سي. أس. لِويس
(C. S. Lewis( 1898-1963م
كان كلايڤ ستايپلز لِويس (Clive Staples Lewis)، أحدَ عمالقة الفكر في القرن العشرين، وأحدَ أكثر كُتَّاب عصره تأثيرًا. عملَ مدرِّسًا للأدب الإنكليزيِّ في جامعة أكسفورد حتَّى عام 1954م حين اختيرَ في جامعة كامبردج بالتَّزكية لمنصب الأستاذيَّة في الأدب الإنكليزيِّ في فترتَي العصور الوسطى وعصر النهضة، وهو منصبٌ شغلَه حتَّى تقاعُدِه. كتبَ لِويس أكثرَ من ثلاثين كتابًا، واصلًا بها إلى عددٍ كبير من القُرَّاء، وما تزال أعماله تجدُ ألوفًا جُدُدًا من القُرَّاء سنويًّا. من أهمِّ أعماله ‘‘روايات عالم نارنيا’’ (The Chronicles of Narnia)، و‘‘المحبَّات الأربع’’ (The Four Loves)، و‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’ (Mere Christianity)، وجميعها متوفِّرة في العربيَّة من أوفير للطِّباعة والنشر.
تمهيد
إنَّ محتويات هذا الكتاب أُذيعت أوَّلًا عبر الأثير، ثُمَّ نُشرت في ثلاثة أجزاء متفرِّقة تحت العناوين التالية: ‘‘أحاديث إذاعيَّة’’ (1942م) ‘‘السلوك المسيحيّ’’ (1943م)، ‘‘أسمى من الشخصيَّة’’ (1944م). وقد زدتُ في النُّسَخ المطبوعة قليلًا ممَّا لم أقُله أمام المذياع، إلَّا أنَّني أبقيتُ النصَّ كما هو إلى أبعد حدّ. فأنا أعتقد أن ‘‘الحديث’’ الإذاعيَّ ينبغي أن يبدو شبيهًا بالحديث العاديِّ قدر الإمكان، ولا يكون له وقعُ مقالةٍ تُقرأ بصوتٍ عالٍ. ولذلك استخدمتُ في أحاديثي الاختصار والتعابير الدارجة التي أستخدمُها في المحادثة عادةً، الأمرُ الذي أجريتُ عليه تعديلاتٍ طفيفة في النُّسَخ المطبوعة، كما استخدمت الأحرف البارزة للتشديد. وأكاد الآن أعتبر ذلك غلطةً، إذ حاولتُ التوفيق بين فنِّ الكلام وفنِّ الكتابة بطريقة التهجين غير المستحبَّة. فعلى المتكلِّم أن يعمد إلى تغيير نبرة صوته للتشديد؛ لأنَّ وسيلة التبليغ تفرض ذلك بطريقة طبيعيَّة. غير أنَّ الكاتب لا ينبغي له أن يستخدم الأحرف البارزة للغرض عينه. إذ إنَّه يملك وسيلته الخاصَّة المختلفة بإبراز الكلمات الرئيسة، وينبغي له أن يستخدمها. كما أضفتُ أو حذفتُ حيثُ تصوَّرتُ أنَّني فهمتُ جزء موضوعي المعني الآن أفضل من فهمي له قبل عشر سنين، أو حيث تبيَّن لي أنَّ النصَّ الأصليَّ قد أساء بعضُهم فهمه.
ولا بدَّ للقارئ من أن يعلم أنَّني لا أُقدِّم أيَّ عون لأيِّ شخصٍ يتردَّد بين ‘‘مذهبين’’ مسيحيَّين. فلن تعلم منّي هل ينبغي لك أن تصير أنغليكانيًّا أو ميثوديًّا أو مشيخيًّا أو كاثوليكيًّا. وقد تعمَّدتُ إغفال ذلك (حتَّى المذاهب التي ذكرتُها أوردتُها كما خطر في بالي دون مفاضلة). وليس من لغزٍ يُحيط بموقعي وموقفي الشخصيَّين. فأنا رجلٌ عاديٌّ من العامَّة في كنيسة إنكلترا، لا صاحب منزلة ‘‘رفيعة’’ ولا صاحب مكانة ‘‘وضيعة’’ على نحوٍ مخصوص، ولا شيئًا غير ذلك أيضًا. إلَّا أنَّني في هذا الكتاب لا أسعى إلى اكتساب أيِّ شخص إلى موقفي الخاصّ. فمنذ أن صرتُ مسيحيًّا حقيقيًّا، بتُّ أعتقد أنَّ الخدمة الفُضلى، وربَّما الوحيدة، التي يمكنني أن أُؤدِّيها لإخواني غير المؤمنين هي أن أشرح وأصون العقيدة التي ما زالَتْ مشتركةً تقريبًا بين جميع المؤمنين بالمسيح في كلِّ زمان. ولتفكيري هذا أكثر من سبب واحد. وفي الطليعة أنَّ المسائل التي تفرِّق المسيحيِّين بعضهم عن بعض غالبًا ما تشتمل على نقاط لاهوتيَّة معقَّدة، أو حتَّى على نقاط متعلِّقة بالتاريخ الكنسيّ، ممَّا لا ينبغي أن ينظر فيه إلَّا الخبراء الحقيقيُّون. ومن شأني أن أكون في ذلك كمن يسبح في مياهٍ أعمق من قدرته، فأكون أكثر احتياجًا إلى المعونة ممَّا أنا قادر على إعانة غيري. أمَّا الأمر الثاني فهو أنَّني أعتقد أنَّه يجب علينا أن نعترف بأنَّ المباحثة في نقاط النزاع المعهودة لا تنطوي أبدًا على إمكانيَّة اجتذاب أيِّ غريب إلى رعيَّة المسيح. وما دمنا نكتب ونتحدَّث عن تلك النقاط، فالأرجح جدًّا أننا سنُنفِّر الغريب من الانضمام إلى أيَّة جماعة مسيحيَّة، ناهيك باجتذابه إلى جماعتنا. فلا ينبغي أبدًا أن نبحث في انقساماتنا، إلَّا في حضور أولئك الذين باتوا يؤمنون بوجود إلهٍ واحد وبأنَّ يسوع المسيح هو ابنه الوحيد. أمَّا الأمر الأخير، فهو أنَّ لديَّ انطباعًا بأنَّ كُتَّابًا موهوبين أكثر من سواهم قد خاضوا بالفعل غمار النقاش في مسائل خلافيَّة من هذا النوع، وعددُهم يفوق بكثير أولئك المتجنِّدين للدفاع عمَّا يدعوه باكستر ‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’. فجزء الخيط الذي حسبتُ أنَّني قادرٌ على الإمساك به جيِّدًا كان أيضًا الجزء الذي بدا أنَّه الأوهى. وإليه توجَّهتُ على نحوٍ طبيعيّ!
