eKtab
EN ع
المسرح والقضايا المعاصرة
Read free sample

المسرح والقضايا المعاصرة

by د. يحيى البشتاوي

Page 1

الإهداء

إلى الأردن الغالي..

دمت لنا رحما وملاذا آمنا..

المؤلف

Page 2

المقدمة

تصدت الفلسفة والفنون عبر حركة التاريخ للإشكاليات والقضايا المعاصرة، وللتحولات الجوهرية في واقع الإنسان على صعيد الطراز الحياتي بجوانبه المتعددة، وتأثيره على آليات التفكير عند الجيل الجديد الذي يريد أن يفرض قيما تتلاءم وعصره في ضوء الصراع الأيديولوجي والعقائدي والحضاري وما خلفته الحروب والكوارث الطبيعية من آلام أدت إلى عزلة واغتراب الإنسان وشعوره باللا جدوى.

ويأتي هذا الكتاب للوقوف على أكبر قدر ممكن من القضايا الإنسانية ومحاولة دراستها دراسة عميقة ضمن معطيات الفلسفة والفن المسرحي، بوصفها قد ارتبطت بالواقع الإنساني ارتباطاً وثيقاً، ولامست دواخل أبناء الجنس البشري على إختلاف فئاتهم، وهو يهدف إلى رصد إنعكاساتها في المنتج الفني والإبداعي الإنساني بوصفه الشاهد المحسوس على ما في الزمن من تحولات وارهاصات صادمة.

ويسلط الدكتور يحيى البشتاوي الضوء في هذا الكتاب على قراءات الفلسفة والمسرح للإنسان وللقضايا المعاصرة التي شغلت اهتمام المفكرين على مر العصور ، فمنذ بدء الخليقة كان الإنسان عرضة لأزمات متلاحقة تدخلت في رسم حركة الوجود الإنساني ، حيث كان لها تداعياتها السلبية والإيجابية على الواقع ، وإذا كانت الدراسات التي عنيت بمشكلات الإنسان قد اتجهت في البداية إلى دراسة الخارج ، أي نحو العالم المادي ، فإن التركيز في الأزمنة الحديثة قد تحول من الطبيعة إلى الإنسان نفسه الذي أصبح محوراً للبحث الفلسفي .

وإذا كان المؤلف بداية قد تناول عددا من القضايا ضمن معطيات المذاهب المسرحية وضمن نتاجات عدد من المسرحيين من رمزيين وتعبيريين ووجوديين... فإنه قد اتجه فيما بعد إلى تناول عدد من القضايا بحسب موضوعاتها وذلك من أجل التخصيص هنا لا التعميم حول تلك القضية، فتناول مثلا قضية الاغتراب في المجتمع الآلي ضمن سياقاتها الفلسفية والمسرحية، لأن الآلة لم تكن بمعزل عن ترسيخ أزمة الإنسان، إذ اشتد تأثيرها بعد الثورة الصناعيـة، حيث تعرض المؤلف لذلك من خلال رصده لآراء أكبر عدد ممكن من الفلاسفة حول هذا الموضوع ، وقد أكد أن حالة التقدم التكنولوجي قد فرضت على الإنسان المعاصر مصاعب كثيرة، جعلته يعيش ضمن جدلية فلسفية حقيقية أفقدته الثقة بنفسه وبمعقولية وجوده، لاسيما في ظل حالات القلق والاضطراب من الاستخدام اللا إنساني لمنجزات التكنولوجيا، وسطوتها على الإنسان وتحويله إلى آلة بلا مشاعر وأحاسيس، وفصله عن عالمه الروحي مما أدى إلى خلخلة التوازن بين الواقع والفردوس الغائب.

وبما أن اغتراب الإنسان عن الطبيعة والمجتمع وعن نشاطه الخاص وعن نفسه قد شكل مثاراً للجدل، فقد اهتم المؤلف بدراسة موضوع الإنسان ومشكلة الاغتراب في الفكر الفلسفي، محاولاً رصد وجهات النظر الفلسفية حول الاغتراب الذي ألقى بظلاله على الإنسان ، وساهم في تقديم تساؤلات هامة عن مصيره ومستقبله، كذلك فقد تناول المؤلف قضايا الموت والقهر الإجتماعي والحرب إضافة إلى قضية فلسطين بوصفها قضية عربية مركزية.

إن ما يحسب للمؤلف هو نشاطه الدائم بالبحث في العلوم المسرحية، وانعكاس الفلسفات والحركات السياسية والاجتماعية عليها. ودور المسرح التنويري والطليعي في قيادة المجتمعات نحو الارتقاء بالقيم وصولا إلى المجتمع الحضاري، فهو يسلط الضوء على قضايا تهم الفنان المسرحي والمثقف العربي لم تبحث بهذا التوسع ولا بهذا الربط بين العديد من القضايا المعاصرة وعلاقتها بالمسرح.

د.فراس الريموني

Page 3

الأدب المسرحي الرمزيوالقضايا المعاصرة

مع بداية العقد السابع من القرن التاسع عشر بدأت فرنسا بالتعرف على نزعة أدبية جديدة ثم فرضت نفسها كتيار فني متكامل عرف بالمذهب الرمزي حيث اخذ بالانتشار في أوربا مع أواخر القرن التاسع عشر.

والرمزية هي: (حركة أدبية ظهرت(...) كرد فعل ضد البرناسية التي كانت عبارة عن فن تصويري يرتبط بالواقع ارتباطاً وثيقاً ويقوم بعرضه عرضاً مباشراً في أشكال تجسيمية وذلك بهدف الربط بين الشعر والنحت، وبهدف الابتعاد عن العنصر الذاتي لدى الشاعر. أما الرمزيون فقد رفضوا مثل هذا النوع من الفن، ورأوا أن الشعر ينبغي أن يعبر عن الاختلاجات النفسية الدقيقة، وعن الانفعالات اللاشعورية العميقة التي هي اقرب إلى الدلالات اللغوية والنفسية، وأقوى وسائل الإيحاء)(1).

وانطـلاقا مـن مثاليـة (أفلاطـون)، فقـد أسهمـت الفلسفـات الحديثة المتعاقبة فـي ظهور الرمزية، وذلـك مـن خلال تأكيـدها البحـث عـن جوهر الحقيقـة، فجـاءت نظـرية عمـا نويـل كانـت (1724-1804م) المتعلقـة بعالـم المظاهـر وعالـم الماهيـات الخفيـة، ونظـرات (شوبنهاور) و (نيتشه) الغيبيـة، وإذا كان (كانت) قـد رفـض الوجـود الموضوعي الكامـل للعالـم الخارجي في حد ذاته، وتفسيره للظواهر الخارجية بوصف العالم الخارجي المحسوس لا وجود له منفصلا عن النفس البشرية، فإن محاولة هيجل (1770م-1831م) قد جاءت لتثبيت أسس فلسفيه اكثر منطقية وموضوعية، حيث أكد أن فهم العالم المادي لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق فهم الذات، (وكانت هذه النظرات تشير بمجموعها إلى أن عالمنا الواقعي ما هو إلا انعكاس للعالم الغيبي الخفي الذي لا يمكن بلوغه عن طريق العقل بل بصورة تقريبية عن طريق الرمز الذي يصوغه حدس الفنان. ولهذا وقف الرمزيون ضد تصوير الطبيعيين للعالم من جهة وضد تصوير البرناسيين من جهة أخرى. وقالوا أن الفن لا يجب أن يلتفت إلى تصوير عالمنا المحسوس الذي نظروا إليه باستهانة واستخفاف على أنه عالم المظاهر، بل أنه يتجه إلى العالم العلوي المنبسط خارج حدود إمكانات وعينا الأرضي، عالم ما فوق الطبيعة)(2)، وبذلك فإن النظرة المثالية للرمزية تنطلق من إنكار حقائق الأشياء المحسوسة، والتي لا ترى فيها غير صور ترمز لتلك الحقائق المثالية البعيدة عن العالم الواقعي، وفي ضوء محدودية العقل الإنساني الواعي، يبرز دور اللاشعور في عملية إدراك تلك الحقائق المثالية، فاللاشعور قد يحدد سلوكنا وتصرفاتنا واليه يرجع الفضل في عمليتي الخلق والإبداع الفني.

ويؤكـد المختصـون أن أسـس النـزعة الرمزيـة قـد تبلـورت فـي الأعمـال الشعـرية الإبداعية لكل من (رامبو وفيرلين ومالارميه) خلال المدة الممتدة بين عامي (1871م-1873م)، وقد أكد (جان مورياس) ذلك حينما نشر رسالة في ملحق الفيغارو الأدبي عام 1886م، حيث عدت هذه الرسالة أول إعلان عن الرمزية، وقد جاءت رداً على مقالة (الشعراء المنحلون) النقدية التي كتبها (بول بورد) ليقدم بذلك صياغة للمنهجين الجمالي والفكري للمذهب الرمزي.

لقد أهمل (مورياس) في رسالته المحاولات الشعرية المتعددة التي كانت مزدهرة منذ بضع سنوات، واقترح مفهومهاً شعرياً يحل محل البرناسية، كما حلت هذه محل الرومانسية، وقد عد (بودلير) الرائد الحقيقي للمذهب، ووصف (مالارميه) بأنه من وهب الشعر معنى السر وما يفوق الوصف، بينما قام (فيرلين) بتحطيم قيود الشعر القاسية، ثم وازن (مورياس) بين الشعر الجديد، وبين طرق الشعر الداخلية، وأظهره عدواً للتعليم وللإلقاء وللحساسية الخاطئة وللوصف الموضوعي، فالشعر هو في خدمة الفكرة لا في خدمة الفكر، وهذه الفكرة ينبغي التعبير عنها بمشابهات خارجية فقط (3).

لقـد جـاءت نظـرة الرمزييـن السلبيـة للطبيعية والواقعيـة نابعـة مـن إيمـان أتباعهـا بأنهمـا تجعـلان العقـل الإنسانـي يصـاب بالبـلادة وذلـك نتيجـة لسهولـة فهمها، والرمزيون يؤكـدون دوما (بـأن المـؤلـف الفنـي الحـق يجب أن يخفـي وراء مضمونه المحدد شيئا أعمق بكثير، وهكذا أبدلوا الشخصية التي تعبر عن مظهر محدد واحد بالرمز الفني المشتمل على عدد من المعاني)(4) وذلك في محاولة للتعبير عن عالم مثالي يؤكد الحقيقة الجوهرية التي تختفي وراء العوارض المحسوسة متخذين من الإيحاء والتلميح لا من التقرير والتصريح لغة فنية للتعبير.

إن الرمزية في نظرتها للعالم المادي الذي نعيش فيه تنطلق من أنه صورة لعالم آخر يتمتع بقيم فضلى من الجمال والكمال، وخلف كل ما هو ظاهري شيء آخر مستتر، أما الأشكال التي نراها ونحسها فما هي إلا صفات خارجية للأفكار، وهذه الأفكار الجوهرية تمثل بالنسبة للرمزين روح الكون أو حقيقة العالم.

