم شكري لهم وامتناني.

اختياراتي للفنانين المسرحيين الذين ضمهم هذا الجزء الذي بين ايديكم، لا يعني ان هذه النخبة تمتلك وحدانية العمل والتفكير في المسرح العراقي، ولا يعني انهم الفريدون في بناء صرح المسرح في بلادنا (بلاد ما بين النهرين) انما هناك الاف اخرون ممن لهم مواقعهم المميزة، وبصماتهم التي لا يمكن للزمن ان يزيلها وتحتاج مسؤولية الكتابة عنهم الى جهود كبيرة من الفنانين والكتاب والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، تحتاج هذه الاعداد الى جهود جماعية لا يستطيع فرد او فردان تغطيتها مهما بلغوا من امكانيات وعشق لعملهم ووقت فراغ يسهم بمساعدتهم.

الكل مدعوون في البحث والكتابة عن فناني المسرح في بلادنا العزيزة والغالية، ليتحمل كل منا مسؤوليته بالقدر الممكن والمستطاع، وفي الجزء الثاني سوف اختار خمسين مسرحيا اخرين ليضمهم هذا الجزء ان ظل في العمر بقية.

ان ما نقدمه هو واجب وارث علينا العناية به وتعزيز موقعه، وفي الوقت نفسه اعطاء كل فنان ما يستحقه من ذكر و تكريم وتقدير لعمله الإبداعي المخلص، الذي لم يكسب من ورائه غير السمعة الطيبة والاحترام والمحبة وبالمناسبة، اشد على يد الزميل والصديق الفنان الدكتور فاضل خليل لمسعاه في اعداد ليست قليلة عن المسرحيين العراقيين بالكتابة عنهم واتمنى عليه ان يواصل هذا المسعى النبيل والمنفرد في اطروحاته السامية.

المهمة ليست يسيرة وتحتاج الى عزم ومثابرة واعتبار ان هذا العمل واجب فني ووطني في آن.

اديب القليه جي

صوفيا 2012

Page 2

نعوم فتح الله السحّار:

في عام 1750 أسست كنيسة الآباء الدومنيكان في الموصل اول مدرسة تابعة لها هي (المدرسة الإكليركية) ، وفتحت أبوابها لعدد كبير من الطلبة، جميعهم من المسيحيين، واصلوا دراستهم إلى أن تخرجت الدفعة الاولى منهم. واختارت إدارة المدرسة النابغين والمميزين من هؤلاء الخريجين وارسلتهم إلى باريس للدراسة والأعداد ليرفدوا المدرسة الإكليركية بالمدرسين الأكفاء والمتنورين، والمعروف أن صلات وروابط عميقة تربط الكنيسة في الموصل مع مثيلتها في باريس، وان التعاون التعليمي قائم بينهما.
راعى إنتباه الطلاب العراقيين وجود مسرح في المعهد الذي يدرسون فيه، تُقدم على خشبته مسرحيات كانت بالنسبة لهم جذّابة وافكارها مستقاة من الكتاب المقدس، فيها نصائح وحكم، وتاشير إلى الخير، ونبذ للشر والشريرين. وادهشت هذه العروض المبعوثين من المدرسة الإكليركية وجعلتهم يفكرون جديا في نقل هذه التجربة إلى الموصل بعد ترجمة عدة مسرحيات إلى العربية واعدادها لتلاءم العملية التربوية في مدرستهم، واكتشفوا أن هذه العروض المسرحية لها تاثير على المتلقي وتتفوق على كل أنواع الوعظ والمحاضرات، وهي في نفس الوقت تستهوي المشاهدين وبالتالي تكون أهدافها سريعة الهضم وسهلة الاستيعاب وهذا هو المطلوب.
كما جذبت التلاميذ عروضا مسرحية أخرى خارجية لفرق مسرحية فرنسية محترفة ليس لها علاقة بالكنيسة وافكارها، وكانت هذه العروض أكثر تالقا وجمالا من عروض مسرح المعهد، والممثلون يؤدون أدوارهم بشكل رائع يغلب عليه الإبداع الجإذب للاهتمام، ويجعل المشاهد ينسجم ثم يتعلق بهذا الفن الجميل. وهذه المشاهدات رسّخت أفكار التلاميذ بضرورة المسرح في مدرستهم، مسرحا مشابها وفيه نفس التقنيات، علقت أفكارهم صوب المسرح، وبدئوا بالفعل بترجمة عدد من المسرحيات لا سيما مسرحيات الكاتب الفرنسي الفذ (موليير)، واستطاع المتخرجون من باريس بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى الموصل إقناع إدارة المدرسة بإدخال المسرح كجزء من العملية التربوية والدينية من جانب، والكشف عن المواهب وفسح المجال لها لتبدع وصقلها، ونشر الفن المسرحي السامي بين الناس من جانب آخر.
بدأت المدرسة الإكليركية فعليا بتاسيس صالة للعرض المسرحي بسيطة وخالية من مظاهر الترف والأبهة، واعدت بعض المسرحيات الملائمة لتكون باكورة عمل المسرح، وكانت العروض مصدر ارتياح واعجاب ودهشة المشاهدين، وهم في اغلبهم من القسسة والرهبان واساتذة المدرسة وطلابها وعائلاتهم. وشجع إعجاب المشاهدين وتمسكهم بهذا الوافد العجيب المدرسة وادارتها على الاستمرار بهذا النهج ومحاولة تطوير العملية الفنية.
وبعد مرور سنين على هذه التجاوب واستمرار العملية المسرحية، راعى إنتباه المدرسة والكنيسة أن استمرار الاعتماد على الجمهور المسيحي فقط ليس لائقا وان الكنيسة تطمح بمشاركة جميع أبناء الموصل المتعايشين معا منذ مئات السنين، خاصة تلك الفئة المثقفة والمتنورة والعاشقة للمسرح دون أن تراه. وبما أن المسيحيين والمسلمين يعيشون مع بعض بسلام واخوة ووطن مشترك واحلام مشتركة كان لا بد أن تتخلص العروض المسرحية من الزوايا الضيقة وتخرج إلى الساحات الواسعة، ويبدأ عصر جديد من الشراكة في المسرح وفي الهم الثقافي كما هي الشراكة في الوطن.
نهض كاتب من معلمي المدرسة الإكليركية هو نعّوم فتح الله السحّار المعروف بإمكانياته وبأفكاره النيرة وثقافته الواسعة والمتقدمة، ومعرفته الجيدة باللغات الفرنسية والتركية إضافة إلى العربية (لغته الأم). وله علاقات عميقة مع مثقفي الموصل ومساهماته الفنية البارزة في المناقشات الثقافية التي تدور في هذا الوسط، وتاييده للتعليقات التي تستنكر وحدانية العرض المسرحي وعدم انفتاحه على الجميع، واتاحة الفرصة إمام الجميع لملامسة عيون هذا الساحر العجيب والجميل الذين يتلهفون إلى مشاهدته والمساهمة في اغناءه وتطويره.
نعوم فتح الله السحّار، كما كتب عنه سليمان الصائغ في الجزء الثاني من مجلده (تاريخ الموصل)، وُلد في مدينة الموصل ولا نعرف تاريخ ولادته. لما شب ودخل المدرسة الإكليركية ودرس اللغة العربية على يد الخوري يوسف داود. ولما أتم دروسه احترف التعليم في المدرسة المذكورة فزاده ذلك المسلك تفهما في اللغات العربية والتركية والفرنسية، وابرز في مسلكه نشاطا واقتدارا رقّاه إلى الإشراف على التعليم، وعُهد إليه مراقبة أعمال الطباعة. وصرف عنايته إلى تنشيط أعمال التمثيل على مسرح المدرسة واخذ يؤلف الروايات الأخلاقية للتمثيل وكان ينتقد من خلالها بعض النواقص الاجتماعية المحلية انتقادا مفيدا، وكان يساعده في تلك المهمة الشاعر الشعبي المدهش والموسيقي الحإذق اسكندر الزغبي المعروف باسم اسكندر الأعمى.
من مؤلفات نعوم السحّار:
1. القراءة التركية (1893)
2. التحفة السنية لطلاب اللغة العثمانية، جزءان،“1894”
3. المكالمات (1896)
4. أحسن الأساليب لإنشاء الصكوك والمكاتيب.
أما شعره فقد ضاع أكثره.
ألف السحّار عدد من المسرحيات، وترجم أخرى عن الفرنسية بشكل خاص، طُبع منها (لطيف و خوشابا) وعُرضت على المسرح. وكذلك (الأمير الأسير) التي عُرضت على المسرح دون أن تُطبع.
وعن ولادة السحّار يقول الدكتور سعدي المالح أن نعوم السحّار من مواليد الموصل في عام 1859. وعن مسرحيته ” لطيف وخوشابا “ يقول الدكتور المالح أن لهذه المسرحية أهمية كبيرة في تاريخ المسرحية العربية في العراق لأسباب كثيرة أهمها : تاليفها وتمثيلها في ذلك التاريخ المتقدم، وطبيعة موضوعها الذي كان متباعدا او بعيدا عن المسرحيات الدينية التي كانت تقدمها المدرسة الإكليركية، إذ كان موضوعها اجتماعيا تربويا،. واخيرا لطريقة اقتباسها عن الفرنسية وتعريقها والتصرف بها.
كما ذكرنا من قبل، كان السحّار متحمسا لتقديم عمل مسرحي يكون مقبولا من الجميع وبالتالي يلبي حاجات جميع الأطراف ويسعى إلى عرض هذا العمل المسرحي خارج نطاق المدرسة الإكليركية كي يتيح الفرصة لمثقفي الموصل وابنائها مشاهدة هذا العمل والتمتع بأحداثه واسلوب تقديمه.
المسرحية التي ترجمها السحّار عن الفرنسية كانت بعنوان (لطيف وخوشابا) ، واعدها باللهجة الموصلية لتسأعد على ايصال أهدافها وغاياتها بيسر وسهولة إلى الجمهور المتلقي.
طُبعت المسرحية في مطبعة الآباء الدومنيكان في الموصل في عام 1893 وتقع في 83 صفحة وفي فصل واحد كبير يتضمن 34 منظرا، وقد تصدرت المسرحية مقدمة كتبها السحّار وجاء فيها: (إن مضمون هذه الرواية الأدبية هو اولا: حث الوالدين كي يحسنوا تربية اولادهم ولا يتركوهم يفعلوا بحسب أهوائهم، ومراقبتهم مهما كانوا أعزاء عليهم ومحبوبين من قبلهم. بل يجدر بهم ردعهم عن الشر، ومخاصمتهم عندما تصدر منهم نقيصة. وثانيا: يعلمنا مضمون هذه الرواية الصفح عما ألحقه بنا الغير من الضرر والإساءة وخصوصا أن نشفق عليهم عند مشاهدتنا اياهم في حالة من الحزن والشدة، واجتهدت في استخراجها إلى اللغة العربية البسيطة رجاء أن يفهمها الجميع).
 

Page 3

(لطيف و خوشابا) مترجمة عن مسرحية Fanfin at Colas لمؤلفهاAlexanders Louis Betrand Robineau ”الكسندر لويس بتراند روبينوا “، وكان هذا الكاتب يكتب باسم مستعار هو ” مدام دي بنوار - او بوفوار، 1746 – 1823“، وسبب لجوء المؤلف إلى اسم مستعار هو معاداته للكنيسة وافكارها في كتاباته، وهو ما يتناقض تماما مع أفكار وانتماء المترجم نعوم السحّار الملتصق بكنيسة الآباء الدومنيكان وبالمسيحية وافكارها.

ترجم نعوم فتح الله السحّار هذه المسرحية واعد شخصياتها إلى أناس من المنطقة تحب وتتصارع فيما بينها، وقد عدها باحثو ومثقفو ودارسو المسرح اول مسرحية عراقية حظيت بأهمية كبرى في تاريخ المسرح العراقي، كما أعدوها رائدة في مجال التاليف المسرحي العراقي على الرغم من أن هذه المسرحية مترجمة عن الفرنسية ومُعدة عراقيا، ولكن أحداثها تعني من خلال قصة حب بمشكلة التمييز الطبقي غير العادل، وتكشف تذمر الطبقة العاملة من ظروفها القاسية والتعيسة كما يفسرها الدكتور صالح جواد طعمة، وشروع هذه الطبقة في التمرد من أجل حريتها.

أفكار المسرحية هي التي جعلت لها اولوية في التمّاس المباشر مع السياسة لما تضمنته من تحريض على التمرد والتغيير من أجل حياة كريمة يتساوى فيها الناس في حقوقهم وواجباتهم على حد سواء، ولكن للدكتور علي الزبيدي راي يعارض راي الدكتور طعمة في هذا الخصوص.[1]

يؤكد الدكتور علي الزبيدي أن موضوع المسرحية يتركز على الناحية التربوية الخلقية، ويصطبغ بصبغة فردية قوية ذات أبعاد لا تتجاوز حدود العائلة الواحدة. ولم يهتم الكاتب بالتمييز الطبقي او بالفوارق الاجتماعية إلا بقدر ما تتعلق بالمشكلة الفردية التربوية، ويضيف الزبيدي: ”أنا لا اتفق مع الدكتور صالح الطعمة فيما ذهب إليه بهذا الصدد، وان المؤلف السحّار لم يقصد ما قصده الدكتور طعمة بل أراد أن يعرض نمإذج من مساوئ مسلك (لطيف) “. ووقع الدكتور طعمة في ما وقع فيه الكثير من معاصرينا عند قياسهم أفكارا قديمة لعصر مضى بمعايير الحاضر ومذاهبه الفكرية والاقتصادية والاجتماعية. ويعترف الدكتور علي الزبيدي: (صحيح أن هناك فوارق بين شخصيات المسرحية تمثّلت بالأب وابنه (لطيف) وفي مستخدميه كالبستاني والفلاح والوكيل، ولكن هذه الفوارق انساقت لتجسيم المشكلة الأساسية. وصحيح أن في المسرحية أغنياء وفقراء وظروف الغنى وظروف الفقر، ولكن كل هذا قد عُرض من زاوية تربوية أخلاقية).

