Page 1
تنـــويه
في هذه الرواية التي تحلم بالتغيير في وطننا العربي، قسم يحمل عنوان "زمن الغضب والثورة" أسترجع من خلاله زمن السبعينيات... زمن الحلم بالثورة والتغيير الجذري من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على كل أشكال القهر والاستبداد.
كان هذا القسم تذكيرا بزمن مضى... بل حنينا لعصر ذهبي ولّى إلى الأبد!
كنت وأنا أكتب هذه الرواية، أحلم بتحقيق الحلم الذي ضحى جيلي من أجله... أحلم بأن يحلم الشباب العربي الأحلام الكبرى التي تتسع للوطن العربي كله؛ لكني لم أكن أتخيل أبدا أن "زمن الغضب والثورة" قد يعود مجددا، وأن الشباب العربي يحلم نفس أحلامنا، وأن الشعوب العربية ستكون قادرة على الغضب لدرجة الثورة وإسقاط الأنظمة الديكتاتورية!
غير أن سوء ظني خاب! ويا لروعة هذه الخيبة!
لقد خيب سوء ظني الشعب التونسي الأبي وهو يثور في وجه الطغيان والاستبداد! وهو يحيي "زمن الغضب والثورة"! وهو يفاجئ العالم بأسره بانتفاضته الرائعة ودرجة وعيه العالية!
إن "ثورة الحرية والكرامة" ستغير بدون شك مجرى التاريخ العربي كله، وستكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة يسترجع فيها المواطن العربي كرامته وعزة نفسه وإحساسه بقيمته الإنسانية التي داستها الأنظمة الديكتاتورية التي أحكمت قبضتها الفولاذية على الشعوب وعاثت فسادا في الأرض. وها هو شعب مصر العظيم يحمل مشعل الثورة ويضرب أروع مثال في المقاومة والتصدي لأكثر هذه الأنظمة العربية ظلما وطغيانا وعمالة وتشبثا بالسلطة. لقد كشف صمود هذا الشعب العظيم الوجه البشع لأي ديكتاتور في العالم ولدرجة أنانيته التي تصل حد التضحية بالشعب كله في سبيل بقائه في السلطة.
أعتقد جازمة، أني لو لم أكن قد أغلقت باب هذه الرواية نهائيا، قبيل ثورة تونس الرائدة، لكان شخوصها الحالمون بالتغيير والمؤمنون بالوحدة العربية، قد طاروا إلى تونس العظيمة وإلى مصر -قلب العروبة- لينضموا إلى الثوار البواسل؛ ولكانوا احتفلوا بتحقيق الحلم بدل احتفالهم بكونهم ما يزالون قيد الحلم.
لذلك، أهدي هذه الرواية إلى الشعب التونسي العظيم وإلى روح الشهيد محمد البوعزيزي الذي أشعل فتيل الثورة العربية المباركة، وإلى الشعب المصري الرائع الذي بهر العالم بصموده وإسقاطه للفرعون الأخير، وإلى كل شهداء الثورة في هذين البلدين، وفي الوطن العربي كله.
الدار البيضاء في 15 فبراير 2011
Page 2
القسم الأول
الزلزال
أية هزة هذه التي عصفت به، وجعلت النوم يستعصي عليه إلى هذا الحد؟ أية أمطار طوفانية هطلت فجأة، لتحيي تلك البركة الآسنة المتكلسة في أعماقه، وتجعلها تموج بهذا العنف المدمر؟ أية عصا سحرية ضربت تلك المقبرة المنسية في أعمق أعماقه، ليستيقظ أمواتها دفعة واحدة، في كامل شبابهم وبهائهم، وكأنهم في يوم الحشر؟ لماذا ينبعث الماضي بكل هذا التوهج وهذا اللهيب، وقد كان يتراءى له من حين لحين، كسراب بعيد؟ لماذا يتدفق كشلال كاسر يجرف في رمشة عين كل ما قضى العمر يبنيه بعزم وإصرار؟
امتدت يده تبحث عن علبة السجائر. اصطدمت بمفتاح النور، فإذا الضوء يغمر الغرفة المظلمة. أغمض عينيه وهو يضغط بسرعة على المفتاح لتغرق الغرفة في الظلام من جديد. أحس بألم فظيع في عينيه ذكره بمشهد من مشاهد ذلك الماضي الذي يظهر أنه مصر هذه الليلة، على التمرد وتحطيم القمقم الذي حشره فيه سبعا وثلاثين سنة.. لم يشعر إلا وتنهيدة طويلة تندفع بجنون خارج أغواره السحيقة.
