eKtab
EN ع
النهضة في الفكر العربي المعاصر
Read free sample

النهضة في الفكر العربي المعاصر

by خالد حسين عبد الله

Page 1

المقــــدمة

النهضة هي الإشكالية المركزية في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وقد طُرح شعار(النهضة) من جديد بعد هزيمة (1967م)، وبعد أن هيمن شعار(الثورة) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كما أن فشل الأنظمة العربية المستمر في تحقيق أهداف النهضة العربية، وما استجد من تحديات العولمة، وما صاحبها من مشروعات تأتي من خارج الوطن العربي مثل : مشروع الشرق الأوسطي الكبير في بداية التسعينيات، إضافة إلى ما يقدمه الاتحاد الأوروبي من اقتراحات وبرامج في إطار التعاون الأورومتوسطي، أو ما يعرف بإعلان (برشلونة) عام (1995م)، وفي سياق ما يسمى مكافحة (الإرهاب) تزايدت الدعوات من الخارج والداخل للتغيير والإصلاح؛ كل العوامل السابقة جعلت من مشروع النهضة دفاعاً عن الوجود والهوية، وليس اختياراً من أجل التقدم والوحدة ومواجهة الطغيان الداخلي والخارجي فحسب.

كان من أسباب اختيار دراسة النهضة في فكر حسن حنفي والجابري : اعتبار مشروعهما من أهم وأشمل المشروعات العربية الفكرية المعاصرة؛ فقد ورثا ونقدا التراث والتيارات العربية الحديثة والمعاصرة لهما، إلى جانب انتمائهما إلى تيارين فكريين مختلفين، فحسن حنفي ينتمي إلى اليسار الإسلامي، والجابري ينتمي إلى التيار القومي العربي الجديد، فهما يمثلان الموقف الفكري لهذين التيارين، إضافة إلى أنهما تبنيا التنظير للثقافة والفكر (تحليل الشعور الجمعي وتأويل المخزون النفسـي، وتحليل البنية العقلية) كمدخل للإصلاح والنهضة.

تهدف هذه الرسالة إلى دراسة (النهضة) في الفكر العربي المعاصر عموماً، وكما تمثلت في فكر أهم مشروعين فكريين معاصرين على وجه الخصوص، وتحاول الإجابة على التساؤلات التالية :

- أين يقع مشروع (النهضة) بعد (1967م)، وما أهم تجلياته في الفكر العربي المعاصر؟

- ما مفهوم (النهضة) في الفكر العربي المعاصر كما تمثل في فكر حسن حنفي والجابري، وفي أي مرحلة من التاريخ نحن؟

- ما أسباب فشل المحاولات النهضوية الحديثة في فكرهما؟

- ما محددات الفكر النهضوي أو الموقف الحضاري في فكرهما؟ (ما موقفنا من التراث العربي الإسلامي، والتراث الغربي، وواقعنا الذي نعانيه؟)، وهو نفس التساؤل عن إشكالية الأصالة والمعاصرة، أو إشكالية التراث والتجديد.

- ثم ما الإستراتيجية التي يضعها الفكر العربي المعاصر المتمثل في فكرهما؛ لتجاوز فشل (النهضة) والمضي نحو النهوض والتجدد الحضاري من جديد؟ وما هي القوى الممكنة لتحقيق هذه (النهضة) ؟ وأثناء الإجابة على هذه التساؤلات سوف نعرض أيضاً، مواقف التيارات العربية الحديثة والمعاصرة من هذه القضايا؛ نظراً لارتباط موقف حسن حنفي والجابري بمواقف التيارات العربية.

الدارسات السابقة :

ازدهرت بعد هزيمة (1967م) مشروعات فكرية محكومة بمحددات الوعي النهضوي، ومشروعات للنهضة انبثقت من الندوات العلمية والمنتديات الفكرية، اشترك في صياغتها مفكرون وأكاديميون عرب من كل التيارات العربية النهضوية كما سيأتي، إلى جانب ما أُفرد من كتابات ودراسات لإشكالات (النهضة) الفرعية : كالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، والوحدة والتكامل الاقتصادي والتربية والتعليم والتنمية الشاملة ... الخ، في هذه الفترة وقبلها.

تجدر الإشارة إلى : دراسة غالي شكري في عنوانها الأصلي، (النهضة والسقوط في الفكر العربي الحديث : دراسة نقدية مقارنة بين عصري محمد علي وجمال عبد الناصر)([1])، فمع أنها اشتملت على تحليلات فكرية وثقافية للنهضة والسقوط إلا أنها أقصرت على التجربة المصرية ودرست الفترة قبل (1967م).