يسمح لي الدكتور علي الزبيدي أن اختلف معه واتفق مع الدكتور صالح جواد الطعمة فيما ذهب إليه من أن مسرحية (لطيف وخوشابا) تعني، من خلال الحب والمنحى التربوي الأخلاقي، بالصراع بين الأب صاحب الاستثمارات الكبيرة وبقية العاملين لديه والمُستَغَلين من قبله، وهو صراع متنامي وصل إلى حد الصدام المؤجل. إن الصراع الطبقي واضح في سياق المسرحية ولكن ليس على مستو كبير، وقد يبلغ الصراع حد الانفجار إذا ما أُتيح له أن يستمر.

أكدت المسرحية منذ ذلك الزمن على تسييس المسرح العراقي وهو السبب الذي جعل الباحثين يعدونها رائدة في التاليف العراقي بسبب طرحها السياسي وافكارها المقبولة.

مثّلت مسرحية نعوم السحّار (لطيف وخوشابا) على خشبة مسرح المدرسة الإكليركية في مدينة الموصل في حوالي العام 1890. ويؤكد الدكتور الزبيدي أن عددا كبيرا من المدعوين قد حضروا المسرحية. وروى الأستاذ كوركيس عواد عضو المجمع العلمي العراقي نقلا عن السيد (جبرائيل بيداويد) أن التمثيل كان ناجحا، وان المسرحية حازت على إعجاب الجمهور، حتى أن المطران (عبد يشوع الخياط) أحد المشرفين على المدرسة قام، لشدة إعجابه بالعرض، بإخراج حافظة نقوده وتوزيع ما فيها من نقود على الممثلين اعترافا بفضلهم وتقديرا لجهودهم.

أما من يكون جبرائيل بيداويد وما هو موقعه الثقافي، فيمكن القول انه أحد المهمين في المدرسة الإكليركية، وربما يكون مديرها او أحد المدرسين المتميزين فيها.

يذهب الدكتور علي الزبيدي إلى (أن مسرحية (لطيف وخوشابا) كانت حدثا فنيا وادبيا خطيرا في تاريخ المسرحية العربية في العراق، ولا يقلل من أهمية هذا الحدث كونها مقتبسة عن أصل فرنسي، ومعربة او معرقة إذا أردت الدقة في التعبير).[2]

لم تنجح كل محاولات ومساع نعوم السحّار ومعه المدرسة الإكليركيةفي عرض هذه المسرحية خارج نطاق الكنيسة كي يتسنى لأعداد كبيرة من أبناء الموصل المتشوقين إلى مثّل هذا العمل الابداعي الخلاق، مشاهدتها. وعلى ما اعتقد، أن افتقار مدارس الموصل لقاعات العرض المسرحي هو ما حال دون عرض المسرحية خارج الكنيسة. وجدير بالذكر أن حالة من فرض الحضر على إنشاء قاعات تمثيل قد استغرق فترة طويلة.

ترجم نعوم فتح الله السحّار مسرحية ثانية عن الفرنسية هي (الأمير الأسير)، واعدها لتقدم على مسرح المدرسة، وتم تقديمها بالفعل وبتمثيل طلبة ومعلمي المدرسة في عام 1895. وكسابقتها، حالف النجاح المسرحية، إلا أن المصادر لا تذكر شيئا عن مؤلف المسرحية او عنوانها بالفرنسية وهذه واحدة من إشكالات التوثيق التي أتعبت الباحثين والمتابعين. كما وان هناك العشرات من المسرحيات التي قُدمت في الفترة ما بين 1750 – 1882 على مسرح المدرسة ولكن دون أن يستطيع اي باحث أن يوثق تلك المسرحيات او حتى ما يُشير إليها. وهكذا ضاعت كل المسرحيات التي سبقت ثلاثية حنا حبشي (كوميديا آدم وحواء، كوميديا يوسف الحسن، وكوميديا طوبيا)، وضياع هذا الكم من الأعمال المسرحية هو ما يبعث على الأسى حقا.

توفي نعوم السحّار في مدينة الموصل في عام 1900 دون أن يستطيع تحقيق حلمه الكبير في نشر الفن الجميل والراقي “المسرح” في أرجاء الموصل ولكل أبنائها على اختلاف مشاربهم، ولكنه استطاع أن يحصل على إعجاب الأدباء والمفكرين واجلال عمله الاول (لطيف وخوشابا). وقد أعتبر السحّار رائدا ومؤسسا لمسرح متقدم، ومناضلا يدافع عن الطبقة التي تبني الحياة ولا تحصل مقابل ذلك إلا على قوت يومها فقط.

كل الاحترام والتبجيل لمؤسس مسرحنا الواعد، الذي عبد الطريق لما وصل إليه المسرح في عراقنا من رقي وسمو وعنفوان. لقد كان بحق مدعاة فخر واعتزاز ليس للعراقيين وحسب بل وللعرب والأجانب.

Page 4

حقي الشبلي
في حفل لفرقة حقي الشبلي أُقيم ليلة 15 كانون الاول من عام 1934، ألقى الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي قصيدة جاء فيها:
عظيم (على حقي) لنفسي المـــعولوليس كحقي في العراق مـمـثـــــل
أرى غير حقي يشغل العين وحـدهاإذا رام تمثيلا وللروح يهمـــــــــــل
ولكن حقي للعيـــــون وللنـــــــــهىوللسمع والروح الشجية يشغـــــــل
وانك يا حقي وان كنت آخــــــــــرافأنت على رغم الحداثــــــــــة اول
لقد كان في مسرح الثقافة ثــــــغرةولكن حقي سدها فهو مفضــــــــل
إليك لأرواح الجماعات حاجــــــــــةفأرسل إلى الأرواح ما أنت مرســــل
بدأ حقي الشبلي انتماءه إلى المسرح منذ عمله مع (الفرقة المصرية الكبرى) التي أسسها الفنان المصري جورج ابيض والتي زارت العراق في عام 1926 وقُدمت أعمالها المسرحية في بغداد وعدد من المدن العراقية. وقد أُنيط بحقي الشبلي دورا في مسرحية (اوديب ملكا) للكاتب الإغريقي سوفوكلس والتي أخرجها جورج ابيض. وكان الدور الذي لعبه الشبلي هو (ابن اوديب) ونجح في تجسيده، وتميز بين عشرات من الممثلين والممثلات المصريين المحترفين. وقد شجعه نجاحه وتميزه على التفكير في تاسيس فرقة مسرحية عراقية تقوم بتقديم مسرحيات متنوعة بالعربية الفصحى وباللهجة العامية. وعلى الرغم من أن حقي الشبلي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وهو العمر الذي يصعب معه التاهيل لقيادة فرقة مسرحية وتقديم عروض تكون في مستوى المسئولية.
إلا أن الشبلي، الذي يتمتع منذ صغره بشخصية قوية وطاقة فنية نادرة وعزم لا يُضاهى، اقنع مجموعة من زملائه الذين يشاركوه في حب المسرح والتفاني من أجله والعمل على وضع أسس لمسرح قريب من الاحتراف ويتمتع بأهلية واحتراف، بتاسيس فرقة مسرحية تواصل العمل الفني بإصرار ومثابرة.
قدم حقي الشبلي وجماعته، فوزي محسن الأمين، عباس بهرام، سليم بطي وحمد حقي الحلي طلبا إلى وزارة الداخلية في نيسان من عام 1927 هذا نصه: (نحن الموقعون أدناه، نخبة من الشبيبة العراقية قد اتفقنا على تشكيل فرقة تمثيلية تُدعى (الفرقة التمثيلية الوطنية) وغايتها تعضيد المنافع الخيرية ورقي هذا الفن الجميل في العراق، فالمرجو من معاليكم أن تتلطفوا علينا وتجيزوا لنا تشكيلنا وتعاضدونا على رقي هذا الفن الخيري النافع للأمة والوطن، وسوف نبرهن من خلال العمل أننا شكلنا في العراق فرقة تمثيلية حقيقية تعرض للشعب العراقي الكريم أجمل الروايات الأخلاقية والأدبية والتي تبث فيهم روح الإخلاص).
والحقت بهذا الطلب نسخة من النظام الأساسي للفرقة ويتالف من سبع مواد. وجاء رد الوزارة بالموافقة على شرط أن تكون صفة هذه الفرقة طلابية لان جميع الموقعين على الطلب هم من الطلبة. ومع هذا، أكدت الوزارة أحقية الفرقة في عرض مسرحياتها خارج نطاق المسرح المدرسي وبذلك تتساوى الفرقة مع بقية الفرق المسرحية.
بدأت الفرقة بعرض اولى مسرحياتها (جزاء الشهامة) التي أخرجها حقي الشبلي ومثّل الدور الرئيس فيها مع مجموعة من أعضاء الفرقة الجديدة. وكانت تلك المسرحية بداية موفقة وقد عُرضت لستة ايام متتالية على قاعة سينما (رويال) ويُعد هذا حدث متميز وفريد في تلك الفترة.
حقي الشبلي هو فنان عراقي كبير ورائد ومؤسس من مؤسسي المسرح، وارتبط اسمه بالمسرح العراقي الجاد والنظيف منذ اواسط عشرينيات القرن الماضي، واسهم في بلورة مفاهيم جديدة للفن والمسرح في ظروف اجتماعية قاسية ومتزمتة كان يُنظر فيها للمسرح كممارسة لا تقترن بالاحترام.
وخلال رحلته الفنية التي امتدت لأكثر من خمسين عاما، قدم الشبلي عشرات الأعمال المسرحية العالمية والعربية والمحلية، وحاز على العديد من الجوائز في التتويج العربي في مهرجان تونس المسرحي في عام 1983.
وُلد الفنان الكبير حقي رشيد الشبلي في يوم الأربعاء الموافق للحادي والعشرين من شهر إذار من عام 1913 في الدار المرقمة 3/72 والواقعة في محلة الحيدرخانة في بغداد.
درس في مدرسة التفيض الأهلية التي كانت تهتم كثيرا بالمسرح وتولي وقتها لعروض مسرحية يشترك فيها الطلاب، وعادة ما تصب العروض في منفعة الطلاب الفقراء. وكان حقي الشبلي أحد اللاعبين في هذه المسرحيات. وعندما شاهده جورج ابيض وهو يمثّل أُعجب به غاية الاعجاب واسند له دور (ابن اوديب) ونجح في ادائه نجاحا نال كامل رضا استاذه.
ومن بعد ذلك شكل مع رفاقه (الفرقة التمثيلية الوطنية) كما ذكرنا، وكانت مسرحية (جزاء الشهامة) اولى أعمال هذه الفرقة، وقُدمت على خشبة مسرح سينما رويال التي تقع في مدخل شارع المتحف العراقي قرب تمثال الرصافي حاليا. وخلال السنوات الثلاثة التي أعقبت اجازة الفرقة وُفّق الشبلي في تقديم عروض عديدة في بغداد ومدن عراقية أخرى، وكان هو نفسه مخرج تلك المسرحيات والممثل الاول فيها.
ومن المسرحيات التي قُدمتها الفرقة (صلاح الدين الايوبي) و (في سبيل التاج) و(وحيدة)، والاخيرة مسرحية عراقية من تاليف علوان أبو شرارة وهو الاسم المستعار لموسى الشابندر. وكُتبت (وحيدة) بالفصحى والعامية حسب مكانة الشخصيات وثقافتها.
وفي سؤال للفنان الشبلي عن القاعات التي كانوا يقدمون اعمالهم على خشبتها أجاب: (كنا نستاجر دور السينما، ثم بنينا مسارح خاصة، كنا نضحي رغم الخسارة). وعن ايجار السينما يقول الشبلي: (حسب الفلم المعروض، إذا كان الفلم قويا ندفع مائة وخمسون ربية، واذا كان الفلم هابطا يهبط معه الايجار إلى 60 او 65 روبية في الليلة الواحدة وكان الجمهور يشجعنا).
استطاعت الفرقة التي يديرها الشبلي ان تعالج النقص في العنصر النسوي حيث انضمت إليها بعد سنتين من تاسيسها مديحة سعيد التي منحتها الفرقة راتبا شهريا مقطوعا بسبب جدارتها وقوة تمثيلها وصدق ادائها فضلا عن أنها اول عنصر نسائي يعمل في مجال التمثيل في العراق.
في عام 1929 زارت العراق فرقة مصرية جديدة هي فرقة فاطمة رشدي وزوجها المخرج عزيز عيد، وقُدمت الفرقة الضيفة عدة أعمال مسرحية في العاصمة كما قُدمت عرضا خاصا في البلاط الملكي حضره الملك فيصل الاول وعدد من الوزراء والمدراء العامين. وفي نهاية العرض جرى حديث مع الملك حول ضرورة سفر الفنان حقي الشبلي إلى مصر للاطلاع على الحركة المسرحية المتنامية هناك. وقد ابلغ عزيز عيد الفنان حقي الشبلي بموافقة الملك فيصل على سفره وتبرعه له ببطاقة سفر بالطائرة على نفقته الخاصة. واقامت فرقة فاطمة رشدي حفلين ذهب ريعهما إلى حقي الشبلي ليساعداه على سفره وتكاليف اقامته في مصر.
وقبل ان يسافر الشبلي إلى القاهرة أقامت فرقته عرضا لمسرحية (شهداء الوطنية) من إخراجه وتمثيله هو، وقُدمت المسرحية على قاعة (سنترال سينما) وحضر العرض رئيس الوزراء آنذاك عبد المحسن السعدون وجميع وزراءه. وبعد انتهاء العرض الذي كان مدهشا ارسل السعدون إلى الشبلي ليلتقيه في الطابق الثاني ويهنئه على نجاح مسرحيته وادائه التمثيلي المتميز. والتفت رئيس الوزراء إلى والد الشبلي الذي كان جالسا قريبا من السعدون وقال له: (يا حاج،. ان ابنك هذا سيكون له شأن في التمثيل) وكانت هذه شهادة حق اثبتها الزمن فيما بعد.
بعد ان سافر الشبلي إلى مصر وبدأت جولاته واطلاعه على النهضة المسرحية التي تنمو وتاخذ لها مكانا تحت الشمس، استفاد كثيرا من هذه الجولات والمشاهدات الحية التي أضافت الكثير لوعيه وثقافته الفنية.
استلم الشبلي رسالة من الفنان محي الدين محمد يعلمه فيها حدوث انقسام في فرقته (الفرقة التمثيلية الوطنية)، وان عزيز علي استلم إدارة نصف الفرقة التي بقى اسمها على ما هو، بينما قاد النصف الثاني محي الدين محمد واطلق عليه اسم (الفرقة العصرية للتمثيل)، واكد للشبلي ان الفرقة العصرية ستكون تحت تصرفه متى ما عاد من القاهرة.[4]
 

Page 5

عاد الشبلي بعد ان أمضى عاما كاملا في مصر يتجول برفقة فرقة الفنانة فاطمة رشدي ويطلع على ما بلغه الفن المصري. وعند عودته التحق فورا بالفرقة العصرية التي اجرت انتخابات داخلية للهيئة الإدارية يوم 22 تموز من عام 1930 وجاءت نتيجة الآنتخاب كما يلي:

1.محي الدين محمدرئيس

2. عبد الله العزاوينائب رئيس

3. حقي الشبليمدير فني

4. السيد يوسفامين صندوق

5. أحمد عزت محمدمدير إدارة

6. عباس فضلي توفيقسكرتير

7. مصطفى حبيبعضو

8. عبد الكريم خضرعضو

ويبدو ان الحال الجديد لم يستهو فناننا القدير حقي الشبلي العائد حديثا من اجواء الفن في القاهرة والمتاثر بالتقاليد الفنية السائدة هناك. فقام الشبلي بجمع الأعضاء المؤيدين له من الفرقة التمثيلية الوطنية ودعاهم إلى الانتساب إلى الفرقة العصرية للتمثيل، ثم وافق الشبلي بعدها على دمج الفرقتين في فرقة واحدة حملت اسم (فرقة حقي الشبلي) تيمنا بفرقة فاطمة رشدي.