أحس بارتعاش يده وهو يشعل السيجارة. أخذ منها نفسا طويلا، ثم قذف به في اتجاه سقف الغرفة. تذكر كريستين، فحمد الله أنها غير موجودة هذه الليلة.
ما الذي أصابه؟ ألم يعاهد نفسه على نسيان تلك المرحلة من حياته التي لم يعرف فيها غير المآسي؟ تلك المرحلة التي انساق فيها وراء طيش الشباب غير مبال بالخطر الذي يتربص به؟ ألم يحسم الأمر بكل حرية؟ ألم يخرج قلبه بإرادته، ويسحقه تحت حذاء العقل الفولاذي؟ فأية آفة أصابت هذه الليلة، تلك الإرادة الصلبة لتحولها إلى مجرد ريشة تعبث بها الريح كما تشاء؟ وأية قوة جبارة تمتلكها تلك المرأة لتهدم بصوتها صرح النسيان الذي شيده على امتداد سنوات العمر؟ أي سحر ذاك الذي يحيي فجأة، وجوها غطى ملامحها غبار السنين؟ أية جاذبية تلك التي أعادت إليه روحه القديمة التي كانت تنساق انسياق الأعمى لعنفوان الشباب؟
عاد يسترجع اللقاء بكل تفاصيله الدقيقة، باحثا عن سر الزلزال الذي هز كيانه، وحرمه لأول مرة، بعد سنين طويلة، نعمة النوم المريح...
خرج مساء هذا اليوم، ليتمشى داخل الحديقة العمومية حسب العادة التي واظب عليها منذ عدة أشهر، امتثالا لنصيحة الطبيب، وتخفيفا من حدة الانتقادات التي يتعرض لها من طرف كريستين التي تعيره بضعف الإرادة، لكونه لم يتمكن من التغلب على الرغبة في التدخين... يمارس كل يوم، عملية المشي كواجب ثقيل يستعجل انتهاءه ليذهب إلى المقهى، ويدخن سيجارة تعيد إليه مزاجه الرائق. لذلك، لم يكن من عادته الجلوس في الحديقة. غير أنه هذه المرة، أحس فجأة، بتعب شديد، جعله يلجأ إلى أقرب كرسي يصادفه أمامه.
Page 3
وهو غارق في الإنصات إلى دقات قلبه العليل، سمع صوت امرأة تتكلم لغة نسيها منذ زمن بعيد. أو لنقل، لغة حرص أن يهيئ لها سبل النسيان باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الماضي الأليم الذي طرده نهائيا، من حياته. لم تكن تلك المرأة تتكلم فقط، وإنما تتألم أيضا:
- أشْنو؟ حالتْو تَتْسوء نهار عْلى نهار؟ واشْ كَيْقول الطّْبيب؟
- ...
- الله يا ربّي، الله! واشْ ما بْقَى أمل في العلاج ؟
- ....
ما إن سمع ذلك الصوت حتى بدأت دقات قلبه تتسارع، ودواخله تموج وكأن يد طفل مشاغب تسللت إليها خفية، وراحت تعبث بها. لم يكن قد انتبه إلى وجود المرأة وهو يتهاوى فوق الكرسي المجاور. أثاره مظهرها. كانت بشعرها الكميتي المنسدل فوق عنقها، وقميصها القصير الأكمام، وسروالها الجينز، لا تختلف عن باقي النساء الأوروبيات. امرأة طويلة القامة، ممتلئة امتلاء لم يؤثر على رشاقة جسدها، ولم يحل دون ظهور تقاطيعه وتضاريسه المتناسقة. وجد نفسه مشدودا إليها، يتنصت إلى حديثها ويتأمل ملامحها، مستغلا نظراتها الزائغة، وحركات رأسها الدالة على التوتر والانفعال... بدت له أول وهلة، في أواخر الأربعينيات من عمرها. لكنه عندما تأملها جيدا، بدت له في الخمسين أو تجاوزتها قليلا. ما وشى بذلك، التجاعيد الدائرية التي ارتسمت فوق عنقها الأبيض العاجي والترهل الخفيف الذي بدا أسفل ذقنها. ولو كان الفصل شتاء، لما توصل إلى معرفة سنها الحقيقية.