تلك كانت دوافعي الوحيدة، على حدِّ علمي. ويسرُّني إلّا يستنتج الناس من سكوتي عن مسائل خلافيَّة معيَّنة استنتاجاتٍ وهميَّةً غريبة.
وهذا السكوت، مثلًا، لا يعني بالضرورة أنَّني واقفٌ على الحياد. أحيانًا أكون كذلك. فبين المسيحيِّين مسائلُ تحت البحث لا أظنُّ أنَّنا قد أُطلعنا على حلولها. وبعضٌ من تلك المسائل ربَّما لا أعرف الجواب عنها أبدًا. فإذا طرحتُها، ولو في عالمٍ أفضل، فلعلَّني (رغم كلِّ ما أعرفه) أتلقَّى الجواب الذي تلقَّاه مرَّةً سائلٌ أعظم منِّي بكثير: ‘‘ماذا لك؟ اتبعني أنت!’’ (يوحنَّا 21: 22). ولكنَّ ثمَّة مسائل لي منها موقفٌ محدَّد ومع ذلك أسكتُ عنها تمامًا. فأنا لا أكتب دفاعًا عن شيءٍ يمكنني أن أدعوه ‘‘ديانتي’’، بل أكتب لأشرح وأصون المسيحيَّة ‘‘المجرَّدة’’ التي هي ما هي عليه وما كانت عليه قبل ولادتي بزمانٍ طويل، سواءٌ أعجبتني أم لم تعجبني.
ولا تستطيع أيضًا أن تستنتج من سكوتي عن مَواطِن النزاع إمَّا أنَّني أعتبرها مهمَّة وإمَّا أنَّني أعتبرها عديمة الأهميَّة. فهذا الأمر في ذاته واحدٌ من مَواطِن الخلاف. إذ إنَّ واحدًا من الأُمور التي يختلف المسيحيُّون فيها هو أهميَّة خلافاتهم. فما يعتبره أحدهم قضية مهمة، قد يعتبره غيره قضية جوهرية جدًّا.
إنما كان الخطر بوضوح هو أن أقدِّم شيئًا على أنه مسيحيَّة عامة تقتصر خصوصيته على كنيسة إنكلترا أو على نفسي (وهذا أسوأ). وقد حاولتُ الاحتراس من ذلك بإرسال النصِّ المبدئيِّ لِما بات الآن كتابًا إلى أربعةٍ من رجال الدين (أنغليكانيَّ وميثوديّ ومَشيَخيّ وكاثوليكيّ) طالبًا إليهم إبداء ملاحظاتهم النقديَّة بشأنها. فكان رأي الميثوديِّ أنَّني لم أقُل ما فيه الكفاية عن الإيمان، فيما كان رأي الكاثوليكيِّ أنَّني قلَّلْتُ كثيرًا مِن الأهميَّة النسبيَّة للنظريَّات في تفسير موضوع الكفَّارة. وفي غير ذلك اتَّفقنا جميعًا نحن الخمسة.
وبقدْر ما يمكنني أن أستنتج من المراجعات ومن الرسائل التي تلقَّيتُها، فإنَّ الكتاب، مهما كان على شطط في نواحٍ أُخرى، وُفِّق فعلًا إلى عرض مسيحيَّة مُتَّفقٍ عليها، أو مشتركة، أو مركزيَّة، أو ‘‘مجرَّدة’’. ومن هذه الناحية ربَّما يكون على الأرجح نافعًا بعض الشيء في إفحام الرأي القائل بأنَّنا إن أسقطنا نقاط الخلاف فلا يبقى لدينا إلَّا جامعٌ مشترك غامضٌ وعديم الحياة. ويتبيَّن أنَّ هذا الجامع المشترك ليس فقط أمرًا ثابتًا بل هو دقيق وواضح أيضًا، تفصله عن جميع المعتقدات غير المسيحيَّة هوَّة أعظم بكثير من أسوأ الانقسامات داخل الدائرة المسيحيَّة. وإن لم أكن قد خدمتُ مباشرةً قضيَّة جمع الشمل، فربَّما أكون قد أوضحتُ دواعيَ وجوب اجتماع شملنا. ولا شكَّ أنَّني تلقَّيتُ بعض الاتِّهام بحيازة معتقداتٍ لاهوتيَّة مَعيبة مُلفَّقة من قِبَل أتباع مقتنعين ينتمون إلى انتماءاتٍ تختلف عنِ انتمائي. إلَّا أنَّ الخصومة جاءتني من أناس لم يحسموا انتماءهم، سواءٌ داخل كنيسة إنكلترا أم خارجها- أُناس لا يتبعون أيَّة جماعة على نحوٍ جليّ. ولي في هذا الواقع عزاءٌ غير مألوف. فكلُّ جماعة، في مركزها، حيث يوجد أبناؤها الأوفر إخلاصًا، هي بالحقيقة أقربُ ما يمكن إلى أيَّة جماعةٍ أُخرى، بالروح إن لم يكن بالعقيدة. وهذا الأمر يوحي أنَّ في مركز كلِّ جماعة شيئًا ما، أو شخصًا ما، يتكلَّم بالصوت نفسه رغم كلِّ انقسامٍ في المعتقدات وكلِّ فرقٍ في الحساسيَّات، وكلِّ ذكرى من ذكريات الاضطهاد المتبادل.
