إلى أصحاب الدماء الطاهرة التي أُريقت وتُراق
لإرواء شجرة الحرية
"دمانا يا طاهرة وزكيّة
زلزلي عرش الطُّغاة
وارسمي بسمة وطن
واصنعي طوق النجاة
واغزلي بكرة الأمل
ينتهي عهد البُغاة"
بمثابة تقديم
سليم النجار
أعادتني رواية "المتاهة" للكاتب المصري أيمن توفيق، إلى نصوص أخرى ماثلة في الذاكرة تتشابه معه في السياقات والثيمات. فثمة الروائي/ التجربة، وثمة النص/ الحدث.. وثمة وحدة الحال التي تجعل من نصٍّ مضت على صدوره عقودٌ يُحْدِث ما يُحْدثه من جدلٍ وتقبُّل وتأويل في ظلّ العراك مع المنفى.
هكذا هو الأمر مع أيمن توفيق في روايته الأولى "المتاهة" التي عبّرت عن ولع إنساني "فائق" لدى الروائي، بالبحث عن الفرادة والخروج عن السائد.. والمغامرة أيضاً. ولِمَ لا؟
هذه الرواية تضعنا أمام مرايا مختلفة، تسعى كل منها لتشكّل جهة من جهات النص، وتضيء عتماتها وصولاً إلى المبنى الذي يتسق مع ما يبتغيه المعنى.
لقد تفاعلتُ مع هذا النص الذي ذكّرني بكلمات صديقي الشاعر سميح مسعود الذي كان يستفزني بحديثه عن "حيفا" وقد عاد لتوه من زيارة إليها، وهي كلمات عن الغربة والاغتراب والحنين عمّقت لدي مجموعة من الأفكار التي رأيتُني أقرأها في تجربة الروائي أيمن توفيق، خصوصاً أن الروائي هنا يؤمن أن الرواية الجيدة هي التي تحمل رسالتها بثقة، وهي التي تنتج عن حدسٍ خاص وهاجسِ تجاوز. إنها الرواية التي تُخْلص لنفسها، وتقود قارئها إلى خلاصٍ من نوع ما.
كل ذلك يُبرز بنية الوعي المتحوّل لدى الروائي أيمن توفيق، التي تتأسس على تعدُّد الأشكال في الفكرة الواحدة أو في النص الواحد. ولعل ميزة هذا النص تكمن في كونه يأتي في مرحلة من تجربة الروائي يمكن دعوتها: "مرحلة الانصهار والعلوّ": انصهار الذات الراوية في اللغة وتركيباتها المتغيرة وتنويعاتها المحتمَلة؛ والعلوّ بسيطرة الروائي على عناصر نصه بحميمية لإحداث انطلاقة تقوم على التكنيك اللغوي والوجع الإنساني، وصولاً إلى أفق مأمول، ولو كان هذا عبر الاستعانة بالأسطورة، وتعالقاتها مع ما هو واقعي. إن هذا المنحى من شأنه الخروج على النموذج المؤطَّر الذي كثيراً ما استباح حرية الذات وعرقلَ انسياباتها المقترَحة في الكون الرحب..
إنّ نظرةً فاحصة لمراحل الكتابة أو تشكُّل النص في "المتاهة"، تحيل القارئ إلى أمرين: الخروج على النموذج، بل "قتله" من خلال توليدات فنية وإنسانية متتالية عبر حركية الشكل؛ وصياغة الرواية وفق الشكل الخاص الذي ارتأته الرواية نفسها لذاتها. ففي هذا النص تتجلى روح المغامرة والتجاوز وصولاً إلى الواقع الأغنى, الواقع الآخر الذي يتيح "الكشوف" الروائية، فتتشكل الرؤيا في ظل جدلٍ يستحدثه الروائي بين المرايا المختلفة في جوانية النص.