تـُذكر الدراسة التي قدمها بومدين بوزيد وآخرون في (قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر)، تضمنت ثلاثة أقسام، القسم الأول : في فكر التنوير كما تبلور في الفكر الغربي وتداوله في الفكر العربي المعاصر مع نقد لهما، والقسم الثاني : عن الأصالة والمعاصرة، والثالث : عن المستقبل والوسائل الممكنة لتحقيق النهضة وكيفية إسهام المواطن الفرد وتعبئة قدرات الأمة وإمكانياتها، وهي تجميع لمقالات من مجلة (المستقبل العربي) لمفكرين وأكاديميين عرب كتبت ما بين (1989م- 1997م)([2])، فقد دُرست هذه الموضوعات مستفيدة من كتابات سابقة ومعاصرة، مركزة على وحدة تحليل القضايا على أهميتها، ولم تهتم بدراسات المشروعات الفكرية العربية لدى مفكريها ومقارنتها.

إضافةً إلى ذلك، يذكر (المؤتمر الدولي السادس للفلسفة الإسلامية) الذي أقامه قسم الفلسفة في كلية دار العلوم - جامعة القاهرة بعنوان : (الإسلام ومشروعات النهضة الحديثة) في 1 - 2 إبريل 2001م، الذي قـُدمت فيه أوراق عمل ناقشت مشكلة التخلف الحضاري، وأهم معوقات (النهضة)، ومقومات وآليات (النهضة)، وموقف الأزهر من المتغيرات الفكرية، وأثر دار العلوم في (النهضة) المعاصرة، وعن التجديد ومآل المشروع العلماني، ودور الإسلام والاتجاهات الإسلامية في (النهضة)، كما قدمت أوراق من المشتركين في المؤتمر عن مشروعات (النهضة) عند رفاعة الطهطاوي ومحمد إقبال، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومالك بن نبي، وعباس العقاد والنورسي (تركيا) والكتاني (المغرب)([3]).

Page 2

ويلاحظ، عدم وجود ورقة عن مشروع (النهضة) لدى المفكرين المعاصرين من التيارات العربية النهضوية الأخرى، أو المشروعات الفكرية والمشروعات النهضوية بعد (1967م)، كما خُصصت كل ورقة لقضية أو شخصية واحدة مع ندرة المقارنة.

المشروعان الفكريان اللذان قدمهما حسن حنفي ومحمد عابد الجابري انطلقا مع ثمانينيات القرن العشرين، وفي حدود معرفتي لا توجد دراسة معاصرة ومقارنة لفكرهما في إشكالية (النهضة)، القضية والإشكالية المركزية في الفكر العربي الحديث والمعاصر.

توجد دراسات لفكر حسن حنفي والجابري وإن وجدت فهي في جوانب نقدية([4])، أو تناقش قضية واحدة من القضايا التي تناولاها، مثل : (أزمة الهوية فيالفكر السياسي العربي : دراسة مقارنه في رؤى حسن حنفي ومحمد عابد الجابري)([5])، أو دراسات لموقف الجابري من التراث والنهضة([6])....؛ فمن أهمية الموضوع، وندرة الدراسة المعاصرة والمقارنة لما استجد في الفكر العربي المعاصر، ولأهم مشروعين فكريين نهضويين تأتي أهمية هذه الدراسة .

ومن نافلة القول، أن (النهضة) في الوطن العربي بإشكالاتها وقضاياها المتفرعة كانت ولاتزال موضع اهتمام مشترك بين المشتغلين بالفلسفة والمتخصصين في علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم التاريخ ...، فضلاً عن المتخصصين في الفقه والكلام.

لعل أنسب منهج لهذا الموضوع هو منهج التحليل الغرضي أو أسلوب التحليل محدد الأهداف، "حيث يتميز هذا الأسلوب بكون التحليل عملية مركبة خاضعة لترتيب يحدده الباحث حسب موضوع بحثه، وليس لترتيب أو تسلسل الموضوعات الواردة في النص"([7])، فقد تم تحديد ستة موضوعات رئيسة هي : مفهوم (النهضة)، وأسباب فشلها، والموقف من الواقع، والموقف من التراث، الموقف من الغرب، وإستراتيجية النهضة والقوى المحققة لأهدافها، وينقسم كل منها إلى عدة نقاط فرعية.