استطاعت الفرقة الجديدة ان تلعب دورا مسرحيا هاما وفريدا، كما حققت نجاحا منقطع النظير، وقامت بجولات فنية على مسارح بغداد وبقية المدن العراقية.

من أهم عروض (فرقة حقي الشبلي) مسرحية (الحاكم بأمر الله) التي كانت من تاليف ابراهيم رمزي واخراج وتمثيل حقي الشبلي. وفي فترة عرض تلك المسرحية ترشح الشبلي إلى بعثة لدراسة التمثيل بأمر من رئيس الوزراء آنذاك (ياسين الهاشمي) الذي شاهد المسرحية واعجب إلى حد كبير بأداء حقي الشبلي. وفي يوم 16 ايلول من عام 1933 استلم حقي الشبلي كتابا من وزارة المعارف هذا نصه:

إلى حضرة حقي افندي الشبلي المحترم

نخبركم ان لجنة البعثات العلمية في هذه الوزارة قررت بموجب كتابها المرقم (46) قبولكم في البعثة بنفقات كاملة من تشرين الاول للتخصص في فن التمثيل في فرنسا مدة سنة واحدة وعلى شرط ان تدرسوا اللغة الفرنسية في مدة ستة أشهر من استلامكم كتابنا هذا على نفقتكم الخاصة.

توقيع

الدكتور سامي شوكت

مديرالمعارف العام

بدأ الشبلي مرحلة دراسة اللغة الفرنسية على يد أحد المدرسين في مدرسة الاليانس واستعداده للسفر إلى باريس لدراسة التمثيل فيها، وهي اول بعثة دراسية لدراسة هذا الفرع، ويدل على اعتراف وتقدير الدولة لهذا الفن الجميل البديع وعميق الصلة مع الإنسان وروحه وبهجته.

واصل حقي الشبلي وفرقته التمثيلية اعمالهم، وانتجت الفرقة العديد من المسرحيات الناجحة التي هيمنت على عقول المشاهدين، وجعلتهم يدمنون على مشاهدة العروض المسرحية بلهفة ورغبة عميقة.

ومن تلك المسرحيات التي انتجتها الفرقة واخرجها جميعا، ومثّل الدور الاول فيها الفنان الرائد حقي الشبلي هي مسرحية (المجنون) و (الذبائح) ومسرحية (هارون الرشيد) ، وكلها قُدمت في عام 1931، و (الهاوية) في عام 1933، و(هاملت)، و(السلطان عبد الحميد) و (مأتم الاعراس) وكلها قُدمت في عام 1934، إضافة إلى مسرحيات غيرها.

بعد ان تنامت الحركة المسرحية وكثرت الفرق العاملة، وتميزت العروض المسرحية بالتنوع والحيوية، وبعد ان اشتدت حمى المنافسة في ثلاثينيات القرن الماضي، صار العمل من أجل بناء قاعة مسرح مجهزة بكل ما يتطلبه العرض المسرحي من تقنيات، واجب مهم على عاتق كل العاملين في هذا الحقل الراقي والمتقدم، وضرورة لا بد منها لتقديم الأعمال المسرحية.

ودفع هذا الوضع الجديد الفنان الكبير حقي الشبلي إلى مطالبة الدولة ببناء مسرح ودار اوبرا رسمية في بغداد لاستيعاب العروض العديدة والنشاطات المتزايدة. وفي العاشر من شباط من عام1934صدر العدد الرابع من مجلة (الاتحاد)، وهي مجلة أسبوعية ادبية وفنية مصورة، صاحبها جمال الدين الجميل ومديرها المسؤول درويش لطفي. وضم العدد كلمة هامة وجريئة للشبلي بعنوان (وجوب تشييد مسرح محلي في بغداد ودار اوبرا رسمية) وجاء في الكلمة:

(مدينة بغداد عريقة المجد والعظمة في التاريخ، منبت الحضارة والعلم والفنون في العصر الذهبي، شامخة القصور والقلاع والاسوار، ودقة صنع المباني (الفسيفساء) في زمن الخلفاء، مهبط المدنية والنور والعمران. هذه هي بغداد كما يتصورها كل من عرف تاريخها ولم يرها سواء كان غريبا او قريبا. وعلى تلك الذكرى اطلقت أحدى الشركات السينمائية الكبرى في هوليود، بلد الفن في أميركا، اسم (بغداد) على استوديو انشاته حديثا، واسمته (استوديو بغداد)، فذلك دليل واضح على ان عظمة بغداد – دار السلام- محفوظة بين العالم. ومن المعلوم ان أمثال هذه الشركات العظيمة لا تنتخب إلا اسما عظيما مشهورا لكي تبقى بارزة بين الشركات الأخرى العالمية.

افي ذلك شك من ان بغداد ليست عظيمة في تاريخها؟ بغداد عاصمة العراق عظيمة ولا تزال عظيمة، وواجب شبابها الوثّاب القيام بواجبه ليجعل بغداد بل العراق كما نريد ان يتصور العالم.

على أننا لا ننكر ان العراق قد خطى خطوة عظيمة في مدة وجيزة رغم الطوارئ التي داهمته، و الأمل قوي باتحاد الشعب العراقي شبانا وشيوخا، نساءً واطفال للسير بالبلاد إلى اوج السعادة والرقي واعادة المجد السالف الاثيل. على ان هذا كله يحتاج إلى دعاية واسعة النطاق ، وهذه الدعاية لا تاتي إلا بكثرة الصحف العراقية وتوزيعها في الخارج، وتاسيس (مسرح محلي) في العاصمة، ونمو حركة التمثيل، وتاسيس فرقة حكومية راقية تجمع منتخب العناصر وافضلهم، وان ذلك لا يحتاج إلى برهان فهو واضح جلي كما نراه في الدعايات التي تتخذها جميع الأمم الغربية والشرقية والتوصل إلى ما ترمي إليه.

الدعاية قبل كل شيء وليس في العالم امة تستغني عن عمل الدعاية لها لأنها اساس نجاحها وتقدمها وترويج مصالحها، ومن اهم الدعايات القوية (المسرح المحلي) فالعراق احوج الاقطار إلى الدعاية وعلى الاخص للعاصمة بغداد التي اخذ بعض السياح الآن يتوافدون اليها ويكثر عددهم سنة بعد اخرى، لا نريد ان يطّلع الزائر إلى بغداد والعراق على آثارنا فقط بل نريده ان يطلع على النهضة السياسية والاجتماعية والعلمية والفنية إلى غير ذلك بصورة فعلية ولا يكون ذلك الا بحضور (مسرحنا المحلي الرسمي) لان المسارح مقياس رقي الامم دون منازع.

ان الفرق التمثيلية في الحال الحاضر مهما تبذل من الجهود تراه معدوما والسبب في ذلك عدم وجود مسرح راق تحضر فيه الطبقات الراقية هذا عدا الفوائد العملية التي يجنيها الشعب من التمثيل في مثّل هذه المسارح ويتلقى دروسه الاجتماعية والوطنية فيها.

هذا من الجهة الحيوية اما من الجهة الضرورية فأننا نرى ان حكومتنا الآن ومعظم جمعياتنا إذا ارادوا ان يعقدوا اجتماعا اعتياديا او رسميا او يجروا انتخابا او يقيموا بعض الحفلات التكريمية يلجؤون إلى أحدى قاعات السينما او إلى أحدى الصالات فيقيموا بها حفلاتهم ويعقدوا اجتماعاتهم، اليس هذا نقص بارز في عاصمة العراق؟.

Page 6

لو امعنا النظر في بعض الاعمال التي تقوم بها الحكومة الآن والمصاريف التي تصرفها على بعض المشاريع لوجدنا ان قيامها بتشييد (دار اوبرا رسمية) لا يقل عنه اهمية ان لم نقل اكثر منه، فان المبلغ الذي ترصده لبناء (دار الاوبرا) يُستفاد منه عدا الاستفادة المعنوية التي ذكرناها انفا الاستفادة المادية وانها تتمكن ان تسترجع ما صرفته على البناء والارض بمدة وجيزة ويبقى لها بعد ذلك بدل ايجار المحل ربحا يُدر لها ويكثر على توالي السنين هذه الفوائد المادية هي بدلات الايجار التي تعرضها على الفرق التمثيلية الوطنية التي تريد الاشتغال وعلى الجمعيات والنوادي التي تطلب اقامة بعض الحفلات او الاجتماعات، هذا عدا الفائدة العظمى التي تاتي من زيارة الفرق الاجنبية التمثيلية منها إذ انها تكون مستعدة لدفع ما تطلب منهم الحكومة من بدل الايجار لأنه المسرح الوحيد الرسمي الراقي في المدينة واقرب دليل على ذلك لو نظرت اليه الحكومة جيدا هو ما استفادته بعض المسارح في بغداد عند زيارة الفرق المصرية لها قبل بضع سنين بينما امثال هذه الفرق ستكون مستعدة لدفع اضعاف ما دفعته لأمثال هذه المسارح عند ذاك إلى مسرح حكومي رسمي عدا الفوائد المادية الاخرى التي تاتي بوقتها إلى المسرح والتي لم تشعر بها الآن، ولم يكن اقتراحنا هذا غريبا عن الحكومة في بابه إذ ان جميع الحكومات في العالم لها عدة مسارح لا مسرح واحد فقط وتستفاد منه وتفيد في آن واحد.

ويختتم الفنان حقي الشبلي مقاله: (هذه لمحة موجزة عن ضرورة تشييد (دار الاوبرا الرسمي) في بغداد تقوم بها الحكومة وتستفيد منها ماديا ومعنويا كما يستفيد منها الشعب علميا وادبيا وفنيا، وما افضل الفائدة المشتركة بين حكومة وشعبها وقد تطرقنا لهذا الموضوع في سبيل الاقتراح والذكرى عسى ان تنفع الذكرى).

قبل ان يتهيأ الفنان حقي الشبلي للسفر إلى فرنسا لبدء مسيرته الدراسية هناك، وبعد ان انجز دراسة اللغة الفرنسية في بغداد، استمرت فرقته المسرحية (فرقة حقي الشبلي) في عطائها الفني وفي تالقها الابداعي، اضافة إلى تقدمها على جميع العروض المسرحية المتواجدة على الساحة. وفي الوقت نفسه خسرت الفرقة العديد من الوجوه الفنية البارزة حيث غادرها الفنان عبد الله العزاوي وهو الصديق والمرافق الوفي لحقي الشبلي. كما غادرها الفنان يحيى فائق والفنان فوزي محسن الامين والكاتب سليم بطي والفنان التشكيلي فائق حسن وغيرهم. ويعود السبب في انفصال هؤلاء عن الفرقة إلى هيمنة الشبلي على نشاطاتها. فهو المخرج الوحيد الذي لا يعطي فرصة لأحد غيره، وهو الممثل الاول لكل المسرحيات التي تقدمها الفرقة، ولا يفسح أي مجال للمثّلين الكفوئين والموهوبين الذين تضمهم الفرقة. وقد سعى المنفصلون عن الشلبي إلى تاسيس فرق جديدة تتيح لهم فرصا لإثبات وجودهم وابراز مواهبهم من خلال الإخراج والتمثيل في مسرحيات من الطراز الاول.

في عام 1935 شد الشبلي الرحال إلى فرنسا، وودعه في المطار جمع من زملاءه واصدقائه ومسؤولون في وزارة المعارف. وعند وصوله إلى باريس زُفت له بشرى مفادها ان دراسته ستستغرق أربعة اعوام بدلا من عام واحد كما اخبرته ادارة المعارف العامة في بغداد. وهذا ما اتاح للشبلي التعمق في دراسته والتوسع بها ومن ثم التعرف على عدد من اهم الفنانين الفرنسيين والاطلاع على عدد من المدارس الإخراجية في التمثيل.

وعندما انهى الشبلي دراسته وعاد إلى بغداد، عينته وزارة المعارف مدرسا للغة الفرنسية ولكنه رفض ذلك لان طموحه كان قائما على تاسيس فرع التمثيل إلى جانب معهد الموسيقى والفنون التشكيلية، ولكن وزارة المعارف لم تحقق له طموحه. اخيراتم تعيين حقي الشبلي مفتشا عاما للفنون والمسرح المدرسي في الوزارة، وقد قبل بهذا التعيين لأنه فسح له في المجال لجمع الموهوبين وزجهم في فرع التمثيل الذي لم يبارح خياله. وكان الفنان عبد الله العزاوي، المدرس في المدرسة الرستمية، خير مسأعد للشبلي في انجاز مهمته وتحقيق طموحه.