أيمن توفيق في روايته "المتاهة"، يفتح الشهية لطرح أسئلة قديمة متجددة، وهو إذ يقف على عتبة الانعتاق من ربقة الرواية التقليدية, فإنما يقف بعينين تنظران إلى الوراء, إلى الأطلال وهو يعاين حالة عربية بالغة القسوة، ولحظة راهنة في تاريخ الأمة تبدو فيها مسلوبةً ومنهوبة وحائرة الخُطا أكثر من أي وقت مضى.
سؤال الرواية هو سؤال الواقع, وسؤال الشكل الروائي هو سؤال اللحظة, وهو الطريق التي ارتآها أيمن توفيق هنا لقول خصوصيته الروائية في مصر, كما يتضح جلياً من خلال "المتاهة" التي يحدونا الأمل أن نجتازها عمّا قريب.
وللإسكندرية تحديداً، ما يُسْرَد ويُباح في زمن المتاهة.
الســـراب
أسير وحيداً في أحد شوارع العاصمة الأردنيّة، أترنّح في خطواتي؛ لم أكن مخموراً، ولكن ما الذي أتوقعه بعد اثنتي عشرة ساعة من العمل اليدويّ الشاق.
أخرج في السابعة صباحاً ولا أعود إلا مع دقّات التاسعة مساءً. أعود منهكاً متهالكاً من شدة الإرهاق، لم يكن أمامي خيار آخر سوى ذلك العمل البدنيّ الشاق؛ فمن ناحية يصعب الحصول على عمل، ومن ناحية أخرى؛ كلما ازدادت صعوبة العمل، قابلها زيادة في العائد المادي.
أتناول عشائي ثم لا ألبث أن ألوذ بفراشي؛ لم يكن الإرهاق وحده هو ما يدفعنى للانفراد بنفسي، والانعزال بها بعيداً عن الجميع، فغالباً لا أسلّم جفنيّ للنوم إلا بعد انتصاف الليل بساعة أو اثنتين؛ كانت المسافات بيني وبين من أعيش برفقتهم متباعدة بشكل كبير، رغم صلة القرابة التي تربطني ببعضهم. الصلة الوحيدة التي تجمع بيننا أننا نعيش في منزل واحد، نتشارك إيجاره ومصاريف معيشته لتحقيق أكبر قدر من الادخار مع ارتفاع تكاليف المعيشة؛ ناهيك عن مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة.
كان الواحد منّا يعيش في عالمه الخاص، بعيدًا عن الآخرين، فكانت عوالمنا متباعدة، أو بالأحرى كان عالمي؛ القراءة هي تسليتي الوحيدة، أقضي فيها تلك الساعات التي أختلي فيها بنفسي؛ كان الكتاب هو صديقي الوحيد، أتناوله ولا أتركه إلا بعد أن يغلبني النعاس، على أمل لقاء يجمعنا في اليوم التالي. وهكذا، مرّت أيامي متشابهة مملّة رتيبة؛ ما يحدث اليوم يحدث غداً، وهو، أيضاً، الحدث نفسه في الأسبوع أو الشهر القادم.
كنت أسير وحيداً أتحسّس طريقي في ظلام الشارع، بينما روحي تحلّق بعيداً مع من تركتهم خلفي، مع سفري قبل أشهر. رنّ هاتفي النقال. لم أنتبه إليه في بادئ الأمر، لم أستطع تمييز رنينه وسط تلك الضوضاء التي يعجّ بها الشارع، إنه الوقت الذي تغلق فيه معظم المحالّ أبوابها؛ حيث أزيز الأبواب الحديدية وقت الإغلاق هو الصوت المسيطر على الشارع.