وجد نفسه تهفو إليها. لا. ليس إليها بالتحديد، وإنما إلى تلك اللغة التي دغدغت مسامعه، وهزت كيانه كما تهز الأرجوحة الطفل الصغير. ظل يصيخ السمع متلذذا بموسيقى الكلمات وبوقعها المنعش في أعماقه. يحس برائحتها تصعد إلى أنفه صعود رائحة الأرض وهي تمتص قطرات المطر الأولى بعد جفاف طويل... فجأة، توقفت المكالمة، بعدما سمعها تقول:
- لاًّ. غاديا نبقى حتى نشوف مع الطبيب الدوا الجديد. شكون عرف؟ الأعمار بيد الله!
توقف الإحساس الجميل الذي أشعره للحظة، بتلك الطمأنينة الطفولية التي كان يشعر بها وهو يتخيل نفسه في حضن الأم الدافئ الذي لم ينعم به قط، في حياته. أحس بألم حاد في معدته، وكأنها تعصر عصرا... كأنه كان صائما، وما إن جلس إلى مائدة الفطور الشهية، وأكل ثمرة شديدة الحلاوة، حتى سحبت يد خفية المائدة من أمامه، ورمت بها بعيدا، تاركة إياه يتضور جوعا.
Page 4
وجد نفسه يخاطبها قائلا:
- أنت مغربية، سيدتي، أليس كذلك؟
- بلى.
- هل تقيمين هنا، في بوردو؟
- لا.
- سائحة، إذن؟
- بل في مهمة. وأنت؟ هل تقيم هنا؟
- نعم. أنا فرنسي.
- ولكنك تبدو مغربيا!.. وتتكلم الدارجة بدون لكنة!
- أصلي من المغرب.
- فهمت! أنت نتاج زواج مختلط... فرنسي من جهة الأم...
- والداي معا، مغربيان...
- والدك من الجيل الأول للمهاجرين المغاربة، أليس كذلك؟
- لا، لم يسبق له أن زار فرنسا...
- لا شك إذن، أنك درست واشتغلت هنا... منذ متى وأنت تقيم في فرنسا؟
- منذ سبعة وثلاثين عاما...
- ولكنك بالطبع، تزور المغرب...
- لم أزره منذ أن غادرته..
- هل هذا معقول؟ كيف تكون مغربيا ولا تزور بلدك ؟ أليس لك أهل هناك؟
- كان لي أهل. لكني فقدت الاتصال بهم منذ زمن طويل!
- غريب! ولماذا فقدت الاتصال بهم؟
Page 5
- تلك حكاية طويلة!
- آسفة إن كان سؤالي محرجا.
- لا عليك! السؤال طبيعي ولا إحراج فيه. ما رأيك، في تناول فنجان قهوة في مقهى الحديقة؟
- لا مانع عندي. أنا فعلا، في حاجة ماسة إلى فنجان قهوة. أحس بصداع في رأسي!
نهضا معا، وسارا بخطوات وئيدة. لم ينبس أحد منهما بكلمة. كانت ملامحهما توحي بالجدية، ونظراتهما مشدودة إلى الأمام. لا يسمع غير وقع أقدامهما على الممرات محدثة خشخشة موسيقية تدغدغ المسامع. كان وهو يسير بجانبها، يستغرب حاله. ليس من عادته أن يدعو امرأة مجهولة، لتناول فنجان قهوة، أو أي مشروب آخر. فكيف إذا كانت تلك المرأة مغربية؟ ألم يكن حتى في تعاملاته التجارية، يتجنب القسم العربي من العالم، ولا يتجه إلا إلى بلدان أوروبا وأمريكا وآسيا؟ ألم يكن قد آل على نفسه أن يهرب من كل ما يذكره بالماضي وبالجذور؟ فلماذا يخل بهذا الاتفاق الذي أبرمه مع نفسه منذ زمن طويل؟
كمن استشعر خطرا قادما، خاطب نفسه قائلا: "ما هذه اللوثة التي أصابتك؟ عد إلى رشدك! لا يزال الوقت أمامك! اختلق أي عذر، وانج بنفسك! " غير أن قدميه ظلتا تسيران في اتجاه المقهى بكل ثبات، متحدية هواجسه الداخلية.
