Page 1
مقدمة
تراجع دور المثقف، وتراجعت قيمته المعرفية ومكانته الاعتبارية، مع أهمية الثقافة ودورها في التطور والتغيير، وانعكس تراجعه محلياً وعربياً في انتعاش الهويات الجهوية، والثقافات الفرعية، وتراخي قبضة النخبة على مصيرها، وتدهور العلوم الإنسانية، وازدواجية القيم، وانحطاط الثقافة نفسها، التي أخلت مواقعها عنوة لقطاعات أخرى أكثر فاعلية وتأثيراً في عصر العولمة، كالسياسة والإعلام، الذي تكفل أخيراً بالسيطرة والتنميط· ولم تعد الثقافة قادرة على منح الإنسان المناعة والقيم العليا والتطلعات، فغزته الثقافات الأجنبية، التي انتصرت عليه بقوة خطابها لا بحقيقتها، في زمن تجري فيه عمليات تسليع القيم، وتنميط الأذواق والعقول واختراق الثقافات·
وليس بمقدور المثقف إعادة الاعتبار لذاته وإنسانيته،إلا إذا استطاع إعادة الاعتبار لثقافته الوطنية، وتمسك بها بوصفها ناظماً للقيم المجتمعية والقطاعات الأخرى، واستطاع تخفيف غلواء السياسة، التي اقتحمت الثقافة بالإيديولوجيا، فأفقدتها اتزانها واستقلالها، وأفقرت إنتاجها المعرفي، وجعلتها عرضة للاختراق والانزواء·
لم يعد المثقف رسولاً أو حارساً وحيداً للقيم، ولم يعد بإمكانه الوصاية على أحد، أو تحمُّل أعباء التغيير بمعزل عن الآخرين، لكنه المسؤول الأول عن إنتاج المعاني والرموز،في عصر شهد ويشهد أعمق التغيرات والتبدُّلات، التي مست المثقف ودوره في المجتمع· وعلى المثقف الآن إعادة تعريف ذاته ووظيفته بما يتلاءم مع حقائق العصر،لخلق مساحة شاسعة ومشتركة مع الآخرين، ليكون أكثر فاعلية وتأثيراً في المجتمع، وفي هياكله السياسية والمدنية·
أما إذا استمر الوضع القائم حصاراً وانحساراً للمثقف، فلن يكون هناك إلا ثقافة مجانية، لا تنتج إلا ما هو مستهلك واستهلاكي لمجتمع يسير بلا هدف، ويصوغ حياته وأولوياته بتجريبية بلا مبادئ·
أما هذه الموضوعات، التي وزعتها على ثلاثة فصول، هي: الثقافة، والمثقف، والثقافة الوطنية، فقد أردت منها تأكيد هدفين اثنين، يتعلقان بالرؤية والمنهج· أما رؤيتي فأعيد فيها تأكيد ارتباط الثقافة بالهوية والتغيير، وأما معرفياً، فقد اتبعت منهجاً تحليلياً تاريخياً لمقاربة المفاهيم قيد البحث، التي تتقاطع فيها الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفلسفة·
زهير توفيق
30/1/2013 عمان
Page 2
النخبة الثقافية
ازداد الاهتمـام بمفهوم النخبـة في الفكر الغربي، وأصبح مثار جـدل واسـع في الفلسـفة السياسـية وعلم الاجتماع السـياسـي، وشـكّل رداً يائسـاً على الإبستمولوجيا الماركسـية، لاسـتبدال مفاهيمها الحيـة: كالطبقة، والصراع والتاريخ، والثورة، والتناقض، والسـلب، والتجاوز، بمفاهيم أخرى، توحي بالثبـات والاسـتقرار مثل: النخبـة والتنـافس، والتوازن، والإصلاح، والنظـام· واسـتدعى ذلك تجـاهل البنى الاجتماعية الكبرى: كالطبقة، والنقابـة والحزب، والثورة، بوصفها مجرد سـرديّات (أوهام) سـيطرت على العقل الغربي، وقد آن الأوان لعزلهـا وتجاوزهـا لمصلحة البحث العلمي؛ أي الاجتماعي الإجرائي، الذي يركّز على موضـوعـات وبُنىً فرعية·
جاهد الفكر الاجتماعي الغربي، وخاصة الأميركيّ لتقديم نظرية متماسكة عن النخبة ثقافياَ وسياسياً، إلا أنها محاولة يائسـة، وتنويع شكلي لتجاوز مفهوم الطبقة باعتراف رايـت ميلز؛ أشـهر علماء الاجتماع الأميركيين، الذين درسـوا المفهوم دراسة تحليليـة، وتـاريخيـة مقارنـة·
وأبسـط تعريف متعارف عليه للنخبة هو أنها الصفوة القائدة، أو الأقلية التي تستحوذ على االسلطة المادية والمعنوية، والهيبة، والمرجعية الرمزية والنفوذ، الذي يتيح لهـا الحضور الدائم، والتمتع بـ النموذجية الناتجة عن مركّب الغموض والجاذبية (الكارزما)· وهذه التجليـات هي في حقيقتهـا أدوات وسـمات للمكانة والنفوذ·
كـان المعـادل الموضوعي لمفهوم النخبة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية وفي الآداب السـلطـانية هـو: الخـاصة مقابـل العامـة، أو الأعيـان مقابـل العـوام، والحاشـية مقابـل الرعية والرعـاع والحرافيش·
