Page 1
مقدمــة
هذه ليست دراسة أكاديمية··ولكنها قراءة عامة تحاول ملامسة الصورة العامة لواقع أقطار الخليج العربية··بمنظار المتأمل العادي الذي يشاهد عن قرب نماذج تبدو صورا صغيرة تحتاج إلى تكبير··وهي محاولة لملامسة هذه الصور الصغيرة المتناثرة على صعيد الواقع في هذه الأقطار··وربما كانت كل منها في حاجة إلى تكبير· هذه القراءة العامة··لا تغوص في أعماق كل نموذج··وتفاصيل كل صورة··فكل منها قد تحتاج إلى دراسة مستقلة·· وهذه القراءة العامة لا تدعي كل الصواب ولا تنكر الخطأ·· ولكنها محاولة لإثارة قضايا تستحق الإثارة·
ولا ريب أن النفط·· شد الأبصار··وشد الأطماع··وجعل هذه الأقطار في لحظة تاريخية··تقفز من دائرة النسيان··إلى دائرة الاهتمام غير المسبوق··وتقفز بها في لحظة تاريخية من دائرة الفقر المدقع··إلى دائرة الثراء الفاحش·
والنفط كثروة··قد هيأ لهذه الأقطار أن تغدق على إنشاء العديد من المرافق والخدمات وجعلها ميسورة بصورة مجانية في أكثر الأحيان··فبدت أقرب إلى دولة الرفاهية··مع أنها لم تدخل عصر الدولة··أو لم يدخل أكثرها عصر الدولة إلا مؤخرا· ولكن هذه الثروة غير المسبوقة··تبدد قدر منها تحت مظلات المشاريع الكبيرة التي تكالبت عليها الشركات الأجنبية الكبيرة بتكاليف كبيرة··وتحت مظلة الصفقات الكبيرة مع الشركات الأجنبية الكبيرة ومن ورائها بعض الدول الكبرى· ومرت هذه المنطقة··من لحظة تاريخية كانت فيها تغفو على الشوك··وتبيت على الطوى··إلى لحظة تاريخية أخرى··تغفو على الحرير··وتبيت على ما لذ وطاب··ومن لحظة تاريخية··كان يجثم فيها الصمت الموحش··إلى ورشة عمل··فيها كل الصخب والضجيج··ومن لحظة تاريخية كانت لا تعرف فيه زائرا إلا إن كان من الرحالة المغامرين··إلى ساحة تكتظ بالزائرين الذاهبين الآيبين·
ومع أن هناك العديد من الصور الإيجابية··إلا أن الصورة السلبية··يبدو أنها كانت طاغية خصوصا عندما يصبح قسط غير يسير من الثروة نهبا لمن يملك النهب من الداخل··وكذلك لمن يملك النهب من الخارج··وتصبح بعض الممارسات الفردية ··في البذخ والسفه·· مضرب الأمثال··وتصبح قصص الفساد واضحة للعيان ولا تحتاج إلى بيان··ولا تحتاج إلى رواة·
Page 2
صورة عامة
رغم المظهر البراق للمدن··والواجهة العصرية للبنى التحتية والمرافق··فإنه عند الغوص في أعماق المجتمع··أو على الأقل تجاوز القشرة المظهرية··والولوج قليلا تحت السطح البراق··تبدو مظاهر وظواهر شتى تستحق التأمل· هذه الساحة كانت قبل برهة من الزمن··غارقة في البدائية والبداوة··بدت وكأنها بين عشية وضحاها··قد خلعت رداء البدائية والبداوة··ولبست رداء الحضارة الجديدة··وولجت إلى العصر من أوسع أبوابه· ورغم ولوجها هذه الساحة··لم تخلع بدائيتها وبداوتها··فهي متأصلة عميقة الجذور··منهجا وسلوكا··ورغم أنها لم تأخذ من الحضارة إلا مظهرها وشيئا من قشورها··ولم تدخل أبواب العصر··ولكن العصر اقتحم عليها أبوابها وأقحمها في نتاج تستقبله ولا تشارك فيه··فإن كل ذلك خلق خلخلة كبيرة·· وازدواجية عظيمة··واختلالا غير مسبوق·