كان المتّصل ابن خالتي، ومن سواه يمكن أن يعرف رقم هاتفي الخلوي، فلم يمرّ سوى يوم واحد على اقتنائي إياه. رغم أهميته، وما يجلبه من منافع، إلا إنني لم أحبذه يوماً، فكثيراً ما يقطع عليك خلوتك، خاصة في تلك اللحظات التي تختلي فيها بنفسك بعيداً عن الجميع، لكنك تفاجأ به يصلصل صليلاً متواصلاً، ولا يكون أمامك سوى الإجابة والتواصل مع ذلك العالم الذي تحاول أن تهرب منه ولو للحظات. ولكن، يبدو أن ذلك الهاجس لم يكن أكثر من مجرد سبب واهي، حُجّة أحتجّ بها على نفسي، فالسبب الحقيقي الذي أخفيته، ورفضت الاعتراف به، هو خوفي من أن يصبح الهاتف الخلوي مطلباً مادياً جديداً أُجبَر على التعامل معه، لذلك قرّرت الاستغناء عنه بدلاً من أن يصبح عبئًا آخر يضاف لأعبائي الكثيرة.
«اتصل بي صديقك محمد إبراهيم من مصر، وهو يطلب منك الاتصال به لأمر مهم».
كان ذلك ما أبلغني إياه في اتصاله.
محمد صديقي منذ سنوات كثيرة تتخطى الثلاثة عشر عاماً، تشاركنا خلالها الأفراح والأحزان، وتشاطرنا الآمال والأحلام، وما زلنا على اتصال، حتى وإن تباعدت فتراته بعد سفري للعمل في المملكة الأردنية.
محمد هو الابن الثالث من حيث الترتيب بين أشقائه الأربعة، والده موظف بسيط في إحدى الإدارات الحكومية التابعة لمصلحة البريد، وأمه ربة منزل تساعد والده في العناية بهذه الأسرة الصغيرة وزراعة تلك القراريط الخمسة عشر التي تساهم بالجزء الأكبر من دخْلهم، خاصة وأن راتب والده لم يتجاوز المائتي جنيه.
إنسان نشيط، لامع الفكر، حاد الذكاء، شديد الاجتهاد، ربما لأن الاجتهاد هو وسيلته الوحيدة لتحقيق ما يحلم به. بدأت معرفتي به بصداقتي لشقيقه الأصغر زميل دراستي، حينما انتقلوا إلى قريتنا التي يسكنها الكثير من أقربائهم، كان ذلك في الإجازة النهائية للسنة الأولى من المرحلة الإعدادية. في البداية،كان دائماً يضجرني بنصحه المستمر لي ولشقيقه الأصغر، وممارسة دور الشقيق الأكبر كثير الخبرات بحكم فارق العمر بيننا وبينه، في تلك الفترة كنت متمرداً على كل شيء، كنت كبيراً من وجهة نظري بالقدر الكافي الذي يسمح لي بمعرفة صالحي، بغضّ النظر عن نصائح الجميع، لكن ذلك الضجر سرعان ما تحوّل إلى صداقة عميقة ازدادت روابطها وتعمّقت أكثر مع مرور الوقت، خاصة مع ذلك التشابه الكبير فيما بيننا، لكنّ الولادة الحقيقية لصداقتنا كانت حينما خرجت من رحم صداقتي لشقيقه الأصغر، مع التحاق ذلك الشقيق بالتعليم الثانوي الفني، بينما باعدني حلم الالتحاق بالجامعة وراودتني أحلامي، فقررت الالتحاق بالتعليم الثانوي العام. في تلك الفترة، بدأت صداقتنا تقوى وتزدهر، وبدأت المسافات بيننا في التناقص رغم تلك السنوات الثلاث التي تفصل بين أعمارنا، ناهيك عن الفوارق الدراسية؛ مع دراسته العلميّة وتخصّصه في العلوم الزراعية، الأمر الذي كان على