وقد أكد (فيرلين) أن الشعراء اتجهوا للرمزية نتيجة لضيقهم برتابة ما يسمى باللوحات (النتورالية) المشوهة، والكئيبة، وبرصانة البرناسيين وبرزانة (ليكونت دي ليل) المتشائمة، أما (اندرية بونيه) فيرى أن ظهور الرمزية في الأدب كان نتيجة للاعتراضات على الطبيعة الاستبدادية للمذهب الوضعي الذي يهتم بالظواهر والوقائع اليقينية ويهمل كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة، أما الشاعر الروسي (بريوسوف) فأوضح أن الرمزيين رفضوا المنهج الإبداعي الخاص بالنزعة الطبيعية الذي حول الفن إلى انعكاس سطحي للحياة، وأكدوا أن العمل الفني يخفي وراء المضمون الظاهر مضمونا آخر أكثر عمقاً(5).

وفي ضوء اهتمام الرمزيين بكل ما هو ذاتي وباطني وابتعادهم عن تصوير الواقع، لعبت الرمزية دورا رجعيا كان له أثره على إبداعات الشعراء، (إن الطبيعة الرجعية للنظرية الرمزية التي صاغها رواد الرمزية لم تكن مفهومه لا من جانب رامبو الذي ظن أن الشاعر الرمزي هو وحده الذي سيكون ذلك المكافح الذي تعقد عليه الآمال من أجل مستقبل تسوده النزعة المادية، والعملاق الجبار الذي سيأخذ على عاتقه المسؤولية نيابة عن الإنسانية، ولا من جانب فيرلين الذي نظم إشعارا ثورية وحافظ على علاقات صداقة مع قادة الكومونة في المنفى(6). فقد انتقل (رامبو) إلى باريس للاشتراك في الثورة التي قامت بها الكومونة، حيث نظم فيها أفضل أشعاره وتغنى بأمجادها، كما تعرض (فيرلين) بسبب إيمانه بمبادئها إلى السجن والتشرد، وحينما فشلت تجربة كومونة باريس تعرضا إلى أزمة فكرية خانقة كان من نتائجها هو التوجه نحو النزعة الرمزية وذلك للتعبير عن خيبة أملهما وإحساسهما بتراجع وانهيار مقومات الكفاح الاجتماعي.

لقـد تغلغلت الرمزية فـي أعماق الشعراء والكتاب نتيجة لاحتوائها علـى أهـم عناصر الفـن الأساسية، حيـث جعلت مـن الفن إبداعاً خيالياً ونشاطاً خلاقـاً منفصلاً عـن الحيـاة الواقعية ويخضع لحدس مبدعـه، ولم تهمـل الرمزية كلا مـن الجانب الانفعالـي وجانب الصنعـة الفنيـة بـل دعت إلـى التكامـل فيما بينهمـا، مـع ضـرورة التعبير عنهمـا بواسطة اللغـة الشعريـة التلميحيـة، وإلـى جانـب ذاك طالـب الرمزيون بإدخال الموسيقى في الشعر، إذ (أن موسيقية القصيدة بالإضافة إلى انعدام الدقة والوضوح في معاني الكلمات ومراميها يجب أن تؤدي إلى تصورات غير محددة. وزاد في اتجاه الرمزيين إلى موسيقية الشعر تعرفهم على فلسفة شوبنهاور ونظرته إلى الموسيقى، وحاولوا الوصول إلى عالم الخوارق عن طريق تحويل الشاعر إلى أداة تعزف عليها القوى المجهولة الساكنة في عالم الغيب)(7).

Page 4

لقد رفض الرمزيون مبدأ محاكاة الطبيعة في أدبهم، ورفضوا الإيمان بأن ملكة الخيال هي الملكة الوحيدة التي تمكن الإنسان من إدراك الحقيقة، لاسيما وأن النظرة الرمزية قد ارتبطت في حقيقتها بعالم الماهيات الخفية، والمظاهر التي كانت تشير إلى أن عالمنا الواقعي ما هو إلا انعكاس للعالم الغيبي الخفي، ويؤكد نزوع الرمزيين نحو الغيبيات والمجهول والوصف ألحلمي الأسطوري حالة اهتمامهم بالحقيقة العميقة الشاملة التي تنقلهم نحو الحقيقة الأسمى متجاوزين بذلك الحقيقة الفردية الذاتية.

ويرى (اندريه جيـد): (أن الحقائق مختبئـة وراء الأشكـال الرمزية، وكـل موجود هـو رمز للحقيقة، وكـل مـا يقع تحـت الحس ويظهر إنما هـو رمز) فالعالـم إذن مادة وجوهر، والأشياء تختلف بحسب مظاهرها المادية، أما فـي الجوهر فإنها تتقارب وتتشابه، والأفكار الجوهرية لا تظهر أبدا فـي ذاتها منفردة، ولكنها تبدو لنـا فـي الخيوط الدقيقة الخفية التـي تربطها وتجمعها فـي انسجام رائع لتكتسب بذلك معنـى بالنسبـة للإنسان الـذي يستطيع تجاوز مظاهر العالم المتناثرة ولا يعدها سوى رموز لها مغزى عميق، وهذا الإنسان كما يرى (شارل موريس) هو الشاعر الذي (يتأمل الحياة ويفسر مغزاها بالجمال، وبمعانيها الرفيعة السامية وليس بظواهرها المباشرة)، فالجمال والمعنى عند الرمزيين ما هو إلا الانسجام الخفي والنظام الدقيق الذي يحكم روح العالم، فإذا توصل الشاعر إلى إدراك هذه الحقيقة عرف المكان الحقيقي للإنسان في الكون فهو (المركز) ولا حقيقة لهذا الكون إلا في ذات الإنسان، ولا وجود إلا بقدر ما تلتقي فيه ذاته بالجوهر(8).

لقد نادى الرمزيون بتحرير العالم الداخلي للإنسان الذي خنقته الحضارة المادية مدة طويلة وتحرير النفس بكل ما تزخر به من أحاسيس وانفعالات، واعتمدوا فلسفة الأحلام المرتبطة أساسا بفكرة جهل حقيقة العالم الذي يعد مجموعة حوادث دائمة الحركة والتطور ويكتنفها حالة اللاثبات، (لذلك يعتقدون أن أصح تعبير عن الحقيقة المتحركة المبهمة هو التعبير عنها بصورة متحركة تجمع بين الوضوح والخبرة، وتحوم حول الفكرة بشيء من الغموض، وقد يتخذ الأديب الرمزي رمزا واحدا لعدة أفكار، أو يتتبع نفس المعنى من خلال عدة رموز متشابكة، وفي تلك الرموز يخفي المفتاح ولا يقدم للقارئ سوى عبارات من تشابهية المختلفة ويترك بعد ذلك المجال لذهنه كي يستنبط المغزى بنفسه)(9).

وانطلاقـا مـن إيمان الرمزيين بأن الحقيقة الأبدية تكمن فـي دواتهم، فقـد أكدوا أهمية الخيال فـي اقتناص الصـور الرمزيـة وذلك للإيحـاء بالحالـة النفسيـة وبحقيقـة الواقـع فيمـا بينهـا وبيـن الطبيعـة الخارجيـة مـن انسجام أو تنافر ، لذلك فقد استخدموا لغة تعتمد المفارقة والتقابل والتضاد والصور والاستعارات الغريبة وتداعي الأصوات والمعاني مع جنوحهم نحو توظيف الأساطير القديمة وذلك لمعالجة بعض المشاكل الفلسفية.

وكان للرمزية تأثيرها على كثير من المذاهب والتيارات الأدبية والفنية ، إذ شكلت معظم التيارات التي ظهرت في فرنسا وخارجها تفرعات جديدة عن الرمزية، وتنمية لبعض مبادئها وتعميقا لخصائصها وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الفنان والواقع أو بين الذات والموضوع. وإذا كانت كل من الدادائية والتكعيبية مثلا قد أكدتا على استقلال الشاعر وحقه في التعبير عن الانطباعات بصفتها الحية، وعلى الإغراق في الذاتية وعدم الاهتمام بالمظاهر الخارجية للواقع ، فان التعبيرية هي الأخرى قد التقت مع الرمزية في رفضها للمظاهر الخارجية بوصفها لا تمثل الحقيقة، وإنما تسعى إلى التعبير عن الحقيقة الكامنة داخل النفس البشرية(10).

وقد تأثرت السريالية هي الأخرى بالمذهب الرمزي إذ سعت إلى التحلل من واقع الحياة الواعية واتجهت إلى تغليب واقع اللاوعي وذلك لأن ما فوق الواقع يعد في حقيقته واقعا آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعا، انه أقرب ما يكون إلى الأشكال الحلمية والفنتازية التي يكون مصدرها العقل الباطن.

والخاصية الأساسية المشتركة بين السريالية والرمزية هي العودة إلى النفس الإنسانية واللاوعي ولكن السريالية تؤمن بأن الفن ينبع من الفوضى، من اللامعقول ومن الأحلام، من المناطق البعيدة التي لا سيطرة للعقل عليها، لذلك هي تسير على طريق التحليل النفسي، وتداعي المعاني تداعيا حرا، ثم تسجيلها في الفن دون رقيب عقلي أو خلقي، ودون أصول أو قواعد، ومن ثم لم تهتم بخلق أسلوب خاص تتميز به، بينما الرمزية لا تستند في مفهومها إلى واقع نفسي فحسب، وإنما تستند إلى أسلوب متميز كوسيلة من وسائل التعبير، وذلك في مجال الخلق الأدبي والتعبير اللغوي على السواء، وكانت الرمزية تبحث دائما عن الحقيقي والدائم والجوهري سواء في تعبيرها عن الذات أو الكون والحياة، وهي تهفو دائما إلى ما هو اعم واشمل، وتنطلق من الذات لكن هدفها المطلق(11)، لتحلق بنا وراء الحدود المألوفة وذلك من خلال حالة المزج بين تجارب العقل الواعي وتجارب العقل الباطن، مما يؤدي إلى إسقاط القيم الجمالية والأخلاقية وذلك بالانتقال بالعمل الفني من المعلوم الواضح إلى الغامض المشوش، من خلال إتباع الأساليب الرمزية اللاشعورية في عملية رسم الأشياء كما تشاهد في عالم الرؤى والأحلام.

ونجد أثر الرمزية أشد مـا يكون وضوحا فـي مذهب اللامعقول ، حيـث يلتقـي معهـا فـي كثير مـن الخصائص أهمهـا : أن هـذا الاتجاه جزء مـن الصراع المتصل بين الذاتية والموضوعية ، والمعروف أن لا معقولية مسرح العبث كمـا تتجلى في مسرحيات (يوجين يونسكو) وغيره من أعلام المسرح الطليعي المعاصر تقوم أساسا على حقيقة أنها تعبر عن رؤى شخصية ذاتية مصدرها اللاوعي في أغلب الأحوال(12)، وبذلك فالرمزية تأثرت بتعاليم (فرويد) وظهر جليا التقاء اتجاه اللامعقول مع الرمزية في العكوف على الذات واستبطان العقل الباطن بوصفه تعبيرا عن رغبات الشاعر وأحلامه الذاتية وعن رغبات وأحلام الجنس البشري.