لقد كانت قبل برهة تاريخية··خارج العصر··وخارج حركة الزمن وإيقاعه··فأتى إليها العصر··بقضه وقضيضه··بالقوى الكبرى··والأطماع الكبرى··ونتاج القوى الكبرى منذ أن تفجر النفط فيها··فاستقطب الاهتمام··واستقطب الأطماع··واستقطب الشركات النفطية··والشركات المتلهفة للمورد المالي النفطي··والعمالة من أصقاع شتى· وأفاق المجتمع على صخب الشركات وسعارها بعد أن أصبحت هذه الشركات النفطية بإدارييها وعمالها··جزءا من المجتمع··وإن كان معزولا أو آثر العزلة··ووفدت العمالة من كل حدب وصوب للعمل في الشركات النفطية· وعندما بدأت الموارد المالية النفطية تزداد··ويصل بعض فتاتها إلى الشرائح المجتمعية··بدأ استقطاب العمالة··لأعمال خدمية في الغالب··وكان طوفان العمالة الوافدة كبيرا· ولما كانت وافدة من أصقاع شتى··فإنها كانت تحمل معها نمط حياتها وسلوكها وثقافتها··فغدت الساحة أشبه بمعترك لأنماط حياة وسلوك وثقافات متعددة··وفي بعض الأحيان أو أكثرها··غلب طوفان العمالة نسبة السكان الأساسيين القاطنين في الساحة·
كانت الشركات النفطية تحمل معها منهجها وسلوكها وثقافتها التي هي نهج وسلوك وثقافة العاملين فيها··وليس بمستغرب أن يكون ذلك كله مختلفا عما ألفه المجتمع· وكان لهذه الشركات قدر من التأثير في محيطها··ومحيطها محدود··والتأثير في حد ذاته محدود··فقد كانت أقرب ما تكون إلى المحميات المحاطة بسياج قوي··وكل ما هو داخل هذا السياج··من مظاهر سلوك وثقافة··هي نفس مظاهر السلوك والثقافة الوافدة مع هذه الشركات الوافدة· بعض الرذاذ المتناثر هنا وهناك حول المحيط··أثر على قدر من المحيط تأثيرا محدودا··وجعل هذا المحيط··يفتح عينيه على مظاهر سلوك وثقافة لم يألفها··ومن هذا المحيط··من جذبه العمل في هذه الشركات··فسنحت له الفرصة أن يطلع على ما خلف السياج··وقلة قليلة جدا··ربما استقرت داخل السياج··ذلك أن الكثرة··عمالة مسحوقة ومضطهدة··وربما كانت أكثر انسحاقا من عمالة وافدة من أصقاع أخرى غير تلك التي وفدت منها الشركات··ومن مستعمرات يركن إلى كفاءة العمالة الوافدة منها التي ربما مثلت الفئة الوسطى··وحظيت قلة ممن في المحيط··بقدر من التعامل التجاري··لـتأمين بعض الاحتياجات للشركات الوافدة··فمثلت طبقة من رجال الأعمال لم تكن معهودة بهذه الصورة في المحيط··أو لم تمارس مثل هذه الأعمال بهذه الصورة من قبل·
Page 3
الخليجيون والخلجنة
لقد أكد هويته··أنه خليج عربي··والقاطنون في أقطاره··عرب قبل أن يعرفوا الخليج··وبعد أن عرفوه··أكدوا عروبته تأكيدا لعروبتهم··والخليج بعروبته··وقاطنو أقطاره بعروبتهم··هم جزء من الوطن العربي·
لم يكن أبناء هذا الجزء من الوطن العربي··يشعرون في قرارة أنفسهم··أن لهذا الجزء هوية منفصلة أو مختلفة··وما دار بخلدهم ذلك··ولم يكن مجرد التفكير فيه واردا··وكان شعورهم دائما أنهم في جزء من الوطن العربي··لا يفصله عن باقي الأجزاء فاصل إلا الحدود المصطنعة التي أقامها المستعمر· وفي خضم المد القومي الذي حاول التأكيد على اسم الخليج·· أنه عربي وليس فارسيا··كان هناك ترحيب بذلك منقطع النظير··ولكن لم يقفز إلى الذهن··أن القاطنين في هذا الجزء على الخليج العربي··يفكرون في هوية غير الهوية العربية··فهم يؤكدون عروبة الخليج حينما يؤكدون أن الخليج عربي··ولم يحتل مسمى الخليج حيزا في إضفاء هوية لهم وإنما الهوية أنه عربي· وجاء الرواج النفطي··فقسم العربي إلى فريقين أو هكذا بدا الأمر··فريق اليسر··وفريق العسر··وبدا أبناء الخليج··وهم في غمرة الترف النفطي··بعيدون عن واقع إخوانهم الذين يواجهون شح الموارد··أو بدأت نظرات العرب إلى أبناء أقطار الخليج العربي تتسم بأكثر من سمة· ربما كان في النظرة شيء من الاستنكار أن تأتي هذه الثروة لأقلية سكانية··بينما الكثافة السكانية في العديد