ورغم عمله كمفتش، استمر الشبلي في طلباته لفتح معهدا للفنون الجميلة يضم اضافة للموسيقى الرسم والنحت والتمثيل ايضا. وبعد فترة، اخبرته الوزارة بموافقتها على مشروعه بفتح فرع التمثيل ونقله من المفتشية العامة في وزارة المعارف إلى ادارة فرع التمثيل وطالبته بوضع المنهاج الدراسي للفرع. وبافتتاح فرع التمثيل في عام 1940، اكتمل ملاك معهد الفنون الجميلة الذي صار عميده الشريف محي الدين حيدر.

أخرج حقي الشبلي لفرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة عددا من المسرحيات والمشاهد منها (تاجر البندقية)، (الحاكم بأمر الله)، ومشاهد من مسرحية (مجنون ليلى) ومشاهد من مسرحية (قمبيز والبخيل)، (طبيب رغما عنه)، و (المثري النبيل) و(صلاح الدين الايوبي)، وقُدمت هذه المسرحيات على قاعة مسرح الملك فيصل الثاني - قاعة الشعب - فيما بعد. وكانت هذه المسرحيات والمشاهد تُنقل بشكل مباشر عن طريق الإذاعة ويتولى الإذاعي محمد علي كريم مهمة النقل.

كان أمل حقي الشبلي وطموحه منذ مطلع شبابه هو تاسيس فرقة وطنية رسمية وان يكون للفرقة كادرها الفني المتكامل ومسرحها الخاص وميزانيتها الخاصة. وقد تجاوز الشبلي مرحلة الآمال والطموحات إلى مرحلة العمل من أجل ان يكون الحلم حقيقة. فبعد نجاح فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة، وتخرج العديد من الطلبة في عدة دورات، اقترح الشبلي تشكيل الفرقة المسرحية الرسمية. ولتحقيق هذا المقترح قدم الشبلي طلبا إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي كانت تحت قيادة محمد حسن كبة الذي وافق على الطلب فورا، وخاطب وزارة المالية لضمان المتطلبات المالية للفرقة. ووافق الوزير كذلك على تحويل أحدى دور السينما إلى صالة لعروض الفرقة المسرحية المقترحة. وسارت الاجراءات بشكل مرضي، الا ان الوزير تغير، وما اكثر التغييرات الوزارية في ذلك الوقت، وقام الوزير الجديد بإلغاء قرار الموافقة الذي اتخذه سلفه وبذلك قلب للفرقة ظهر المجن كما يُقال.

ولم ييأس الشبلي، واثر الانتظار حتى حانت الفرصة مرة ثانية في الفترة 1965-1966 عندما تم تعيينه مديرا عاما لمصلحة السينما والمسرح وعندها اوعز بتاسيس (قسم المسرح)، وعين الفنان سامي عبد الحميد مديرا لهذا القسم. كما استطاع الشبلي تاسيس (فرقة الرشيد للفنون الشعبية) التي عنت بالرقص والفولكلور. وقام الشبلي بتعيين صديقه الحميم عبد الله العزاوي مديرا للفرقة التي تغير اسمها فيما بعد إلى (الفرقة القومية للفنون الشعبية).

كان آخر عمل مسرحي للأستاذ حقي الشبلي مسرحية (يوليوس قيصر) لشكسبير، وقُدمت تلك المسرحية التي أخرجها الشبلي نفسه على مسرح معهد الفنون الجميلة في منطقة الكسرة في الفترة ما بين 28 مايس إلى 4 حزيران من عام 1953. ومثّل في هذه المسرحية طلبة المعهد ؛ محمد القيسي، طه سالم، وجيه عبد الغني، خليل شوقي، سامي عبد الحميد، حسن الناظمي، شكري العقيدي، بدري حسون فريد، كارلو هاريتون، عبد المسيح بري، عبد الصاحب حداد، جلال ابراهيم حقي، مؤيد وهبي، عبد الستار العزاوي، جعفر الوردي، عبد الحميد مجيد، رشيد الحلي، عبد الحميد قاسم، عبد المجيد العزاوي، علي داود، عبد الرحمن حسن، خلف حنون و (طال طه). ومن الذين عملوا في هذه المسرحية الفنان اسماعيل الشيخلي الذي صمم ورسم مناظر المسرحية، والفنان جواد سليم الذي صمم التماثيل والخوذ، والفنان حافظ الدروبي الذي صمم ونفذ مناظر الفصل الاول. وتولى عبد الهادي مهدي القزاز مهمة تفصيل الملابس وخياطتها، وتولى الفنانان ابراهيم جلال وحامد الاطرقجي مهمتي الإنارة والموسيقى التصويرية، فيما تولى ابراهيم الخطيب وكمال الخطيب الاختيار والتنفيذ.

عمل الشبلي لفترة طويلة في ميدان التربية والتعليم، وكان في اغلب الاحيان مفتشا عاما للفنون والمسرح، ويقول هو عن علاقته بالتربية والتعليم: (بدأت هذه العلاقة عند دخولي المدرسة لاول مرة اواخر العقد الثاني من القرن العشرين، فان هذه العلاقة قد تعززت وتعمقت في مجرى اشتغالي بالمسرح وايماني برسالته التي تتلاقى مع رسالة التعليم التي تهدف إلى اضاءة وعي الإنسان وبناء شخصيته وتقويم سلوكه، وكتعبير عن هذا التوافق في الاهداف بين المسرح والمدرسة فقد قيل ان المسرح مدرسة الشعب. وطوال نصف القرن الاخير كنت مؤمنا بتلك المقولة سواء في نشاطي الفني داخل الفرقة التمثيلية الوطنية التي كونتها وعملت فيها او من خلال ممارستي التعليم في معهد الفنون الجميلة الذي كان لي شرف تاسيس فرع التمثيل فيه في مطلع عقد الاربعينيات وكذلك عند قيامي بأداء واجب الاشراف الفني في مدارس العراق لسنوات عدة.

ان حياة التعليم وكما هي حياة المسرح كانت ممتعة وخصبة وغنية فقد كسبت في التعليم ابناء واحفاد تربطني معهم اوثق العلاقات ويشدني اليهم الحب والوفاء والاخلاص).

لقد تم تكريم عميد المسرح العراقي الفنان حقي الشبلي عدة مرات بصفته مؤسسا لحركة مسرحية جادة واصيلة، ومن تلك المرات تكريمه ضمن احتفالات العراق بيوم المسرح العالمي في عام 1973. وفي عام 1978 مُنح جائزة تقديرية في مهرجان الافلام العراقية الثالث. وجرى تكريمه في مهرجان مسرحي أُقيم في الجمهورية التونسية تقديرا لمكانته كرائد مؤثر في الحياة المسرحية العربية. وبادرت فرقة كويتية في عام 1984 إلى تكريمه في حفل أُقيم في معهد الفنون الجميلة في بغداد وحضره حشد من فناني العراق الذين مثّلوا اجيالا مختلفة. وتم في نفس الحفل ترشيحه نقيبا لفناني الخليج العربي.

في عام 1976 أحيل الشبلي إلى التقاعد بناءً على طلبه، وفي السنة التي تلتها أُنتخب نقيبا للفنانين في العراق. واستمر الشبلي في خدمة النقابة وتطورها حتى وفاته في يوم 20 حزيران من عام 1985، وتشييعه إلى مثواه الاخير من قبل مئات من الاصدقاء والفنانين وزملاء العمر الذين اعتصرت قلوبها الحسرة والالم.

ان هذه الصفحات التي دوناها عن الفنان الكبير حقي الشبلي لا تُصور الا جوانب قليلة من المسيرة الفنية للفنان الراحل.واذا ما أردنا ان نتناول تفاصيل تلك المسيرة فسنحتاج إلى المئات من الصفحات وذلك لما تميزت به من ثراء، فقد كان الشبلي بحق موسوعة المسرح العراقي ، واكبر داعية له، ولم يتوقف عن حب ودعم المسرح منذ مطلع شبابه حتى وفاته، وكان المسرح يعيش مع نبضات قلبه.

قيل الكثير عن الفنان حقي الشبلي. فقد قال عنه الاستاذ اسعد عبد الرزاق، العميد السابق لأكاديمية الفنون الجميلة : (لقد وهب حقي الشبلي حياته للفن والفنانين، واذا كان لم يخلف ابنا فقد اتخذ من جميع الفنانين ابناءً له. وعندما كُرم الرعيل الاول من المسرحيين العراقيين في عام 1983، لم يكن حقي حاضرا في الحفل فاستلمت هدية التكريم (300 دينارا) نيابة عنه، وعندما حملتها اليه طلب مني ان اوزعها على الفقراء من الفنانين وكنت اعلم حاجته الماسة إلى المال آنذاك فقلت له ان المبلغ قليل وتوزيعه على الفنانين امر غير نافع. واقترحت عليه ان يجعل من المبلغ نواة لجائزة تحمل اسم (جائزة حقي الشبلي) وتُمنح للمتفوقين من طلبة المسرح، فبارك المقترح وقمنا بحفلة لجمع التبرعات حتى تاسيس صندوق الجائزة). [5]

وقال عنه عناية الله الخيالي رئيس جمعية حماية الفنون والآداب ومن المسرحيين القدامى: (ان الشبلي شمعة المسرح العراقي. لقد كانت فرقة حقي الشبلي ملإذاً لي بعد اغلاق فرقة محمد خالص حمادي من قبل السلطات حينذاك “1927” ومنذ ذلك الوقت ونحن، انا واياه، لا نفترق ولا ننفصل الا لماما.)[6]

اما الفنان محمد القيسي فقد قال عن الشبلي: (عملت معه في مسرحيات كثيرة فلم تخرج علاقتي معه عن علاقة التلميذ بأستاذه والصديق بصديقه. كان الشبلي يحمل قلبا كبيرا صافيا وكنت اتمنى ان اكون جزءً منه).[7]

وقال عنه الفنان سامي عبد الحميد، تلميذه واحد العاملين في مصلحة السينما والمسرح في نهاية الستينيات من القرن الماضي: ( منذ ان بدأ شغفي بفن المسرح كنت اتمنى ان التقي الاستاذ حقي الشبلي، ومنذ ان ازداد شغفي بذلك الفن أخذت اتطلع إلى التلمذة على يده الكريمة، ومنذ ان شاهدت انتاجات فرع التمثيل في معهد الفنون الجميلة في اواخر الأربعينيات والتي كانت من اخراجه، صممت على الآنتماء للفرع الذي يديره الشبلي والذي كان المركز الفني الوحيد في البلاد في ذلك الوقت، حيث يمكن لمحبي الفن أن يتلقوا فيه دروسهم ويصقلوا مواهبهم ويعطوا قيمة لفنهم.

عندما عملت معه في ادارة قسم المسرح في مصلحة السينما والمسرح وهو مدير عام لها، كان يعجبني فيه حرصه الشديد على ان يضع تلك المؤسسة الفنية في مكانها اللائق، واذ كان قد منحني الثقة التامة في انتاج المسرحيات ، قد كرس جهده لتكوين فرقة للفنون الشعبية، وكنا نختلف احيانا في بعض الامور الفنية، ولكن لم تبدر منه عبارة تجريح او تنديد. وفي نقابة الفنانين سار على النهج نفسه الذي سار عليه في حرص واخلاص وتكريس. كان اعظم ما تركه لنا فقيدنا واستاذنا حقي الشبلي تلك الأسس الرصينة للعمل المسرحي الذي يبني عليها تلامذته كيان المسرح العراقي الذي يمثّل امامنا شاخصا مزهوا).[8]

وقال الاستاذ عبد الرحمن فوزي: (رحمك الله يا استاذنا الكبير حقي الشبلي، فقد كنت أبا ومعلما، لذا لقينا من علمك وحبك الشيء الكثير، ودرست على يديك في المسرح خمس سنوات ولا تزال كلماتك ترن في إذني: يا اولادي ان الفن هو الحياة والناس والوطن).

أما الدبلوماسي والاديب والمؤرخ نجدت فتحي صفوت فقد قال: (ان حقي الشبلي قدم لفن التمثيل في العراق خدمة صادقة واخرج كثيرا من الروايات وخاصة على المسارح المدرسية لكنه لم يظهر على المسرح بعد عودته من باريس بالرغم من كفاءته المشهودة. فقد فضّل البقاء وراء المسرح والتفرغ لأعداد الاجيال الجديدة، وذلك باستثناء فلم واحد ظهر فيه وهو (القاهرة – بغداد). أما من الناحية الشخصية فكان الشبلي لطيف المعشر، جم التواضع، بعيدا عن التكلف، كثير الاصدقاء، محبوبا من الجميع، وقد اكسب فن التمثيل احترام الناس بما فطنه على وقار مهنته وكرامته الشخصية).[9]

لا يسعني وانا أنهي الحديث عن أحد أهم أعمدة المسرح عندنا، الرائد الاول والمؤسس الفنان حقي الشبلي الذي يشرفني اني عملت معه قرابة السنتين في نقابة الفنانين منذ انتخابه نقيبا لفناني العراق في عام 1977 ولغاية خروجي القسري من العراق في عام 1979.

واختتم هذه الدراسة المكثفة بمقولة قالها الشاعر التشيلي الكبير (بابلو نيرودا):(أعترف بأني قد عشت). وكما هو حال نيرودا، عاش حقي الشبلي ورأى بأم عينه ثمرة كفاحه الطويل.