وعند اسـتعادتنا النقدية للمفهوم، لا نتجاهل الحقائق التاريخية، التي حولت المشاريع الكبرى إلى مشـاريع نخبوية بيروقراطية، تتحكم فيها طغمة تسـتأثر بالسـلطة والثروة ورأس المال الثقافي·
ولا يعني انحراف تلك المشـاريع، تسـويغ مفهوم النخبة بدلالته السلبية، وإضفاء المعقولية عليه، وإزاحة مفهوم الطبقة والصراع، وكـأن إزالة المفهوم من الذهن كافٍ بحد ذاته لإزالته من الواقع، وهو ما يمنحه وجاهـة وقدرة تداولية لا يستحقها في الخطابات الراهنة، وكـأنه نتاج طبيعي لتفاعل طبقات منقسـمة انقساماً أفقياً، متنافسة تنافسـاً ودّيـاً، لتوليد نخبة تعلوها وتتجاوزهـا، وتشـكل قاسـماً مشـتركاً لها جميعاً؛ أي إنها مجموعة الأفراد الأوفر حظاً في البقاء والسـلطة في صراعها من أجل ذلك الهدف·
حـاول كـارل مـانهـايم مؤسس علم اجتماع المعرفة الوصولَ إلى مقاربـة مشـابهـة للنخبة في تكوين المثقفين؛ بوصفهم نخبـة أو طبقـة عازلـة بين الطبقـات وفوقها في الوقت نفسه، متجردة من المصـالح الطبقية والإيديـولوجيـة، تحولها الممارسةإلى حرس للحقيقية الكلية، وإعادة إنتاجهـا رداً على تصور أنطونيو غرامشي، الذي صاغ مفهوم المثقف العضوي المنخرط في الصراع الطبقي، ممثلاً لطبقة يمنحها المعنى والهويـة·
أمـا النخبة الثقافية في عالمنـا العربي فتقترب من السـيولة المعرفية، لتعذّر ضبطهـا مفهومياً وواقعياً· أما النخب الأخرى؛ السـياسـية، والاقتصادية، والعشائرية فتمتلك في واقعها المعاش شـرعية وجودهـا وحضورها أكثر من النخب الثقافيـة، لمـا تتمتع به من قدرة مادية ورمزية على فرض الأمـر الواقع وإدامته، وتغييب الأسـس التاريخيـة، والمنطقيـة، اللازمـة لنقضها وتقويضها· وهي نخب عابـرة خارقة لأصولهـا الاجتماعية، وأكثريتها نتـاج طبيعي لطبقاتها وتكويناتها الأصغر، التي راكمت السـلطة والنفوذ والثروة، إلى الحد الذي منحها هـذا العزم والقوة والتبلور،بكونها فئـة نـاظمة لذاتها في مجتمع انتقالي ذي توجه ليبرالي، وكذلك وفَّر لها التعليم العالي، والخبرة، والإيديولوجيا الليبراليـة اتساقها الداخلي، وضاعفت قاعدتها العشـائرية من مناعتها، ومنحتهاالحماية والقدرة على التميّز، وعملت على إعـادة إنتاج سـلطتها ونفوذها المتداعي·
ورافق صعود هذه الفئات فئـات أخرى، نجحت في ارتقاء السلم الاجتماعي، قدِمت من أصول أدنى، اعتمدت على نفسها، والتحقت بالنخبة السـابقة من دون عقبات تذكر، مـا دامت تعيش في مجتمع مفتوح، أو ليبرالي قـادر على احتواء المغايرة والاختلاف، وتوجيه الحراك الاجتماعي لخدمة مصالح فئوية خاصة، وإنتـاج أدوار جديـدة وتوزيعها على الطامحين والطامعين الجدد·
Page 3
ومفهوم النخبة مفهوم مفارق لمفهوم الطليعة في التنظيمات والأدبيات الراديكالية، فعضو النخبة يتمتع بالفردية إلى أقصى حـد، ويمتلك سلطة مـادية ومعنوية حقيقية، ولديه مصالح شخصية واضحة، تمنحه القدرة على فرض إرادته، والتأثير في القرارات العامة المؤثرة في حياة الآخرين، بعكس الثاني، الذي لايمتلك إلا سـلطة رمزية أو اعتبارية، يسـتمدها من التنظيم الهرمي، ويفرضها بقوة المثال الأخلاقي المجرد من المصالح والأهواء·
إن مـا يمنح النخب العربية معقولية وجودها واستمرارها، هو تفكُّك الأنسـاق الاجتماعية التي طالت الطبقات نفسها، والاسـتقطاب الشعبي الثنائي بين أغنيـاء وفقراء، بعد تشـرذم الطبقة الوسـطى، وانقسامها إلى وحدات وفئـات يصعب معها عليها اسـتعادة وحدتها وهويتها السـابقة، مـا دامت عمليات الإفقار متواصلة، والدليل على ذلك وجود عشـرات الأحزاب الوسـطية التي تدّعي تمثيل الطبقة الوسـطى·
وتتميز النخبة بقدرتها على إعـادة إنتاج السـلطة والثروة، والسـيطرة على المحكومين، واسـتثمار كـدّهم ووجودهم نيابة عن الطبقة المسـيطرة· أما النخبة الثقافية فلا تملك سـلطة مـادية تفرض سـيطرتها بتسـليع وتسـعير منتوجها الثقافي في مجتمع يقترب مسـتوى الطلب والتطلب الثقافي فيه إلى أدنى مسـتوى، فمـا زال مجتمعنا يلهث لسـد حـاجـاته الأسـاسـية، ومـا زالت الثقافة في تصور البعض خدمة عامة ورسالة إنسـانية؛ أي تفانِ ومجانية·