من الأقطار العربية لا تحظى بسرابها···وربما كان في النظرة شيء من الغبن أن هؤلاء الذين هبطت عليهم الثروة··ربما كانوا غير مؤهلين··وغير مهيئين للاستفادة منها··وفي كل الأحوال··غلب التصور أن هذه الثروة أولى أن يستفيد منها الوطن العربي بأسره··وهي ليست حكرا على الأقلية السكانية في الجزء العربي القابع على ضفاف الخليج العربي· وفي مقابل هذه النظرة سادت نظرة لدى القاطنين على ضفاف الخليج العربي··أن الثروة من حقهم··وأنهم كانوا في وقت من الأوقات يواجهون شظف العيش بأقسى صوره··ومع هذا لم يلتفت إليهم أحد من إخوانهم العرب··أو يمد يد العون لهم في أقطار كانت غنية بالمنظور النسبي·
ومع تضاد النظرتين··نشأ فاصل نفسي بين العرب القاطنين على ضفاف الخليج··وإخوانهم العرب في باقي أجزاء العالم العربي وضفافه·· وربما كان قد نشأ فاصل سياسي أو أيديولوجي إبان فترة المد القومي بين التقليديين والتقدميين··والرجعيين والثوريين··وتضافر الفاصل مع الفاصل··فأوجد فاصلا قويا· ولهذا فإن القاطنين على ضفاف الخليج العربي··وهم فيما بدا لإخوانهم·· أنه نادي أثرياء انتظموا في تجمع إقليمي اتخذ لنفسه صبغة خليجي· ومع أن المجلس لم يحقق خطوات جادة في ترسيخ التكامل على أي الأصعدة··ناهيك عن الوحدة··فإنه حشد شعارات تواكبت معه ومعها مشاعر عارمة من التأكيد على أهمية التعاون الخليجي··والأمن الخليجي··والاقتصاد الخليجي··والتراث الخليجي··إلى التغني بكل ما هو خليجي· حتى الانتماء··طغت عليه الخلجنة وهذا في مقابل العرب في الأجزاء والضفاف العربية الأخرى··أما داخل كل هذه المظلة الخليجية··كان الانكفاء القطري قويا··فالكويت··تتحدث عن التكويت··وقطر··عن القطرنة··والبحرين··عن البحرنة··والسعودية··عن السعودة··
Page 4
ليس من الأهمية الأولى··أن يكون اسم الخليج··هو الخليج العربي··بدلا من الخليج الفارسي··ولكن الأهمية الأولى··أن يكون للعرب على ضفافه··قوة عربية··ومكانة عربية· ما الفائدة أن يكون اسمه الخليج العربي؟ والعرب على ضفافه مستضعفون··رغم الثروة التي تبدو أكثرها لغير مصلحة أهله أو أشقائهم· ربما لو ظل الاسم هو··الخليج الفارسي··مع قوة عربية ومكانة عربية للعرب القاطنين على ضفافه··وهم غير مستضعفين··ولا مستنزفين··فما في ذلك ضير··فالعرب إلى حد كبير··كانوا يطلقون عليه اسم··الخليج الفارسي··ربما لأن أجدادهم حينما يمموا شرقا فوصلوا إلى ضفاف الخليج··كان أمامهم بلاد فارس··فأطلقوا عليه هم أنفسهم اسم الخليج الفارسي··قبل أن يلزمهم أحد بذلك·
القضية أن الخليج لم يعد في واقعه خليجا عربيا أو فارسيا··وإنما أصبح خليجا أمريكيا··حيث القوة الضاربة بسنابكها على أمواجه وضفافه··وهي قوة لا تضاهيها قوة عربية أو فارسية· وهذه القوة كانت رابضة فيه منذ انفجار النفط في مرابعه··ولكنها ازدادت عددا وعدة كلما بدا لها أن هناك تهديدا··وحتى لو لم يكن هذا التهديد واقعا··وإنما مشجبا تعلق عليه أهمية زيادة العدد والعدة··