Page 7

عبد الله العزاوي

كان المسرح عشقه منذ صباه، نشأ وحقي الشبلي قريبين جدا من بعضهما تجمعهما الهواية والرغبة في العمل التمثيلي، والبحث معا عن مصدر عمل في هذا المجال، الى ان اتيحت لهما الفرصة عندما قدمت فرقة جورج ابيض المصرية الى العراق عام 1926، واعلنت حاجتها الى ممثلين كومبارس، ولقوا ضالتهم بعبد الله العزاوي وحقي الشبلي وعدد من عشاق هذا الفن الجميل الراقي، واثناء عملهما مع الفرقة المصرية والممثلين المصريين احسوا انهما متمكنان من المهمة التمثيلية الموكلة اليهما، وانهما قادرين في المستقبل القريب على بناء حركة مسرحية عراقية جادة وجديرة ومتقدمة ايضا.
في عام 1927 قدم الشبلي طلبه الى وزارة الداخلية طالباَ الموافقة على تاسيس الفرقة التمثيلية الوطنية للتمثيل، لم يكن عبدالله العزاوي بعيداَ عن هذا الطلب وهذه الفرقة وعند استلام الموافقة من الوزارة، كان الفنان الشاب عبدالله العزاوي رهناَ لإشارة الشبلي، وبدأ العمل المسرحي للفرقة، وكان اول عمل اشترك فيه العزاوي مسرحية ( جزاء الشهامة ) التي أخرجها ومثّل الدور الاول فيها زميله حقي الشبلي.
ساهم الفنان عبدالله العزاوي في اغلب المسرحيات التي قدمتها (الفرقة التمثيلية الوطنية)، كما ساهم في تطوير عملها، وقادها مع زملاءه الى الابداع والتقدم الفني، لكنه انشق عن الفرقة بعد سفر حقي الشبلي الى مصر لغرض المعايشة المسرحية هناك لمدة سنة، واسس مع محيي الدين محمد واعضاء اخرين الفرقة العصرية للتمثيل، غير ان العزاوي الذي تربطه روابط صداقة عظيمة وفنية عالية المستوى مع زميله حقي الشبلي لم يهن عليه هذا الانشقاق وطلب من محيي الدين محمد مسؤول الفرقة ان يكتب رسالة الى الشبلي يعلمه فيها بالانشقاق الذي حصل وانقسام الفرقة الى فرقتين؛ الفرقة التمثيلية الوطنية ويقودها عزيز علي والفرقة العصرية للتمثيل ويقودها، كما ذكرنا، محيي الدين محمد، واكدت الرسالة ان الفرقة العصرية مفتوحة الابواب لحقي الشبلي متى ما عاد الى العراق.
وعند عودة الشبلي الى العراق في نهاية عام 1930، انتمى للعصرية، التي بدورها اجريت انتخابات داخلية انتخب الشبلي مديرا فنيا وعبدالله نائبا للرئيس واحتفظ محيي الدين برئاسة الفرقة.
وبعد أن أعاد الشبلي العلاقة مع زملاءه، وانتموا الى الفرقة العصرية، شكل فرقة جديدة اطلق عليها اسم (فرقة حقي الشبلي التمثيلية) وكان عبدالله العزاوي واحداَ من اعضاءها القياديين.
مثّل الفنان الرائد عبدالله العزاوي في 6 نيسان 1934 على مسرح الثانوية المركزية في بغداد دور حسن في مسرحية ( الحاكم بأمر الله) لمؤلفها إبراهيم رمزي، ومخرجها حقي الشبلي الذي مثّل شخصية الحاكم وهو الدور الرئيسي في المسرحية.
لم يستمر عبدالله العزاوي طويلا بعمله مع فرقة حقي الشبلي وذلك بسبب عدم اتاحة الفرصة له ليجرب حظه في الاخراج، وان يكون له موقع محترم وموقر فنيا بالفرقة. وبعد خروجه من معية الشبلي، أسس (فرقة جمعية انصار التمثيل) عام 1933 وصار رئيسا لها ومخرجا فيها ايضا، وكان مع العزاوي مجموعة من الفنانين المتقدمين، بعضهم من الذين تركوا العمل مع حقي الشبلي ومن هؤلاء فوزي محسن الامين، سليم بطي، عبد الحافظ الدروبي و زكي اللامي، والتحقوا بفرقة العزاوي الجديدة وعملوا معه في التمثيل، وفي بعض المهمات الاخرى كالإنارة والماكياج والديكور.
من المسرحيات التي أخرجها العزاوي لفرقته مسرحية ( المساكين ) وهي من تاليف سليم بطي كتبت عام 1933 وقدمت على المسرح عام 1934 ثم مسرحية (وحيدة) التي ألفها موسى الشابندر عام 1928 وقدمتها فرقة جمعية انصار التمثيل عام 1934. ثم أقدم العزاوي على اخراج مسرحية ( مجنون ليلى ) ومسرحية (عبد الرحمن الناصر) ومسرحية ( قاتل اخيه ) ومسرحية(عصفور في القفص) واخيراَ مسرحية وليم شكسبير ( يوليوس قيصر ). وكما هو حال الشبلي، لم يعط العزاوي هو الاخر الفرصة لأحد غيره كي يمارس الاخراج في هذه الفرقة، وكان هذا الاحتكار مرض ذلك العصر، واستمر هذا المرض الى يومنا هذا مع شديد الاسف.
كان العزاوي اكثر المتحمسين لتاسيس اتحاد فني يجمع الفرق الثلاثة التي كانت موجودة على الساحة المسرحية في اواسط الثلاثينيات، باستثناء فرقة حقي الشبلي التمثيلية، والفرق هي (الفرقة التمثيلية العربية) التي يراسها الفنان يحيى فائق، وفرقة (جمعية انصار التمثيل) برئاسة الفنان عبدالله العزاوي، فرقة بابل للتمثيل التي يديرها الفنان محمود شوكت، والاتحاد الفني هذا هو عبارة عن تشكيل تجمع فني واحد يكون متمكن فنيا، ولديه الطاقات المالية التي تمد انتاجاته، اضافة الى انه يستطيع الصمود لمدة طويلة امام اية نكسات مالية وفنية، والاتحاد الفني في العراق هو تقليد للموجة التي بدأت في اوربا في هذا الاتجاه لاسيما فرنسا، إذ وجدت قوتها في اتحادها، وان عناصر النجاح والهيمنة الابداعية لا تتم الا من خلال جمع صفوف المبدعين، وهكذا تشكلت اتحادات عملاقة وهائلة في كوادرها الفنية المتمكنة، هائلة في امكانياتها المالية التي تؤهلها لتاجير القاعات والتنقل بين المدن وبين الدول ايضا دون ان يصيب الاتحاد اي فشل او تخلف.
كانت الفكرة جيدة كما هي مطروحة ولكن الاصرار على ( الأنا العراقية ) هي المشكلة الاساسية التي لا تقود الى التقدم والابداع، ولا تفتح مجالا للعمل الدؤوب من أجل مسرح عراقي متقدم. هذه ( الأنا ) هي واحدة من أكبر مصائبنا ونكباتنا ومن أكبر عوامل تراجعنا، إذ ان ميثاق الاتحاد الفني العراقي كان ينص على احتفاظ كل رئيس فرقة بفرقته وبرئاستها، وهذا ما أدى الى ضعف الاتحاد وبالتالي فشله. ولم ينتج هذا الاتحاد طيلة فترة وجوده غير اربع مسرحيات هي (عنترة للايجار)، (الوطن)، (البيت) و (الدب) لتشيخوف التي مثّل فيها عبدالله العزاوي الدور الرئيسي (سميرنوف) ومثّل يحيى فائق ( لوكا ) ومثّلت زوجة يحيى ( نظيرة ) دور بوبوفا وعرضت المسرحيات الثلاث في بغداد وبعض المدن العراقية الاخرى.
لم تنقطع اواصر الصداقة والعلاقة العامة التي تربط بين الفنان عبدالله العزاوي وصديق عمره حقي الشبلي، ولم يؤثر انسحاب العزاوي من (فرقة حقي الشبلي للتمثيل) إذ بقت هذه الاواصر متواصلة ومتينة. وكان العزاوي اول مودعي الشبلي في مطار بغداد عند مغادرته الى باريس عام 1935 لدراسة الفن هناك، والعزاوي كان ايضا اول مستقبلي الشبلي عند عودته الى بغداد عام 1939 بعد إنهاء مدة دراسته في فرنسا.
كما ان الشبلي، عندما عينته وزارة المعارف مفتشا عاما للنشاط الفني المدرسي بعد ان عاد من باريس، استعان بصديقه عبدالله العزاوي، الذي كان معلما في المدرسة الرستمية في بغداد، وعمل الاثنان معا من أجل اعداد الموهوبين من الطلبة في مجال التمثيل ليكونوا كوادر فنية تاخذ مكانها في الدراسة بقسم التمثيل الذي يناضل حقي الشبلي من أجل تاسيسه في قسم الموسيقى واقامة معهد الفنون الجميلة.
استمر الفنان الكبير عبدالله العزاوي في عمله المسرحي ولم يتوقف حتى في الظروف الصعبة التي مر بها البلد، كحركة بكر صدقي الانقلابية ثم وفاة الملك غازي وانفجار الحرب العالمية الثانية التي وضعت اوزارها عام 1945. وخلال الحرب العالمية قامت في العراق حركة كبرى ضد الانكليز المحتلين ومن يؤيدهم من ازلام النظام والسلطة، ولم تؤثر على عمل الفنان عبدالله العزاوي.
ذكر الدليل العراقي الذي صدر عام 1936 وهو من اقدم ما كتب عن الحركة المسرحية في العراق أسماء أربعة من الرواد فقط هم حقي الشبلي وعبدالله العزاوي ويحيى فائق وكريم هادي، وتحدث الدليل عن الفنان الرائد عبدالله العزاوي ودوره المؤثر في الحركة المسرحية.
تبنى الفنان عبدالله العزاوي المؤلف سليم بطي عضو فرقته، والمسرحيات التي ألفها خاصة بالفرقة، وقد أخرج ثلاثة مسرحيات للبطي، الاولى مسرحية (المساكين) التي قدمت على المسرح عام 1934، وتحدثنا عنها سابقا، ثم مسرحية بعنوان (الاقدار) قدمت عام 1937 ايضا ومسرحية ( طعنة في القلب ) التي انجز سليم بطي تاليفها عام 1937 ومثّلت في نفس السنة وقدمت على المسرح. وقد حققت تلك المسرحيات نجاحا فنيا أشاد به المتابعون من المثقفين.
في بحثي عن هذه الفترة وعن المسرحيات التي قدمتها فرقة عبدالله العزاوي لم أعثر على اي نقد فني لهذه المسرحيات ولا حتى كتابة تقييمية لعمل المخرج عبدالله العزاوي او ادوار الممثلين. وهذه مشكلة حقيقية ونقص غير مقبول في هذه الحقبة الزمنية.
عندما تاسست الفرقة الشعبية للتمثيل عام 1947 كان الفنان الرائد عبدالله العزاوي أحد ابرز المؤسسين وابرز العاملين في هذه الفرقة التي تجمع العديد من خريجي الدورات الاولى والثانية من قسم التمثيل بمعهد الفنون الجميلة ومنهم من يواصل دراسته، فالفرقة الشعبية اول فرقة مسرحية تجمع عناصر ليست موهوبة فحسب انما مسلحة بعلوم المسرح وتقنياته الحديثة التي أتى بها الرائد حقي الشبلي من فرنسا.
بعد ان تاسس ستوديو بغداد للإنتاج السينمائي ووقع اختيارهم لاول عمل سينمائي هو ( عليا وعصام ) وتعاقدت الفرقة مع المخرج الفرنسي اندريه شوتان والمصور الفرنس جاك لامار لتنفيذ الفيلم وتم فيها اختيار الفنانين الذين يلعبون الادوار الاساسية في هذا الفيلم، كان الفنان عبدالله العزاوي على راس الذين تم اختيارهم ليلعب دورا مهما الى جانب الفنانين إبراهيم جلال، عزيمة توفيق، يحيى فائق، جعفر السعدي، سليمة مراد، فوزي محسن الامين، اعتدال يوسف واحلام إبراهيم. ولعب العزاوي دور (مطشر) الخفيف الظل والمتحرك النشيط.. وتذكرنا الشخصية كما اداها العزاوي بشخصية (شيبوب بن شداد) بأدائه وسلوكه وشفافيته وخفة دمه، كما ان الدور لا يبتعد كثيرا عن شخصية ( سانكوبانزا ) خادم ورفيق دون كيشوت. وعُرض الفيلم في آذار من عام 1949 في سينما روكسي في بغداد، وكان العزاوي جذابا ومتالقا ومبدعا في الدور الذي اداه بكل امكانية ومقدرة.
وبعد نجاح الفيلم قام ستوديو بغداد بانتاج فيلم جديد هو ( ليلى في العراق ) الذي أخرجه المخرج المصري احمد كامل مرسي وكان للفنان الرائد عبدالله العزاوي دورا هاما الى جانب إبراهيم جلال وعفيفة اسكندر وجعفر السعدي من العراق والمطرب محمد سلمان والممثلة نورهان من لبنان وعرض الفيلم في نهاية عام 1950 في سينما روكس في بغداد.
كان العراقيون يسمعون كل يوم جمعة من إذاعة بغداد ( التمثيلية القصيرة ) التي كان يخرجها الفنان عبدالله العزاوي، وكانت للتمثيلية نكهة خاصة محببة وشارة موسيقية متميزة، وصارت تحفظ هذه الشارة التي تبعث على السعادة عند سماعها من الإذاعة والتي تُعلن عن بث التمثيلية القصيرة التي يسمعها عدد كبير جدا من المستمعين ويتجمع في المقاهي حول جهاز الراديو عشرات المعجبين والعاشقين لهذا العمل الفني الجميل.
استمرت تمثيلية عبدالله العزاوي فترة طويلة من الزمن كان ينتجها قسم التمثيليات والبرامج الخاصة في إذاعة بغداد والتي كان عبدالله العزاوي يتراس هذا القسم فيها، وهو قسم كبير ومهم وعليه التزامات تقديم البرامج والدراما الإذاعية يوميا وبشكل مقبول وابداعي. وانتشرت الدراما الإذاعية في زمن عبدالله العزاوي انتشارا ملحوظا واعطيت الفرص للفرق المسرحية الاهلية لتقدم من خلال هذا القسم التمثيليات الإذاعية والمسلسلات التي احبها الجمهور وتابعها، وكتبت عنه الصحف بشكل ايجابي، والفضل يعود في هذا الى جهود وتخطيط عبدالله العزاوي.
وعندما استلم حقي الشبلي الادارة العامة لمصلحة السينما والمسرح عام 1964 فكر في تاسيس الفرقة القومية للتمثيل وفرقة الرشيد للفنون الشعبية وعين الفنان عبدالله العزاوي مديرا لفرقة الرشيد التي تحولت فيما بعد الى (الفرقة القومية للفنون الشعبية) ولعب العزاوي دورا مهما في تطوير هذه الفرقة وتعيين المدربين والقادرين اضافة الى المسح الفني الذي اقامته الفرقة في ارجاء العراق للوقوف على الرقصات والدبكات الشعبية التي يقدمها الناس في افراحهم والمناسبات العامة وتسجيلها ومن ثم تقديمها على المسرح بعد تهذيبهاوجعلها اكثر جمالا ومتعة وصالحة للعرض.
لم اعرف لماذا طُرد عبدالله العزاوي من وظيفته؟ ومن هي الدائرة او المديرية التي تجرأت وامتدت اياديها الى عبدالله العزاوي وطردته دون اي احترام لتاريخه المديد وعمله الدؤوب في مجال الابداع المسرحي والسينمائي والإذاعي والتعليمي ايضا.
كان هذا الفصل التعسفي سببا اساسيا لأزماته النفسية والصحية والتي أدت في الاخير الى قطع ساقه بسبب (الغرغرينا)، ولم يمهله آلمه ومأساته مدة طويلة ففارق الحياة ورقد رقدته الاخيرة دون ان يسال عنه الا القلة القليلة من زملاءه ومعارفه. كما لم تنصفه الحكومة ولا حاولت وزارة الثقافة احياء ذكراه او انشاء جائزة باسمه احتراما وتقديرا لما قدمه للمسرح والفنون الاخرى على مدى خمسين عاما لم يتوقف خلالها ولا ليوم عن العمل الإبداعي الراقي والمشرف.
واترك في الختام الحديث عن الفنان المؤسس عبدالله العزاوي للفنان القدير يوسف العاني يتحدث عن مأساة العزاوي في ايامه الاخيرة (بحالة يائسة يرقد الفنان عبدالله العزاوي في غرفة ضيقة، انه يعيش مأساة الفنان العراقي. لقد تعرف العزاوي على فنه وحده، ما رسه باستمرار واصرار ولم تساعده الظروف ليصل الى مركز وضيفي مرموق، ظل يعمل(كالداينمو) عشرات السنين، عمل في الإذاعة منذ ان اصبحت في العراق إذاعة، وكان قبل عمله في الإذاعة رائدا من رواد مسرحنا العراقي، وممثلا طامحا رسم الابتسامة على وجوه المشاهدين، وانتزع الضحكة من قلوبهم، بكل ثقة وجدارة، هذا الانسان يرقد اليوم في المستشفى بلا رعاية ولا اهتمام، دخل المستشفى بلا ضجة لم يسمع بذلك أحد فهو قعيد البيت منذ اشهر، بعد ان فصل من وظيفته، وحرم من عمل كان يربطه من قريب او بعيد بالمسرح الذي تالق عليه. عبدالله العزاوي رقد في سرير متواضع بأحدي المستشفيات، ثم بترت ساقه، انتزعت منه، الساق التي كانت له (عكازة ) حياتية تؤكد وقوفه على خشبة المسرح، يحركها كيفما يشاء.
كان عبدالله العزاوي يصعد السلالم ويهبط في إذاعة بغداد، بساقين صحيحتين، وهو يحمل على صدره عشرات(الاشرطة) والتمثيليات بعد ان أخرجها.
عبدالله العزاوي الانسان الطيب والفنان المرح والرجل الذي لم يعرف الكآبة والعبوس والذي كان يعيش يومه وبلا تعقيد بلا افتعال.
عبدالله اليوم لا يستطيع الا البكاء، انه يدين مجتمعه، انه يرسم علامة سوداء مؤلمة ومريرة لمصير الفنان العراقي.
ان من يزور عبدالله العزاوي في المستشفى لا يستطيع الا البكاء المر الصامت، عبدالله لا يستطيع ان يفعل شيئا غير التفرس في وجوه زائريه، كلماته تخرج من قلبه متقطعة أليمة حادة كالسكين! ليش؟؟
لا نستطيع نحن الا ان نصرخ ايضا، نسجل صرختنا على الورق، فهي تعبير عن احساسنا بمأساة عبداللهوامثال عبدالله، وقد تكون تعبيراَ عن مأساتنا جميعا، ان لم يوضع الفنان في مكانه الذي خلق له، وهو مكان رفيع وعال ).
مات الفنان الرائد الرمز عبدالله العزاوي في المستشفى في شهر ايلول من عام 1968 ، وشُيع بطريقة اشبه بالسرية، مئات الفنانين وعشرات من اصدقاءه ومحبيه، ومن متابعي اعماله الفنية الابداعية لا يعرفون بتاريخ دفنه، ولهذا لم يسر وراء جنازته غير حفنة من المقربين منه، وغاب عنه ذلك الجمهور الواسع والكبير الذي يمتلىء بهم مسرحه، وعروضه المسرحية.وا اسفي.) [10]
 