تحديد هذه القضايا يستند إلى مفهوم الموضوعية المعاصرة، وهي اتفاق (الذوات) الدارسين وتواترها لديهم، فالموضوعية تتكون في الذات، صورة للماهيات مستقلة في الشعور، واشتراك الذوات فيها تأكيداً لهذه الموضوعية، فهي تجارب ورؤى مجتمع الباحثين، فباتفاق أكبر عدد منهم في القضايا والأغراض تصبح يقينية، إنه التناول البين ذاتي([8])، كاد المفكرون العرب أن يجمعوا أن الموقف من الواقع و تراثنا و تراث الغرب هو موقفنا الحضاري الراهن،ومحددات الفكر العربي النهضوي، فكل المشروعات الفكرية العربية تتعامل معها وإن اختلفت في أساليب معالجتها، إلا أنها لا تخرج عنها، أما أسباب فشل النهضة والبحث عن إستراتيجية للنهوض من جديد فموجودة أيضاً، في المشروعات العربية الفكرية والنهضوية صراحة أو ضمناً، بتفصيل سيأتي.

رغم أن حشد النصوص والشواهد هو الأنسب لهذا المنهج([9])، إلا أن المقارنة بين المفكرين فرضت التركيز على البؤرة الرئيسة لكل غرض من أغراض البحث([10])، مما يعنى التركيز على الفكرة وليس النص؛ لذلك حاول البحث التوسط بين حشد النصوص والتركيز على بؤرة كل غرض من أغراضه، وما يدور حولها من قضايا فرعية، بصورة تجيب على التساؤل وتوضح الموقف من القضايا المطروحة تمهيداً للمقارنة.

بـيّـنٌ أن الهدف من المقارنة هو إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف وتفسير ذلك، ومن ثم تحديد الاتجاهات العامة للظاهرة المدروسة، فالدراسات المنهجية المقارنة في العلوم الاجتماعية تمثل بديلاً عن التجريب المعملي، فعن طريق المنهج المقارن مثلاً : توصل عالم الاجتماع (ماكس فيبر) إلى كشف العلاقة السببية بين الأخلاق البروتستانتية وظهور الرأسمالية، مقارنةً بدراسة الأديان السائدة...([11]).

ليس في اختيار المفكر وحدة للتحليل تشخيصاً للفكر وتحويله إلى أشخاص بل إن الفكر قضايا ومواقف وإشكالات، وما الأشخاص إلا مجرد عارضين لها، " الأشخاص ما هم إلا ظواهر فكرية تكشف عن المسألة الحضارية، وليس عن عبقرية فريدة لهذا الفيلسوف أو ذاك "([12])، فالفكر العربي المعاصر جزء من تجربتنا الثـقافية ومن مأساتنا اليومية نتحمل مسؤوليته وعلينا تبعته، فنحن لسنا مستشرقين نشاهده من الخارج، ونموضعه لنحكم عليه، إنه حكم على النفس، ورصد لتجربة الجيل، إنه أشبه بالصورة الذاتية للمفكر أو اعترافه العلني أمام جيله إلى أي حد هو أحد أبعاد الفكر العربي المعاصر، وإلى أي حد الفكر العربي المعاصر هو أحد آفاقه([13]).

ولا ينقص الالتزام بالقضايا من حياد الباحث وموضوعيته، فلا تعني الموضوعية التخلي عن الحكم أو عدم أخذ الموقف، فالتزام الباحث بقضاياه هي الدافع للبحث وأساس علمه، فعلمه هو التزامه بقضايا التغيير الاجتماعي، وهذا الالتزام هو نفسه موضوع العلم([14])، وبتعبير آخر، "الأيديولوجية هي العلم والعلم هو الأيديولوجية، ولذلك تتكشف المشاكل القديمة في شعور الباحث المعاصر كمشاكل شخصية في حياته، وحيوية لثقافته الوطنية، ويتحول التراث القديم بالفعل إلى مشكلة الثـقافة الوطنية، فهو مصدر الثـقافة باعتباره مخزوناً نفسياً موجهاً لسلوك الجماهير"([15]).