ويتشابه موقف أدباء اللامعقول من اللغة مع موقف الرمزيين ،وذلك بنزوعهم إلى الارتداد للأصول والينابيع الأولى للكلمة وطرح المعاني التقليدية للألفاظ ، فالعبثيون يعتقدون أن اللغة توقفت عن التعبير عما هو حسي وجوهري، وأصبحت تقليدية أكثر من اللازم فهي قناع يخفي الفكر والعاطفة، أكثر مما يفصح عنهما.

Page 5

ويتفـق المسرح الرمزي ومسرح اللامعقول فـي كثير مـن الخصائص الفنية أهمها: رفضهما للمعنى المحدد والمعنى المنطقي، بل يتجهان إلى المعنى الرحب الذي يقوم على الصورة والفكر معًا، لا كما يمكن للعقل إدراكهما بل كما هما فـي الوجدان، لذلك يفتقد الشكل الفني لدى الرمزيين والعبثيين المنطقية والمعقولية، وأن كان ذلك أوضح لدى العبثيين الذين تختفي عندهم سمات المسرح التقليدي كالتسلسل المنطقي للأحداث، أو مطابقة الواقع أو مشابهته أو الاقتناع الفكري، بل عن طريق الهزة الدرامية والانفجارات الشاعرية، فهم يقدمون صورة تعرض مليئة بالمتناقضات، تضحك وتبكي، وهي كالأحلام صورة رمزية لها أكثر من معنى يوحى به ولا يفصح عنه، معنى يحس ولا يستخلص تماما مثل الحلم(13).

ويعد (موريس ميترلنك)(14) من أبرز كتاب المسرح الرمزي، حيث كتب عددا من المسرحيات الرمزية الجادة المتقدمة في بنائها المسرحي وفي لغة الحوار والجو الإيحائي، وقد لخص آراءه الدرامية في كتابه (كنز البسطاء)، حيث وصفت بأنها ثورة على المذهب الطبيعي الذي أرسى قواعده كل من (إميل زولا) و(هنري بيك).

إن (ميترلنك) كشاعر قد أحدث تأثيرا بالغا على الشعر الفرنسي لغرابة الصور التي وردت في قصائده، وللبساطة والتلقائية المؤثرة التي غلفت أعماله، والتي جعلته يدخل الي عالم المجهول، ولكن يبقى الجانب الفلسفي أجمل ما في أعماله إذ يتسم بالفضول والبحث الدؤوب عن الحقيقة في مختلف أشكال الرموز ، تلك الحقيقة المرتبطة بمأساوية الوضع الإنساني(15).

إن المجهول واللاوعي والعقل الباطن تشكل في رأى (ميترلنك) أسرارا خفية في حياة الإنسان يتطلب إدراكها الوصول إلى أفضل صيغ التأمل وذلك استعدادا للغوص في ميادين المجهول التي لا يمكن إدراكها بالعقل وحده. لقد أكد دوما (أن العواطف لا يمكن أن تخضع للتجارب العلمية وأن الحياة لا تقتصر على ما تراه عدسة العلم، وإنما هي سر لا يمكن أن يفهم معناه بكل جلاء ووضوح، وأن عالم المرئيات والواقع المحسوس ليس إلا أشباحا و أوهاما تتراقص على صفحة الحقيقة / وما الحقيقة إلا لحظات الصمت والتأمل والاستغراق، تلك اللحظات التي ينسى فيها المرء كيانه الفيزيقي، ويصغي إلى قوانين الأبدية الغامضة التي تسّير الكون)(16).

فكل ما ندركه عن حقيقة الكون يبقى في إطاره الضيق، ويبقى الظلام والمجهول يكتنف الإنسان من كل جانب في ظل قوى غيبية عظيمة لا مرئية تفرض تأثيرها على حركة الوجود.

ويتفـق (ميترلنـك) مع الطبيعيين فـي أن مأساة الحياة اليومية أصدق وأكثر تماشيا مـع حقيقة الوجود مـن مأساة المغامرات والبطولة، فالموضوعات التراجيدية ليسـت ضرورية لإبراز تسلـط المجهول، وأكثر الأحداث اليومية يمكـن إضاءتها بشعاع مأساوي، ولكن (ميترلنك) مـع ذلك يختلف عـن الطبيعيين فـي أن المأساة عادة تكـون بالداخل وتكاد تخلو مـن الحركة الخارجية حيث يسميها (دراما ساكنة)، وهـو يعتقد أن الشيء المأساوي أو الدرامي حقـا فـي المسرح ، هـو ليـس فقط قوة الحكاية ولا الكلمات والمشاجرات وحوادث القتل المثيرة وإنما هناك القوى غير المرئية التي يقدمها المسرح ، ففي العالم اللاشعوري للإنسان تحدث الدراما الفعلية وتكمن المأساة اليومية الحقيقية ، التي لا يعبر عنها إلا (المسرح الساكن) الذي لديه القدرة على أن يكشف للمتلقي عن الملامح الخفية في الكون(17) بأسلوب مسرحي يعتمد لغة شعرية ، حيث يعمل الشاعر المسرحي على محاولة الكشف عن خفايا المجهول وأسراره ووضعه على بساط الحياة اليومية.

لقد رفض (ميترلنك) الحركة المادية في المسرح والصراع الخارجي، وأراد من المسرح أن يكون عبارة عن لحظة صمت وتأمل وسكون يحدث فيها نوع من الكشف أشبه ما يكون بالكشف الصوفي، وهذا أمر كائن فعلا في نظر (ميترلنك) الذي يستشهد بالمآسي العظيمة القديمة كمآسي (اسخيلوس) و(سوفوكلس) حيث أن الحركة تكاد تنعدم فيها، ففي كل من (برومثيوس) و(الضارعات) لا توجد حوادث، وكذلك (ربات الرحمة) و(انتيجون) و(اليكترا)، ويرى أن (أوديب) رغم أنها مليئة بمشاهدة التعرف فإن ما تحويه من موضوع أقل من أبسط مأساة في هذا العصر(18)، فجمال وعظمة المآسي الجميلة برأي (ميترلنك) لا يرجع إلـى الأفعال بل إلـى الكلمات، وهـو لا يعني قطعـا تلـك التـي تصاحـب الحدث وتفسره، إنما تلك المكونة للحوار الداخلـي الذي تسمعـه الروح بعمق لأنه يتضمن كلمات تتفق والحقيقة العميقة ، لذلك اهتم (ميترلنك) في أعماله المسرحية بالتغلغل في أعماق النفس الإنسانية والتعبير عن أحاسيسه الغامضة اللاواعية، مع افتقار هذه الأعمال للصراع الخارجي والحركة الظاهرية.

وقد لجأ (ميترلنك) إلى الرمز سواء في الموضوع ككل، أو في اللفظ فقط، وذلك بهدف إدراك جوهر العالم من خلال نسبية الوجود، ومحاولة تخطي الحقيقة الواحدة بغية الوصول إلى الحقيقة الأسمى، والتي يحاول الأديب أن يدركها عن طريق الحدس، وأن يعبر عنها عن طريق الإيحاء، وعليه حتى يدرك هذه الحقيقة أن يستكشف العلامات المحيطة به التي تشكل العلاقات بين الإنسان العالم(19).

وقد تجلى أثر الرمزية في مسرح (ميترلنك) الذي تحرر من تقليد الطبيعة تقليدا حرفيا، وأصبح يعتمد الفكر والخيال والتأمل فيما وراء الطبيعة وإضفاء روح الشاعرية والتركيز على الإيحاء، وذلك ببناء عدد كبير من المشاهد دون مراعاة للبناء التقليدي.

ففي مسرحية العميان 1890م، يتناول (ميترلنك) قصة مجموعة من العميان الذين يضلون طريقهم في الغابة بعد وفاة القس الذي كان يشكل دليلا لهم، ونتيجة لذلك ينتهون نهاية مأساوية، فالفكرة الفلسفية التي تقوم عليها هذه المسرحية تكمن في أنه في ظل غياب الكنيسة يكون مصير الإنسان هو الضياع والهلاك، وما حالة العمى التي تعيشها الشخصيات هنا إلا دلالة على عجز الإنسان وعدم قدرته على معرفة مصيره وإدراك خفايا ما يحيط به في هذا العالم.

استوحى (ميترلنك) موضوعة مسرحية (العميان) من لوحة للفنان البلجيكي (بيتر بروجيل الأب) والتي رسمها في القرن السادس عشر، وهي تصور ستة عميان يسيرون متعثرين باتجاه الهاوية وقد وضع كل منهم يده على كتف صاحبه، والكل منهم يسير في موكب يقوده أعمى، بينما يلف السكون تلك القرية القابعة من ورائهم ببيوتها البسيطة، وتعد مسرحية (العميان) إحدى المسرحيات المبكرة التي كتبها (ميترلنك) حيث سعى من خلالها إلى تصوير الإنسان درامياً في حالة من العجز التي تظهره ضعيفاً في مواجهته المحتومة للقدر (ومثلما عرضت المأساة الإغريقية البطل في صراعه التراجيدي مع القدر، وأسست الدراما الكلاسيكية موضوعاتها على الصراعات الناجمة عن العلاقات الإنسانية ، فإن ميترلنك قد التقط اللحظة التي يتصدى القدر فيها للإنسان الأعزل (...)، إن الموت عنده هو من يشكل مصائر الناس، وأنه هو وحده المهيمن على الخشبة في مسرحياته وهو لا يصوره عبر شخصيات خاصة ولا في أي نوع من الربط المأساوي للحياة، فلا يؤدي إليه حدث ما وليس بأحد عنه مسؤولاً. وهذا يعني من زاوية النظر الدرامية استبدال مقولة الحدث بمقولة الحالة)(20).

لقد اهتم (ميترلنك) في مسرحياته بالانطلاقات الروحية للنفس نحو عالم غير محسوس، وبدت الحقائق المألوفة عن الزمان والمكان غير مؤثرة على تصرفات الشخصيات، فالأحداث لا تنمو في مسرحه نمواً منطقياً واقعياً وفق ما تقتضيه الحبكة المسرحية التقليدية، فبدلاً من ترابط الأحداث يستخدم مواقف لها دلالاتها الفكرية والجمالية مع اعتماده الكلي على الحدس، وعلى الأسلوب الشعري وما يتضمنه من الصور والأخيلة والإيقاع الموسيقي.

إن (ميترلنك) أراد من خلال مسرحية (العميان) أن يخلق مأساة رمزية يعبر فيها عن سر الحياة والقلق النفسي الذي يعتري الإنسان، وذلك بتجريد إبطاله من الحياة المادية للانتقال بهم من عالمهم المحسوس إلى عالم غير مادي، فأتى بشخصيات هشة هوائية غامضة مبهمة تروح وتجيء فيما يشبه ضياء القمر، والكلمة هنا ليست سوى رمز للعالم الخارجي والعالم النفسي وهي توحي ولكنها لا تقول، واللغة هنا لا تنقل الفكرة فحسب، وهي ليست حلقة اتصال لنقل المعاني المحددة، إنما تملك قدرة إيحائية فائقة لخلق عالم من الظلال والألوان والأصوات التي تتجاوب مع عالم آخر فوق الواقع(21).