Page 8

يحيى فائق
في عام 1965 كنت اعمل في جريدة (اللواء) وهي جريدة أدبية فنية تصدر بثمان صفحات وبالحجم الكبير للصحف العراقية. وتوقفت الجريدة عن الصدور بعد العدد الثامن وذلك لإفلاسها بسبب عدم دعمها بالإعلانات من اية جهة.
كنت اشرف على تحرير صفحة الفنون في المجلة، وكانت أحدي مشاريعي الكتابية لهذه الصفحة هي أن استضيف الفنان الكبير يحيى فائق في أحد أعداد الجريدة لا سيما وانه كان قد خرج لتوه من السجن، وهو أحد المثقفين الذين ضمتهم سجون الفاشست الذين استولوا على السلطة في عام 1963 واغرقوا بلدنا بأنهار من الدماء. وكان الفنان الرائد والمؤسس مناهضا كبيرا للفاشية ومثّلها وافكارها السقيمة التي لا تنسجم أبدا مع قيم الوطنية الحقة، ولا مع المسير الفني التقدمي الذي ينضم إليه الفنان يحيى فائق.
كان لقائي مع الفنان فائق حميما، وقد زودني بمعلومات هائلة عن مسيرته الفنية وعن معاناته ومن ثم سجنه الأخير. ملئت عشرات الاوراق على مدى عشرين ساعة قضيتها معه وخرجت من عنده بحصيلة غنية وغالية، نظمتها ومنتجتها في ريبورتاج خاص بالفنان القدير، ونشرتها في أحد أعداد جريدة (اللواء)، وقد نال اللقاء إعجاب ودهشة عدد كبير من القراء الذين اتصلوا بالجريدة معربين عن إعجابهم. ونال كذلك إعجاب جمهرة واسعة من المثقفين الذين كانوا يحيطون بجريدتنا ويمدوها بالزاد الثقافي. وكان مصدر إعجاب الجميع المسيرة الفنية الطويلة والقاسية لهذا الفنان، وجرأته في طرح آرائه حيث كان شجاعا يعبر عن رايه دون خوف او وجل، ويقول الحقيقة غير مبال بما يترتب على قولها.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعين عاما على ذلك اللقاء، سنحت الفرصة من جديد لأكتب عن أحد أركان الحركة الفنية في العراق، وواحد من أعمدتها الشامخة، والمؤسس لصرح يتقدم ويتطور بمرور الزمن، وذاك هو الفنان يحيى فائق.
إلاّ إني، وللأسف الشديد، حين شرعت بالكتابة عنه ليكون من بين ما كتبت عنهم المؤسسين الرواد في المسرح العراقي، لم اجد إلاّ القليل الذي دُوّن عن هذا الرمز، مما سبب لي الألم لأن فنانا بوزن يحيى فائق جدير بأن تجد أخباره على كل صفحات الفن ومواقع الانترنيت. وان ما نُشر عنه قليل جدا ولا يتناسب البتة مع موقعه الطليعي في مسيرة الثقافة العراقية، ولا مع عطائاته ومساعيه من أجل تاسيس مسرح تقدمي ومتقدم.
ومن المؤسف ايضا انني لم احمل معي ما كتبته عن (أبي علاء) في العراق، فقد كان سفري سريا وبما خف وزنه من المتاع. بعدها استولت الاجهزة الامنية البعثية على كل ما املكه من ارشيف غني جمعته خلال سني عملي في الصحافة والمسرح وبذلك ضاع جهد كبير. وكان الارشيف يتضمن الكثير من المعلومات عن الحركة المسرحية للفنان يحيى فائق.
يحيى فائق من مواليد بغداد عام1913، وهو نفس العام الذي وُلد فيه الفنان الرائد حقي الشبلي. وقد التقى الفنانان وشكلا مع الفنانين عبد الله العزاوي وفوزي محسن الامين وكريم مجيد جماعة تهوى المسرح والعمل فيه ومن أجله. وجمعتهم فيما بعد (الفرقة التمثيلة الوطنية) التي تاسست عام 1927 ورأسها حقي الشبلي.
كانت عائلة يحيى فائق من العوائل الغنية وارادت له أن يكون طبيبا لما يتمتع به الطبيب من وضع اجتماعي مرموق في المجتمع العراقي، لكنه خذلهم واتجه صوب المسرح الارفع والاسمى الذي كان منغمسا فيه منذ نعومة اظفاره وقد ولع بالخطابة والتمثيل في مرحلتي دراسته المتوسطة والثانوية.
عمل يحيى فائق مع الفرقة التمثيلة الوطنية ممثلا لردح قصير من الزمن ثم سرعان ما تركها وقام بتاسيس فرقة خاصة به ليحقق من خلالها طموحاته الفنية وخصوصا في الإخراج الذي كان يهواه ويتفانى من أجله. وكان يحس بأن لديه طاقة هائلة قادرة على خلق اعمال مسرحية مبهرة تفعل فعلها السحري بجمهرة المشاهدين.
انتمى يحيى فائق بادئ ذي بدء إلى ( فرقة المعهد العلمي) التي كان يديرها عبد المجيد البشري، وبعد أن تم اغلاق تلك الفرقة وتصفيتهامن قبل وزارة المعارف في عام 1932 ولاسباب مجهولة، أسس يحيى فائق، مع مجموعة من زملائه ابرزهم صفاء مصطفى وفائق حسن وفائق اسماعيل، فرقة مسرحية جديدة اطلق عليها اسم (الفرقة العربية للتمثيل). وفي نفس العام الذي اغلقت فيه (فرقة المعهد العلمي)، اي عام 1932، أُنتخب رئيسا للفرقة ومخرج اول فيها. كما أُنتخب كل من عزت عوني مديرا لادارتها و صفاء الدين الخيالي مديرا للمسرح وفتح الله محمود محاسبا. أما الاعضاء فهم ناصر حسين والدكتور مظهر المالح واسماعيل حقي. وبقيت الهيئة العامة مؤلفة من فائق حسن و نديم الاطرقجي و عناية الله الخيالي و هادي علي و يوسف سعيد و ناظم سلمان و رءوف حداد و فوزي حمدي وناجي فائق زكي السلامي وزكية القماره جي.
وعرضت الفرقة مسرحيات (الزباء) و (عنترة في الصحراء) و (واقعة الطونة) و (الطبيب على الرغم منه)، واستطاعت أن تحشد جمهورا واسعا لمتابعة اعمالها ويشجعها ويحثها على المزيد من الانتاجات المتقدمة والناجحة. وقد سبق ليحيى فائق أن أخرج لفرقة المعهد العلمي مسرحية (البطل) من تاليف عبد المجيد البشري في عام 1928.
وعندما قرر يحيى فائق السفر إلى سوريا لغرض الدراسة هناك قررت الهيئة الادارية للفرقة اسناد رئاستها إلى صفاء الدين الخيالي، ووافقت وزارة الداخلية آنذاك على المرشح الجديد. وبعد أن عاد يحيى فائق من سوريا عام 1936 التحق بفرقته على الفور بعد تنازل الفنان صفاء الدين الخيالي عن رئاسة الفرقة العربية للتمثيل. واستهل يحيى فائق العمل في فترة رئاسته الثانية بمسرحيات عديدة منها (الثورة العربية) و(الهادي) و (سميراميس)، وكانت جميع هذه المسرحيات من اخراجه وبطولته. وكان لنجاح مسرحياته وتعلق الجمهور بها حافزا مهما لمواصلة عملهفي الإخراج والتمثيل حتى عام 1946، وتمخضت تلك الفترة عن انتاج بعض المسرحيات الوطنية والتاريخية.
في محاضرة القاها في بغداد تحت عنوان (تاريخ مسرحنا كفاح... إلغاؤه جهل وتضليل)، أشاد الفنان يوسف العاني بمسرحية (بيدبا) التي أخرجها الفنان القدير يحيى فائق وكانت من تاليف رئيف الخوري. ومما قاله العاني: (أن (بيدبا) قدمت في السنوات الخوالي في حفل جماهيري كبير وفي ساحة صيفية مفتوحة وكان لقاءاً ما زال الكثيرون يذكرون آثاره).
قُدمت المسرحية في اواسط عام 1945 على مسرح شيدته الفرقة في جانب الكرخ.
وفي عام 1946 أخرج الفنان يحيى فائق مسرحية (هذا مجرمكم) للكاتب صفاء مصطفى، ومثّل الدور الرئيس فيها، وقد سبق وان قدم المسرحية نفسها في مدينة العمارة في عام 1938.
ظل يحيى فائق نشطا متالقا، ولم يتوقف عن العطاء حتى في أسوا الظروف التي مر بها البلد كالانقلابات العسكرية واشهرها انقلاب بكر صدقي في عام 1936، والموت الغامض للملك غازي في عام 1939، ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية التي الحقت الموت والدمار بكل سكان الارض واعاقت النمو والتطور في ارجاء المعمورة. ورغم هذا لم يتوقف يحيى فائق عن سعيه لتشكيل مجمعا فنيا كبيرا يحقق من خلاله طموحاته التي لا تعرف الحدود. وكانت عملية توحيد الفرق المسرحية العراقية واحد من احلامه. ولتحقيق ذلك الحلم اتصل يحيى فائق بالفرقتين المسرحيتين الكبيرتين آنذاك وهما (فرقة انصار التمثيل) التي كان يرأسها الفنان الكبير عبد الله العزاوي، و (فرقة بابل للتمثيل) التي كان يراسها الفنان محمود شوكت. وكانت مساعي يحيى فائق باتجاه الاتحاد الثلاثي بين فرقته والفرقتين الذكورتين محط ارتياح للفنانين والعاملين في الفرق الثلاث. ولم تات تلك المساعي من فراغ بل كانت تناغما مع موجة فنية اتحادية كبيرة سادت اوربا، وبشكل خاص فرنسا، حيث تشكلت العديد من الاتحادات بين الفرق المسرحية مما ادى إلى ظهور كيانات مسرحية عملاقة انتجت اعمالا عالية المستوى وذات افكار نيرة، ويعود سبب ذلك إلى الامكانيات البشرية والمادية التي تتمتع بها الكيانات المسرحية المتحدة.
وقد عرض الاتحاد الثلاثي الذي أسسه الفنان يحيى فائق عددا من المسرحيات في ارجاء مختلفة من العراق، وتنقل من مدينة إلى اخرى دون أن يخشى الخسارة او الضيق المادي. ومن هذه المسرحيات (عنترة للايجار) و (الوطن والبيت) لمؤلفهما صفاء مصطفى، ومسرحية الدب لأنطون تشيخوف. وفي المسرحية الاخيرة مثّلت السيدة نظيرة، زوجة الفنان يحيى فائق، الدور الرئيس (بوبوفا). ومثّل الفنان عبد الله العزاوي الشخصية الرجالية الاولى في المسرحية (سميرنوف). أما الفنان يحيى فائق فقد مثّل دور العجوز لوكا. ولم تكن السيدة نظيرة تتقن اللغة العربية قراءة وكتابة فلُقنت الدور واتقنته. ونجحت هذه العروض نجاحا باهرا شجع الاتحاد على اعادة عرض هذه المسرحيات في عدد من الالوية العراقية وكبريات المدن.
غير أن عقد هذا الاتحاد انفرط بسرعة دون أن يحقق كامل اهدافه وطموحاته، ومن أهم الاسباب التي عجلت بنهاية الاتحاد هي:
·انشغال الفنانين عبد الله العزاوي و يحيى فائق بوظيفتهما في ادارة الإذاعة العراقية منذ تاسيسها في عام 1936، والتي كانت تبث آنذاك لساعة واحدة في اليوم.
·توجه الفنان محمود شوكت لدراسة تاريخ المسرح في المانيا.
 