النقيض من دراستي الأدبية بعد ذلك، في كلية الآداب، تلك التي لم يلقيني في أحضانها سوى معدّلي الدراسي في المرحلة الثانوية، غير مدرك لما تعنيه، أو تؤهّل له من وظائف، وهو الأمر الذي ربما ما زلت أجهله إلى الآن، ولكن يبدو أن تلاقينا كان في الطموح والغاية التي يرغب كلانا في إنجازها في حياته، ناهيك عن واقع اجتماعي متشابه إلى حد كبير، وآمال وأحلام لا نملك غيرها. ساعات طوال رسمنا فيها خطانا للمستقبل على مر سنوات، أحلام وآمال كثيرة ذهبت جميعها أدراج الرياح، فتفوقه الدراسي لم يُحدِث في حياته ذلك الفارق الذي رغب فيه. في البداية عوّل على درجة البكالوريوس لتغيير مسار حياته، ولكن ما جدواها رغم تفوّقه، مع وجود عشرات الأوائل من الحاصلين على الدرجة العلمية نفسها؟ ظلّ يحلم.. لم يفارقه الأمل، فقرر الحصول على درجة الماجستير، وكان عليه بطبيعة الحال أن يتحمل سخرية البعض واشفاق البعض الآخر مما يرونه، على اعتبار أنه يهدر وقته فيما لا طائل منه، ناهيك عن حقد بعض رفاقه ممن غاروا من تفوّقه، لكن تعويله، هذه المرة، على درجة الماجستير لم يُحدِث أيضاً ذلك الفارق الذي رغب فيه، ليكتشف في نهاية الأمر أن تفوّقه أو شهاداته العلمية ليست هي العامل المطلوب لتغيّر مسار حياته، واكتشف أن (الواسطة أو المحسوبية) هي كل ما يحتاج إليه للحصول على ذلك المستقبل الذى يحلم به، وحسب مكانة الموصي تكون الوظيفة، ولكن من أين له بأقارب من أمثال هؤلاء؟ أو من أين له بتلك الآلاف التي تُدفع ثمناً للحصول على مثل تلك التوصية؟
عمل وحيد تمكّن من الحصول عليه في النهاية. كان ذلك في إحدى الشركات الزراعية في واحدة من القرى الصحراوية الجديدة، وذلك بتوصية من أحد زملائه. عملٌ لا يتناسب مع درجة الماجستير التي حصل عليها، لكن مكّنه من الإنفاق على أسرته. خمسة أشهر هي أقصى مدة أمكنه أن يقضيها في تلك الوظيفة.
ليلة وحيدة يقضيها في أحضان عروسه في نهاية كل أسبوع. يأتي في المساء، ويتسلل من فراشه مع الساعات الأولى من صباح اليوم التالي ليذهب إلى عمله، لتنتظر عروسه -التي لم يمرّ على زواجها بضعة أشهر- سبعة أيام وست ليالٍ قبل أن يعود إليها مرة أخرى. وشيئاً فشيئاً بدأت المشكلات تتسلل إلى ذلك البيت الناشئ، والحق كل الحق لزوجته في الامتعاض وعدم الرضى عن تلك الحياة. لكنها لم تعلم أنها ليست وحدها من يعاني من قسوة الأمر، هو أيضاً كان يعاني من الشيء نفسه، ولم يكن أمامه خيار سوى ترك ذلك العمل، والبدء في البحث عن عمل جديد غالباً ما ينتهي بتركه في النهاية والبدء في البحث عن آخر.
وشيئاً فشيئاً بدأت أحلامه في التلاشي، وأخذ طموحه في الانهيار بعد أن خبت جذوة الأمل وانطفأ نورها بداخله، وبدأ يحيا تلك الحياة التقليدية التي يعيشها معظم البشر، رحلة كدّ دائم للحصول على أقل متطلبات الحياة.