ويتجسد مفهوم التناتولوجيا في المسرحية من خلال الحالة التي تبدو عليها الشخصيات وكلها تتصف بصفات الشيخوخة والعمى والجنون، التي تشكل دلالة على عجز الإنسان وعدم قدرته على إدراك ما يحيط به في هذا العالم، وهذه الشخصيات يعبّر حوارها منذ البداية عن حالات القلق والخوف والترقب:

(الأكمه الأول: ألم يعد بعد؟

الأكمه الثاني: لقد أيقظني.

الأكمه الثالث: أنا أيضا كنت نائماً.

الأكمه الأول: ألم يعد بعد؟

الأكمه الثاني: لا أسمع شيئاً مقبلاً.

الأكمه الثالث: آن أوان عودتنا إلى الملجأ.

الأكمه الأول: ينبغي أن نعرف أين نحن؟.

الأكمه الثاني: الطقس بارد منذ ساعة انصرافه.

الأعمى الأكبر سناً: هل يعرف أحدا أين نحن؟

العمياء الأكبر سناً: لقد سرنا سيراً طويلاً. لا بد أن نكون بعيدين جداً عن الملجأ)(22).

Page 6

وفي عام 1892م كتب (ميترلنك) مسرحية (بلياس ومليزاند) وهي مسرحية رمزية سيطرت عليها الأجواء الحلمية الأسطورية، وقد كتبت نثراً بأسلوب شعري مما أضفى عليها قوة الإيحاء وشفافية الرموز.

تقع المسرحية في خمسة فصول، وتدور حول أمير اسمه (جولو) تكتب عليه الأقدار أن يتوه في الغابة أثناء الصيد، وبينما يتلمس طريقه في الغابة يلتقي بفتاة تبكي على حافة ينبوع كانت قد رمت تاجاً لها في الحوض واسمها (ميليزاند)، ويقنعها (جولو) بالذهاب معه ثم الزواج منه بعد أن فقد زوجته، لكن (ميليزاند) تلتقي في القصر بأخ (جولو) من أمه ( بلياس) الذي يهيم بها، وتنتاب الشكوك (جولو) حول العلاقة التي تربط بينهما لاسيما بعد ضياع خاتم الزواج فيقتل أخاه (بلياس) ويصيب (ميليزاند) بجرح صغير لا تلبث بعده إلا أن تموت .

ومما يؤشر على الشخصيات في المسرح الرمزي بشكل عام، وفي مسرح (ميترلنك) بشكل خاص، هو أنها تفتقد للأبعاد المتعارف عليها في المسرح الواقعي، ولا تؤثر الحقائق المألوفة عن الزمان والمكان في حركة الشخصيات وتصرفاتها التي نجهل خلفيتها وماضيها، فحينما نقرأ مسرحيات (ميترلنك) نكتشف أننا نجهل جهلاً واضحاً من هو هذا الغريب الموجود في مسرحية (الدخيل)، ومن هم هؤلاء كفيفو البصر الذين يتخبطون في الغابة كما في مسرحية (العميان)، ومن هن الأميرات والفرسان شاحبو الوجوه الذين يظهرون في مسرحية (بلياس وميليزاند) إننا (لا نعرف من أين أتوا وإلى أين يذهبون، إن وجودهم الفيزيقي غير محسوس. وليس معنى هذا انتفاء الصراع بل نقله بصورة غاية في الحدة والجدية وإلى مستوى الأفكار الروحية، وهو صراع يتتبع خلجات النفس ومحاولاتها لاستشفاف دورها في الوجود وتوحدها مع النفس العليا للكون)(23)، فهي شخصيات تشبه الدمى في حركتها أثناء الأحداث التي تبدو من خلالها مستسلمة للقدر، وفي مسرحية (بلياس وميليزاند) (تبدو السمة الغيبية هي المسيطرة على أحداث المسرحية في كل أجزائها إذ نحس منذ البداية أن هناك شيئاً يحدث، ولكن ذلك لا يأتي عن تسلسل الأحداث تسلسلاً منطقياً معقولاً، وإنما ينجم نتيجة لتضخيم الحدس، وذلك باستعمال المؤلف للمواقف الدالة، وللغة ذات إشعاع رمزي، فهو يخلق جواً إيحائيا نستشف من خلاله ما يمكن أن يحدث(24)، ويبقى الإحساس بالمجهول يكمن خلف أحداث المسرحية لتبدو الشخصيات بذلك محكومة لقوى اكبر منها، فالحب يدخل قلب كل من (بلياس) و (ميليزاند) رغم إرادة كل منهما، وإذا اجتمعا معاً تغلق الأبواب وترفض المصابيح أن تظل مضاءة في إشارة إلى سوداوية الأحداث القادمة.

إن ضياع خاتم الزواج من (ميليزاند) يحمل في حقيقته دلالة رمزية ترتبط بأحداث رهيبة سوف تقع، وتأكيدا على ذلك فإنه حينما وقع الخاتم من إصبعها كانت الساعة تدق حينئذ منتصف النهار، وهذه الحادثة تزامنت مع سقوط زوجها (جولو) من على جواده في الغابة، وإذا كان ضياع الخاتم يرمز إلى الزواج الذي سيضيع فيما بعد فإن مياه الكهف العميقة التي ابتلعت الخاتم قد رمزت إلى العاطفة الجامحة التي تجتاح (بلياس):

(بلياس: ما أروع بريق الخاتم في الشمس . لا تقذفي به إلى الماء.

ميليزاند: آه.

بلياس: قد وقع؟

ميليزاند: وقع في الماء.

بلياس: ينبغي أن لا يطغى عليك القلق هكذا من أجل خاتم، فليس هو بشئ وربما نجده، وإذا لم نجده فسنجد بدلاً منه خاتماً آخر.

ميليزاند: لا. لا لن نجده بعد ذلك، ولن نجد بدلاً منه خاتماً آخر كذلك. ومع ذلك كنت أعتقد أنه في يدي، وكنت قد أطبقت عليه يدي فإذا به يقع بالرغم مني ... كنت قد بالغت في قذفه نحو الشمس)(25).

إن آلية البناء الدرامي للمسرحية تقتضي من المؤلف استخدام عددٍ من المفردات استخداماً رمزياً، فالماء والظلام والبحر والغابات الشاسعة تلعب دوراً مهماً في النص، وذلك من خلال قوتها الإيحائية ودورها في ربط المواقف والأحداث المسرحية برباط خفي استجابة للبناء الرمزي للمسرحية، فالنور مثلاً يؤسس لحالة الإشراق العاطفي المؤقت عند كل من (بلياس) و(ميليزاند) ثم لا يلبث أن يتوارى ليحل محله الظلام الذي يرمز لتلك النهاية المأساوية التي تنتظر ذلك الحب، بينما ترمز السفينة التي تتلاعب بها الأمواج لتلك العاطفة التي تهيج في نفس كل من (بلياس) و(ميليزاند) دون معرفة نهايتها، وهذه المواقف التي تحفل بها مسرحيات (ميترلنك) لا ترتبط بحالة تطور الحدث بقدر ارتباطها بإثارة الحالات الشعورية الخاصة المعبرة عن الأجواء الرمزية ضمن إطارها الفلسفي العام.

ويعد (هنريك إبسن)(26) أحد الشعراء والكتاب الرمزيين وإن كان النقاد قد وصفوه بأنه إمام المدرسة الواقعية في المسرح الحديث، وقد جمع (إبسن) بين الفنان الملهم والكاتب الاجتماعي الناقد مما جعله في مكانة متقدمة بين أدباء عصره، بل أنه قد أثر على عددٍ من الكتاب البارزين من الأجيال اللاحقة أمثال: ها وبتمان، برناردشو، أونيل وغيرهم.

بدأ (إبسن) مسيرته الأدبية بعددٍ من الروايات الواقعية العاطفية ، ومع تطور هذه المسيرة بدأت توجهاته نحو الرمزية، وبعد أن أقلع عن المسرحية الشعرية اهتم (إبسن) بمعالجة الموضوعات الاجتماعية ليقدم للقارئ مسرحيات الأفكار التي تناقش المشاكل الاجتماعية الموضوعية وذلك في سبيل إعادة النظر في نظم المجتمع وأوضاعه.

لقد شرع (إبسن) أسلحته الانتقادية يمزق بها حجب الرياء عن وجه الفرد ووجه المجتمع ، ساخراً سخريته اللاذعة من معظم المثل التي كاد الناس يتخذونها آلهة لهم تحل من نفوسهم محل الآلهة القديمة عند الأمم الوثنية ، ساخراً أيضا من روح المساومة والوصولية وأنصاف الحلول التي يفضي بها المجتمع الحديث عن الجريمة والمجرمين، منبهاً الأفراد ، ولاسيما المستضعفين منهم إلى الاستمساك بحقوقهم الإنسانية كي لا يصبحوا فرائس للرأسماليين والأقوياء وذوي النفوذ من أي لون(27).

تأثر (إبسن) بتنظيرات ونتاجات (إلكسندر ديماس الإبن) (1824-1895م) حول الدراما الاجتماعية الواقعية ، إذ أن (ديماس) نادى بالمسرحية الواقعية ولكنه أخفق في إظهارها إلى حيز الوجود مثلما فعل (إبسن) ، الذي تأثر أيضا بتنظيرات يوجين سكرايب (1791-1861م) حول المسرحية المحكمة الصنع التي ازدهرت فيما بين عامي (1820- 1850م) والتي كان لها دورها في ترسيخ العناصر التي تكوّن القالب الدرامي.

إن (إبسن) قد جعل شخصياته المسرحية لا تختلف في ظاهرها عن شخصيات الحياة العادية، وجعل أحداث مسرحياته اكثر ترابطا وأكثر منطقية، لكنه لا يتوقف عند تسجيل مظاهر السلوك الإنساني مثلما نجد عند الواقعيين، وإنما ينفذ خلاله ليكشف عن الجوهر العام، فهو لا يعالج الواقع كمجرد تصوير أو تعبير خارجي، بل يتغلغل في أعماقه الفكرية، مما جعل النقاد يعدوّن مسرحياته أنها مهما بلغت واقعيتها فإن لها نصيب من الرمزية التي هي عند (إبسن) ليست مجردات ذهنية ، وإنما تكمن في الصور التي لها القدرة على إضاءة جوانب مختلفة من الحقائق الغامضة(28).

امتاز (ابسن) بارتقاء الغريزة الفنية في معظم مسرحياته، وهو يؤكد دوما ضرورة تخليص الإنسانية من أدرانها وإنارة الطريق أمامها وذلك حتى تبلغ الحياة الفضلى، وقد كتب أولى مسرحياته الناجحة عام 1856م وكانت تحت عنوان (مأدبة سولهوج) حيث جاءت بأسلوب الشعر الروائي الشعبي، وإذا كان (إبسن) قد اتجه نحو الرمزية منذ بداية مسيرته الأدبية، فإن مسرحياته الرومانسية والواقعية لا تخلو هي أيضا من العنصر الرمزي .