وجاءت كارثة الخليج بجحافل لم يشهدها الخليج من قبل··ولا أي منطقة أخرى من العالم·· ووطدت الساحة لزيادة لم يسبق لها مثيل في العدد والعدة··خصوصا وأن التطور في الوسائل والأساليب كان تطورا لم يسبق له مثيل أيضا· ورغم أن القوة الفارسية تتفوق على القوة العربية ··بعد انحسار القوة العراقية وانكسارها··فإن القوة الفارسية لا تضاهي القوة الأمريكية··أما القوة العربية··وخصوصا بعد كارثة الخليج··فهي لا تدخل في حسابات القوة الأمريكية··في الوقت الذي ترحب القوة العربية بالقوة الأمريكية وتعتبرها أمانا لها من تهديد كالذي أتى من العراق··أو تهديد وارد من إيران··بل إن التسهيلات التي شيدتها الولايات المتحدة الأمريكية على الضفة العربية للخليج بتكاليف باهظة··دفعتها الأقطار العربية الخليجية··قد أصبحت تسهيلات ميسورة للقوة الأمريكية··تستخدمها متى شاءت··وتقيم فيها كيفما شاءت· وفي هذه الحقبة من التاريخ··فلا جدال في أن الخليج في واقعه أمريكي··ومن العبث إثارة جدل حول اسم الخليج وهل هو عربي أم فارسي··مع أن الاسم في مطلقه ودلالاته اللغوية··لا يعني شيئا في معجم القوة الذي يجسد الواقع· والسؤال المطروح هو: هل هذه القوة الأمريكية مرهونة بأمد··وقد تهجر المنطقة بإرادتها··فلا يصبح الخليج أمريكيا··ويبدو أن الإجابة عن مثل هذا السؤال يسيرة··فطالما ظلت هناك مصلحة أمريكية··فستبقى القوة الأمريكية··والمصلحة الأمريكية مرهونة بالنفط··ومرهونة باستمرار النفط··كمطلب حيوي للولايات المتحدة الأمريكية·
Page 5
النفط الثروة
إن النفط ··كثروة··قد هيأ لأقطار المنطقة فرصة تاريخية للصعود الحقيقي على مدارج التنمية الحقيقية··وهي فرصة نادرة··ولم تتح لغيرها··وكان بالإمكان الاستفادة المثلى من هذه الفرصة··لأنها لن تتكرر··وموردها آيل للنضوب··سواء بعد عقد أو بعد قرن··فحركة التاريخ لا تقف عند عقد أو قرن··والأجيال متواصلة··ومن ثم فإن النظرة القصيرة المدى تعتبر نضوب المصدر بعيدا نسبيا··وأن الأمر لا يستوجب القلق أو الانشغال بمسألة النضوب··وأن ذلك تنظير يحلو للاقتصاديين أو غيرهم أن يخوضوا فيه··وتبدو الثروة وكأنها مرهونة بالحاضر··وأن الحاضر من حقه أن يستنزف الثروة··فهي قد هيئت له··وهو أحق بالتمتع بها··وليس للمستقبل في هذه النظرة القصيرة المدى حضور·
إن النفط··ثروة هذا الجيل والأجيال القادمة··ولما كان مصدرا آيلا للنضوب··ربما حتى قبل أن ينضب فعلا··بحكم حضور البدائل أو تطوير تقني سريع بدأت تظهر بعض مؤشراته··فإن تلك الفرصة التاريخية النادرة··تكون قد ضاعت إلى الأبد··ولا ينفع إذ ذاك ندم··ولا العض على أصابع الندم· وإذا كان قسط غير يسير من هذه الفرصة قد ضاع أدراج ما تبدد من قسط من هذه الثروة··فإن القضية المصيرية المتمثلة في الوجود والبقاء··تقتضي تداركا للوضع··وإن جاء متأخرا كثيرا· ومن المستغرب أن أقطار الخليج العربية··مازالت منشغلة كل الانشغال بأسعار النفط··تبتهج كل الابتهاج حين ترتفع أسعاره··لأن ذلك يعني مردودا أكبر··وتسير على نفس السلوك التبديدي·· أو التبذيري ··أو غير السوي وفق منطق التنمية الحقيقية··وحين تهبط أسعاره··تبدو الملامح متجهمة ولكنها تستمر على نفس السلوك إلا قليلا مؤملة ومترقبة أن تعود أسعار النفط إلى الارتفاع··وإذ ذاك تنفق عن سعة·
والقضية في مجملها ليست قضية ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط··إنها قضية النفط كثروة··تستطيع أقطار المنطقة أن تبرهن أنها جديرة بها وأنها أهل لها للانطلاق إلى آفاق التنمية الحقيقية وليس قشورها أو مظاهرها أو بعض مرافقها· ويبدو أن أقطار المنطقة مازالت تسير على نفس السلوك مرتاحة له وراكنة إليه· قد يضغط عليها صندوق النقد الدولي··أو زحف العولمة··نحو تحقيق تصحيح اقتصادي··أو تعديل في الهيكل الاقتصادي··أو تحسين في الأداء الاقتصادي والإداري··ولكن ما يضغط به صندوق النقد الدولي··أو منظمة التجارة العالمية··هو ما يصب في مصالحهما ومصالح الدول القائدة لزحف العولمة· لاشك أن فيه فائدة لأقطار الخليج العربية··ولكن ليست استراتيجية حقيقية لتنمية حقيقية شاملة··وهو ما تحتاجه هذه الأقطار قبل أن يفوت الأوان··وتضيع الفرصة النادرة··وتضيع التنمية·