أكتفي بهذا القدْر من الحديث عمَّا أسقطتُه في ما يتعلَّق بالعقيدة. وفي الباب الثالث كذلك، وهو يتناول الأخلاق، جاوزتُ أيضًا بعض المسائل في صمت، إنَّما لسببٍ مختلف. فمنذ خدمتُ بصفة جنديِّ مشاة في الحرب العالميَّة الأولى، ما برح لديَّ مقتٌ شديد لأولئك الذين يُصدِرون الأوامر إلى خائضي الحرب في الجبهة الأماميَّة وهم أنفسهم ينعمون في الرفاهية والأمان. ومن جرَّاء ذلك أتردَّد في أن أقول الكثير عن تجارب لست معرَّضًا لها شخصيًّا. فما من إنسان، على ما أعتقد، يتعرَّض للتجربة من جميع الخطايا بالمقدار عينه. فالواقع مثلًا أنَّ الحافز الذي يدفع بعض الناس إلى المقامرة غيرُ موجود في تركيبتي. وعليه، فأنا دون شكّ أدفع ثمن ذلك بافتقاري إلى شيءٍ من الحفز الإيجابيّ في ما أراه مُجاوِزًا الحدَّ أو خروجًا عن سواء السبيل. ومن ثَمَّ لا أُحِسُّ نفسي مؤهَّلًا لتقديم مشورة بشأن المقامرة المسموح بها وتلك غيرِ المسموح بها، إن كان من مقامرة مسموح بها! لأنَّني لا أدَّعي أنَّني أعرف ذلك أيضًا. كذلك لم أقل أيَّ شيء أيضًا عن تحديد النسل. فلستُ امرأةً، ولا حتَّى رجُلًا متزوِّجًا، كما أنَّني لستُ رجل دين. ولم أحسب أَنَّ من حقي أن أقف موقفًا حازمًا من آلامٍ وأخطار وأثمان أنا في مأمنٍ منها، وليست لي وظيفة راعويَّة تضطرُّني إلى ذلك.
وأرجو ألَّا يحسب أيُّ قارئ أنَّ المسيحيَّة ‘‘المجرَّدة’’ معروضة هنا بديلًا من قوانين الإيمان لدى الكنائس الموجودة حاليًّا، كما لو كان في وسع المرء أن يعتنقها تفضيلًا لها على الكنائس ذات النظام الجمهوري أو الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة أو غيرها. فإن قدرتُ أن أُحضِركَ إلى الرُّدهة، فقد نجحتُ في محاوَلتي. فما أشبه الأمر بردهةٍ تنفتح منها أبوابٌ تؤدِّي إلى بضع غُرف! ولكنْ في الغرف، لا في الردهة، مواقد ومقاعد وموائد. والردهة مكانٌ للانتظار- مكانٌ تُجرِّب منه مختلف الأبواب، لا مكانٌ تُقيم فيه. فلأجل غرض الإقامة، كما أعتقد، تُفضَّل حتّى الغُرفة الأسوأ (كائنًة ما كانت). صحيحٌ أنَّ بعض الناس قد يرون أنَّ عليهم الانتظار في الردهة وقتًا طويلًا، فيما آخرون يتأكَّدون في الحال أيَّ بابٍ ينبغي أن يقرعوا. ولستُ أدري لماذا هذا الاختلاف في الرأي، ولكنَّني على يقين بأنَّ الله لن يُبقيَ أحدًا منتظِرًا إلَّا إذا رأى الله تعالى أنَّ الانتظار خيرٌ له. وحين تدخل غرفتك، يتبيَّن لك أنَّ الانتظار الطويل آتاك شيئًا من الخير لم يكن ممكنًا أن تناله بغير ذلك. ولكنَّ عليك أن تعتبره انتظارًا، لا تخييمًا. إذ ينبغي لك أن تظلَّ عاكفًا على الصلاة طلبًا للنور، كما أنَّ عليك بالطبع، ولو كنتَ ما تزال في الردهة، أن تباشر محاولة إطاعة القوانين المشتركة في البيت كلِّه. وفوق كلِّ شيء، ينبغي لك أن تكون سائلًا أيُّ بابٍ هو البابُ الصحيح، لا ذاك الذي يُرضيك أكثر من سواه بطلائه أو كسائه. بصريح العبارة، لا ينبغي أبدًا أن يكون السؤال: ‘‘هل يروقني نوع تلك الخدمة؟’’ بل ‘‘أهذه العقائد سليمة؟ هل القداسة متوافرة هنا؟ هلِ يحرِّكني ضميري باتِّجاه هذا الباب؟ أيعود تردُّدي في قرعه إلى كبريائي، أو ذوقي الصِّرف، أو عدم استلطافي لهذا البوَّاب بعينه؟’’
وبعد أن تبلغ غرفتك الخاصَّة، عامِل باللطف أولئك الذين اختاروا أبوابًا مختلفة، وأولئك الذين ما زالوا في الردهة. وإن كانوا على خطأ، فهم يحتاجون بالأحرى إلى صلواتك. حتَّى لو كانوا أعداءك، فأنت مُوصى بأن تصلِّي لأجلهم. وهذا واحدٌ من القوانين المشتركة للبيت كلِّه!
تقديم
هذا كتاب يقتضي أن ننظر إليه في إطاره التاريخيّ، على أنَّه فعلٌ جريء من رواية القصص وعَمَل الشفاء في عالم جنَّ جنونه. ففي العام 1942، بعد أربع وعشرين سنة فقط من نهاية حربٍ وحشيَّة حرمت بريطانيا العُظمى جيلًا كاملًا من شبَّانها، وجدتِ البلاد نفسها تخوض حربًا أُخرى وبات المواطنون العاديُّون آنذاك هم مَن يُعانون، إذ تعرَّض وطنهم المؤلَّف من جزيرة صغيرة نسبيًّا لقصفٍ جويّ قامت به أربع مئة طائرة في ليلةٍ ليلاء، في الغارات الجويَّة الخاطفة السيّئة الذِّكر والتي غيَّرت وجه الحرب، محوِّلةً المدنيِّين ومدنهم إلى جبهات قتال أماميَّة.
كان سي. أس. لِويس في شبابه قد خدم في الخنادق المروِّعة إبَّان الحرب العالميَّة الأولى. ولمَّا بدأ قصف بريطانيا سنة 1940، التحق بالخدمة مراقبًا للغارات الجويَّة، ودأب في إلقاء أحاديث على أفراد القوَّات الجويَّة الملكيَّة وهُم يعلمون أنَّه بعد ثلاث عشرة مهمَّة قصف فحسب سيُعلَن عن معظمهم أنَّهم قُتلوا أو فُقدوا. وقد حفَّز وضعُهم لِويس على التكلُّم عن مسائل المعاناة والألم والشرّ، الأمر الذي أسفر عن دعوة هيئة الإذاعة البريطانيَّة له لتقديم سلسلة أحاديث إذاعيَّة في زمن الحرب عن الإيمان المسيحيّ. وبعد إذاعة تلك الأحاديث على موجات الأثير من 1942 إلى 1944م، جُمعت أخيرًا في الكتاب الذي نعرفه اليوم باسم ‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’.