وتعد مسرحية (براند) 1866 م إحدى مسرحيات (إبسن) الرمزية، وهذه المسرحية ترجمة لحياة (إبسن) حيث عبر من خلالها عن أوضاعه الاجتماعية بكل أبعادها، ويقال أن (إبسن) قد كتبها متأثرا بفلسفة رائد الوجودية (سورين كيركجارد) لكن (إبسن) قد تنصل من ذلك بحجة أنه حينما كتب مسرحية (براند) لم يكن قد قرأ و فهم إلا القليل من مؤلفات كير كجارد (فقد كان الرأي الشائع أن إبسن قد وضع الكثير من آراءكيركجارد في مسرحية براند، وكان كيركجارد يطالب هو أيضا بأن يهب الإنسان ذاته كلها.. كما كان يعتقد أيضا أن قدرة الإرادة على الاختيار هي الشرط الضروري للخلاص. ولقد وضع أولا أمام جيله الحاجة إلى تسليم الذات تسليما مطلقا إلى إرادة الله، أي الخضوع القاطع الكامل غير المشروط للآخر، وهذا ما لا يمكن أن تفعله إلا إرادة مدربة قوية في حد ذاتها)(29).

إن هذه المسرحية هي أقرب ما تكون إلى الدراما الشعرية الرومانتيكية، وهي تدور حول شخصية القس (براند) الذي يبحث عن خلاصه الروحي الخاص، وذلك من خلال سلوكه الإنساني في الإيثار والتضحية من أجل الآخرين، مؤكدا أن المبدأ الذي يؤسس عليه طموحه ينطلق من الكل بوصفه (الإرادة التي لا تفزع من شيء ولا تنثني أمام شيء... الإرادة التي تستهزئ بالموت مهما كان مراً ومؤلما).

إن (براند) - الذي يعني اسمه النار والسيف - يتحدى المخاطر وذلك في سبيل القيام بالمهام الدينية العاجلة، ولا يتوانى عن تذكير الناس بوجود الله في عليائه وبضرورة التوجه إليه لأن اهتمامهم بالمادة جعلهم يتقلبون في وحل الخطيئة ولو تقربوا من الله لأنقذهم من محنهم وأعانهم ورد اليهم الأمل والقوة والروح، فشخصية (براند) هنا تعبر عن صورة الإنسان المثالي والفردي والثائر الأسمى، (وعلى غرار أنبياء التوراة والحواريين ذوي التطهر الديني الذين يظهرون في تاريخ البشرية ليغيروا سير العالم، نجد أن براند يتفانى في قضيته بدون هوادة. لقد اختار - كما فعل لوثر - أن يكون جلاد العصر يلهب بناره إسراف الأفراد والنظم، وقد صمم - كما فعل موسى - على أن يأتي بقوانين جديدة للنقاء الروحي في جيل من الخاملين والملاطفين والحالمين، وقد التزم - كما فعل المسيح - بخلاص الجنس البشري بأسره عن طريق تحول تام في شخصية الإنسان)(30)، فهذه المسرحية تناقش الموضوعات الكبرى التي شغلت (إبسن) والمرتبطة بوضع الإنسان في الكون الذي يشكل (إبسن) أحد أفراده، ووضع المجتمع الحديث وحالة البحث عن عالم مثالي تسوده الحرية والعدالة والمساواة.

وعلى الرغم من أن الكاتب المسرحي الثوري يبدي عطفه على أبطاله الثوريين، إلا أن إبسن - حتى في ملاحمه الخلاصية - يبدو متشككا وساخرا من أبطاله، ما لم يكن معاديا لهم تماما، ف (إبسن) ينبذ أحيانا أبطاله المثاليين الثوريين، إذ أن (براند) الذي يتشبه بالله بحيث يصبح ثائرا عليه يتلقى العقاب من السماء في شكل انهيار جليدي(31)، وهذا ما جعل بعض النقاد يذهبون في تأويل مغزى المسرحية إلى أن (ابسن) قد أراد السخرية من رجال الدين، سواء المتشددين منهم أو المتساهلين في أمور دينهم، أو من يتخذون من الدين ذريعة لدنياهم، ففي نهاية المسرحية يقف (براند) وحيدا أمام الله، وأثناء ذلك يدوّي في الآفاق صوت شديد ناتج عن انهيار كتلة جليدية من الأعالي فوقه، ويصيح (براند) متسائلا إلى الله في مرارة وشعور مضن من الشك عما إذا كان تأكيد الإنسان لإرادته التي لم تلن قناتها سوف يجلب له الخلاص والنجاة، وتأتيه الإجابة واضحة في الوقت الذي تجرفه فيه الكتلة الجليدية المنهارة (إن الله هو المحبة).

إن جميع مسرحيات (إبسن) هي نتاج للتأرجح بين اندماج المؤلف وابتعاده بين الذاتي والموضوعي، الأخلاقي والجمالي، الثائر والمرتدع، وهذا التأرجح يزود كل واحدة من مسرحياته بمستوى مزدوج تتعايش فيه مسرحية الأفكار مع مسرحية الفعل، لتظهر الشخصيات بذلك ذات حياة كريمة خصبة إلى جانب وجودها الدرامي، فمسرحية الأفكار هي تعبير عن تمرد (إبسن) الشخصي حيث يستمد منها طاقته وحماسه واندفاعه، بينما مسرحية الفعل تضع لذلك التمرد نوعاً من البعد الموضوعي ليستمد منها (إبسن) استقلاله وتعقده ودسامته(32).

أما مسرحية (البطة البرية) 1884م، فهي تمثل أنموذجا كاملاً لمسرحيات (إبسن) الواقعية الرمزية، وهذه المسرحية ارتكز (إبسن) في كتابتها على قصيدة شعرية عكس فيها تجربته الشخصية، وقد جاءت تحت عنوان(البطة البحرية)، تلك البطة التي تبني عشها عند الخليج، ويسطو صياد السمك على عشها مرة بعد أخرى، ويمكن أن توصف هذه القصائد بأنها (قصائد مذهلة في تركيزها ومرونتها، كل منها يصطبغ بطابع تجربة شخصية متغلغلة. فيها ينطلق لسان إبسن كما لم ينطلق في أي مكان آخر. على أن هذا الانطلاق، كما هو منتظر من كاتب درامي، يتخذ سبيل الصور الدرامية في كل قصيدة تتجسد العاطفة في رمز)(33)، والرمز هنا هو رمز درامي يتخذ صفة الحركة لا الجمود ضمن بنية القصيدة التي تعد قصة درامية كاملة.

Page 7

لقد شكلت مسرحية (البطة البرية) ثورة على التقاليد الاجتماعية الموروثة، حيث جاءت اقرب ما تكون إلى مسرحية الأفكار أو المناقشة، وهي تدور حول أسرة فقيرة تكافح للعيش على طريقتها الخاصة، إذ تبقى السعادة تغمر هذه الأسرة المكونة من الرجل وزوجته وابنته رغم الفقر الذي يعيشون فيه، وتتحول هذه السعادة إلى تعاسة حينما يدخل إلى بيت العائلة (جريجرز) الذي يبلغ رب الأسرة السيد (هيلمر) بأن زوجته (جينا) قد كانت عشيقة والده وأن ابنتهما (هدفيج) ليست ابنته، وكل هذا الموقف من (جريجرز) يكون بدافع المثالية والتمسك بالصدق رغم كل النتائج التي يؤدي إليها الكشف عن الحقيقة، وينتهي الأمر إلى هجر (هيلمر) لأسرته، بينما يقوم (جريجرز) بإقناع (هدفيج) وبطريقته المثالية المتعنتة بضرورة التضحية ببطتها البرية، وبعد أن تتحطم أحلامها تقوم (هدفيج) بقتل نفسها.

إن مسرحية (البطة البرية) تبقى قريبة من سيرة (إبسن) الذاتية، وهي بقالبها الأكثر انفتاحاً، ولهجتها الهجائية القاسية، ونهايتها غير الحاسمة تحتل- كما يرى إبسن - مكاناً خاصاً بين مؤلفاته، وتتضح جدتها في اتجاهاتها الفكرية لأن (إبسن) ينفي فيها شرعية الثورة نفياً باتاً، وهذا ما يمكن وصفه بأنه قد يكون نبذاً لكل ما كتبه (إبسن)(34)، الذي أراد في معظم مسرحياته أن يكون ثورياً حيث حقق في المجال الاجتماعي الأخلاقي انقلاباً جذرياً، وذلك من أجل تحقيق التغيير الذي يحقق السعادة والطمأنينة لأفراد المجتمع.

وانطلاقاً من المبادئ المثالية التي يؤمن بها (جريجرز)، فإنه يترك أباه الثري وكل ما يحققه له من رفاه وسعادة ويتجه للكشف عن الحقيقة للسيد (هيلمر)، وذلك من أجل تثبيت حياته الزوجية على دعائم الصدق والصراحة :

(جريجرز : (في دهشة بالغة) لا أفهم.

هيلمر : ماذا يستعصي على فهمك ؟

جريجرز: إن الوصول إلى تفاهم بهذا... تفاهم سيكون نقطة تحول إلى حياة جديدة. إلى تآلف ينهض على الحق والصراحة ويتجرد من الخداع..

هيلمر : نعم.نعم. أدرك هذا تمام الإدراك)(35).

ومما يزيد كلام (جريجرز) تأكيداً حول الحقيقة التي أبلغها للسيد (هيلمر)، هو أن السيد (فيرليه) والد (جريجرز) يبدو - منذ بداية المسرحية - مهدداً بالعمى، وهذا المصير ينتظر (هيدفيج) أيضا، إذ أن حالة العمى التي أصبحت تعاني منها ليست ناجمة عن مرض ما وإنما انتقلت إليها عن طريق الوراثة.

إن الكشف عن حالات الصراع بين المثالية والزيف، وبين الخداع والنفاق في مسرحية (البطة البرية)، كان من نتيجته أن انتهت أسرة (هيلمر) الفقيرة نهاية مأساوية، (ففي حين يستخدم إبسن في أغلب الأحوال شخصية ما ليتقدم بعقيدة ثورية معينة لعله يعتنقها هو نفسه، إذا به لا يكاد يرضى أبدا بالكلام الأجوف، فهو في الوقت الذي يتقدم فيه بفكرة مجردة، يفحص عواقب هذه الفكرة في ساحة الفعل الإنساني موضحاً كلاً من القوة النظرية لحقائق معينة وآثارها المهلكة على حياة الآخرين إذا وضعت موضع التطبيق)(36)، وهذا ما حدث بالفعل لعائلة السيد (هيلمر) التي تحطمت كل أركانها وعلاقاتها الأسرية الداخلية، لتظهر لنا الشخصيات العامة الضعيفة في وضع مأساوي، إذ أن كلمة صدق واحدة أودت بحياة أفرادها، لأن الصدق لا ينال في المسرحية إلا من الكادحين الضعفاء الذين تستدعي حالتهم منا ان ننظر اليهم بعين العطف والشفقة.