بينما لم يبقَ من أحلامي شيء، وأضحى بكالوريوس الآداب الذى حصلت عليه مجرّد حبر على ورق داخل إطار خشبيّ معلّق فوق أحد جدران المنزل، وبات تطلعي الوحيد لتلك الحياة المملّة الرتيبة التي يعيشها الجميع هو الهاجس الذي طالما هربت منه؛ الحياة التي يعيشها معظم البشر، فمعظمهم مجرّد تروس في آلة البشرية؛ تزاوُج، تناسُل، تربية أبناء، مهمّتهم الوحيدة هي الحفاظ على استمرارية البشرية، لتنتهي رحلتنا في الحياة بوصول أبنائنا إلى برّ الأمان، وهو تلك الحياة المملّة الرتيبة التي عشناها من قبل للحفاظ على الحدّ الأدنى من متطلبات الحياة، لننتظر بعدها شبح الموت، وتبقى ذكرانا مجرّد ترحُّمات على أرواحنا كلما تم تذكُّرنا، بشكل عابر، سرعان ما تخبو مع الوقت، دون أن يساهم أيّ منّا بهدف واضح في نهضة وتقدم البشرية.
إنه الهاجس الذي طالما هربت منه. لا أريد أن أصبح مجرد ترس في آلة البشرية. لذلك حرّمتُ الحب على نفسي، هربتُ منه، حاربتُهُ، لكنّ معركتي كانت خاسرة. أخيراً، وجدت سفينتي مرساها على شاطئ عينيها السوداوين، وأضحى بريقهما منارتي في ظلمة الحياة. ظهرتْ في حياتي لتدعم الأواصر والصلات بيني وبين الحياة من جديد. حتى إنّ تلك الحياة التي طالما رغبت عنها أضحت هي كل ما أرغب فيه، بعد أن تلاشت أحلامي واحداً تلو الآخر.
ورغم ما أحمله بين جنباتي، لم أجرؤ على مصارحتها بحبي، لم أحاول حتى معرفة مشاعرها تجاهي مكتفياً بما أحمله في داخلي من مشاعر. قد يرانى البعض مخطئاً، ولكن كيف وبماذا أصارحها..؟ بحبي؟ وماذا بعد ذلك؟ حتى وإن بادلتني المشاعر نفسها... لا شيء. أنا لا أملك ما أقدّمه لهذا الحب. لا أملك أيّ شيء أبذله في سبيله. واقعٌ مرير، وغدٌ أشدّ مرارة. جنينٌ غير شرعي وجب عليّ أن أتخلّص منه منذ اليوم الأول. ولكن كيف لي أن أئِدَ هذا الحب بداخلي؟ ليته كان بيدي، ولكن، في الوقت نفسه، كيف له أن يحيى في عالم من الخوف يحيط به من كل مكان؟ لا أنكر أنني أردت كثيراً أن أصارحها بما أكنّه لها من مشاعر، أيّاً كانت ردة فعلها، وبغضّ النظر عمّا يحمله لنا الغد بين طيّاته، المهمّ أن أضع حدّاً لمعاناتي، وأن أتخلص من ذلك الحمل الجاثم فوق صدري، لكنني كنت عاجزاً عن فعل ذلك، فما تخلصت من نير حبها، وما صارحتها بما أحمله لها من مشاعر. فجأة دبّ بداخلي الأمل وداعبتني أحلامي من جديد مع ورود ذلك الاتصال، كنتُ أعلم جيداً ما تعنيه تلك المكالمة.
أول ما جال بخاطري تلك الليلة، حينما قدم إليّ محمد في ساعة متأخرة من الليل يحمل بين يديه تلك الورقات الخمس، أن نتسلّل بعيداً عن منازل القرية، استجابةً مني لرغبته في الحديث في الهواء الطلق. اجتزنا في طريقنا مجموعة من الشوارع والممارّ الضيقة المتداخلة بعضها ببعض في شكلٍ عنكبوتيّ، قبل أن نعبر ذلك الجسر الخشبيّ الجاثم فوق جسد القناة المائية، والذي يفصل بين منازل القرية التي نسكنها وتلك الأراضي الزراعية الواقعة إلى الغرب منها. سرنا على تلك الطريق الترابية الممهَّدة الممتدة بين مساكن القرية إلى وسط الحقول. كان البدر مكتملاً مما يسمح لنا برؤية معالم الطريق التي نحفظها عن ظهر قلب، فلطالما خرجنا للتسكع وسط الحقول هرباً من ليالي الصيف الحارة، أو في أوقات ما بعد الظهيرة؛ حينما تنكسر حدّة الشمس قبل أن تميل للغروب.