فهذا الكتاب إذًا لا يتكوَّن من تأمُّلات فلسفيَّة أكاديميَّة، بل هو بالحريِّ أثر أدبيٌّ شفهيّ وجِّهت مادَّته أصلًا إلى قومٍ عصفت بهم الحرب. ولا بدَّ أنَّه كان أمرًا بالغ الغرابة أن يُشغِّل المرء جهاز الراديو الذي يأتي كلَّ يوم بأخبار الموت والدمار الهائل فيسمعَ رجلًا يتحدَّث بلهجةٍ تتميَّز بالذكاء وروح الدعابة والتعُّمق عن السلوك اللائق والخيِّر، وعن العدل والإنصاف، وأهميَّة التمييز بين الصواب والخطأ. وإذ طلبت هيئة الإذاعة البريطانيَّة من سي. أس. لِويس أن يشرح لمواطنيه ما يؤمن به المسيحيُّون، أقدم على هذه المهمَّة وكأنَّها الأمر الأهوَن في الدنيا، والأمرُ الأهمُّ أيضًا.
وليس لنا إلَّا أن نَعجَب من الصُّوَر البيانيَّة التي عنتِ الكثير لجمهور سامعي الكتاب أصلًا، لاشتمالها على استعاراتٍ تصوِّر عالمنا كأرضٍ احتلَّها العدوُّ واجتاحتها شرورٌ عاتية عاكفة على تدمير كلِّ ما هو صالح وخيِّر، وما تزال تبدو اليوم صُوَرًا ذات صلة شديدة بالواقع. فجميع نظريَّاتنا في العصرانيَّة والحداثة والرقيّ، وكلُّ تقدُّمنا في المجال التكنولوجيِّ العمليّ، لم تضع للحرب نهايةً. وإعلانُنا أنَّ مفهوم الخطيَّة بات بائدًا لم يُخفِّفِ المعاناة البشريَّة. ثمَّ إنَّ الأجوبة السهلة، من قبيل لوم التكنولوجيا، أو دياناتِ العالم، في ما يتعلَّق بهذه المسألة لم تحلَّ المشكلة قَطّ. فالمشكلة، كما يؤكِّد سي. أس. لِويس، إنَّما هي نحن. والجيل الشرِّير والمُلتوي الذي تحدَّث عنه ناظمو المزامير والأنبياءُ قبل آلاف السنين هو جيلنا نحن، متى استسلمنا للشرور الشاملة والفرديَّة وكأنَّ القيام بذلك هو خِيارنا الوحيد.
كان سي. أس. لِويس، وقد وصفه أحد أصدقائه مرَّةً بأنَّه مولع بالتخيُّل، يعتقد أنَّ القبول الراضي للأمر الواقع يعكس ما يتعدَّى فقدان رباطة الجأش. ففي ‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’، كما في آثاره الأكثر خياليَّةً، حكاياتِ نارنيا وروايات الخيال العلميّ، ينمُّ عن إيمانٍ عميق بقدرة الخيال البشريِّ على كشف الحقيقة المتعلِّقة بحالتنا وعلى فتح باب الرجاء أمامنا. إذ إنَّ الأساس المنطقيَّ للخرافات الرمزيَّة وللإيمان على السواء هو أنَّ ‘‘أطول طريقٍ دائريّ هو أقصر طريق إلى البيت’’.
وفيما تكلَّم لِويس بسلطان الاختبار دون سواه، وهو مؤمنٌ من العامَّة كان مُلحِدًا في ما مضى، قال لسامعيه إنَّه انتُدب لمهمَّة وصف المسيحيَّة لجيلٍ جديد على نحوٍ دقيق لأنَّه ليس واحدًا من ذوي الاختصاص بل ‘‘هاوٍ ومبتدئ، لا خبير متمِّرس’’. وقد قال لأصدقائه إنّه قَبِل المهمَّة لأنّه يعتقد أنّ إنكلترا، بعدما باتت تعدّ نفسها جزءًا من عالَمِ ‘‘ما بعدَ المسيحية’’، لم يبلِّغها أحدٌ قطُّ في الواقع وبعباراتٍ أساسيَّة ما هو محور الدِّين. وهكذا، فإنَّ لِويس، على غرار سورين كيركيغارد قبلَه ودَيتريتش بونهويفر مُعاصِرِه، يسعى في ‘‘المسيحيَّة المجرَّدة’’ إلى مساعدتنا على رؤية الدِّين بعينٍ جديدة، باعتباره إيمانًا ثوريًّا يمكن تشبيه أتباعه بجماعة سرِّيَّة تجتمع في منطقة حرب، في مكانٍ يبدو أنَّ للشرِّ فيه اليدَ العُليا، لتُصغي إلى رسائل الرجاء الآتية من الجهة الأُخرى.
إنَّ مسيحيَّة سي. أس. لِويس ‘‘المجرَّدة’’ ليست فلسفةً من الفلسفات، ولا حتَّى وجهة نظر لاهوتيَّة، يمكن النظر فيها ومناقشتها ثمَّ الاحتفاظ بها في كتابٍ على الرفّ. ولكنَّها نمط حياة يستنهض همَّتنا دائمًا كي نتذكَّر، كما قال لِويس ذات مرَّة، إنَّه ‘‘ليس هنالك أُناسٌ عاديُّون’’ وإنَّ ‘‘أولئك الذين نُمازحهم، ونُزامِلهم في العمل، ونصاهرهم بالزواج، وَنستخفُّ بِهِمْ ونستغلُّهم، إنَّما هم خالدون’’. ويعتقد لِويس أنَّه ما إن نُدَوزِن أنفسنا بمقتضى هذه الحقيقة، حتَّى نُشرِّع أبواب نفوسنا لتغيير حياتنا على نحوٍ خياليّ بطريقةٍ تجعل الشرَّ يتقلَّص والخير يسود. ذلك هو ما طلبَه المسيح منّا باتِّخاذه طبيعتنا البشريَّة وتطهيره لأجسادنا وطلبِه منَّا في المقابل أن نعلن اللهَ بعضُنا لبعض.