ويتضاءل تـأثير النخبة الثقافية بسـبب تأثيرهـا البطيء في الوعي غير المنظور، الذي يتعذر قياسه كمياً، ومـا دام الأمر كذلك فهي عاجزة عن تحقيق ذاتها، أو ضمان تأثير فاعل في واقع قابل للملاحظة، إلا على المدى البعيد، وفي ظل تكـامل الأنسـاق الناظمة والداعمة للتقدم والنهوض·
وتسـتهدف النخب الثقافية في سلوكها التغيير والتنوير، وهي بعكس النخب الاقتصادية والسـياسـية، التي تتجلى سلطتها بالتحكم والاستثمار والاسـتئثار بالسلطة· فالتنوير عملية مشروطة باسـتعداد المتلقي، إذا سـلّمنا جدلاً بقدرة المثقف ورغبته في التأثير في اتجاهات المجتمع والوعي الاجتماعي· وقد لا تجد النخب الثقافية أحياناً إلا الانخراط في البنى الاجتماعية الأخرى لتسويغ وجودهـا، وتصعيد مطالب الآخرين، وإضفاء الشرعية والعقلانية عليهـا·
أمـا المجتمع الذي يفتقر لفائض السـلطة والثروة، فهو مجتمع يفتقر تلقائيـاً للقدرة التوزيعية والقسـمة العادلة، وهو ما يعزز إحساس نخبته بالعزلة وعداء الآخرين، فتوحد صفوفها وتعلق تناقضاتها، للمحافظة على ذاتهـا، فيختلط تضامنها العضوي بتضامن المصالح، وتزداد تماسـكاً وتجانساً بالقرابـة والمصاهرة والموالاة، وتتعرض للنخب الأخرى كالنخب الثقافية التي تزداد بؤساً ومجانية·
وحفـاظاً على تكتلها الفئوي، واستمراراً له، تقدم خدماتها للبنى الاجتماعية الأولية، التي صعدت منهـا، وتتحول مسـاعداتها إلى رصيد إضافي من المنـافع التي تجنيهـا لاحقـاً· وهي بهذا تزداد قدرة برأسـمالها المادي والرمزي الذي يمنحها مزيداً من التراكم والاسـتمرارية، وزادها الانغلاق والاستقرار والتوارث تبلوراً بوصفها نخبة جندت بناها الأولية لتصليب عودها، وتمويه هويتها الطبقية، وشرعنة مكتسباتها اللاحقة، وإلحاق الثقافة بمتطلباتها؛ أي بالاستهلاك والتسلية وصناعة ثقافة سياحية تلبي حاجاتها·
وتتعرف النخبة على نفسها بسـهولة بالغة، بوعيها الذاتي بأنها أقلية نافذة، تؤدي وحدتها وتماسـكها دوراً وظيفيـاً لتحقيق الهيبـة والحضور في عيون الآخرين، وكذلك فإن تمـاسك الأقلية يضاعف القوة، ويسهّل تبادل المنافع والمصالح· وبسـبب كونها أقلية، فهي قادرة على تنظيم نفسـها بنفسـها، وخلق الأعراف والتقاليد اللازمة للحفاظ على كيانهـا، واستثمار قدراتهـا في التوسـع والتحكم· والأهم من ذلك امتلاكها التنظيم ومهارات التواصل والاتصال، فتزداد تقارباً واسـتقطاباً، وتنمي مصادر قوتها، فتزداد تكاملاً على مستوى السلطة والثروة والحضور الأخلاقي، باسـتثناء النخبة الثقافية، التي لا تملك رأسمال أو سـلطة لازمة لتحويل رأسمالها الرمزي إلى مكتسبات سياسية واقتصادية·
ولا يمكننا فرز المثقفين أو تصنيفهم كغيرهم، إلا إذا تجاوزوا ذاتهم الثقافية، وعرفوا أنفسهم بالسـياسـة· فالمثقف نتـاج اجتماعي، ولكن مشـروعه الإبداعي مشروع فردي· وفي الثقافـة اتجاهـات وتيّـارات، ولا وجـود لأطيـاف وأشـباح وخصوم طبقيين مباشرين· وهي في معناها الشـامل ليسـت مجرد منظومة، بل هي ناظمة للنسـيج الاجتمـاعي، وقاعدة للممارسـة السـياسـية والاجتماعيـة·
Page 4
الفيلسوف الملتزم
يتجاوز الفيلسوف ما هو مرئي، وما هو ظاهري ليغوص بأدواته الفلسفية (النقد، والعقلانية، والمنطق) في الواقع لتشريحه، وتفسيره، والوصول إلى الطبقات التحتية المؤسسة للمعطى المباشر فكرياً وسياسياً· ويشكل المنهج التاريخي مكوناً أساسياً - وليس وحيداً - من مكونات المعرفة والتحليل الفلسفي·
ويفترض هذا الاستهلال بالفيلسوف الانزواء والاعتكاف لبعض الوقت، لتأمل الواقع والابتعاد عما هو مباشر، وهي مرحلة ضرورية وتقليد قديم لابد منه لاستنهاض الجماعة وقيادتها، والسيطرة على الواقع بعد فهمه، ومن ثم العمل على تغييره· وهذا هو حال الأنبياء والمفكرين العظام·