في شرفة المقهى، جلسا متجاورين، موليين وجهيهما صوب الحديقة الممتدة أمامهما. فتح علبة السجائر، ضغط على قاعها قليلا، إلى أن أطلت سيجارة برأسها، فمد العلبة صوب المرأة. أخذت السيجارة، فأسرع يشعلها لها، قبل أن يضع أخرى بين شفتيه. سحبت المرأة نفسا عميقا، ثم تنهدت وهي تقول:
- منذ مدة، وأنا أحاول التوقف عن التدخين، لكني كلما ظننت أنني تجاوزت خط الرجعة، وجدتني أعود إليه!
- هذا ما يعانيه كل المدخنين عندما يريدون الإقلاع عن التدخين.
- هل حاولت، أنت أيضا؟
- مرارا! لكن بدون جدوى! ذات مرة، توقفت عن التدخين ثلاثة أشهر. لكني عدت إليه!
- لعنة الله على المشاكل التي لا تنتهي! ما إن أنسى السيجارة بضعة أيام، حتى أرى أو أسمع ما يستفزني، فلا أجد غيرها يطفئ غضبي ويمتص ألمي!
Page 6
- نحرق دواخلنا لنطفئ الغضب! يا للعجب!
- فعلا، نحن نحرق دواخلنا غير آبهين بالخطر الذي يشكله التدخين علينا في مثل هذه السن. هل تدري أن طبيب الأمراض النسائية أخبرني أن استمراري في التدخين بعد سن اليأس، يعرضني لاحتمال الإصابة بسرطان الرحم أو الثدي؟ ومع ذلك، لم أجد الشجاعة الكافية للإقلاع عنه رغم أني أعايش المصابين بأمراض السرطان وأرى معاناتهم. والغريب أن هذه المعاناة هي التي تدفعني إلى التدخين. يخيل إلي أني قد أجن إن لم تسعفني السيجارة للتخفيف من ضغط ما أعيشه يوميا.
- هل أنت طبيبة؟
- لا.
- ممرضة إذن؟
- ولا ممرضة! أنا عضو في إحدى الجمعيات الخيرية التي تهتم بمرضى السرطان. وزيارتي لفرنسا تدخل في هذا الإطار. منذ أربعة أيام لم أدخن أية سيجارة. أردت أن أستغل فرصة تواجدي بعيدا عن مشاكل المستشفى ومشاكل البلاد، لأوقف التدخين. قبيل ركوبي الطائرة، قررت أن أودع السيجارة نهائيا. اختليت بسيجارتي الأخيرة في أحد أركان غرفة الانتظار، اختلاء عاشقة بعشيقها ليلة الوداع الأخير. أخذت الوقت الكافي لأتلذذ بمذاقها قدر المستطاع، ثم قبلت العلبة التي لم أدخن منها سوى تلك السيجارة، ورميتها في صندوق القمامة. وهذه أول سيجارة أدخنها منذ ذلك الوقت. لقد هزني خبر احتضار أحد المرضى بالسرطان... المشكل أني أربط دائما، علاقات حميمة مع المرضى، فأجد نفسي أعيش الحداد باستمرار!..
- يا لك من امرأة حساسة للغاية! ولكن، ما الذي يجبرك على أن تعيشي هذه الآلام؟
- ماذا أقول؟ هل تؤمن بالقدر؟ هذا قدري! أن أعيش معاناة الآخرين حتى النخاع. لا شك أنها لعنة السبعينيات! تغرز فيك شوكتها حتى العظم، وتطوح بك في أرض الله الواسعة وهي مطمئنة تماما، إلى أنك لن تفقد بوصلة الطريق إليها!
Page 7
انتفض قلبه وهو يسمع كلمة "السبعينيات". أحس بضجيج غريب يملأ مسامعه وكأن قافلة حطت رحالها فجأة، في صحراء قاحلة لم يكن يستوطنها غير الصمت الرهيب. همس وكأنه يخاطب نفسه:
- الظاهر أن علي أن أومن بالقدر!
- لماذا؟
- تلك حكاية أخرى!
- الظاهر أنك مليء بالحكايات! قالت وقد أطلت ابتسامة من خلف تلك الغيمة التي كانت تغطي ملامحها.