ولئن جعل العالمُ هذا الأمر يبدو مهمَّةً متعذِّرة، فإنَّ لِويس يُصِرُّ على أنَّها ليست كذلك. حتَّى امرؤٌ يتصوَّره ‘‘مُفسَدًا من جرَّاء تَربيةٍ بائسة في بيتٍ ملؤه المحاسدات المبتذلة والمخاصمات العقيمة’’ يمكنه أن يتيقَّن بأنَّ الله عليمٌ ‘‘أيَّةُ آلة رديئة تحاول أن تقودها’’، ويطلب فقط أن ‘‘تُواصِل السعي، باذلًا قصارى جهدك’’. فالمسيحيَّة التي يُناصِرها لِويس إنسانيَّة، غير أنَّها ليست سهلة، إذ هِي تطلب منّا أن ندرك أنَّ الكفاح الدينيَّ العظيم لا نخوضه في ساحةِ معركة مشهديَّة عظيمة، بل داخل القلب البشريّ العاديّ، حين نستيقظ كلَّ صباح ونُحِسُّ ضغوط يومنا مزدحمةً علينا وينبغي لنا أن نُقرِّر أيَّ نوعٍ من الخالدين نرغب أن نكون. ولربَّما أعاننا، كما أعان يقينًا الشعبَ البريطانيَّ الذي أنهكته الحربُ والذي أصغى أوَّلًا إلى هذه الأحاديث، أن نتذكَّر أنَّ الله بالمرصاد حقًّا لأولئك الذين يسعَون في إثر السلطة والقوَّة مهما كان الثمن. فكما يذكِّرنا لِويس، بظرفه المعهود ودعابته المألوفة: ‘‘كم كان جميع الطُّغاة والغُزاة متشابِهين على نحوٍ رتيب، وكم يختلف القدِّيسون على نحوٍ مجيد!’’
كاثلين نُورِّس
(Kathleen Norris)
1 - قانون الطبيعة الإنسانيَّة
لا شكَّ أنَّنا كلَّنا سمعنا أُناسًا يتخاصمون. وأحيانًا يبدو ذلك سخيفًا، وفي أحيان أُخرى مُزعِجًا جدًّا. ولكنْ كيفما بدا الأمر، أعتقد أنَّنا نتعلَّم شيئًا بالغ الأهميَّة من الإصغاء إلى الأمور التي يقولونها. فهم يقولون أقوالًا كهذه: ‘‘ماذا يكون وقْع الأمر عليك لو عاملك أيُّ إنسان بالمثل؟’’ ‘‘دعه وشأنه، إنَّه لا يسبِّب لك أيَّ أذى!’’ ‘‘لماذا ينبغي لك أن تندفع للجلوس قبل غيرك؟’’ ‘‘أعطِني جزءًا من برتقالتك، فأنا أعطيتك جزءًا من برتقالتي!’’ ‘‘هيَّا، فأنت وعدتَ بهذا!’’ إنَّ الناس يقولون أقوالًا كهذه كلَّ يوم، سواءٌ أمتعلِّمين كانوا أم أُميِّين، كبارًا أو صغارًا.
ولكنَّ ما يعنيني بشأن هذه الأقوال هو أنّ الشخص الذي يقولها لا يعني فقط أنَّ تصرُّف الشخص الآخر لا يرضيه فعلًا، بل ينطلق أيضًا من معيارٍ للسلوك يتوقَّع من الآخر أن يعلم به. ثمَّ إنَّ الشخص الآخر نادرًا جدًّا ما يُجيب: ‘‘تبًّا لمعيارك!’’ بل إنَّه في كلِّ حين تقريبًا يحاول أن يُبيِّن أنَّ ما كان يفعله لا يخالف المعيار حقًّا، أو إذا خالفه فلعذرٍ خاص. فهو يزعم أنَّ في هذه الحالة المعيَّنة سببًا خاصًّا يضطرُّ مَن احتلَّ المقعد أوَّلًا إلى التخلِّي عنه، أو أنَّ الأمور كانت مختلفة تمامًا لمَّا أُعطي جزءًا من البرتقالة، أو أنَّ أمرًا طارئًا يحول دون وفائه بوعده. وبالحقيقة، يبدو على أكثر ترجيح كما لو كان في ذهن كِلا الطرفين قانونٌ ما، أو قاعدة إنصافٍ أو سلوك لائق أو مفهوم أخلاقيّ، أو ما شئتَ أن تسمِّيه، توافقا عليه فعلًا. وهما توافقا بالفعل، ولو كان غير ذلك، لتقاتلا كالوحوش، إنَّما لم يكن في إمكانهما أن يتخاصما، بالمعنى البشري للكلمة. فالخصام معناه محاولة إثباتك أنَّ الشخص الآخر على خطأ. ولن يكون لذلك أيُّ معنى إلَّا إذا كنتما، أنت وهو، على توافُقٍ ما بشأنِ ماهيَّة الصواب والخطأ؛ تمامًا كما لا يكون أيُّ معنًى لقولك إنَّ لاعب كرة القدم قد ارتكب خطأً، إلَّا إذا وُجِدَ توافُقٌ ما على قواعد لعبة كرة القدم.
وقد درج الناس على تسمية ذلك القانون أو تلك القاعدة بشأن الصواب والخطأ ‘‘قانون الطبيعة’’. أمَّا اليوم، فعندما نتكلَّم عن ‘‘قوانين الطبيعة’’ نعني عادةً أُمورًا مثل الجاذبيَّة أو الوراثة أو قوانين الكيمياء. ولكنْ لمَّا دعا المفكِّرون الأقدمون الصواب والخطأ ‘‘قانون الطبيعة’’، فإنَّما قصدوا في الحقيقة قانون الطبيعة الإنسانيَّة. وكانت الفكرة أنَّه كما يتحكَّم قانون الجاذبيَّة بجميع الأجسام، والقوانينُ البيولوجيَّة بالكائنات الحيَّة، فكذلك تمامًا للمخلوق المسمَّى إنسانًا قانونُه الخاصّ؛ ما عدا هذا الفرق الأساسيّ: أنَّ الجسم لا يستطيع أن يختار خضوعه لقانون الجاذبيَّة أو عدم خضوعه له، ولكنَّ الإنسان يستطيع أن يختار إمَّا الخضوع لقانون الطبيعة الإنسانيَّة وإمَّا عدم الخضوع له.