ويعمل الفيلسوف على تركيب المشكلات، وصوغ الأسئلة وتفسير الواقع، وتغيير المعنى والأدوات· أما انخراطه في عمل مباشر لتغيير الواقع، كالمساهمة في الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، فتحيله إلى مثقف ملتزم، يستشعر التزاماته قبل حقوقه وواجباته، وربما يكون المؤسس أو المنظِّر الذي يقود الحركة الفكرية والسياسية بأفكاره وأساليبه، فيكون زعيماً لامعاً خطفته السياسة من الفلسفة والفكر النظري·
وتختلف مساهمة الفيلسوف عن السياسي، الذي لا يقدم إلا حلولاً إجرائية بحجة الواقعية، وغالباً ما يتنازل أو يتراجع أو يناور لأهداف ومسوِّغات واهية، وغالباً ما تكون إجاباته واستجاباته زائفة· والحقيقة أنه عاجز عن تقديم ما هو أكثر من ذلك، فيقوم بتسويغ برامجه وشعاراته، بسبب تراكم المشكلات والأزمات وتشابكها وتدفقها، وغياب الخيارات والحلول الجذرية، وينسى أو يتناسى كونه جزءاً من المشكلة· وليست المراهنة على قدرته على الحل ورغبته فيه إلا مراهنة ساذجة·
ولدى السياسي من المشاريع التفكيرية الشىء الكثير، إلا أن ما يميز المفكر أو فيلسوف السياسة عنه هو قدرته على إنتاج أفكاره بالتفكير المنهجي المتسق مع ذاته، والمتضمن مجموعة من المبادئ والمعايير الكلية، التي تضيء الممارسة بالعلم والعقلانية، وتسوغ النظرية بنجاح التطبيق نظرياً وعملياً·
ومن الصعب على الفيلسوف أو المفكر السياسي الاحتفاظ بمواقعه ومواقفه الفكرية والنظرية في معترك السياسة، التي تتطلب منه الارتفاع عن التناقضات والصراعات، أو الانخراط في سياسة فئوية لا تمثل الكل، والسهر الدائم لتسويغ وعوده، وتفسير خياراته لجمهور كثير التطلب، نظراً لحرمانه الطويل من المشاركة والحقوق السياسية· وقد يفقد توازنه لاحقاً، نتيجة تعاليه على الصراعات، وتلقيه الضغوط من جميع الاتجاهات والتيارات·
يعاني المفكر السياسي أو الفيلسوف المنعزل من وطأة أفكاره والتزاماته بالقضايا الكبرى، إلا إذا استحوذ على سلطة ينتهي بها مصلحاً أو إصلاحياً، يجاهد لإعادة تركيب الواقع المتهالك وتجميله، وتخليصه من الخلل، وربما يطرح وينفذ أفكاراً جريئة عن توزيع الثروة والسلطة على الفئات المتصارعة على النفوذ والمثل، ونادراً ما ينجح في تنفيذ برامجه، فتتحول أفكاره إلى أساطيرمسوغة عقلياً وسياسياً، وتشكل رأسماله الرمزي الذي سيدافع عنه، ويؤكد به حضوره فيما بعد·
أما الفيلسوف الحقيقي في السياسة، فهو الهادم والهدام لكل ما هو زائف، ويفتقر للتسويغ العقلي، ويتعدى الهدم والنقد البناء إلى النقض والتقويض، ونزع الأسطرة والمثالية والقداسة عن الأفكار والوقائع الزائفة، فينطق بالشمول والكلية، ويعيد تفسير التاريخ ويموضعه في تاريخيته، ويربط الحقيقة السياسية بواقعها المادي والمعياري، ويتجاوز السياسة التي حاصرت ذاتها بفن الممكن إلى فلسفة سياسية تفكر بالمثال، وبما هومستحيل خارج التوقع والاحتمال· فعلى سبيل المثال، ليست حصيلة اليمين المحافظ في أمريكا، الذي تلبس لبوس الفكر والفلسفة إلا الفشل أو ما يقارب ذاك، فقد افُتضح أمره، ومن ثمَّ عاد إلى المفكرين والفلاسفة والاستراتيجيين المستشرقين الكبار، طالباً النصيحة والمشورة والحلول الممكنة·
Page 5
فما هي مهمة الفيلسوف بوصفه مثقفاً ملتزماً في حقبة الانهيارات والنهايات لكل ما هو شمولي، وعودة الفلسفة والأنظمة الليبرالية لتتصدر مسرح التاريخ؟
من المستحيل اليوم إعادة أو استعادة صورة الفيلسوف الكلاسيكي؛ أي ذلك المفكر الموسوعي، الذي يبني المذاهب والأنساق الكلية، ويجيب عن الأسئلة المطروحة، ويقدم الإجابات عن أسئلة افتراضية تستنبطها الممارسة، ويطرحها المستقبل·
ويستحيل عليه كذلك - في عصر تفجر المعرفة والعلم والتخصص- الخوض في مسائل شائكة خاض فيها سابقاً، وأصبحت اليوم جزءاً من اهتمام علوم أو اختصاصات علمية دقيقة· ويتعدى دوره (الشوروي)، تقديم النصائح والتوجيهات لإدارات وأنظمة متوترة، عاجزة عن إدارة أزماتها، أو الخروج منها بطريقة ناجحة أو مشرِّفة·