Page 6
النفط والأطماع
إن انفجار النفط··وتعاظم الثروة المالية النفطية··قد جعل أقطار الخليج مهوى الأطماع والتحديات··وأدخلها إلى حلبة الاهتمام والاستقطاب··سواء الشركات الغربية ومن ورائها دولها··للهيمنة على النفط··والاستئثار بقدر غير يسير من الثروة المالية النفطية··أو العمالة الأجنبية التي انشدت بحثا عن فرص العمل من أقطار عربية ومن دول آسيوية··مثلت ما يشبه الطوفان الذي ربما لم يشهده تاريخ في هجرة العمالة··وألقى ذلك كله عبئا على أقطار المنطقة··وعلى بناها التحتية··وعلى مرافقها··وحتى على ثرواتها المالية النفطية· وقد سبق الإشارة··إلى أن الترف النفطي··أدخل أقطار المنطقة إلى العصر من باب النفط··وجلب للمنطقة قدرا كبيرا من الرخاء بعد حقب طويلة من شظف العيش والفاقة··ولكنه جلب للمنطقة كذلك الكثير من المتاعب والمشاكل· صحيح أن أقطار المنطقة لم تستفد الاستفادة المثلى من مواردها المالية النفطية··سواء أكان ذلك بسبب عدم وجود الإدراك الكامل أو النضج الكافي للتعامل مع هذه الثروة المالية النفطية الكبيرة··أو أن ذلك التدفق الكبير للنفط··والتدفق الكبير للموارد المالية النفطية··فرضته ظروف··أو أملته إرادة فوقية·· لتلبية احتياجات الدول المتقدمة··ثم الالتفات إلى الثروة المصاحبة··والاستئثار بأكبر قدر منها من خلال العقود والصفقات الكبيرة·إن أقطار الخليج العربي··بدت وكأنها مجموعة الأثرياء··أو نادي الأثرياء··في الساحة العربية··وقد سادت إلى حد كبير··نظرة فيها قدر من الريبة بالنسبة للآخرين··وحتى العرب منهم··على اعتبار أن المنطقة حين كانت رهينة المحبسين··الفقر والفاقة··لم يلتفت إليها حتى الأشقاء من العرب··ولم يقدموا عونا أو مساعدة··ثم لما تفجر النفط··وتعاظمت موارده المالية··نظر الإخوة العرب إلى هذه المنطقة··وكأنها ليست أهلا للثروة··أو أنها أجدر أن تكون ثروة يقتسمها العرب· هذه النظرات المتبادلة··المشحونة بقدر من الارتياب والشك··غذاها ما بدا من استعلاء في جانب··وحقد في الجانب الآخر··ويبدو أن نظرة الغطرسة والاستعلاء··وممارسة الغطرسة والاستعلاء··قد صبغت كثيرا من الممارسات من أقطار الخليج العربي··كما أن الأشقاء العرب··مع ما بدا من نظرة تبدو وكأنها نظرة حقد··ربما غذاها ذلك الاستعلاء والغطرسة··وربما غذى الأخيرة ما بدا من نظرة حقد فيها قدر من الاستخفاف والاستهزاء··وبدا ما يمكن أن يسمى مقايضة··حين تتعلق المسألة بالعمالة العربية··وإن لم يكن لها الحظ الأوفر مقارنة بالعمالة الآسيوية··حيث تستفيد أقطار الخليج العربي··كما تستفيد الأقطار العربية المصدرة للعمالة· ولم تخل المسألة من تملق وابتزاز··ذلك أن الاستعلاء والغطرسة··تبحثان في كل ساعة عن التمجيد والإشادة··واستعداد لدفع ثمن كبير مقابل ذلك··وكان لابد أن يبرز في المقابل نفر ممن يعشقون الابتزاز والتملق··والحصول على قدر أكبر من الترف النفطي دون عناء كبير·
Page 7
القفزة السريعة