Page 9

·عدم تحقق الاندماج الكلي بين الفرق الثلاث، حيث بقت كل واحدة منها تحتفظ بكيانها ورئاستها.

·عدم تجاوب جماهير أحدى المدن وهي (الموصل) رمع المسرحيات الثلاث التي قُدمت فيها وذلك لعدم تناسبها مع ذوقهم، وقد سبق للفنان يحيى فائق أن حذر الاتحاد مما حدث قبل حدوثه حيث كان على معرفة كبيرة بذوق وميول المشاهدين في الموصل.

وهكذا جاءت نهاية الاتحاد المسرحي الثلاثي في الموصل لتقضي على أحد أكبر الامال في حركة مسرحية واعدة ترقى بالمسرح العراقي وتمكنه من التربع على عرش المسرح العربي آنذاك.

وحافظت (الفرقة العربية للتمثيل) بعد تفكك الاتحاد، وانفردت بالساحة المسرحية بسبب توقف فرقة بابل للتمثيل بعد مغادرة رئيسها أرض الوطن إلى المانيا، وتوقف (فرقة انصار التمثيل) التي كان يراسها الفنان عبد الله العزاوي.

واستطاعت (الفرقة العربية للتمثيل) تحت قيادة الفنان يحيى فائق أن تواصل عطائها حتى عام 1957 حيث قدمت مسرحية (عنترة) التي الفها الياس أبو شبكة، وعُرضت على قاعة الملك فيصل الثاني.. ثم اعاد مخرجها الفنان يحيى فائق عرضها ثانية بعد قيام ثورة 14 تموز من عام 1958 التي اجازت لفائق فرقته الجديدة (فرقة المسرح الجمهوري).

قام الفنان يحيى فائق بأداء دور (عنترة) في تلك المسرحية في حين قامت سلمى عبد الأحد بأداء دور (عبلة). وكانت سلمى عبد الأحد تلقي اشعار ابي شبكة بلهجتها الموصلية ولم تكن تتطلع إلى البطل حبيبها اثناء التمثيل بل كانت مشغولة بالنظر إلى القاعة، حيث يجلس بعض معارفها، وتبادلهم الابتسامات مما حدا بالفنان يحيى فائق أن يبالغ في طريقة القاءه الشعري واداءه التمثيلي كي يغطي على الخلل في اداء الممثلة.

انتمى الفنان يحيى فائق إلى معهد الفنون الجميلة – فرع التمثيل – في السنة الاولى لتاسيسه في عام 1940، وتخرج منه في عام 1945. والتحق بعد تخرجه بشركة (ستديو بغداد للانتاج السينمائي) الذي كان في طور التاسيس حيث قامت الشركة ببناء بلاتو للتصوير الداخلي تبلغ مساحته 400 متر مربع على قطعة أرض واسعة قرب معسكر الرشيد في بغداد.. وبدات الشركة ايضا بتجهيز الستديو بكل مستلزمات العمل الفني والتقني وبأحدث الموديلات.

وعندما بدات الشركة بانتاج فلمها الاول (عليا وعصام)، كان ليحيى فائق دورا مهما في ذلك الفلم وهو دور (جسام) . وشاركه في التمثيل الفنانون ابراهيم جلال وعزيمة توفيق وجعفر السعدي وعبد الله العزاوي وسليمة مراد. وكان الفلم من اخراج المخرج الفرنسي اندريه شوتان، وصوره مصور فرنسي ايضا هو جاك لومار، وعُرض في إذار من عام 1949 في سينما روكسي ببغداد وحقق نجاحا كبيرا حيث كتبت عنه الصحف العراقية والعربية معتبرة اياه بداية موفقة لصناعة السينما في العراق. واعرب النقاد عن تفاؤلهم بمستقبل مهم للعراق في هذا المجال وخصوصا في المنطقة العربية التي كانت مصر تسود انتاجها السينمائي، ولكن مؤامرات خارجية أحبطت تلك التجربة واطفأت جذوتها، وقصة تلك المؤامرات معروفة للمتابعين لشؤون السينما والمسرح في العراق.

استهوت السينما وصناعتها الفنان القدير يحيى فائق وصارت حلمه الذي لا ينفك يلازمه. وبدأ يعمل على تحقيق ذلك الحلم بانتاج افلام عراقية كان لها وقعها في الساحة الفنية. وكان اول عمل له في هذا الفن القريب إلى قلبه وفكره هو فلم سياحي بعنوان (العتبات المقدسة) الذي أخرجه بنفسه وصوره بالوان ديفا وباع منه من النسخ ما كان كافيا لتغطية تكاليفه. ومثّل في الفلم (خالد البارودي) وهو شقيق يحيى فائق والممثلة الايرانية (فروخ خانم). وبعد هذا الفلم قام يحيى فائق في عام 1955 باخراج فلم روائي بعنوان (وردة)، ومثّل فيه فوزي محسن الامين و خالد البارودي وقدري الرومي وهيفاء حسين، وصوره كريم مجيد. وفلم (وردة) كان تقليدا للافلام المصرية التي سادت تلك الحقبة من الزمن إلاّ أنه لاقى استحسانا لدى الجمهور العراقي.

وبسبب انشغال الفنان يحيى فائق بالسينما، ابتعد عن المسرح ولم ينتج اي عمل مسرحي سوى مسرحية (عنترة) التي أُعيد عرضها بعد ثورة 14 تموز من عام 1958 كما أسلفنا سابقا.

وفي مذكراته، كتب يحيى فائق يقول: (كنت في مطلع الاربعينيات من الشباب الوطني المحب لشعبه والساعي من أجل سعادته، وكنت آنذاك مولعا بالفن المسرحي الذي ملأ حياتي منذ الصغر، ولم اكن اعرف أن هناك رسالة للفنان ودورا اجتماعيا هائلا. وكنت انتمي إلى اسرة موسرة، ولم اتخوف من السلطة بل كنت استهزء بها وبقيود التخلف والعادات القديمة، وكنت بطبيعتي من الرافضين للاغلال الاجتماعية، وعلى ثقة من أن شعبنا سينطلق ذات يوم من سجنه ويلحق بركب التقدم والحضارة، لكني لا اعرف كيف وباية وسيلة).

ويواصل يحيى فائق (في ظهيرة صيفية بينما كنت ذاهب لرؤية نسيبي و(كان شيوعياً) في بيته، الذي لم يخلو من الضيوف في يوم من الايام، وبعد ان طرقت الباب، فتحها لي رجل وسيم، هادئ الملامح، قال لي، ان نسيبي سيعود بعد حوالي الساعةمن الان ، جنابك الاستاذ يحيى فائق؟..)

يستطرد الفنان الكبير يحيى فائق (وقعت كلماته المهذبة وقعا طيبا في نفسي، واجبت بخيلاء ـ نعم ـ وجلست على كرسي، وجلس قبالتي على دكة سُلم البيت الشرقي القديم بدشداشته النظيفة،اخذ يسالني عن المسرح، ويصف لي كيفية تفاعل وحماس الجمهور مع مسرحياتي الناقدة، التي منعت بعد ذلك، والتي شغلت المجتمع البغدادي رغم قصرها وقلتها، وابدى ملاحظات هامة جذبت انتباهي لأنه متابع ومطلع، ثم بدأت اوضح له واجيب على بعض تساؤلاته بجدية، ثم ابدى ملاحظات بدت لي انه قرا المسرحية، وكشف لي عن الدور الخطير للمسرح في ايصال الفكر الانساني للجماهير الامية، اضافة الى دوره التحريضي التي تهابه السلطات الظالمة، لذا تحاربه وتتهمه بالخروج عن العادات والتقاليد والاخلاق والدين، في الوقت الذي تدعم فيه المسرح الهابط الذي يلهي الناس عن مشاكلهم الحقيقية، ولاول مرة اسمع منه مقولة لينين ـ اعطني خبزا ومسرحا .. اعطيك شعبا واعيا ـ ثم اضاف : ان اردت ان تكون فنان الشعب، لا يجب عليك ان تكتفي بكشف المظالم والحقائق على المسرح فحسب، انما تسعى لتدل على طريق الحل).

ويكمل يحيى فائق ذكرياته في هذا اللقاء الذي فتح عينيه ـ كما يقول ـ على اشياء لم يكن يعرفها في جوهر ودور المسرح، اصبحت فيما بعد دليله في العمل في الفرقة (كان حديثي مع هذا الرجل الغريب قصيرا، وكانت هي المرة الاولى والاخيرة التي التقيته بشكل مباشر، وعرفت انه (فهد) بعد ان استشهد عام 1949، لكنه في هذا اللقاء القصير اجاب على جوهر تساؤلاتي و حيرتي، دون ان اطرحها عليه، خرجت وانا غارق و منشغل في ما اثاره من مواضيع، ان اكون فنان الشعب انا يحيى فائق ببدلتي السموكن البيضاء والوردة الحمراء، اكون فنان الحفاة؟..)

عندما تفجرت ثورة 14 تموز 1958 صباح الاثنين، كان يحيى من اول المؤيدين لها والموالين اليها، والمدافعين عن قيمها ومبادئها، ومن الاوائل الذين دعموها، وانتظم في لجان الدفاع عن الجمهورية، ثم اصبح مشرفاً على النشاط المسرحي في نقابات العمال التي نهضت في العهد الجمهوري، وصارت لها قوة نفوذ تدافع من خلاله على الالاف من العمال الذين تهضم حقوقهم في كثير من الاحايين، استطاعت هذه النشاطات ان يكون لها موقفاً متميزاً و مؤثراً بسبب الاشراف الفني الدقيق والمسؤول، وبسبب اندفاع يحيى فائق لتحقيق نجاحات وانتصارات مسرحية في هذه المواقع الجديدة.

وفي عام 1960 أخرج يحيى فائق مسرحية تناصر الثورة، وتحيي القائمين عليها وما حققوه من مكاسب الشعب رغم قصر الزمن، المسرحية التي أخرجها كانت من تاليفه واخراجه هي ( الفجر الثائر)قدم العمل من قبل ( فرقة المسرح الجمهوري)التي تخطو خطواتها الواثقة والقادرة على تخطي المصاعب والعقبات، واستمرت الفرقة ومخرجها الاول يحيى فائق بتقديم مسرحية جديدة هي ( القبلة القاتلة) عام 1961 قدمت المسرحية على مسرح قاعة الشعب ـ فيصل الثاني سابقاً ـ استطاعت هذه المسرحية ان تجمع حولها جمهور يكبر يوماً بعد آخر، ويؤيد الفرقة ومخرجها وطاقم عملها الفني.

اقدمت مصلحة السينما والمسرح التي تاسست حديثاً ويديرها الفنان يوسف العاني، على قيام مهرجان مسرحي اول في بغداد تشارك فيه جميع الفرق المسرحية العاملة بما فيها الفرق العاملة في المحافظات، وكان من احلام المصلحة تاسيس مهرجان مسرحي دائم يقام سنوياً او كل سنتين، وتفتح الابواب واسعة لعروض عربية من الدول الراغبة بالمشاركة، لكن هذه الاحلام اصطدمت بواقع مرير منذ البداية ومع فرق عراقية حيث رفضت الكثير من الفرق المسرحية المشاركة في هذا المهرجان، منها لأسباب ذاتية إذ ان هذه الفرق غير قادرة على مثّل هكذا مجازفات بسبب امكانياتها الفنية المتواضعة، او بسبب موقف بعض الفرق والمسؤولين فيها من المؤسسة او من مديرها العام يوسف العاني، وكانت اكثر هذه المواقف سياسية لا فنية. المهم لم تشارك في هذا المهرجان الهام المقام عام 1961 – 1962 الذي كان يؤسس لمهرجان مستمر ويتطور بمرور الوقت غير ثلاثة فرق مسرحية فقط، هي فرقة المسرح الحديث، وشاركت بمسرحية ( الخال فانيا) تاليف الكاتب الروسي انطوان تشيخوف واخراج عبد الواحد طه، والمسرحية الثانية هي (سقط المتاع) تاليف اوجين بريو، واخراج يحيى فائق، وتقديم فرقة المسرح الجمهوري، اما الفرقة الثالثة فهي فرقة المسرح الشعبي التي قدمت للإجازة مسرحية ( بيت الدمية) تاليف هنريك ابسن واخراج جعفر السعدي.