تحديد المفاهيم المحورية :

مفهوم النهضة :

كلمة نهضة (Renaissance) وتعني لغة : (ميلاد جديد) تعبير عن مرحلة مضت من تاريخ أوروبا، وبالتحديد (النهضة) الإيطالية في القرن الخامس عشر والسادس عشر، ثم عمت أوروبا كحركة تجديد واسعة وعميقة شملت الفنون والعلوم والآداب، معتمدةً على إحياء التراث الإغريقي - الروماني، وما رافقها من الاهتمام بالإنسان (Humanism) وسبقها حركة الإصلاح الديني(Reformation of Religious) الاحتجاجية ضد فساد الكنيسة (الكاثوليكية) التي نتج عنها تكون المذهب والكنيسة (البروتستانتية)، ثم نشأ العلم والدارسات التجريبية، فكانت النهضة (ميلاداً جديداً) لقارة ظلت شبه ميتة طوال القرون الوسطى([16])، وقد نشأ مصطلح (النهضة) في القرن التاسع عشر عندما قسّم فكر الحداثة العصور السابقة له، وجعل عصر النهضة عصر متميزاً عن العصور الوسطى...([17]).

هذه (النهضة) مرحلة وعصر سبقها عصور وتلاها أخرى : كانوا في العصور الوسطى المظلمة، ثم عصر (الإحياء) في القرن الرابع عشر، وعصر (الإصلاح الديني) وعصر (النهضة) في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وبداية العصور الحديثة من القرن السابع عشر عصر العقلانية : العقلانية التجريبية والعقلانية المثالية، والثامن عشر عصر التنوير؛ انتقلت فيه العقلانية بشقيها المثالي والتجريبي إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتـُوجت بالثورة الفرنسية، ومرحلة الذروة في القرن التاسع عشر عصر العلم والثورة الصناعية، وفي القرن العشرين - ما بعد الحداثة - ازدهرت نزعة العداء للعقل رغم تواصل التقدم التقني، تمثلت في نقد العقلانية المثالية والتجريبية، أو الجمع بينهما، أو محاولات البحث عن طريق ثالث([18]).

و(النهضة) مصطلح حديث في الفكر العربي، "لعله يرجع إلى أواخر القرن التاسع عشر، واللفظة تشير إلى الإصلاح والتقدم"، ولم يكن هذا المفهوم واحداً بل تطور وتغير مع تطورات وتغيرات الفكر واتجاهاته، فمن مجرد الإصلاح إلى مفهوم التقدم أو التحديث، ثم ليشمل مفهومي التحرر والوحدة، إلى اعتبار (النهضة) " (هبة مجتمعية تسعى إلى إكساب الحضارة القومية قدرتها على إنتاج المعارف والمهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى)"([19]).

ارتبطت النهضة في الوطن العربي بالتهديد الخارجي الغربي، وتفسر جميع البدايات المقترحة لظهور التيارات النهضوية به؛ هناك بداية تعود بالنهضة إلى أصداء الثورة الفرنسية في (1789م) التي ترددت في بعض الولايات العثمانية من البلدان العربية المشرقية، وهناك بداية تربطها بحملة (نابليون) في (1798م) على مصر والشام، وهناك من يربطها بدولة محمد علي في (1805م) بهدف الاستقلال ومواجهة التهديدات الخارجية، وهناك بداية تربطها بحركة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في (1887م) لمقاومة الاستبداد الداخلي والخارجي([20]).

ومهما يكن الأمر، فإن الفكر العربي الحديث والمعاصر عالج إشكالية واحدة، هي إشكالية (النهضة)، ومن هنا وحدته، إشكالية لا مشكلة واحدة بعينها؛ فهي جملة مشاكل مترابطة متداخلة، لا يمكن حل أي منها بمعزل عن الباقي بل لا يمكن تحليلها إلا بالربط مع بعضها البعض، (الاستعمار، الاستبداد، الفقر، التربية، اللغة، التجزئة القومية...الخ)([21])، وسيتكرر ملاحظة أن الفكر العربي النهضوي يقتبس من مرحلة ما بعد الحداثة في الغرب، ناشداً الحداثة والتقنية والعقلانية والنهضة والإصلاح الديني في وقت واحد، إلى جانب ما يواجهه من الغرب من حصار وإجهاض لنضاله نحو الاستقلال والوحدة والتقدم.