كانت قفزة أقطار الخليج العربي··من المظاهر البدائية إلى المظاهر العصرية··قفزة سريعة··وهي ليست قفزة حضارية بما تعنيه الحضارة من معنى··وهذه القفزة السريعة التي أتاحها الظرف النفطي وموارده المالية المتعاظمة··قد أفضت إلى عدد من المظاهر السلوكية التي لم تنقطع في أكثرها عن السلوك البدائي المتأصل·
وفي بعض الأحيان··قد تكون بعض المظاهر السلوكية العصرية··مؤطرة في ممارسات سلوكية من النمط البدائي المتأصل··وفي أحيان أخرى··قد تبدو هناك ازدواجية أو تناقض أو خلخلة فيما يعتبر قيما سلوكية· النزعة إلى الافتخار··لم تغادر منصة الافتخار القبلي··ولكنها عمقت الافتخار القبلي واستثمرت بريق المال النفطي لتضيف افتخارا إلى نزعة افتخار متأصلة··وبريق المال النفطي أشعرها أنها أحق بالفخر في محيط يحاول التقرب إليها أو توطيد العلاقة معها··ولو وصل ذلك إلى حد إراقة ماء الوجه· ولا يقتصر ذلك على المحيط··وإنما هو ممارس داخل أقطار الخليج العربية··بين شريحة الثراء الفاحش··والشرائح التي لم تلمس من الثراء إلا سرابه·· وهنا قد يلتقي الافتخار القبلي ببريق الثراء الفاحش لدى شريحة الثراء النفطي ··وقد يبقى الافتخار القبلي··متعلقا بسراب الثراء أو لاهثا وراء الشريحة الثرية··وربما كانت هناك قلة جعل لها الثراء النفطي موقعا مجتمعيا··ولكن يعوزها الافتخار القبلي· ومحصلة القول··أن التفريق بين أقطار اليسر وأقطار العسر··وإن خفت حدته بانحسار الثراء النفطي وبريقه··يقابله تفرقة بين شريحة العسر وشريحة اليسر··وإن نسبيا داخل الأقطار العربية الخليجية نفسها·
والافتخار القبلي··هو في تأصله··ظل مشدودا إلى التباهي والمفاخرة··بين انتماء قبلي وانتماء قبلي آخر··وقد يبدو الانتماء إلى قبيلة أكثر مدعاة للفخر من الانتماء إلى قبيلة أخرى··وقد يزيد هذا من نزعة البحث عن انتماء قبلي حتى بين المتعلمين أو من نالوا حظا منه· ومعروف أن هذا التباهي بالانتماء إلى قبيلة أو إلى قبيلة أخرى··والتضاد والتصادم بين القبائل··هو المسحة الغالبة في المجتمع البدوي ··الذي لم يستطع مظهر الدولة العصرية··أن يلغيه أو يذيبه في إطاره··أما الذين ليس لديهم انتماء قبلي··فسيكون ذلك كفيلا لشعورهم بالدونية··حتى وإن كان الحراك الاجتماعي ··من خلال التعليم·· قد وضعهم في مواقع إدارية عليا··في إطار مظهر الدولة العصرية· وهكذا··فإن المظاهر العصرية··بما فيها مظهر الدولة··لم يغير كثيرا على محك الواقع المعاش من الانحيازات القبلية وتتخذ هذه الأقطار مظهر الدولة العصرية··بينما واقع المجتمع ··برغم كل هذه المظاهر العصرية· هو سلوك المجتمع البدائي·· وإن أخذت بعض مظاهر السلوك شيئا من المظاهر العصرية·
والقفزة السريعة··أوجدت لهثا وراء المظاهر العصرية··تقدر عليه الشريحة الثرية··وتظل تلهث خلفه الشريحة الفقيرة··وتطرق إليها كل سبيل ولو تكبدت من أجله مشقة كبيرة··أو أراقت ماء الوجه··أو سلكت سبيلا غير مشروع··ولا ضير بالنسبة لها هذا اللهث وراء المظاهر العصرية··وهنا يجد الفساد ضالته بعد أن استأثر بالثروة القلة من خلال الفساد الذي بدا وكأنه مشروع··ويضرب الفساد أطنابه على الساحة وعلى كافة الأصعــدة·
Page 8
وهج الثروة