وفي وسعنا التعبير عن ذلك بطريقة أخرى. إنَّ كلّ إنسان، في كلِّ لحظة، مُخضَعٌ لبضعة قوانين مختلفة، ولكنَّ بين هذه القوانين واحدًا فقط له الحرِّيَّة بألَّا يخضع له. فمن حيث كونه جسمًا، هو مُخضَع للجاذبيَّة ولا يستطيع ألَّا يخضع لها: فإن تركتَه بلا سندٍ في قلب الهواء، لا يكون له أيُّ خيار في أمر السقوط، مَثَلُه مَثَلُ الحجر تمامًا. ومن حيث كونُه كائنًا حيًّا، هو مُخضَعٌ لقوانين بيولوجيَّة شتَّى لا يمكنه ألّا يخضع لها، مَثلُه مثل الحيوان تمامًا. ذلك أنَّه لا يستطيع أن يخالف تلك القوانين التي يتشارك فيها مع سائر الأشياء؛ غير أنَّ القانون المقتصر على طبيعته الإنسانيّة- القانون الذي لا يتشارك فيه مع الحيوان أو النبات أو الأشياء غير العُضويَّة، هو القانون الذي يستطيع عدم الخضوع له إذا أراد.
وقد دُعي ذلك القانونُ ‘‘قانونَ الطبيعة’’ لأنَّ الناس اعتقدوا أنَّ كلَّ امرئ يعرفه بالطبيعة ولا داعيَ لتعليمه إيَّاه. وهم لم يقصدوا بالطبع أنَّه لا يمكن أن تجد فردًا غريبًا هنا أو هناك لا يعرف ذلك القانون، تمامًا كما تجد قلَّةً من الناس مصابين بعمى الألوان أو غير قادرين على التمييز بين الألحان. ولكنْ بالنظر إلى الجنس البشريِّ عمومًا، اعتقدوا أنَّ الفكرة البشريَّة بشأن السلوك اللائق بديهيَّةٌ لدى الجميع. وفي يقيني أنَّهم كانوا على حقّ. ولو لم يكونوا، فعندئذٍ يكون كلُّ ما قلناه عن الحرب عديم المعنى. فأيُّ معنًى يكون للقول إنَّ العدوَّ على خطأٍٍ إلَّا إذا كان الصواب أمرًا حقيقيًّا يعرفه النازيُّون جوهريًّا كما نعرفه نحنُ البريطانيِّين تمامًا، وكان ينبغي أن يعملوا به؟ ولو لم تكن لديهم أدنى فكرة عمَّا نعنيه نحنُ بالصواب لمَا كنَّا نلومهم على سلوكهم أكثر من لومنا لهم على لون شعرهم، مع أنَّنا ربَّما اضطُرِرنا لمحاربتهم على كلِّ حال.
في علمي أنَّ بعض الناس يقولون إنَّ فكرةَ قانون الطبيعة أو السلوك اللائق، تلك المعروفةَ عند جميع البشر، ليست سليمة. وذلك لأنَّ الحضارات المختلفة والعصور المختلفة كانت لديها نُظُم أخلاقيَّة مختلفة.
ولكنَّ ذلك غير صحيح. فلطالما وُجِدت اختلافات بين أخلاقيات البشر، ولكنَّها لم تبلغ حدَّ الاختلاف الكلِّيِّ قطّ. فإذا تكلَّف امرؤ مشقَّة المقارنة بين التعاليم الأخلاقيَّة، مثلًا، عند قُدامى المصريِّين والبابليِّين والهندوسيِّين والصينيِّين واليونانيِّين والرومانيِّين، فإنَّ ما يستوقفه حقًّا هو كيفيَّةُ مشابهة تلك الأخلاقيَّات بعضها لبعض ولأخلاقيَّاتنا نحن. وقد أشرتُ في مُلحَق كتابٍ آخر عنوانُه ‘‘إبطال الإنسان’’ (The Abolition of Man) إلى جملةٍ من البيِّنات المؤكِّدة لهذا الواقع، إلَّا أنَّني هُنا أكتفي بأن أطلب من القارئ التفكيرَ بما قد يعنيه نظامٌ أخلاقيٌّ مختلف كليًّا: فكِّرْ في بلدٍ يُمتدح فيه الناس لفرارهم من ساحة المعركة، أو يشعر المرء فيه بالفخر والخُيلاء لخيانته جميع الذين عاملوه ألطف معاملة. ولك كذلك أيضًا أن تُفكِّر في بلدٍ يكون فيه حاصل جمع اثنين مع اثنين خمسة. فقد اختلف الناس في تحديد مَن ينبغي لك أن تعاملهم معاملةً غير أنانيَّة: عائلتك الخاصَّة أو إخوانك المواطنون أو الناس أجمعون. غير أنَّهم توافقوا دائمًا على أنَّه ينبغي لك ألَّا تضع نفسك في المقام الأوَّل. فالأنانيَّة لم تُمتدَح يومًا. وكذلك اختلف الناس في ما يخصُّ كم زوجةً ينبغي أن يتزوَّج الرجل، واحدةً أو أكثر. غير أنَّهم توافقوا دائمًا على أنَّه لا ينبغي للمرء أن يحوز أيَّة امرأةٍ جذبه إليها هواه.