مسحت عني نسائم الهواء البارد ما كنت أشعر به من وسن، فما يزال الجو رطباً في ذلك الوقت من العام من أواخر شهر أبريل. أكملنا سيرنا وسط الحقول إلى أن وصلنا إلى تلك البقعة التي اعتدنا الجلوس عندها فوق أحد خطوط السكة الحديدية غير المستخدم في الوقت الحاضر. يبدو أنه كان يستخدم في الماضي لنقل الفحم من أجل تشغيل محطة الكهرباء التي تقع قريتنا في منتصف المسافة بينها وبين المدينة، لكن سرعان ما تم إهمال هذا الخط بعدما استخدم الغاز الطبيعي بدلاً من الفحم في توليد الكهرباء، وهنا استخدمه القرويون من أهل قريتنا والقرى المجاورة، ممن تقع ملكياتهم الزراعية إلى جواره، كمرابط للمواشي في أوقات النهار، بينما أصبحت أخشابه التي ترتكز عليها القضبان الحديدية حقاً مستباحاً للجميع، نستخدمها للشواء في موسم نضوج الذرة.
لم نكد نلتقط أنفاسنا، حتى بادرته بالسؤال:
- لا بدّ أنه أمر مهم ذلك الذي يستدعي حديثنا هنا وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
ناولني تلك الورقات الخمس التي طواها بشكل أسطواني قائلاً:
- اعرف بنفسك.
تصفّحتها بنظرة سريعة، لم أفهم منها شيئاً؛كان ما استخلصته منها على ضوء القمر قليلاً، فلم أستطع قراءة شيء من محتواها سوى العنوان الذي كُتب بخط بارز. قلت:
- يبدو أنها أوراق إحدى المنح الدراسية.
فأجاب: «نعم هي كذلك. إنها إحدى منح الوكالة الأميركية للوكالة الدولية بهدف إعادة تكييف وهيكلة بعض الخريجين للتوافق مع أسواق العمل في مصر».
- وهل يمكنني التقدم إليها؟
- نعم، وبكل سهولة، ليس عليك سوى الإجابة عن تلك الأسئلة الستة وإرفاقها بأوراقك. ولكن احذر، رغم بساطة هذه الأسئلة في ظاهرها لكنها عميقة المضمون. أما باقي الشروط فهي تنطبق على كلينا، فكلانا لم يتجاوز الثلاثين، وكل منا يعمل بعيداً عن مؤهله الدراسي تحت وطأة ظروف العمل.