رغم أن هناك دولا غنية جدا··وأفرادا أغنياء جدا في العالم··فإن أقطار الخليج العربي··بدت وكأنها موئل الغنى ومنبع الثروة··ربما لأن الغنى أو الثروة جاءت فجأة··وربما لأنها جاءت في وسط قوم في نظر كثيرين ليسوا أهلا لها أو لا يعرفون كيفية الاستفادة منها· صحيح أن المنطقة كانت تحت وطأة الفقر والضنك والفاقة وشظف العيش··ثم أصبحت وكأنها في نعيم مقيم وترف دائم خلال فترة وجيزة نسبيا في حساب الزمن· ولا ريب أن هناك بعض الممارسات الفردية التي تعبر عن غنى فاحش··وتتم على صعيد المنطقة أو خارجها··وما هو خارجها هو الذي يستقطب الأضواء والأنظار للتدليل على السفه والبذخ··وقد تكون هناك ممارسات رسمية··لكنه تعطي الانطباع عن الغنى الفاحش من ناحية وعدم الاكتراث بأوجه صرفه من ناحية أخرى·
ولا شك أن كل ذلك أثار حفيظة العالم وأثار نقمة الآخرين على المنطقة والترف الذي تغرف منه· ومعروف أن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص··تكالبت على منابع النفط لضمان تدفقه وللتحكم في إنتاجه وتصديره وتسعيره إلى حد ما··ومعروف أيضا أن ذلك صورة واحدة لتكالب أطماع الغرب الأمريكي·
أما الصورة الأخرى··فهي التكالب على حصة هذه الأقطار من الموارد المالية النفطية بعد اقتطاع الغرب الأمريكي الجزء الأكبر منها لكي يحظى بأكبر نصيب أيضا من هذه الحصة··وذلك من خلال شركاته العملاقة التي تتكالب على العقود والصفقات الكبيرة التي لم تعرفها المنطقة من قبل· وهذه العقود والصفقات الكبيرة تلقى هوى في هذه الأقطار لأنها تأتي بالمشاريع الكبيرة وواجهاتها العمرانية التي تحول مظهر المدن في هذه المنطقة إلى مظهر متألق تضاهي فيه أو تفوق أكثر دول العالم من حيث الطرق والجسور والأنفاق والمباني الشاهقة··وفي نفس الوقت فإنها تتكالب على عقود وصفقات الأسلحة ذات المبالغ المتعاظمة·
والتكالب يلقى هوى بصورة خاصة لدى الشريحة المتنفذة والقيادات الإدارية إلى حد كبير··فهو يمثل قناة من قنوات الاستئثار بقدر من الثروة تحت مظلة الفساد أو تحت جنح الفساد· وحتى الأقطار العربية غير النفطية··تنظر بحسرة وأسى على ما تعتبره أموالا مهدورة من قبل من لا يعرفون قيمتها وكيفية الاستفادة والإفادة منها··وقد تنظر نظرة حقد وغيرة على هذا الترف المقيم والنعيم الدائم الذي تغرق فيه المنطقة بينما هي شحيحة الموارد وقطاع عريض من القاعدة المجتمعية فيها تحت وطأة الفقر والفاقة·
Page 9
النمط القبلي
إن أبناء أقطار الخليج العربي··شعب عربي··وإن غلب عليه النمط القبلي··أو الانتماءات القبلية· والعرب قبائل··وفيهم المفكرون والمثقفون والمبدعون··قبل النفط··وربما جاء الترف النفطي··فأفسد فكرهم وثقافتهم وإبداعهم··كما أفسد ذلك على صعيد الوطن العربي··الذي أصبح كثير من مفكريه ومثقفيه ومبدعيه··راكضين ولاهثين وراء الترف النفطي· وكثير منهم تلقى تعليمه على معلمين عرب أو في معاهد وجامعات عربية··بالإضافة إلى الجامعات في الدول المتقدمة··وهم لا يقلون قدرة وكفاءة عن العرب في أي مكان إلا بمقدار اختلاف مناخ الإبداع أو هامش الحرية للفكر والثقافة· صحيح أن الشعور بالنسيان والإهمال لبعض الوقت··أو شعور الأصغر تجاه الأكبر··أو شعور الأطراف تجاه المراكز··يغذي نزعة الشعور بالاستعلاء أو محاولة أخذ زمام الريادة··أو ربما غذاها الترف النفطي··فلم تكن هذه الأقطار الصغيرة تشعر بأي قدر من الاستعلاء··بل إن العربي على فطرته عرف الأنفة والإباء والاعتداد بالنفس والصدق والصراحة والبساطة والتواضع وحتى الكبرياء··ولكن ليس الاستعلاء··وهو قد عرف الجد والاجتهاد والعنت والشقاء في مجاهدة يومية مع ظروف الحياة الصعبة·