إن التضمينات الرمزية التي يجعلها (إبسن) ضمن الأحداث تجعل من شخصياته المسرحية غامضة غريبة الأطوار، مما يجعلنا لا نفهم تصرفاتها وأفعالها بل وأقوالها أيضا، لا سيما أن الرمزية عموماً تعكس المعنيين الخارجي والداخلي إذ يتطلب إدراكهما قدرة عقلية واعية، (إن انتحار هيدفيج عندما يطلب منها أن تضحي بالبطة البرية ليس مبرراً من الوجهة الواقعية والمنطقية ولا يمكن أن يفهم تبعاً لذلك إلا على أساس أن البطة البرية رمز، والرمز هنا يتخذ أبعادا مختلفة، وفي الوقت نفسه يجمع بينها خيط خفي يكسبها نوعاً من التلاحم في رؤية شاملة تنتظم كل المواقف والأحداث)(37)، وهكذا يتجسد الرمز عند (إبسن) كذهنيات تكمن داخل صور، وهي تتمثل فيها القدرة على تزويد مشاعرنا الواعية بمضمونها الفكري، فالبطة البرية رغم أنها بطة فعلية إلا أنها ترمز لعدد من الوقائع والأحداث التي ترتبط بالشخصيات المسرحية، كشخصية (الملازم أكدال) الذي يفقد مكانته الاجتماعية بسبب تهمة يدبرها له صديقه السيد (فيرليه)، ليصبح بذلك مهيض الجناح مثله مثل البطة البرية التي أصابتها رصاصات بندقية (فيرليه) تحت جناحها مما جعلها تهوي إلى القاع، وفي موضع آخر، تصبح البطة البرية رمزاً لشخصية (هيدفيج) التي تبدو في المسرحية مجهولة الهوية مثلها مثل البطة البرية التي لا يعلم أحد من أين أتت، ولا من هو والدها الحقيقي:

(هيدفيج: أما هي فقد انتزعت من بين أصدقائها انتزاعاً. أضف إلى هذا أن حياتها يشوبها الكثير من الغموض فلا أحد يعرف من أين جاءت.

جريجرز: إنها هوت إلى أغوار المحيط)(38).

لقد أحالت المثالية المقلقة التي ادعاها (جريجرز) سعادة البيت الهادئ القانع إلى تعاسة مفرطة، حيث نقلت أسرة السيد (هيلمر) إلى أزمات متلاحقة انتهت بكارثة أزلية تمثلت بموت (هيدفيج)، وهذه المثالية التي جعل (جريجرز) من نفسه داعية لها لا يمكن أن تكون هي الطريقة المثلى لعلاج الأخطاء والمشكلات الاجتماعية.

إن (إبسن) قد قدم في مسرحه بحثاً للقضايا الجدلية التي تؤرق الإنسان في الحياة المعاصرة، وذلك من خلال مناقشته للصراع القائم بين الفرد والنظم الاجتماعية الفاسدة، لذلك فهو لا يتوانى عن الهجوم على مراكز السلطة التقليدية في الكنيسة والدولة بحثا عن حرية الإنسان ودفاعا عن قضايا المرأة، بما يتوافق مع المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي يدعو اليها.

Page 8

الأدب المسرحي التعبيريوالقضايا المعاصرة

مع بداية القرن العشرين بدت تلوح في ألمانيا حركة ثورية ونزعة فنية وأدبية حيث جاءت هذه الحركة معادية للمذهبين الطبيعي والتأثري، كما شاركت المدرسة الرمزية الكثير من منطلقاتها لاسيما ذلك المفهوم الذي ينظر للعالم بوصفه إسقاطاً ديناميكيا للذهن البشري، وقد عرفت هذه الحركة فيما بعد بالتعبيرية، وهي ترمي إلى تمثيل الأشياء كما تصورها انفعالات الفنان أو الأديب نحوها لا كما هي في الحقيقة والواقع. ففكرتها في الأساس هي أن الفن ينبغي أن لا يتقيد بتسجيل الانطباعات المرئية، بل عليه أن يعّبر عن التجارب العاطفية والقيم الروحية، فالتعبيريون يسعون إلى ما وراء قناع المظاهر الذي تتستر وراءه الأشياء في الطبيعة(1)، وهم بذلك يختلفون عن الطبيعيين الذين يعملون على تصوير ومحاكاة الواقع الخارجي بشكل مفصل، ويختلفون أيضا عن أتباع الأسلوب ألتأثري الذين يتشكل الانطباع لديهم نتيجة للتأثيرات التي تأتي إلى الفنان أو الأديب من الخارج.

في عام 1911م استخدم (كورت هللر) مصطلح التعبيرية للمرة الأولى ليصف به بعض الشعراء الألمان وأعمالهم، فقد كان هؤلاء الأدباء من وجهة نظره يهتمون في الأساس بالمضمون والإرادة والموقف الأخلاقي، لأن التجربة الداخلية للفنان والأديب لا بد من أن تظهر على السطح في شكلمستفز في أغلب الأحيان أي من خلال التعبير عما يدور في داخله(2).

اعتقد التعبيريون أن الحقيقة الأساسية يمكن اكتشافها في دواخل الإنسان، أي في روحه ورغباته ورؤياه، وأنه يجب صياغة حقيقة الواقع الخارجي صياغة تتفق مع نزعات الروح، وبذلك تبقى الأولوية عند التعبيريين للحافز الذاتي وليس للمظهر الموضوعي.

وقد اصطبغ الفن والأدب عند التعبيريين بمشاهد الحرب وانهيار العالم، وكانت الموضوعات السائدة هي رؤى نهاية العالم والطوفان ويوم القيامة، وتصاعد تصوير هذه الموضوعات إلى درجة الحماسة الملتهبة، وسيطر على الأسلوب الفني البحث عن إنسانية جديدة والرغبة في التغلب على الاحباطات، ونادى الأدباء في برامجهم بتأكيد رفض الحرب وكل مظاهر العنف، ومحاولة تحسين العالم من خلال التفكير السلمي والمشاعر المكثفة.

ظهرت التعبيرية في ميدان الدراما بعد أن ظهرت في ميدان الرسم وذلك لوصف التعبير عن المشاعر الداخلية تمييزا لها عن رسم الأشكال الخارجية، وقد اختلف مؤرخو الأدب المسرحي في المؤلف الذي كتب لأول مرة نصاً مسرحياً تعبيرياً، فمنهم من أشار إلى أن (فرانك ودكند) كان أول من قدم نصا تعبيريا من خلال كتابته لمسرحية (اليقظة المبكرة) عام 1906م حيث استخدم فيها الأقنعة وكتبها بأسلوب خطابي ممتلئ بالمونولوجات الطويلة.

إن التعبيرية تصور لنا وعي الفرد وضميره والصراع الباطني والحالات الداخلية التي لا يمكن تمثيلها على المسرح بطريق مباشر، ولذلك كانت المناجاة من أهم مظاهرها، فهي تمثل طبيعة الدرب الذي يسلكه وعي الإنسان: صور وأطياف تتدفق بدلا من الأفكار المنطقية المعقولة، وكلمات وعبارات خاطفة وجمل مبتورة بأسلوب تلغرافي، والظاهرة الأخرى التي يمتاز بها المذهب التعبيري هي التجريد الذي يتجسد من خلال الشخصيات التي لا أسماء لها وهي تمثل فئة بعينها، فالتعبيرية هي محاولة التعبير عن المعنى الذي يكمن وراء الواقع(3).

تقوم المسرحية التعبيرية على شخصية رئيسة محورية (تعاني أزمة روحية أو ذهنية أو نفسية، على أن نرى البيئة والناس في المسرحية من خلال نظرة تلك الشخصية الرئيسة إليهما)(4)، ويهتم المؤلف في تقنيته الدرامية ببناء تلك الشخصية بناءً يتناسب مع واقعها الذي هو صورة عن واقعه النفسي والاجتماعي حيث تعبر تلك الشخصية عن مرحلة مهمة من معاناته، أو عن موقفه السياسي تجاه قضية معينة. وتفتقد الشخصية التعبيرية للأبعاد المتعارف عليها للشخصية في المسرح الواقعي، فهي شخصية حلمية مقطوعة الجذور.

ويأتي البطل في الأدب التعبيري على صورة إنسان شاب يكون ثائراً على القدر والبيئة، حيث تبدو من خلال مواقفه الفكرية سيطرة الأنا المركزية، مما يترتب على ذلك الاستغناء عن وحدة الحدث وإحلال وحدة الأنا بدلاً منها، وبما أن وظيفة الشخصية في المسرح التعبيري تكمن في التعبير عن شريحة اجتماعية واسعة لا أشخاص معينين، فإن (المسرحية التعبيرية لا تقدم في العادة أسماء الشخوص والطبقة التي ينتمون إليها، بل تقدم بدلاً منها شخوصاً نمطية يقتصر وجودها على وظيفتهم الأساسية بوصفهم مجرد ممثلين لأنماط وأفكار معينة للإنسان الجديد. فالشخصيات والتصرفات، التي يمكن أن تكون شائعة تعبّر عنها المسرحية التعبيرية من خلال الهوية المجهولة الاسم للشخصيات. والإنسان الفرد يلقي مونولوجه بوصفه ممثلاً لمجموعة من البشر، حيث تدعو أخلاقه الناس إلى تقليده)(5)، فقد جاءت الشخصيات التعبيرية نماذج لا أفراد عاديين حيث يسمون بأسماء رمزية مثل الملك، مستر صفر، الرجل، المرأة، الشاعر، الشرطي...الخ.

Page 9

إن الشخصية التعبيرية عرضة للتحولات المفاجئة التي تؤثر في حركة الحدث والصراع، وذلك بفعل تغير الزمان والمكان والسياق المنطقي للأحداث لإبراز حالة الإنسان المعاصر على حقيقتها، فقد جاءت المسرحية التعبيرية مكونة (من مجموعة مشاهد لا تأخذ الإطار التقليدي المتعارف عليه في الدراما)(6)، حيث يتحول البطل من مكان إلى مكان وتمتد الأحداث من زمان إلى آخر حيث نرى البيئة والواقع من وجهة نظر الشخصيات التعبيرية، وأصبحت تحل محل الحبكة المصنوعة بإتقان، مجموعة قصص الحياة المهلهلة التركيب، وسلسلة من المحطات والصور والمواقف الحياتيةالتي تمكن البطل من عرض أفكاره وتجربتيه الداخلية والخارجية، وهكذا فقد (نجد في المسرحية التعبيرية الواحدة انتقالاً فجائيا قد لا نعطي له أحيانا تفسيرا من الشعر إلى النثر، ومن الواقعية إلى الموضوعية، إلى ذروة المونولوج الذاتي، ومن حوار واقعي تقليدي إلى كلام مسرف في الإيجاز)(7) وقد تعبر من خلال الصرخات والتأوهات لتفجر بذلك معاناتها وآلام الروح بطريقة مبالغ فيها عله يسمعها الآخرون، فالشخصية التعبيرية جاءت لتعبر عن حالة من الاستلاب الإنساني، حيث ظهرت في كثير من المواقف مسلوبة الإرادة ولا تمتلك حرية القرار والرأي، (إن الكاتب التعبيري يضخم معاناة أبطاله ويبالغ في مواقفهم ويفجر كل إمكانياتهم الحسية والذهنية ويكسبها صفة الشمول بحيث يكون هذا البطل قادراً على قيادة مجموعة من الشباب، ويصبح المدافع عن أفكارهم وتصديهم لنقد المجتمع والمواقف المحافظة فيه من خلال طروحاته الفكرية التي كانت مطلباً شبابياً وشعبياً لذلك يسبغ الكاتب على شخصياته صفة التجريد)(8).