ليست مهمة فيلسوف السياسة الانكفاء على ذاته، والخروج من الموضوع السياسي - الذي ما زال راهناً يحتاج منه موقفاً مبدئياً فكرياً وسياسياً - والانكباب على قضايا مجردة بحجة النقاء الفلسفي، فالسبب الحقيقي لهروبه من عالم السياسة هو فشله وخيبة أمله، كما حصل مع كثيرين من رموز الفكر العربي والإسلامي من محمد عبده إلى الغزالي اللذين لعنا السياسة وتعوذا منها، وأتاحا المجال لطغيان الخرافة والاستبداد السياسي، اللذين تحالفا معاً ضد العلم والعقلانية والتنوير في تاريخنا المعاصر·
تبدأ مهمة الفيلسوف بوصل السياسة بما انقطع من التاريخ، بين العلوم الجزئية والإنسانية، لفهم أبعادها وإشكاليتها المشتركة، ويتضمن عمله الفكري فك التشابك والتداخل في التطبيق والممارسة في عدة حقول إنسانية، وخاصة السياسة· ويتضمن هذا العمل تأصيل الأنساق المعرفية على صعيد معرفي إبستمولوجي أما على صعيد أخلاقي فتنتظره حزمة كاملة من أخطر التحديات الأخلاقية ذات الجذور السياسية في العلم والثقافة: كالحوار، وقبول الآخر، والاختلاف وحدود التسامح والازدواجية، وحقوق الإنسان، والمهمشين، والاستنساخ وحريات الاعتقاد، وحدود مسؤولية الفرد والجماعة في قضايا البيئة وغيرها·
والأهم في تقديرنا هو انخراطه الفاعل في قضايا مجتمعه بوصفه مثقفاً ملتزماً، ما دامت تلك القضايا معلقة ولم تنجز بعد، ولا يوجد من هو أقدر منه على صوغ الأسئلة والرهانات الكبرى، وبلورة إشكالية مجتمعه في مراحل التغيير والانتقال، وتحديد الأدوات الفكرية اللازمة لكشف الواقع وتفسيره، وصوغ التصورات والبدائل الواقعية والعقلانية، لنسف التزييف واستلاب الفرد والجماعة سياسياً ودينياً واقتصادياً· وتحقيق الأمل والحرية، والتدخل الثابت والجريء لحماية التنوير، وتوسيع نطاقه، وعدم ترك الواقع نهباً لمذاهب تحليل وتحريم وتجريم الأفكار والممارسات الإبداعية· وفي هذا السياق نتوقف عند ريتشارد رورتي وهو من مفكري ما بعد الحداثة، الذي طالب المثقفين بالتخلي عن النظرة الكلية والنقدية للواقع القائم، ودعا للاندماج فيه،والتخلي عن اتخاذ أي موقف نقدي راديكالي تجاه المؤسسات الاجتماعية؛ أي إلغاء أسلحتهم الفكرية المادية والنقدية، بقوله: يجب على المثقفين أن يكفوا عن رفض الوقائع··· وأن لا يمارسوا السياسة بمفاهيم تعجيزية (ويقصد بهاالمفاهيم الجذرية في الصراع الاجتماعي)· وتصل رجعيته ذروتها عندما نصح المثقفين بلغة أبوية: يجب أن لا نضيع وقتنا في نقد ديمقراطيتنا، ويجب على المثقف أن يعرف كيف يصبح متواضعاً، فلا أحد في أيامنا هذه يقترح شيئاً أحسن من اقتصاد السوق
هكذا يقلب رورتي الأدوار والمفاهيم الراسخة عن دور الفيلسوف بوصفه مثقفاً ملتزماً، يحمل موقفاً نقدياً من الواقع، وهو الموقف الذي أجمع عليه كبار الفلاسفة والمثقفين من ماركس وغرامشي إلى إدوارد سعيد وهشام شرابي·
ولا أجد ما أصف به موقف رورتي إلا أنه دعوة مغرضة، واستسلام للواقع القائم، وتفكير يميني محافظ معاد للعدالة والعقلانية· فهو بحجة الواقعية والبراغماتية في مواجهة المشكلات المستعصية، سقط في تجريبية بلا مبادئ، تخدم وتفيد ما هو رجعي في عالمنا المعاصر في الشرق والغرب، بتحالفه التلقائي مع أعداء التغيير والتنوير، الذين يريدون تحقيق أوهامهم بالعنف والعدوان، وهو موقف يقف ضد الفكر السلبي؛ أي نفي الواقع القائم الذي يفتقر للعقلانية·
وما ينطبق على رورتي ينطبق على غيره من منظِّري ما بعد الحداثة العرب، الذين انبروا للتشكيك في مشروع النهضة والتنوير قبل إنجازهما عربياً، وصبت مراجعاتهم النقدية في طاحونة الأصولية، التي وقفت ضدهما منذ بواكير النهضة العربية في القرن التاسع عشر، التي أبعدت واستبعدت لاحقاً الفلسفة النقدية، بطريقة منهجية مغرضة، من المؤسسات التعليمية، ولم تستبعد في حقيقة الأمر إلا العقل والمنطق والمنهج العلمي، وتركت الساحة نهباً للأساطير والخرافات، والأفكار الميتة·
على الفيلسوف الملتزم بقضايا التغيير والتنوير الرد، وصياغة موقف نضالي نظرياً وسياسياً، لاسترداد دور الفلسفة وحقها في المشاركة، وتشكيل استراتيجيات التحدي والتقدم في عالم متغير·
Page 6
المثقف والسلطة: إبداع أم اتباع ؟!