- ومن منا -نحن البشر- ليس ممتلئا بالحكايات؟ انظري إلى هؤلاء الناس الذين يغص بهم المقهى... إنهم جميعا ممتلئون بحكايات لا يشبه مطلقا، بعضها البعض. وحكاياتهم لا تقل أهمية ولا غرابة ولا جاذبية عن الحكايات التي تزخر بها أروع الروايات. الفرق بين هؤلاء الناس وبين الروائيين يكمن فقط، في القدرة على الكتابة والرغبة في التحرر من أثقالهم، أو لنقل من موتاهم؟
- موتاهم؟ ماذا تقصد؟
- كلما تأملت الناس الذين يمرون أمامي، تخيلت مقابر بدواخلهم. لذا، يحلو لي أن أسمي الناس: "المقابر المتحركة".
- يا له من تشبيه غريب!
- أليس الأمر حقيقة؟ ألا تحملين مقبرة بداخلك؟ ولكن، أخبريني، عن أية شوكة من أشواك السبعينيات تتحدثين؟
- هل أنت من نفس الجيل؟
- نعم، للأسف!
- ولماذا الأسف؟
- ....
Page 8
- تلك حكاية أخرى. أليس كذلك؟ أسرعت تجيب نيابة عنه، وقد فهمت صمته وحركات ملامحه.
- بل هي الحكاية نفسها!
- هل درست بالجامعة المغربية، قبل التحاقك بفرنسا؟
- نعم، وغادرت المغرب بعدما أغلقت الكلية أبوابها...
- تقصد السنة التي تم فيها الهجوم على الأحياء الجامعية، وحل فيها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ؟
- نعم. سنة 1973
- في أية مدينة كنت تدرس آنذاك؟ الرباط أم فاس؟
- في فاس. كان تخصصي الأدب العربي. وأنت؟
- في الرباط. كنت أدرس الأدب الفرنسي.
- يا للغرابة! نلتقي بالصدفة، في حديقة عمومية، في فرنسا، لنكتشف أننا ننتمي إلى نفس الجذور وأيضا، إلى نفس الجيل!
- ويا للمفارقة! كان المفروض أن أكون أنا هنا، وأنت هناك؟ أليس كذلك؟
- ربما!
فجأة، نظرت المرأة إلى ساعتها اليدوية، وصاحت في هلع:
- إلهي، كدت أنسى الموعد!
- أي موعد؟
- موعدي مع الدكتور؟ قالت وهي تنهض بسرعة. شكرا لك سيدي، على القهوة! فعلا، كنت في حاجة ماسة إليها. لقد ذهب الصداع.
- ألا نلتقي مرة أخرى؟
كانت قد ابتعدت قليلا، عندما سمعت سؤاله. التفتت إليه وقد هزتها نبرة صوته. أحست في تلك النبرة بمزيج من الحزن والاستعطاف، فوجدت نفسها تقول:
- غدا، في مثل هذا الوقت، إن لم يحدث أي طارئ.
Page 9
توقف عند لحظة مغادرتها للمقهى. لقد كان انصرافها المفاجئ صادما له، إذ كان وهو يتحدث إليها بالعربية يشعر بلذة غريبة... فقد وجد نفسه يتكلم تلك اللغة التي اعتقد أنه نسيها. في البداية، كانت لغته مزيجا من الفرنسية والعربية... لكنه مع مرور الوقت، أحس بلسانه العربي يطغى على اللسان الفرنسي... حتى وجد نفسه يتكلم الدارجة المغربية بطلاقة، وكأنه لم يهجرها يوما. كانت الكلمات تتدفق تدفق النهر وهو يجري صوب البحر كي يرتمي في أحضانه. لكن انصرافها المفاجئ، أوقف ذلك الدفق. لذلك انتابه إحساس الغرق. كيف نوقف النهر الهادر دون أن يحدث الطوفان؟ ألهذا السبب وجد نفسه دون أن يدري، يستجدي لقاء آخر؟ استعاد إحساسه في تلك اللحظة. لقد شلت المفاجأة حركته، وأربكت مشاعره. لم يحرك ساكنا وهي تودعه. ولكن، ما إن خطت بضع خطوات، حتى انتابه إحساس الطفل الذي تخلت أمه عنه بعدما وضعته في مكان غريب. وجد نفسه يصيح بها مستعطفا وقد استوطنت غصة حلقه: "ألا نلتقي مرة أخرى!"