ففي مسرحية (فويسك) لبوشنر تتحكم الظروف بشخصية البطل (فويسك) وتجعله يمثل شخصية البطل الضحية، وذلك حينما يصبح فأراً يجري عليه الدكتور تجاربه بينما يمارس الضابط عليه سلطتيه العسكرية والسياسية، حيث يظهر مستلباً وممسوخاً كالدمية، أما فيما يخص شخصيتي الدكتور والضابط فقد جاءتا (اقرب شخصيات المسرحية إلى طبيعة الدمية، فكلاهما من طبقة اجتماعية منقرضة، يمثلان نظاماً اجتماعياً محكوماً بالزوال، وينطلقان من عقل أجوف، وأخلاق فاسدة، ونزعه علمية متحجرة. لقد صورهما (بوشنر) في صورة المسخ الكاريكاتوري وجمع فيهما كل طاقته الثورية في نقد المجتمع والعادات السائدة في عصره(9) فشخصية (فويسك) تعكس العجز الذي يشعر به الإنسان إزاء الاستلاب وعدم القدرة على التعبير ضمن قوانين اجتماعية ظالمة جعلته يصبح ضحية للأقدار التاريخية.

لقد جعل التعبيريون من حوار الشخصيات أداة لبناء شخصياتهم المسرحية، من خلال التعبير عن الحالات والمواقف المسرحية، وقد سيطر على هذه الحوارات الإيقاعات المستمدة من إيقاع العصر الآلي، وجاءت الشخصيات التعبيرية (مقتضبة يكثر فيها حذف أواخر الجمل (...)، لغة سريعة تلغرافية لا شيء فيها من البهارج والزخارف البلاغية (...)، بل يحسن أن تكون لغة دارجة في معظم الأحيان حتى تبتعد عن تعمل اللغة الرسمية التي لا يستعملها الناس في تفكيرهم الخاص وان يكثر فيها التكرار والجرس الغنائي، وان تكون ذات لهجة حماسية)(10) لأن هدف الشخصية التعبيرية هو نقد مشكلة معينة، وبالتالي يجب أن تأتي لغتها معبرة عن دواخل الشخصيات وأحاسيسها، ولها القدرة على التأثير في المتلقي.

وبفعل تأثير الطروحات الفلسفية وطروحات علم النفس، اتجه التعبيريون إلى بناء شخصياتهم المسرحية وحركتها بين الذاتي والموضوعي، (ولكي يكشف لنا الكتاب التعبير يون العالم الداخلي للشخصية فقد أحبوا استخدام تكنيك المناجاة والمونولوج حتى تستطيع الشخصية أن تعبر عما يجول بخاطرها)(11) وهذه التقنية تساعد على فضح الذات بالنسبة للبطل، وخروج الشخصية عن طبيعتها الاجتماعية في التعبير عن همومها ومعاناتها.

ويبرز دور الشخصيات الأخرى في عكس دواخل الشخصية الرئيسة، فهي أشبه ما تكون بالشخصيات المساعدة التي تعمل على تسهيل الحدث وتوضيحه وتعميق المعانتين الداخلية والخارجية للبطل (إما بمعارضتها لمواقفه وتجذير معاناته أو بالاتفاق معه ليتسنى له قيادتها نحو أهدافه)(12) بعيدا عن الخداع والأباطيل العاطفية، حيث تصور الشخصيات الوسط الاجتماعي والعواطف والأخلاق والأفكار عند طبقة اجتماعية بنوع من التجرد القائم على الدقة ورفض تزوير الحقائق.

إن معاناة الشخصية التعبيرية التي تتفجر نتيجة للقضية التي تؤرقها، هي التي تدفعها لاستصراخ ضمير العالم من خلال إطلاقها العنان لمشاعرها الحزينة معطية بذلك حالة أكثر دلالة وشمولاً، في الوقت الذي وجدت فيه الشخصية التعبيرية أن لغة الحوار أصبحت عقيمة ولا يمكن من خلالها التعبير عن حجم المعاناة الإنسانية تعبيراً مناسباً، فقد نجد الحوار عند التعبيريين (يفقد وظيفته الأساسية فيشيع في أعمالهم جو شاعري مسرف في شاعريته، وتجري على ألسنتهم لغة مجنحة متوهجة، ويصبح المونولوج هو المحرك الأول للوحات والمشاهد المتتابعة)(13) مما يسهم في مراجعة الذات والانطلاق بأسلوب متحرر يعبر عن تمرد تلك الشخصية على الواقع، وذلك من خلال اعتماد النبرة الحماسية التي تهتم بقوة التعبير.

إن الشخصية التعبيرية شخصية ثائرة في دواخلها، وهذه الثورة جاءت انعكاسا لإيمان التعبيريين القائم على رفض العالم الفاسد الشرير والبحث عن شكل أعلى للوجود، وقد تجسدت أزمتها لتتبلور ضمن نمطين رئيسيين، حيث سيطرت شخصية البطل في النمط الأول على مجريات المسرحية كافة إذ تشكلت هنا دراما (الأنا) التي تتطابق مع ذات المؤلف كما عند (سترندبرج)، بينما ظهر في النمط الثاني ظهورا واضحا، مواجهة البطل للواقع الاجتماعي الفاسد وسعيه إلى تغييره من خلال الثورة عليه كما في مسرحيات (أرنست توللر).

ويعد (أوغست سترندبرج)(14) من أول المبشرين بالتعبيرية في المسرح، وقد تأثر بالعوامل الذاتية والموضوعية الكامنة في رحم المذهب الرومانتيكي، ويوصف بأنه أكثر كاتب مسرحي على الإطلاق يكتب نفسه، وهذا يتضح من خلال مطابقة حياته مع مضامين نتاجه الأدبي، وقد أثرت الانقلابات الاجتماعية والفكرية والأسرية التي تعرض لها في فنه المسرحي، حيث ظهر موقفه واضحا من المرأة كونها أثرت في حياته، فقد (رأى سترندبرج المرأة في نشأته في أمه الوضيعة النسب والمسلك ومقرعتها وفي أخته الملتاثه تقرصه وتشد شعره، وفي جدته العجوز تلاحقه بالتوبيخ والمعيرة، ثم زوجة أبيه خادمة البيت السابقة التي طردت روح الطفولة منه، فاستنبط بحساسيته المفرطة وعقليته المشوشة أنها مخلوق تافه ولكنه وحش متسلط، وراح حياته يرد لها الصاع صاعين في أحاديثه وكتاباته)(15) لهذا فقد سيطرت قضية الصراع بين الجنسين في كتاباته التي هاجم من خلالها المرأة، وعمل على التقليل من شأنها كما في مسرحيتي (الأب) و (مس جوليا).

Page 10

لقد قدم (سترندبرج) في مسرحه صورا من حياته المشوشة، حيث استمد البناء الفكري والاجتماعي والنفسي لشخصياته من خلال وقائع معينة أثرت في حياته، حيث جاءت إبطال مسرحياته لتعبر عنه وهو في صراعه مع المجتمع بأعرافه وتقاليده، وقد تشابه (سترندبرج) مع (إبسن) في كثير من النواحي، (فكل منهما في جوهره يروي سيرته الذاتية وينفث الغضب عن صدره بصب صراعاته الروحية في المسرحيات، وكلاهما عرضة لثنائية قوية تقرر الاتجاه المتغير لموضوعات كل منهما وقوالبه، وكلاهما منجذب إلى الجوانب الأكثر بدائية في طبيعة الإنسان، ولكن كل منهما - فوق كل شيء - ثائر ورومانسي، فنه هو التعبير في غير هوادة عن ثورته)(16).

إن حالة العنف عند (سترندبرج) تتصاعد حتى يتوصل إلى قناعات بأن الله هو المسؤول عن كل ما يحيق به من دمار نفسي وعصبي بسبب ما فرض عليه من واقع اجتماعي مقيت، وإذا كان (بوشنر) قد رد سقطاته السياسية إلى القدرية التاريخية، فإن (سترندبرج) قد أرجعها إلى الله، ولكنه رفض الاستسلام لهذه الإرادة العليا وتحداها كونها قد سلبت منه الوعي والإدراك، وبات دائم البحث عن التوازن بين ذاته الممزقة والعالم السلبي الذي يفرض عليه البؤس والشقاء.

ويرى (سترندبرج) أن التعبير عن الحب من خلال الجنس شيء من القذارة، فهو يبحث عن النقاء الروحي فاضحا التوجهات الجنسية عند شخصياته، إذ يلجأ أحيانا (إلى التضحية بتماسك الشخصية وفعلها المنطقي في سبيل تركيزه على الحرب الجنسية)(17) مؤكداً بذلك على تقديم شخصيات ثائرة على النظم الاجتماعية والسياسية والدينية، حيث وظف واقعه الذاتي في التعبير عن أزمة الإنسان ومعاناته، (وأساس مأساة الإنسان في نظر سترندبرج أنه لا وجود لحل منطقي رشيد لها، فالإنسان ضحية رغبات متصارعة متناقضة وأقوى هذه الرغبات - مثل رغبة الرجل للمرأة أو المرأة للرجل - دائما رغبة غير معقولة بل وأقوى من العقل)(18).

لقد أبدع (سترندبرج) ما سمي بدراما المحطات، حيث ظهرت هذه التقنية واضحة في نصوصه التعبيرية، ففي ثلاثية الطريق إلى دمشق (1898-1901م) ظهر أسلوب (سترندبرج) واضحا حيث قدم لنا (المبادئ الأساسية الشكلية للدراما التعبيرية التي تشمل اختزال الشخصيات إلى مجرد نماذج، تسمى بأسماء عامه مثل الغريب والشحاذ والطبيب، وتشمل ثانيا: توزيع الحدث في مناظر متتابعة، من أجل توجيه مراحل تطور الشخصية المحورية نحو هدف روحي، وثالثا: تطابق المؤلف مع شخصيته المحورية، فيمر الغريب الذي في طريقه إلى الاستشهاد بألوان من العذاب العقلي حتى ينال الخلاص بالإيمان المسيحي. وليس ثمة خصم معادل للبطل في مسرحياته: فالشخصيات الأخرى كلها ليست إلا إسقاطا للصراع الداخلي عند المؤلف وتجسيدا له(19).