لم أنم مطمئناً كما نمت ليلتها، فقليلة هي تلك الليالي التي تنام فيها على أمل، أيّاً كان هذا الأمل. تحمّست للفكرة. لم أتردّد للحظة واحدة، رغم أنّ المنحه تعادل شهادة الدبلوم الفني. لم تشغلني شهادتي الجامعيه كثيراً، وكذلك صديقي، فما فائدتها إن لم يكن هنالك نفعاً منها، ودبلوم من أميركا يتوافق مع سوق العمل أفضل بكثير من شهادة دكتوراه لا صله لها بسوق العمل. أخيراً، يمكننى تنفس الصعداء. إنها الفرصة التي انتظرتها كثيراً لأزيل عن أحلامي غبار الواقع الأليم. ربما تكون الأقدار هي من ساقت لي تلك الفرصة في ذلك الوقت بالذات؛ في الفترة التي أغلقت فيها الحياة أبوابها دوني. ظلّ الأمر يراودني أياماً كثيرة ليلاً نهاراً، ووجد بداخلي ذلك اليقين في أنني إذا تقدمت بأوراقي للمنحة، لا بدّ سأكون أحد هؤلاء المحظوظين. لأول وهلة تكوّنت في ذهني هياكل إجابة عن هذه الأسئلة الستة، لكنني تقاعست عن إفراغها على الورق، فتدابير القدر أبت إلا أن تلقي بي فريسة لهواجسي، بعد أن ساقت لي أحد عقود العمل في المملكة الأردنية الهاشمية، الأمر الذي سعيت خلفه لسنوات أربع منذ تخرجي من الجامعة، حينما قررت أن أسافر بعيداً، لأيّ مكان، المهم أن أحصل على الظروف التي تسمح لي بتحقيق طموحي. لم أستطع حسم الأمر بداخلي وبتُّ فريسة لنفسي التي تحدّثني:
«عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة، وعقد عمل مضمون أفضل بكثير من منحة دراسية ما زالت في علم الغيب، حتى وإن كانت لأميركا نفسها. صحيح أن عقد العمل لا يضمن لي العمل الذي أرغب فيه، ولكن مع وصولي إلى هناك يمكنني البحث. المهمّ أن أصل أولاً إلى تجارة رائجة، تدرّ على أربابها أرباحاً خيالية، مئات من الشركات الوهمية التي تستقدم أيدٍ عاملة لا حاجة لها بها، لكنها تحمل من ناحيه أخرى ميزة مهمة، فهي تترك المسافر حراً يعمل حيثما شاء، دون أيّ تدخُّل من أحد، ما دام قد سدّد، مسبقاً، آلاف الجنيهات ثمناً لتلك الفرصة، مع ذلك، ورغم ضبابيتها، إلا أن نسبة المخاطرة فيها أقلّ بكثير، ومن يضمن لي أنني سأكون أحد هؤلاء المائة وخمسين مبعوثًا؟ لا بد أن هناك عشرات، وربما مئات الألوف، ممن تقدموا بأوراقهم مسبقاً، أنا لم أكن يوماً محظوظًا إلى هذه الدرجة».
توالى انصرام الأيام دون أن أحسم الأمر بداخلي، وكاد اليوم الأخير لتقديم الأوراق ينتهي، فلم يبقَ سوى ساعات قلائل على إغلاق باب التقدم للمنحة دون أن أستقرّ على رأي.
كنت في طريق عودتي من وزارة القوى العاملة والهجرة، بعد إحضاري صورة عقد العمل المصدّق من المقر الرئيسي للوزارة في القاهرة. يوم شاق من بدايته، منذ استيقاظي مع ارتفاع نبرات صوت الأذان لصلاة الفجر. اعتقدتُ مخطئًا أنني قد بكّرت بوصولي لمقر الوزارة مع دقات الثامنة صباحاً، لكنني وجدت المئات غيري من الطامحين الطامعين في السفر قد جاءوا هم أيضاً لإحضار صور عقود العمل الخاصة بهم.
تُوزّع العقود بشكل عشوائي. رجل وحيد يقوم بتسليم صور هذه العقود، يجلس تحت مظلة بائسة في الفناء الخلفي لمبنى الوزارة. مرة واحدة ينادي فيها على الأسماء، ومن لا ينتبه عليه أن يأتي في مثل الموعد نفسه من الأسبوع التالي، بينما وقفنا جميعاً تحت أشعة الشمس الحارقة التي اشتد سعيرها بمرور الوقت، في حين يقوم أربعة من رجال الأمن بلباس مدنيّ بالسيطرة على ذلك الجمع الكبير من الناس باستخدام العصي التي تسقط على جسدك لا تدري من أين، أو تلك الشتائم التي يشتد أزيزها بين الحين والآخر.
كنت في طريق عودتي من القاهرة بعدما تسلّمت صورة العقد حينما بدأت تلك المعركة بداخلي في الاشتعال من جديد، لكنها سرعان ما خبت هذه المرة ولم يبق بداخلي سوى صدى صوت وحيد سيطر على تفكيري: «لن تخسر شيئاً إذا تقدمت بأوراقك للمنحة، ربما يتم اختيارك، ولم لا؟».