لقد جاء الترف النفطي··فخلخل كثيرا من القيم الأصيلة··وجعل الحياة··إلى حد كبير··حياة استرخاء وتقاعس··ولكن ذلك لا يعني أن جميع أبناء هذه الأقطار قد هجروا القيم الأصيلة أو ركنوا إلى الاسترخاء والتقاعس··ولذلك فمن غير الإنصاف أن تنسحب صورة المترف والمتقاعس والمسترخي والمتكل على جهد الآخرين على كل أبناء هذه الأقطار·
إن الشريحة المترفة في أقطار الخليج العربي الصغيرة··قد تمثل نسبة ضئيلة بالنسبة للسكان··أو مقارنة بالأقطار العربية الأخرى التي توجد فيها شريحة مترفة تبدو ضئيلة إلى حد كبير بالنسبة للكثرة الضائعة في ردهات الفقر والفاقة··ولكن الشريحة المترفة في الوضعين واحدة في منهجها وفي ممارساتها··ولعل المفارقة في الوضع الثاني أكبر بين الشريحة المترفة والقاعدة المجتمعية العريضة··بينما المفارقة في الوضع الأول أقل سوءا بحكم أن القاعدة المجتمعية العريضة في وضع أفضل نسبيا من القاعدة المجتمعية العريضة في الأقطـــار العربية الأخرى· وأي شريحة مترفة قد تشتري الفكر والثقافة والفن والأدب··وقد تدعيها كلها لنفسها··وقد تمارس الاستعلاء والغطرسة··ولا تتورع حتى عن ممارسة السفــــه·
Page 10
الانتماء القبلي
رغم تعدد الانتماءات القبلية··فإن الوشائج القبلية··وغياب الانتماءات الأيديولوجية··يمكن من توظيف أعداد كبيرة في مجالات الأمن والمعلوماتية أو المخابراتية· إن بعض القبائل قد تكون مستأثرة بحيز أكبر من النفوذ على الساحة المجتمعية··سواء في دوائر القطاع العام أو القطاع الخاص··ورغم ذلك فإن بعض المنتمين إلى هذه القبائل··قد يجدون أنفسهم في أدنى الهرم الوظيفي في القطاع العام أو الخاص··وينضمون إلى أعداد من المنتمين إلى قبائل أخرى أكثرهم في هذه الدرجات الدنيا··وقد يكون هناك عدد غير يسير عاطلا عن العمل· إنه رغم قوة الانتماء القبلي··وتصاعد وتيرته··فإن الذين يملكون مواقع عليا في القطاع العام أو القطاع الخاص··قد يصبح شغلهم الشاغل ··الحفاظ على مواقعهم··ومن ثم فإنه مع اقتناعهم بأن القبيلة تنتظر منهم أن يفيدوا أبناءها··فإن هذه الإفادة ممكنة متى ما كانت بعيدة عن التأثير على مواقعهم الوظيفية أو المصلحية أو غير متعارضة معها·
ورغم أن فئة التجار··وهي قد تكون لها انتماءاتها القبلية··فهي قد توظف عددا محدودا من أبناء القبيلة··ولما كانت مصلحتها··كما تراها··تتطلب الاعتماد على العمالة الوافدة··فلا بأس لديها أن تدير ظهرها لأبناء القبيلة··خصوصا وأن التكلفة··كما يرونها··كبيرة··والمردود قد يكون ضئيلا· ومعايير المصلحة تتغلب في كثير من الأحيان على معايير الانتماء القبلي··ولعل معايير المصلحة··تقرب بين أبناء قبائل متنافرة في إطار تنظيم للتجار على سبيل المثال·· لو كان هناك مؤسسات للمجتمع المدني ليست بالضرورة في هيئة أحزاب وإنما نقابات واتحادات· ومتى ما كانت هذه المؤسسات قوية تعرف مصالحها·· وتذود عنها··وتناضل من أجل حقوقها··فإن المعايير الجامعة هنا أقوى من اعتبارات الانتماء القبلي··ومعروف أن مؤسسات المجتمع المدني··متى ما كانت فاعلة وقوية ومؤثرة··فإنها تضعف الانتماءات القبلية أو العائلية·
وفي القطاع العام··فإن المستأثرين ببعض الوظائف العليا··يظلون أيضا حريصين على مواقعهم ومصالحهم··وقد يفيدون عددا من أبناء القبيلة··ما لم يتعارض ذلك مع مصالحهم··ولكنهم لا يستطيعون إفادة العدد الأكبر من أبناء القبيلة· هذا العدد الأكبر قد يكون في أوضاع وظيفية متدنية··وأوضاع اجتماعية متردية··وفي هذه الأوضاع يسهل تسخيرهم لصالح العمل المخابراتي الذي يجدون فيه شيئا من السلطة·· وشيئا من تحسين الحال·