إن شخصية (سترندبرج) تظهر في ثلاثية (الطريق إلى دمشق) من خلال شخصية الغريب أو مجهول الهوية الذي يعمل كاتبا ويدمن الشراب ويعادي الكنيسة، ويتضح لنا موقفه من خلال حواراته ومن خلال ما تقوله عنه الشخصيات الأخرى التي تمثل العقل الباطن أو لا وعي الكاتب نفسه، والتي تجعل شخصيته المحورية أقرب إلى الحلم، ولا يمكن تفسيرها وفق الأبعاد الثلاثة التقليدية للشخصية المسرحية، وذلك لأن هذه الشخصية مقطوعة عن امتداداتها الاجتماعية، وهي لا تخرج عن كونها نتاجا لأوضاع معينة.

في هذه المسرحية يطرح الصراع الدرامي في الظاهر في صورة تحدي بروميثي لله، حيث نجد شخصية مجهول الهوية وهو يناوئ (غير المرئي) ويتحدى القوى غير المنظورة أن تضربه بصاعقة من البرق، كما يعمل على تحرير البشرية من الآلام التي هي في حقيقتها كبت نفسي، كذلك فإن أولئك البشر الذين سيخلصهم، والشخصيات التي تمثل القوى غير المنظورة التي يصارعها، ليست إلا إسقاطات في ذهنه(20).

إن مسرحية (الطريق إلى دمشق) تستبدل وحدة الحدث بوحدة الأنا التي تشكل أرضية لها، ويأخذ الحدث استمراريته هنا على شكل مشاهد متسلسلة غير مترابطة ضمن علاقة لا تقوم على السببية لأن المشاهد لا ينتج أحدها عن الآخر، فالغريب يعيش أزمته نتيجة للأحداث التي كانت سبباً في معاناته، ونتيجة للأحلام والأحاسيس التي تضطرب في عقله الباطن والتي تجعله يدرك أن خصمه ليس إلا جانباً من ذاته. أما الشخصيات الأخرى فهي تمثل ذواتاً بديلة أو ذواتاً مساعدة، فالشحاذ مثله في ذلك مثل الغريب، يحمل على جبهته ندبة ناتجة عن ضرب أخيه له بالبلطة، وهو مثل الغريب أيضاً يمثل كلاً من شخصيتي قابيل وهابيل، فالشحاذ والغريب تتفق ملامحهما مع وصف لمجرم مطلوب القبض عليه، وعندما يصف حملة النعش شخصية الميت الذي يحملونه في كفنه، نجد أن الميت يشبه الغريب(21).

إن محاكاة شكل الحلم هو الشكل الذي قد يبدو منطقيا في مسرحيات (سترندبرج) التعبيرية، ولا وجود لوحدتي الزمان والمكان في ظل التجارب والتخيلات والعبثيات التي عززت (دراما المحطات) التي تشكل (الفضاءات الغائرة في الروح التي يقطعها البطل في الغابات وبين الأفراد والمدن والله بحثا عن الموازنة المفقودة بين عالمه والآخر (...)، إنها المحطات التي يتوقف بها البطل ليعانق عذاباته وجحيمه وليس له من يد في أن يلقاها)(22) فدراما المحطات تجرد الأشخاص من هوياتهم، وتقدمهم كأفكار مجردة ضمن سلسلة متتابعة من المشاهد التي لا تشكل مع بعضها حدثاً موحداً، بل تشكل الأنا أو اللاشعور بالنسبة للشخص الحالم أو البطل، وبما أن حيز الأنا ليس حواريا، فإن الحوار الذاتي يفقد طابعه الاستثنائي الذي لا بد من تخصيصه في الدراما، وذلك حتى يكشف عن الحياة النفسية وهذيانات الشخصية المكبوتة بشكل غير محدود، (إن عالم المسرحية هنا - باعتباره عالما ذهنيا- يعد مغلقا على ذاته، ومن ثم لا يمكن الهروب من تلك الرؤية المفزعة. إن التشوه الذي يصيب الشخصيات التي تمثل انعكاساً للذات المحورية يعكس الذنب الذي أقترفه مجهول الهوية، كما الأثر النفسي الناتج عن كسره للوصايا، أيضا فإن حدوث هذه الكوابيس يرجع إلى إفلاس مجهول الهوية، وفقدانه القدرة على الإبداع، ومن ثم فإن الحل يكمن في الإرادة، والقدرة على تغيير هذا العالم الداخلي من خلال المخيلة الشعرية(23)، وبذلك فإن المؤلف يحاول من خلال دراما المحطات التعبير عن أزمته بشكليها الروحي والفلسفي موضحا الأسباب التي تقف خلف كل عوامل الإحباط والفشل التي يعاني منها، ويبقى تطور شخصية البطل التعبيري عند (سترندبرج) يختلف عن تطور الشخصيات التي يقابلها في محطات مسيرته، والتي لا تظهر كثيرا إلا في لقاءه بهم وضمن إطار رؤيته.

وفي مسرحية (لعبة حلم) 1902م اتجه (سترندبرج) إلى بناء مسرحيته بشكل اقترب من أنشطة العقل الباطن، وقد كانت أفكاره - عندما كتب المسرحية - قد تأثرت بآراء الفيلسوف الألماني (إدوارد فون هارتمان) التي أوردها في كتابه (فلسفة اللاوعي)، لذلك فقد جاءت شخصيات المسرحية حلمية الطابع وأقرب إلى الأفكار المجردة، وهي تصدر عن عقل متوقد مشحون بالهموم والمعاناة، لا من خلال مملكة النوم، وإنما هي أقرب ما تكون إلى مملكة اللاشعور والعقل الباطن، ففي مقدمة المسرحية كتب (سترندبرج): (حاول المؤلف في هذه المسرحية أن يقلد شكل الحلم غير المترابط، والذي يبدو مع هذا شكلاً منطقياً. كل شيء يمكن أن يحدث، كل شيء ممكن ومرجح. الزمان والمكان ينتفيان. الخيال يتجاوز الواقع الهزيل وينسج أنموذجا جديدا: مزيج من ذكريات، تجارب، ابتداعات غير مقيدة، تناقضات وارتجالات. الشخصيات تنفصم وتندغم، تتناوب ادوار بعضها، تتمدد وتتكاثف، تذوب وتتحد، ولكن ثمة وعيا واحدا يحكم كل شيء: وعي الحالم. في هذا الوعي ما من أسرار ولا تناقض، لا شك ولا قانون. انه لا يدين ولا يبرئ، انه يعكس فحسب(24).

يتخذ (سترندبرج) من الأنا المنفرد الذي تمثله (ابنة الإله أندرا) والعالم المتغرب - المتشيئ أساسا لبناء مسرحية (لعبة حلم)، وتقوم ثيمة المسرحية على (أن الرؤية الإنسانية ليست إلا نتاجا لإبداع تلك القوة القدسية الأساسية، أو ذلك الجوهر الروحي الذي يقسم بين البشر جميعاً. ومن ثم فالحياةذاتها ليست إلا حلما خادعاً ليس البشر فيه إلا أطياف وإن كان لهم كياناً مادياً، وكما تؤكد الصورة الختامية الخاصة بالنار والزهور فإن الموت هو بالفعل ما يوقظنا من هذا الحلم(25).

تنوب في المسرحية مجموعة من الشخصيات عن الكاتب كشخصية (الضابط) الذي يصوره (سترندبرج) وهو متمرد على الله، وشخصية (المحامي) التي تشبه شخصية المسيح في تحملها لخطايا العالم وصراعها من أجل الضعفاء والمساكين، أما شخصية (الشاعر العالم) فتتجسد من خلالها فكرة المعارضة بين الخير والشر، والجمال والقبح.. الخ، حيث تظهر من خلالها سلسلة من المتناقضات، (ولما كان قد تحول إلى مذهب دارون، فهو يميل إلى تصوير الشخصيات وفقا لبقاء الأصلح، والانتقاء الطبيعي والوراثة والبيئة(26).

إن المؤلف ينزل (ابنة اندرا) التي تشكل شخصية رئيسة في المسرحية - من الأعلى، فها هي تقف شامخة فوق أعلى سحابة بينما تناديها الأم بالحيطة والحذر عند هبوطها، ولما كان الإله اندرا (قد سمع نواح البشر يتصاعد من أسفل، فقد قرر أن يبعث الابنة عبر الأبخرة القذرة لترى إذا كان نواح البشر له ما يبرره (...)، ومما يدل على مدى تحول سترندبرج عن كراهيته القديمة للنساء، إنها - على غرار اليانورا في عيد الفصح - شبح أنثوي تعبر عن عطف المؤلف على مصير البشرية واستعداده لافتداء الإنسان بمشاطرته آلامه)(27)، لذلك فلا يتوانى (سترندبرج) هنا عن تخليد (ابنة اندرا) بإنزالها من السماء محاولا بذلك الدلالة على علو مكانتها، ومن ثم ارتفاع قيمتها الفكرية وتطلعاتها الإنسانية التي تتصف بها.

إن مسرحية (لعبة حلم) تجسد إيمان المؤلف الحقيقي والواضح بحياة الأحلام، حيث يعيد المؤلف من خلالها إنتاج بنية الحلم وليس محتواه الفعلي، فهي تعبر من خلال شخصياتها عن العقل الشعوري الخاص به، إذ تبدو الشخصيات وكأنها مرآة عاكسة لهموم المؤلف وآلامه معبرة بذلك عن وجهة نظره بكافة تناقضاتها في سبيل الوصول إلى هدف المسرحية القائم على استحالة حل اللغز الأليم للوجود، إذ (أن البشر ليسوا إلا أرواحاً حبيسة أجساد، ويقضون عقوبة الحياة في وجود قوامه المادية. إن سر الباب في هذه المسرحية يكمن في العدم، الذي تتطلع إليه الطبيعة الروحية للإنسان خلافاً مع الوجود المادي له، فالمعاناة في هذا الإطار تصبح بمثابة العامل المساعد الذي يعمل على تجريد الروح، وذلك عن طريق جعل الحياة اليومية أمراً لا يطاق)(28). فالخبرة الشخصية للمؤلف مع الأحلام تجعله لا يستطيع الفصل بين الخيال والواقع، وبالتالي قبول كل فكرة تطرح نفسها على ذهنه، حتى لو بدت بمعايير العقل الواعي فكرة لا أخلاقية ولا يمكن لها أن تخضع للمنطق المألوف.

إن مسرحية (لعبة حلم) هي بمثابة ارتياد للذات وهي (تكاد تكون خالية تماما من أي تذمر شخصي، ذلك لان الدراما لم تعد عند سترندبرج عملا من أعمال الانتقام بل وسيلة للتعبير عن الشفقة على جميع الكائنات الحية)(29)، فهو يظهر معاناة الإنسان من خلال تضخيمها، لتظهر في الوقت نفسه الفرق بينها وبين حياة السعادة الخاصة بالبشر، وكل ذلك يأتي بهدف تحقيق الشفقة والعطف على هذه الكائنات وعدم إنزال العقاب بها، لأن الإنسان عند (سترندبرج) يكفيه أن يكون إنسانا حتى يصبح جديرا بالشفقة.