غير أنَّ الأمر اللافت للنظر حقًّا هو هذا: كلَّما وجدتَ إنسانًا يقول إنَّه لا يؤمن بصوابٍ وخطإٍ حقيقيَّين، فستجد ذلك الإنسان نفسه يتراجع عن هذا بعد هُنيهة. فهو قد ينقض وعده لك، ولكنْ إذا حاولتَ نقض وعدٍ وعدتَه به فإنَّه سيتشكَّى قائلًا:‘‘ليس هذا من العدل والإنصاف!’’ قبل أن يُتاح لك قول كلمةٍ واحدة. وقد يقول أهل بلدٍ ما إنَّ المعاهدات لا تهمّ، إنَّما لا تكاد تمضي دقيقتان حتَّى يُفسِدوا دعواهم وحديثهم بقولهم إنَّ المعاهدة المعيَّنة التي يريدون نقضها معاهدةٌ غير عادلة. ولكنْ إذا كانت المعاهدات لا تهمّ، وإذا لم يكُن من شيءٍ مثل الصواب والخطأ، وبعبارةٍ أُخرى: إذا كان قانون الطبيعة غير موجود، فما الفرق بين معاهدة عادلة وأُخرى غير عادلة؟ ألم يكشفوا حقيقة أمرهم ويُثبِتوا أنَّهم مهما قالوا فهم يعرفون قانون الطبيعة، مَثلُهم مَثلُ غيرهم تمامًا؟
يبدو إذًا أنَّنا مُرغَمون على الإيمان بوجود معيار حقيقيّ للصواب والخطأ. وقد يكون الناس أحيانًا مخطئين بشأنهما تمامًا كما يغلط بعضُهم في حساب الجمع. غير أنَّهما ليسا مجرَّد مسألة ذوق ورأي، مثلهما مثل جدول الضرب.
وإن كنَّا قد اتَّفقنا على هذه النقطة، أنتقل الآن إلى النقطة التالية، وهي هذه: ليس أحدٌ منَّا يعمل حقًّا بقانون الطبيعة. فإذا كان بينكم أيَّةُ استثناءات، فإنَّني أعتذر إليهم. وخيرٌ لهم أن يقرأوا أيَّ كتابٍ آخر، لأنَّ أيَّ شيءٍ ممَّا سأقوله لا يعنيهم. فها أنا الآن أتوجَّه إلى الكائنات البشريَّة العاديَّة أي إلى الباقين جميعًا:
أرجو ألَّا تُسيئوا فهم ما سأقوله. إنَّني لستُ أعظ، ويشهد الله أنَّني لا أتظاهر بكوني أفضل من أيَّ شخصٍ غيري فأنا إنَّما أُحاول لفت أنظاركم إلى حقيقة واقعة، وهي أنَّنا، هذه السنة أو هذا الشهر أو على الأرجح هذا اليوم، قد أخفقنا نحن أنفسُنا في ممارسة نوع السلوك الذي نطلبه من غيرنا. وربَّما يتوافر لدينا كلُّ نوع من الأعذار. ففي تلك المرَّة التي فيها قسوتِ على أولادكِ كنتِ مُرهَقة ومُنهكة. وتلك العمليَّة شبه المشبوهة التي أجريتَها في مجال العمل والمال، تلك التي كدتَ تنساها، حصلَت حين كنتَ في ضائقة مالية خانقة. وما وعدتَ بأن تفعله للعجوز الفلانيِّ ولكنّك لم تفعله قطّ، ما كنتَ لِتَعد به قطعًا لو علمتَ كم سيكون انشغالك رهيبًا. أمَّا تصرُّفك مع زوجتك (أو تصرُّفكِ مع زوجك) أو أُختِك (أو أخيكِ)، فما كنتُ لأَعجب منه لو علمتُ أيَّ درجةٍ من الاستفزاز قد يبلغون، وعلى كلِّ حال، مَن أنا يا تُرى؟ أليس مَثَلي مثَلَكم تمامًا؟ أعني أنَّني لا أنجح إلى التمام في مراعاة قانون الطبيعة. وحالما يقول لي أحد إنَّني لا أُراعيه، يجول في ذهني خيطٌ من الأعذار بطول ذراع! والسؤال حاليًّا ليس عن كونها أعذارًا جيِّدة، بل بيتُ القصيد أنَّها برهانٌ آخر على مدى العمق الذي به نؤمن بقانون الطبيعة، أحببنا ذلك أم كرهناه. فإذا لم نكن نؤمن بالسلوك اللائق، فلماذا نهتمُّ كثيرًا بتقديم الأعذار عن سوء تصرُّفنا؟ إنَّما الحقُّ أنَّنا نؤمن بالاستقامة كثيرًا، ونحسُّ حُكم القانون يلحُّ علينا كثيرًا، حتَّى لا نُطيق مواجهة حقيقة كوننا مخالفين له، فنحاول تاليًا إزاحة المسؤوليَّة بعيدًا عنّا. فأنتم تلاحظون أنَّنا من أجل سلوكنا السيِّئ وحده نقدِّم تلك التفسيرات كلِّها. وطبعُنا السيِّئُ فقط هو ما نسوِّغه ونبرِّره بكوننا مُتعَبين أو قلِقين أو جائعين؛ أمَّا طبعنا الحسن فنُبقيه لأنفسنا.
هاكم إذًا النقطتين اللتين أردتُ تأكيدهما. الأُولى أنَّ لدى الكائنات البشريَّة، في أنحاء الأرض كلِّها، تلك الفكرةَ الفريدة بأنَّ عليهم أن يتصرَّفوا بطريقة معيَّنة، وليس في وسعهم حقًّا التخلُّص من هذه الفكرة. والثانية أنَّهم بالحقيقة لا يتصرَّفون بتلك الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة، ويخالفونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كلِّ تفكير جليّ واضح في أنفسنا وفي العالم الذي نعيش فيه.
2 - بضعة اعتراضات
ما دامت تانك الحقيقتان هما الأساس، فخيرٌ لي أن أتمهَّل قليلًا لترسيخ هذا الأساس قبل متابعة الموضوع. فإنَّ بعض الرسائل التي تلقَّيتُها تُبيِّن أنَّ عددًا كبيرًا من الناس يستصعبون فهمَ ماهيَّة قانون الطبيعة البشريَّة هذا، أو القانون الخُلقيّ، أو قانون السلوك اللائق، فهمًا صحيحًا.