الكائن الوحيد الذي يستشعر حقه البدهي في الممارسة السياسية والتحكم في الهندسة الاجتماعية للمجتمع والطبقات، هو المثقف في المجتمعات الطبقية، الذي يتصور نفسه سياسياً بالقوة، ومثقفاً بالفعل· وعندما تتقاطع السياسة والثقافة يصبح أو يتخيل نفسه مناضلاً بحكم الضرورة، ويتمسك بالحرية بمعزل عن حتمية التاريخ الموضوعية·
وغالباً ما تناقض تطلعاته براغماتية السلطة، التي تكثّف رأسمالها المادي والمعنوي لإنتاج نفسها، لتجاوز أوضاعها الاستثنائية، وتحول مشروعه الأخلاقي في التغيير إلى تهويمات فكرية يوتوبياوتتحول الدولة التي تزداد قوة وشمولية، إلى ما يشبه القوة القووية كما يقول مطاع صفدي: ويزداد المثقف فيها توحداً وخصوصية وانعزالاً، بفعل التهميش المدروس لتحييده وتقويضه، والتشكيك في دوره وحقه في التدخل في الشؤون العامة، وتجاوز تخصصه الضيق وعمله المحدود، ولا ترضى بتنصيبه مفوضاً للحديث باسم الآخرين في المجتمعات المدنية والطبقية· فهي التي تحتكر التمثيل وأدواته بعيداً عنه، ولا يسع السلطة أن تكتفي بالقوة والجبروت لإخضاع المجتمع السياسي وإلحاق المجتمع المدني وتطويع بناه الحية، بل إنها ترفض الاعتراف بالثقافة نسقاً مهيمناً، كما هو الحال في الأنظمة الشمولية وتعمل على تفريغ الثقافة من طاقاتها الإبداعية، ووظيفتها الأخلاقية والجمالية؛ أي من النقد وإثراء المحتوى الإنساني للإنسان، وإعادة تشكيل العالم· وعندما تتخلى الثقافة عن ذلك تتحول إلى رطانة لفظية لا تقول شيئاً، وتتحول إلى سلطة للتسويغ والتجويز والرقابة الذاتية·
وفي هجومه المعاكس يؤكد المثقف حضوره واستقلاله الذاتي في الحركة الاجتماعية بكونه رائداً أو طليعياً، يطرح أفكاراً صالحة للاستخدام، لكنهاصعبة المنال، بفعل مزاحمة الثقافة الاستهلاكية المبتذلة، التي تستهدف الإثارة واستقطاب المعجبين· وتزداد المفارقة حدة في كيانه وماهيّة دوره الهامشي من جهة، وقدراته الذاتية من جهة أخرى، فيشعر أحياناً أنه صاحب رسالة ونبوءة: نبي أعزل يعجز عن فرض أفكاره الصحيحة، وتحويلها إلى قوة مادية فاعلة، ويعلل ذلك بعمق أفكاره، وهذا صحيح إلى حد ما، أو بإعراض الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير·
يقسم المثقفون إلى قسمين: الأول هو المثقف (الحقيقي)، وهو الذي يحتفظ بموقعه النقدي، ويفضل المنفى والاعتزال مكاناً وزماناً على التسويغ والاستخدام الوظيفي، ويجعل بينه وبين السياسي مسافة منظورة لا يسعه اختراقها باتجاه السياسي، ولا يسمح للسياسي بتجاوزها، لكنها قابلة للتحديد والتمديد· والثاني هو المثقف الذي لا يملك مشروعاً للتغيير، ولا يحمل رؤية جديدة للعالم· وهذا هو المثقف المزيف كما يسميه سارتر نقلاً عن نيزان
ظل المثقف مفهوماً وموضوعاً غربياً بامتياز، فهو سليل طبقة الإكليروس: رجال الدين، الذين احتكروا الكتابة والقراءة: الثقافة وتفسير الكتاب المقدس· أما في العصور الحديثة فقد مثلت الرأسمالية مشروعاً ثورياً شاملاً في تاريخ الإنسانية، تمثل بظهور طبقات جديدة، كالطبقة البرجوازية حاملة لواء الحداثة حتى الثورة الفرنسية، التي مثلت أوج تطلعاتها الثورية ونهايتها في الوقت نفسه، وقد ألقت على عاتق مثقفيها كتّاباً وفلاسفة تفكيك الإقطاع عقلياً، قبل تفكيكه اجتماعياً وسياسياً، وتوصل عقلها الحداثي إلى أن الوضع القائم والامتيازات الإقطاعية والاستبداد السياسي أمور منافية للعقل الطبيعي السوي
لقد أصبح هؤلاء الكتّاب بمثابة المثقفين العضويين - بتعبير غرامشي للطبقة البرجوازية، الذين منحوها وعياً ذاتياً لاجتياز مهامها، والقضاء على العلاقات الإقطاعية، وتأسيسها على مبادئ العقل والحرية·