أحس بالندم وهو يسترجع تلك اللحظة المشحونة. ماذا أصابه حتى يظهر بذلك الضعف؟ ولماذا الضعف أصلا؟ وما حاجته إلى تلك المرأة؟ وما حاجته إلى إحياء تلك اللغة التي ماتت منذ زمن بعيد؟
فتح عينيه. رأى خطوطا رمادية تتسرب عبر شباك النافذة، مكسرة لون السواد الحالك، ومعلنة طلوع فجر جديد. امتص آخر جرعة من دخان السيجارة، قبل أن يطفئها في المنفضة وهو يضغط عليها بكل ما أوتي من قوة. سحقها كمن يسحق بعوضة أرقته طيلة الليل، بأزيزها ولسعاتها.
Page 10
حوالي العاشرة ليلا، عادت المرأة إلى غرفتها بالفندق، منهكة جراء يوم عمل مرهق. فقد حضرت اجتماعات مع أعضاء الجمعية الفرنسية، وقامت بزيارة لمستشفى الأورام السرطانية بالمدينة. ما عدا تلك اللحظة التي رافقت فيها الرجل الغريب إلى المقهى، لم تعرف طعم الراحة خلال اليوم كله. اعتقدت أنها بمجرد ما تدخل غرفتها، ستغرق في النوم. لكن النوم جافاها. أحست بجسدها منهكا للغاية. أرادت أن تغير ملابسها، لكنها ما إن رفعت ذراعيها لتزيل القميص، حتى سقطتا وكأنهما ذراعي جثة. تهالكت فوق الأريكة المقابلة للسرير. أخذت جهاز التحكم عن بعد. أضاءت شاشة التلفزيون الغرفة. ظلت تضغط على الأزرار، دون أن تجد في نفسها رغبة في متابعة ما يعرض على القنوات المختلفة. كان تفكيرها منشغلا بصور أخرى كثيرة تمر عبر الذاكرة، وخاصة تلك الصور الأكثر إلحاحا، صور الأطفال المصابين بالسرطان. هؤلاء الأطفال لا يختلفون في شيء، عن أطفال المغرب. فرغم الإمكانيات المتوفرة هنا، إلا أنهم يلتقون جميعا، في أقسى شيء، ألا وهو الألم.
عادت إليها صورة الطفلة الصغيرة حنان، تلك الدمية الجميلة الصلعاء، ابنة الخمس سنوات التي أصيب رحمها بالسرطان، فأجريت لها عملية جراحية لاستئصاله. استحضرت معاناتها وبكاءها الذي كان يفتت قلوب المرضى، وقلوب كل الذين يكونون حاضرين ساعة تلقيها العلاج الكيماوي. لم تكن تلك الطفلة الصغيرة تعرف معنى هذا المرض، ولا معنى العلاج الكيماوي، ولا معنى الجلوس فوق الكرسي وعدم تحريك اليد التي يمر منها السم القاتل للخلايا السرطانية ولغير السرطانية. لم يكن الممرضون يجدون غير حيلة اللعب، ليقوموا بالمهمة الشاقة. هكذا تشترك الأم أو الأب أو هما مها، في اللعبة. يجلس كل منهما فوق الكرسي الطويل إلى جانبها، وتضع الممرضة أو الممرض الأشرطة اللاصقة فوق يده، لترغب الطفلة في تقليدهما، فتتقبل بسهولة، إدخال الحقنة التي يمر عبرها السم القاتل إلى جسدها النحيل . وماذا حدث بعد كل ذلك العذاب؟ ماتت حنان الصغيرة بعد ثلاثة أشهر من المعاناة التي لا تتحملها أشد الأجساد صلابة!
وجدت نفسها كعادتها كلما رأت طفلا مصابا بالسرطان، تتساءل نفس التساؤلات الرهيبة: ما الذي فعله هؤلاء الأطفال ليتعذبوا هذا العذاب الأليم؟ أية معاص ارتكبتها تلك الطفلة، حتى يتسرب السرطان إلى رحمها الصغير؟... استحضرت ذلك النقاش الذي دار بينها وبين إحدى زميلاتها المتحجبات حول آفة السرطان التي أصبحت تحصد البشر بالجملة، فلا يكاد بيت يخلو منه. ردت الزميلة المتحجبة هذه الآفة، إلى ابتعاد الناس عن الطريق المستقيم، وانغماسهم في ملذات الحياة... إلى السفور والفجور وتعاطي شرب الخمر والمخدرات في واضحة النهار... إلى أجساد النساء العارية التي تثير الفتنة في الأرض، وتنزل اللعنة من السماء... وختمت كلامها قائلة: "إن الأمم الضالة دائما، في حاجة إلى آفة تذكرها بوجود الله وضرورة العودة إلى الطريق المستقيم! "