مثلًا، كتب بعضُهم إليَّ قائلين: ‘‘أليس ما تدعوه القانون الخُلقيَّ هو الغريزةَ التي تدعونا إلى الانخراط في جماعةٍ ما؟ أوَلَم تتطوَّر غريزتنا هذه كغيرها من غرائزنا الأُخرى تمامًا؟’’ إنَّني لا أنكر أنَّه قد تكون لدينا غريزةٌ اجتماعيَّة. ولكنَّها ليست ما أقصده بالقانون الخُلقيّ. فنحن جميعًا نعرف حقيقة الشعور بحفز الغريزة: محبَّةِ الأُم، أو الغريزة الجنسيَّة، أو غريزة طلب الطعام. فمعنى ذلك أننا نشعر برغبةٍ أو ميلٍ شديدَين للتصرُّف بطريقة معيَّنة. وبالطبع نحن نشعر أحيانًا شعورًا قويًّا بذلك النوع من الرغبة في مساعدة شخصٍ آخر؛ وما من شكٍّ في أنَّ تلك الرغبة ناشئة من الغريزة الاجتماعيَّة. غير أنَّ الشعور برغبةٍ في المساعدة يختلف عن الشعور بوجوب المساعدة، سواءٌ أردتَ أم لم تُرِد. افترض أنَّك سمعت استغاثةً من إنسانٍ في خطر. فمن المحتمل أن تشعر برغبتين: إحداهما الرغبة في المساعدة (بدافعٍ من الغريزة الاجتماعية)، والأُخرىَ رغبةٌ في الابتعاد عن الخطر (بدافع من غريزة حماية الذات). إلَّا أنَّك ستجد في داخلك، فضلًا عن هذين الحافِزَين، شيئًا ثالثًا يقول لك إنَّ عليك تلبية الرغبة في المساعدة وتنحية الرغبة في التهرُّب. فهذا الشيء الذي يحكم بين غريزتين والذي يقرِّر أيُّهما يجب أن يُشجَّع، لا يمكن هو ذاته أن يكون أيًّا منهما. وفي وسعك أيضًا أن تقول إنَّ ورقة اللحن التي تقول لك في لحظةٍ محدَّدة أن تعزف نغمة معينَّة على الپيانو دون غيرها هي نفسُها إحدى النغمات على لوحة المفاتيح. فالقانون الخلقيُّ يقول لنا أيَّ نغم نعزف. أمَّا غرائزنا فلا تعدو كونها المفاتيح.
وهاك طريقةً أُخرى للتيقُّن بأنَّ القانون الخُلقيَّ ليس مجرَّد واحدةٍ من غرائزنا. إذا تضاربت غريزتان، ولم يكن في ذهن المخلوق أيُّ شيء سوى هاتين الغريزتين، فبديهيٌّ أنَّ الغريزة الأقوى بين الاثنتين يجب أن تسود. ولكنْ في تلك اللحظات التي فيها نكون أكثَر وعيًا للقانون الخُلقيّ، يبدو عادةً أنَّه يُملي علينا مسايرة أضعف الحافِزَين. فمن المحتمل أنَّك ترغب في السلامة أكثر بكثير من الرغبة في مساعدة مَن يكاد يغرق، إلَّا أنَّ القانون الخُلقيَّ يقول لك إنَّ عليك أن تساعده رغم ذلك. ومن المؤكَّد أنَّه غالبًا ما يقول لنا أن نحاول جعْل الحافز الصحيح أقوى ممَّا هو بطبيعة الحال! أعني أنَّنا غالبًا ما نشعر بأنَّ من واجبنا حفز الغريزة الاجتماعية، بإيقاظ تخيُّلاتنا وحثِّ إشفاقنا وما إلى ذلك، بحيث يكون لدينا وقودٌ كافٍ للقيام بالأمر الصائب. ولكن من الواضح أنَّنا لا نتصرَّف بدافع الغريزة حين نُصمِّم أن نجعل غريزةً ما أقوى ممَّا هي فعلًا. فالشيء الذي يقول لك: ‘‘إنَّ غريزتك الاجتماعيَّة في سُبات، فأيقظها!’’ لا يمكن أن يكون هو بعينه الغريزة الاجتماعيَّة. كما أنَّ الشيء الذي يقول لك أيُّ نغمٍ في الپيانو يجب أن يُعزف أعلى لا يمكن أن يكون هو نفسه ذلك النغم.
وإليك طريقةً ثالثة لإدراك الأمر. لو كان القانون الخُلقيُّ واحدةً من غرائزنا، لكان ينبغي لنا أن نكون قادرين على الإشارة إلى حافزٍ ما في داخلنا يبقى دائمًا ما ندعوه ‘‘الخير’’ أو ‘‘الصواب’’ متناغمًا كلَّ حين مع قاعدة السلوك السويّ. ولكنَّنا غير قادرين على ذلك. فليس بين غرائزنا واحدةٌ لا يمكن للقانون الخُلقيِّ أحيانًا أن يطلب منَّا قمعها، ولا واحدةٌ لا يمكن له أحيانًا أن يطلب منَّا تنشيطها. وإنَّها لَغلطةٌ أن نعتقد أنَّ بعضًا من حوافزنا، كمحبَّة الأُمِّ أو حُبِّ الوطن مثلًا، صالحة، وبعضًا منها، كغريزة الجنس أو الدِّفاع عن النفس، سيّئة. فكلُّ ما نعنيه هو أنَّ المناسبات التي فيها ينبغي كبحُ غريزة الدفاع أو القتال، أو الغريزة الجنسيَّة، هي بالأحرى أكثر تواتُرًا وتكرارًا من تلك المناسبات الداعية إلى كَبح محبَّة الأُم أو حُبِّ الوطن. غير أنَّ هنالك أوضاعًا يكون فيها من واجب الرجل المتزوِّج أن ينشِّط حافِزَه الجنسيَّ، ومن واجب الجنديِّ أن يحفز غريزته القتاليَّة. وهنالك أيضًا مناسبات فيها ينبغي كبحُ جماح محبَّة الأُمِّ لأولادها، أو محبّة الإنسان لوطنه، وإلَّا أدَّتا إلى الإجحاف بحقِّ أولاد الآخرين أو أوطانهم. فبالمعنى الحصريّ، ليس هنالك حوافز صالحة أو سيّئة بصورةٍ ثابتة. ولنفكِّر مرَّةً أُخرى في الپيانو. فليس فيه نوعان من النغمات، ‘‘صالحة’’ و ‘‘سيّئة’’، بل إنَّ كلَّ نغمة بمفردها تكون صائبة مرَّة وخاطئة مرَّةً أُخرى. وليس القانون الخُلقيُّ غريزةً واحدة أو مجموعة غرائز بل هو شيءٌ يُوجِد نوعًا من النغم (النغم الذي ندعوه الخير أو السلوك السليم) بواسطة توجيه الغرائز توجيهًا صحيحًا.