وفي اللحظة التي صعدت فيها البروليتاريا الطبقة النقيض وهي الطبقة الثانية التي أنتجتها الحداثة الرأسمالية، لم تعد البرجوازية طبقة تقدمية، وأصبحت تطلعاتها لا تملك من الشمول أو الكلية ما يسمح لها بتمثيل الإرادة العامة أو التاريخ الشامل·
فقد تحولت في الممارسة الاستعمارية والاستبداد إلى طبقة محافظة حضارياً وسياسياً، بسلب التاريخ قدرته على التقدم، وآمنت بنهاية التاريخ لتصفية تناقضات الواقع، وتحويل منطق التقدم إلى كينونة طارئة، أو وضعية منافية للمنطق العلمي بالمفهوم الوضعي المشتق من العلوم الطبيعية·وظلت البروليتاريا تحدياً خطيراً وحقيقياً إلى أن زال خطره مع تبرجزها الراهن في الدول الرأسمالية على حساب الأطراف·
لقد استعارت الطبقة العاملة مثقيفها من الطبقات الوسطى والانتلجنسيا التي منحتها وعياً ذاتياً بدورها ومهامها التاريخية، لتحويلها من طبقة لذاتها؛ أي من كونها مجرد طبقة معينة في التركيب الطبقي، إلى طبقة مستقلة واعية لمصالحها· وتميز المثقفون في هذا البناء بتحملهم تبعات الصراع الإيديولوجي، وانقسموا إلى محافظين وثوريين·
لم تتنازل البرجوازية عن سلطتها وامتيازاتها وثقافتها بسهولة، بل تنازلت عن ثوريتها، وتصالحت مع الواقع القائم، الذي أضفت عليه المعقولية، فكل ما هو واقعي عقلي ببتر وتشذيب المقولة الهيغيلية المشهورة، وعملت على تسليع الثقافة والقيم، ودمج المثقف في بناها المعقدة، لتحويله مثقفاً مؤسساتياً أو موظفاً أداتياً·
Page 7
ومنذ تحرير إميل زولا بيان المثقفين إني أتهم سنة 1898، ثم رد كليمنصو عليه بمقالته بيان المثقفين وظهور الانتلجنسيا الروسية قبل ذلك؛ تبلور مفهوم المثقف، وأصبح ذلك الشخص الأكاديمي الباحث في شؤون التقنية أو العلوم الإنسانية، أو الموظف في البنية الفوقية للمجتمع الذي يعيش على فائض القيمة من الكادحين المنتجين للقيم المادية، ويحمل وعياً نقدياً، ودائم التطلع نحو المستقبل والتغيير·
إلا أن الثورة العلمية والتغيرات الراهنة تجاوزت هذا التحديد الوجودي للمثقف، فقد تحول العلم نفسه إلى قوة مادية تستبق نظرياته المطالب الشعبية، وتخلق حاجات جديدة لها، ثم تداخل البحث والتطوير النظري بالإنتاج، وتحول العالِم أو الباحث إلى مثقف بالفعل، واضطر لاتخاذ مواقف سياسية واجتماعية، كما بينت التغيرات الحداثية الراهنة ذلك الطابع التاريخي والنسبي لمفاهيم الوجودية، التي نظّرت لمفهوم المثقف، وفتحت المجال لمراجعة مقولات غرامشي بصدد المثقف والثقافة، وفحص مسلماته من جديد·
فالعالِم -في العلوم النظرية أو التطبيقية - يبحث عن حقيقة موضوعية في واقع متحرك، ويبدأ بصياغة فرضياته التي هي أصلاً نتائج غير مثبتة، تتضمن على نحو أو آخر رؤية معيارية للأشياء، ويتمنى من الثورة العلمية تحويل نتائجه إلى واقع وقيم نافعة· فالحقيقة بحكم ماهيتها الموضوعية نافعة، لأنها قادرة على إحداث تغيير في حياة الإنسان والمجتمع، فالباحث إذن لا يواجه مشكلات البحث وذهنه خال من الشروط الموضوعية أو الذاتية المؤثرة، مدعياً الحياد والموضوعية المطلقة· ولذلك فالعلم بطبيعته يعيد النَّظر بنتائجه، ويطرح فرضيات جديدة للإجابة عن المستجدات، لتحسين التقنيات والتطبيقات·
وهو في بحثه لا يعلق مسؤوليته كمثقف حيال الإنسانية والمجتمع، بل يدعو لتحويل النتائج المرتقبة لخدمة الجميع، وتحسين مستوى الحياة بوسائل جديدة·
وتتوسط مسؤوليته: علمه وعالمه الذي يعيش فيه، ويعي مطالبه ليصنع من نفسه مثقفاً بالضرورة، فهو عالِم بحكم مناهجه واختصاصه وبيئته العلمية المغلقة، وهو مثقف بإصراره على توظيف النتائج وربطها بحاجات البشرية، ولولا هذه الفضيلة لما تقدم العلم واحتوى مضموناً إنسانياً وتحول إلى وعي ومعيار للحقيقة·