وقد فشلت مسرحية يحيى فائق سقط المتاع ولم يشاهدها الا عدد ضئيل من الجمهور، ولم تستمر فتوقفت مع شديد الاسف هذا الفشل له اسبابه الموضوعية اول هذه الاسباب اشتراك يحيى فائق في اخراج المسرحية وتمثيل الدور الرئيسي فيها والذي زاد المشكلة واججها اكثر ان يحيى فائق لم يحفظ دوره جيدا مما دفعه الى ان يخرج عن النص، ثم يتوجه نحو الجمهور الذي يتضمن اعداد كثيرة من المسؤولين وينتقد السلطة ويطالبها بالعمل من أجل حل مشاكل الناس وبسرعة، وبدون تاجيل، مما اثار حفيظة المسؤولين واعتبروا ذلك تشويه وطعن بالثورة وقادتها، ثاني الاسباب ان موضوع المسرحية الذي يعالج مرض الزهري، موضوعاً ليست له اهمية في تلك الحقبة الزمنية التي عرضت فيها المسرحية، ولا يعاني العراق من هذا المرض، السبب الثالث ان المسرحية بالفصحى وشخوصها اجنبية، كانت ثقيلة على جمهورنا الذي كان ينتظر من الفرق المشاركة ان تقدم مسرحيات قريبة من همومهم و تعالج مشاكلهم وتقف مع مطاليبهم.

كان فشل هذه المسرحية سبباً من اسباب انتكاس الفنان الكبير يحيى فائق وسبباً ابعده عن المسرح الى وفاته .

في مطلع السبعينات اعيد الفنان يحيى فائق الى التلفزيون مخرجاً فيه، واستمر يعمل فيه، لكنه متالم كثيراً من ابتعاده عن المسرح الذي احبه وافنى شبابه من أجله و من أجل تعزيز تقدمه وتطويره ليكون قريبا من المسرح في العالم، لأنه كان يؤمن بقوة ان للفنان العراقي القدرة ليكون عالمياُ يوما ما.

كان كثير الشك ان أحدا لن يقف معه او يكتب عنه وعما قدمه من اعمال فنية في المسرح والسينما والتلفزيون خلال السنين الطويلة التي عمل فيها في هذه الحقول الفنية الجميلة، كانت تعتريه الكثير من الهواجس، ان الوسط الفني والنقاد سرعان ما ينسون يحيى فائق وكل ما قدمه، هذه الهواجس كان يتحدث فيها علناً وبشكل يومي ووصل الى ان يشتري دفترا من نوع الاستاذ ( وبدا يطلب من كل فنان يلتقي به في مبنى تلفزيون بغداد، ان يكتب عنه بالقدر الممكن، والجميل ان الجميع استجابوا لهذا الطلب الغالي، وكتبوا الكثير عن يحيى فائق، عن فنه الراقي وعن اعماله التي كان يصب فيها عصارة فكره وذوقه وفنه كانت هذه الكتابة مصدر ارتخاء لهذا الفنان ومصدر رضا وهذا الشي الجيد الذي قام به يحيى فائق بأن تنبؤه كان صحيحاً وفي مكانه إذ لم يكتب عنه أحد بعد مماته ولم يذكره أحد ليس الفنانين فحسب وانما الجهات المسؤولة عن الفنون والمبدعينمثّل وزارة الثقافة ـ نقابة الفنانين ـ الذين لم يكلفوا انفسهم بالسير وراء جنازته عندما غادرنا الحاج يحيى فائق عام 1982، وحتى العديد العديد من الفنانين حتى اولئك الذين كانوا على تماس معه وقريبين منه.

اعرف هذا الدفتر المليء بالشهادات الحقة عن هذا الرجل، وكنت قلق على مصير الدفتر، لكنني سألت الدكتور علاء يحيى فائق المقيم بولاية ميشغان بالولايات المتحدة الاميركية، فأجابني بأنه موجود لديه وانه عنده مشروع يعمل عليه الان لنشر كل ما يتعلق بتاريخ والده الفني في كتاب، وينشر ايضاً كل ما قيل عنه و ما كتب عن فنه وحياته وجهاديته من قبل جمهرة الفنانين وقد شجعت علاء يحيى فائق على تنفيذ هذا المشروع المهم وقلت له انني على استعداد كامل لمساعدته إذا احتاج ذلك.

لقد عاش الفنان الرائد حياته طولها وعرضها، لكنه خرج من الدنيا لا يملك شيئاً غير انتاجاته الفنية واولاده الذين لم يخذلوه ابدا. وهذا لعمري خير ارث.

Page 10

ابراهيم جلال

نظر حفار القبر إلى الجمهرة الكبيرة التي تنتظر، تعجب من هذا الحشد، واكد لنفسه، انه لابد أن يكون للمتوفى شأن هام. ومع هذا لم يستطع السكوت دون أن يسأل وبصوت عال عمن يكون صاحب هذا القبر؟ فرد عليه الفنان يوسف العاني الذي كان قريبا منه انه ساحر المسرح، ساحر المسرح. فسأل الحفّار ثانية: ومن يكون هذا الساحر؟ انه إبراهيم جلال. أجابه العاني. نعم ساحر المسرح، وهي التسمية الأجمل والاهم والأدق لفناننا الكبير الراحل إبراهيم جلال المميز بأصالته و قوة ملاحظته، وعمقآراءه، والجماليات التي يحملها في أعماقه دائما. انه ساحر يرسم كل شيء بإبداع وادراك فني عالي المستوى ندر مثيله.
إبراهيم محمود جلال من مواليد بغداد عام 1921، من ابرز رواد المسرح العراقي، وصاحب البصمات الهامة في الحركة المسرحية العراقية الناضجة، وله يعود الفضل في كل الأعمال الفنية المؤسسة على اعتبارات علمية وفنية مدروسة.
دخل معهد الفنون الجميلة – فرع التمثيل عام 1940 في الدورة الاولى للفرع بعد تاسيسه من قبل الفنان حقي الشبلي، وتخرج منه بامتياز عام 1945، وقبل دخوله المعهد التقى بالرائد حقي الشبلي بعد عودته من فرنسا عام 1939، وقام الشبلي بجمع بعض الشباب المحبين للمسرح، مع بعض الفنانين الشباب، واسس جماعة فنية تحت إشرافه لتقديم مسرحية (فتح الأندلس) من تاليف محي الدين الخطيب، وكان الفنان إبراهيم جلال من ضمن هؤلاء الشباب وقد مثّل في المسرحية التي قُدمت على مسرح دار المعلمين الابتدائية في بغداد لمدة أربعة ايام، وكان الفنان جعفر السعدي يمثّل في هذه المسرحية ايضا.
وساهم الفنان الرائد إبراهيم جلال مع رفقاء له من خريجي فرع التمثيل في تاسيس (الفرقة الشعبية للتمثيل) في 12 أب 1947، ومن هؤلاء الرفقاء؛ عبد الكريم هادي الحميد وعبد القادر ولي، وعبد الله العزاوي، وجعفر السعدي، وخليل شوقي، وعبد الستار توفيق، وصفاء مصطفى، وعبد الجبار توفيق وليوصبري الذويبي.
تم اختيار إبراهيم جلال مخرجا اول للفرقة إضافة إلى الفنان جعفر السعدي وذلك اعترافا بإمكاناتهما وموهبتهما الفذة وثقافتهما الواسعة وسعة معلوماتهما الفنية وقدرتهما على قيادة أعمال مسرحية ناجحة ومؤزرة.
مثّلت مسرحية (شهداء الوطنية) باكورة إعمال الفنان المخرج إبراهيم جلال، وهي من تاليف الكاتب الفرنسي (فيكتور ريان سادو )، وقد سبق لهذه المسرحية أن قُدمت على مسرحنا العراقي عدة مرات ولمخرجين متنوعين، لكن اختيار إبراهيم جلال مخرجا لها كان له أبعاده وامتيازاته. وكان إبراهيم جلال موفقا في تقديم المسرحية وناجحا في العملية الإخراجية، إضافة إلى قوة وطاقة الممثلين الذين لعبوا أدوارهم المسرحية بإبداع، ومنهم :خليل شوقي، إبراهيم جلال، جواد الساعدي، عبد الجبار ولي، وغيرهم. وجاء نجاح المسرحية بسبب قدرة المخرج الفنية، وافقه الفكري المتفتح، وبعد نظره، واستيعابه والمامه لعمله الفني. غير إن الفرقة الشعبية للتمثيل وكادرها الفني والإداري توقفوا عن العمل بسبب اوامر سلطوية عليا، لم تعجبها المسرحية، وعكرت مزاجها الأفكار التي طرحتها، وبالتالي أصدرت أمرها بايقاف عمل الفرقة حتى العام 1952 .
وفي هذه الفترة من الركود الذي تجاوز الثلاث سنوات، خرج الفنان إبراهيم جلال من الفرقة والتحق بمجموعة شكلها الفنان يوسف العانيفي كلية الحقوق تحت اسم (جبر الخواطر) وكانت هذه المجموعة نواة لعمل مسرحي كبير ومتواصل أدى إلى تاسيس فرقة المسرح الحديث عام 1952، وصار إبراهيم جلال رئيسا لها، واخرج اغلب مسرحياتها بدءًا بالكوكتيل المتنوع الذي قدم على مسرح طيني بنته الفرقة في جمعية النداء الاجتماعي في الأعظمية. والكوكتيل مؤلف من مسرحيتي (رأس الشليلة، وماكو شغل( ليوسف العاني ومسرحيتي (المثري النبيل، وطبيب رغم انفه) لمولير ، ومشاهد من مسرحية (عطيل) لشكسبير. وكانت تلك تجربة رائعة إنسجم معها الجمهور انسجاما كبيرا، وتمنى الجميع للفرقة المزيد من العمل الابداعي والنشاط المسرحي.
خاض إبراهيم جلال عام 1954 تجربتين جديدتين على نفس المسرح الطيني؛ الاولى (لو بسراجين لو بالظلمة) ليوسف العاني والثانية للكاتب الانكليزي (جون مدسن) بعنوان (الغرفة المشتركة)، وكان النجاح والتالق من نصيب هاتين المسرحيتين. ثم توقفت الفرقة عن عملها الابداعي بسبب تدخل السلطة وقرارها بتجميد عمل الفرقة لسنتين بسبب حساسية السلطة القائمة من المسرح ومن الأفكار التقدمية الناقدةوتدخلها (بدون حياء) في شؤون الفرقة وما تقدمه من نتاج مسرحي وفكري.
وفي عام 1956 عاد النشاط إلى الفرقة، وفي تحد ظاهر أخرج إبراهيم جلال مسرحيتي (أغنية التم) لأنطوان تشيخوف. وقام بأداء دور الممثل العريق (فاسيلي فاسيليفتش) الفنان سامي عبد الحميد، في حين قام الفنان يوسف العاني بتادية دور الملقن نيكيتا ايفانوفيتش، ومسرحية (ستة دراهم) من تاليف يوسف العاني و تمثيل سامي عبد الحميد، مجيد العزاوي وعبد الرحمن بهجت. ومثّلت معهم لاول مرة الفنانة الشابة أزاد وهي صاموئيل التي أعطت للمسرحية نكهة خاصة، هي نكهة الحياة المشتركة بين الرجل والمرأة، وهي النكهة الطبيعية التي يجب إن تسود بكل الأحوال وان يكون للمرأة مكانا مهما في المسرح لأنها تمثّل نصف المجتمع، نصف لا يمكن المساومة عليه او تجاهله، ليس على مستوى المسرح فحسب ، بل وفي شؤون الحياة عامة .
واندلعت ثورة 14 تموز 1958 وقضت على قلعة الدكتاتورية والرجعية واقامت نظاما جمهوريا أطلق الحريات العامة للناس وفتح أمامهم آفاق واسعة من الآمال والأحلام والعمل المثمر. واستقبل الفنان إبراهيم جلال ومعه فرقة المسرح الحديث خبر اندلاع الثورة بفرح غامر، وساندوها منذ لحظاتها الاولى، وايدوا ما جاءت به من قيم وقوانين جديدة تمس حياة أبناء وبنات وادي الرافدين. واقُدمت الفرقة على تقديم عمل مسرحي سياسي، تكشف فيه طغيان النظام السابق واجهزته القمعية. وكان العمل مسرحية (آني أمك يا شاكر) من تاليف يوسف العاني. وكلفت الفرقة فنانها المقتدر والمبدع إبراهيم جلال بإخراجها. ومثّلت فيها فخرية عبد الكريم (زينب )، وهذه هي المرة الاولى التي كانت تقف فيها على خشبة المسرح، بالإضافة إلى ناهده الرمّاح، أزاد وهي صاموئيل، سامي عبد الحميد، عبد الجبار عباس، وعبد الواحد طه. وقُدمت المسرحية على مسرح قاعة الشعب ـ(فيصل سابقا)، وبدأ العرض في 15 كانون الاول 1958، اي بعد قيام الثورة بخمسة أشهر وهو انجاز قياسي. واستمر العرض لمدة 18 يوما وبحضور حشود جماهيرية لم يسبق للمسرحان شهدها من قبل، وقيّم النقاد والفنانون جهد إبراهيم جلال وبراعة عمله الفني المتقدم، كما اثنى الجميع على العمل من جميع نواحيه.