وهنا، قرّرتُ مجاراة ذلك الصوت لتجنب أيّ ندم مُستقبَلاً. كانت أوراق المنحة بحوزتي داخل حقيبتي الورقية التي تحمل كل أوراقي، تلك الحقيبة التي كانت شاهدي على ما عانيته في رحلة بحثي داخل أسواق العمل، لذا قررتُ إكمال رحلتي للإسكندرية لتقديم أوراقي في المقر الفرعي للهيئة المانحة هناك. لا أدري لماذا لم أتوجه إلى المقر الرئيسي في القاهرة رغم وجودي فيها؟ ربما لأن معرفتي بشوارع الإسكندرية أفضل بكثير، كما أن بحثي عن مقر الهيئة في القاهرة سيكون أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، مع ترامي أطرافها، ناهيك عن تلك الفوضى المرورية الشديدة التي ستعوقني بالتأكيد عن الوصول في الوقت المناسب، قبل انتهاء ساعات العمل للموظفين، هذا في حال تمكنت من الوصول.
***
كانت الساعة تقترب من الثانية حينما حطّ «أتوبيس» النقل العام رحاله في آخر محطاته، في منطقة سيدي جابر بالإسكندرية، فسارعتُ بالقفز خارج «الأتوبيس» قبل أن يتوقف بشكل نهائيّ. قطعتُ الشارع المواجه للمحطة مسرعاً نحو مدخل النفق الذي يمرّ أسفل محطة القطار كي أتمكّن من استقلال «الترام». اصطدمتُ بشخص ما في طريقي. اكتفيتُ بالاعتذار له بإشارة من يدي دون أن أتوقف أو ألتفت إليه، ويبدو أنه لم يقبل اعتذاري، ظلَّ سبابه يترامى إلى مسامعي حتى ذاب صوته وسط تلك الأصوات الكثيرة المنبعثة من كل مكان. حينما خرجت من الجهة الأخرى من النفق، لم يكن أمامي وقت كاف أضيعه في اجتياز الشارع للجهة المقابلة عبر استخدام جسر المشاة، فقررتُ قطع الشارع وإيقاف نهر الطريق المتدفّق بغزارة في الإتجاهين. لم أنتظر بعدها سوى دقيقة أو اثنتين قبل أن أصعد إلى «الترام» الذي مرّ في طريقه بكلية الآداب التي قضيت فيها سنواتى الجامعية الأربع. صحيح أن ذكرياتي قليلة في فترة الجامعة لأنني لم أكن أواظب على الحضور لانشغالي بالعمل، لكن رغم قلة تلك الذكريات ما زلت أجد بداخلي حنيناً إليها.
ترجلت عند آخر محطة لـ«الترام» في منطقة الرمل، ومن هناك أكملت طريقي الذي لم أكن أعرفه سيراً على الأقدام، لذا قررت أن أسال أحد المارّة، لكنه لم يتعرف على ذلك العنوان الذي كتبه لي صديقي داخل ورقة صغيرة، فاستوقفتُ آخر شرح لي الطريق بتفاصيلها، لكن لم يعلق بذهني سوى ما أشار إليه بيده في بداية حديثه قائلاً: «اسلك ذلك الشارع إلى آخره، ومن هناك انعطف يميناً...».
وحينما انعطفتُ يميناً قرّرتُ سؤال آخر، فأشار هو الآخر بيده قائلاً: «هل ترى ذلك الشارع؟ اجتزه لآخره، ثم انعطف يميناً فيساراً، وعندها ستجد إشارة مرور، اسأل هناك». سرتُ كما وصف لي، وحينما وصلتُ إلى إشارة المرور قرّرت سؤال الشرطي الذي ينظم حركة المرور في ذلك الملتقى المروري للعديد من الشوارع المتقاطعة هناك.