ولكن سياسة واقعه تعانده وتحاصره في التقنيات والوسائل، وتسلب منه الأهداف القصوى والفوائد، بدعوى عدم الاختصاص والتعدي على عمل السياسي المشروع، صاحب الحق الوحيد في الهندسة الاجتماعية، الذي يحدد المعاني والغايات قبلياً، وهذا سر اغترابه الراهن في عالم تتطلب فيه الممارسة العملية والعلمية تحديد الأهداف قبلياً، كالتنبؤ بآفاق التطور والتحكم بالاتجاهات، وتغيير الواقع وتحسين المخرجات، وهذا ما سيقوده من الفهم والتحليل إلى اتخاذ المواقف والتقييم لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع؛ أي توجهاً معيارياً، طالما رفضته العلموية واعتبرته مخلاً بالنسق المعرفي·
يمكن للمثقف أن يمنح التغيير والمستقبل معنى آخر يجعله بعداً من أبعاد المنهج العلمي، الذي يعالج الواقع، لكونه المحتوى الحركي للتقدم الذي يتحقق بالخلق والتجديد، فهو يتمثل الواقع ليعالجه في صيرورته الحية التي تتضمن البدائل والممكنات والاحتمالات، فيبدو عالقاً ومفارقاً لواقع التأخر والاستبداد، ويمنحه وعيُه النقدي القدرةَ على سلب ما هو ساكن ومناهض للعقل والصيرورة، وتحويل نفيه إلى نفي لغربته واغترابه فيه·
في ظل هذا التوجه انعكست التحولات البنيوية في مفهوم الدولة والسلطة على المثقف والثقافة، فقد أنتجت الدولة الشمولية الحديثة مثقفاً آخر يتميز بأنه أداة هذا التحول، الذي نظر وخطط له بحكم وجوده وعمله بوصفه موظفاً في البنى السياسية العليا نتاج التصور والتحول الجديد· فقد عملت الدولة - التي هيمنت على المجتمع المدني، واحتكرت مصادر الثقافة والإنتاج فيه على دمجه بمؤسساتها، وحولته إلى موظف ثقافي لاستثمار تطلعاته وأفكاره، وتجسيدها في المشاريع السياسية·
بقي المثقف ضحية هذه التحولات الجديدة، فقد تصور أن شرعية وجوده في البنى السياسية تفرض شرعية المشاركة في القرار، أو توزيع السلطة بالتساوي على القوى الاجتماعية الفاعلة في الواقع، ومنها شريحة المثقفين، وسبَّب لنفسه العنت والاضطهاد، عندما طالب باسمه وباسم الآخرين بالسلطة بوصفها حقاً طبيعياً بحكم موقفه· وفي ردها عليه أثبتت السلطة الكلية أن الرهان الحقيقي قائم على الموقع، وليس الموقف في البنى الطبقية، وهي قادرة على الاستغناء عنه بتوظيف ما أنتجته الثورة العلمية في الاتصالات وتقنيات الإعلام، وإحلال الإعلاميين مكانه·
أدى هذا الوضع إلى عدم تزامن البنى الفرعية للدولة، مثل الثقافة والسياسة المكونة للنسق الكلي، فهناك بنى تكونت وتطورت سريعاً، وتجاوزت غيرها بفضل الرعاية والاهتمام، وانعكس ذلك على مستوى فاعلية المثقف في قطاعات معينة، وضعفها في قطاعات أخرى·
فالتقني الذي يعمل في قطاع يتميز بالديناميكية والتأثير المباشر في الاقتصاد والتنمية، يؤثر تأثيراً بالغاً في المجتمع بوصفه مثقفاً بالقوة، يتدخل بصفته مواطناً واعياً يهتم بالصالح العام وقضايا المجتمع، وقد يتدخل في القطاع الثقافي الأقل حضوراً وخطورة في الدولة·
ولا تتزامن أو تتساوى المخرجات هنا وهناك؛ إذ يؤثر ذلك في مستوى الاتساق في البنى الفرعية، التي تحمل بعضها بعضاً؛ أي تترابط وتحتفظ باستقلاليتها، ثم تمنح الدولة دلالة الكل الشامل المكتفي بذاته، وهذا سر التناقض والازدواجية في الفكر والممارسة·
ويحمل المثقف ذاته بذاته، ولا يجد ما يسنده أو يفسره غير تضامن أقرانه في المهنة والإبداع، فيتحول إلى كلية مغلقة على ذاتها، يحاور ويشارك أحزاباً ويقارع مرجعيات وسلطات فرعية،أو جماعات ومنظمات مجتمعية، تستعطفه وتستدرجه للانضمام إلى صفوفها، لرفع مستواها النوعي في وجه المجتمع السياسي، للحفاظ على المضمون الحقيقي للسياسة والثقافة، وتقاسم السيطرة والهيمنة على المجتمع والدولة، وأحياناً يتحول استقلال الأنساق الفرعية إلى انفصال ينتظمها النسق السياسي المهيمن على المجتمع والدولة، الذي يعمل على تسييس الثقافة وإفراغها من محتواها الحقيقي·