الفكر :

يقصد بـ(الفكر) : وجهة النظر معبراً عنها تعبيراً استدلالياً، وإلا فهي أحاسيس ومشاعر، فن وشعر؛ والاستدلال يأتي في صورة مقدمات ونتائج لازمة عنها([22])، يضم جميع نشاطات الذهن واجتهاداته، في حين أن لفظ فلسفة " لفظ خاص يشير إلى الفكر المنظم في نسق أو مذهب، وهو ما لم يصل إليه الفكر العربي الحديث والمعاصر بعد "، فالغالب عليه النظرات العامة في الإنسان والمجتمع والدولة والواقع، ويضم السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق...، دون عرض نظري كاف، متجهاً نحو العمل والسلوك والتغيير...([23])، والوطن العربي يمر بمرحلة تشبه مرحلة عصر(النهضة) الأوروبية في القرن السادس عشر، " يقوم الفكر فيها بدور النقد للقديم وتأسيس الجديد وإصلاح المجتمع، ومن ثم غلب عليه طابع المحاولات والاجتهادات والعموميات والخطاب الشائع دون نظريات أو مصطلحات، أو مناهج ومذاهب محكمة "([24]).

مما سبق، يستخدم مفهوم الفكر في هذا البحث بمعنيين: المعنى الفكري العقلي: العلم ومناهجه بما فيه من اجتهاد ونظر واستدلال ومعارف...، والمعنى الأيديولوجي المتداخل معه([25])، بما فيه من توظيف مشروع للعلم في سبيل النهضة والنضال لتحقيق الوحدة والتقدم والحرية، وذلك مقابل التوظيف الأيديولوجي للعلم في الغرب في سبيل النهب والعدوان والاستعمار والهيمنة.

العربي :

يقصد بوصف الفكر أنه (عربي)؛ لصدوره "... عن مفكرين عرب بلغةٍ عربية، وفكروا في أفق عربي"، يخرج من هذا كتابات المستشرقين حول القضايا العربية المعاصرة، وكذلك ما كتبه مفكرون عرب بلغات أجنبية - وإن ترجمت إلى اللغة العربية - ؛ فهم ينتمون لمفاهيم وأدوات فكرية وتعبيرية تعبر عن واقع ثقافي مغاير لواقعنا، ولم تتحرر من سلطتها المرجعية الغربية([26]).

نعم، تصدق هذه التحفظات على المستشرقين وأنصار الحضارة الغربية ولا تمنع ظهور كتابات بلغات أجنبية تعبر وتدافع عن قضايا الفكر العربي والإسلامي؛ فهناك من المفكرين العرب من كتب بالعربية ولغة أجنبية مثل : محمد عزيز الحبابي، كان له اهتمام بـ(الشخصانية) الإسلامية وقضايا العالم الثالث([27])، ويتداول المسلمون اليوم كتابات باللغات الإسلامية : الفارسية والأوردية ...، ومؤلفات إسلامية باللغة الإنجليزية والفرنسية... ، مثل : كتابات محمد إقبال ومالك بن نبي([28]) وهشام شرابي ...، فالوطن والعروبة والمجال الإسلامي دوائر متداخلة، والإسلام ثقافة الجميع([29])، بل إن المحاولات النهضوية للشعوب الإسلامية الحالية هي جزء من نهضة شعوب الشرق([30])، فمما سبق، يعني لفظ العربي في هذا البحث ما كان مكتوباً باللغة العربية معبراً ومهموماً بقضايا العالم العربي والإسلامي...؛ لوحدة التراث والتحديات المعاصرة التي يتعرض لها.

Page 3

المعاصر :

الفكر العربي منذ بدء اليقظة العربية أوائل القرن التاسع عشر إلى اليوم لا يزال يشكل وحدة لا تقبل التصنيف بكيفية جدية وحاسمة إلى ما قبل وما بعد، فالفكر العربي الحديث والمعاصر لا يزال كله معاصراً لنا، فإشكاليته العامة لا زالت هي هي، وقد استخدم الجابري - مثلا - وصف (الحديث) و(المعاصر) للدلالة على هذه الوحدة، أما عندما يرد وصف (معاصر) منفرداً فالغالب أنه يقصد به الفكر بعد الحرب الأوروبية (العالمية) الثانية، وبالخصوص الحقبة الناصرية([31]).

ورغم هذه الوحدة، يجب ملاحظة : أن شعار (النهضة) ظل سائداً في الفكر من بدء اليقظة العربية إلى أوائل الخمسينيات التي ساد فيها شعار (الثورة) حتى هزيمة (1967)، عاد بعدها شعار (النهضة) من جديد وتوارى شعار (الثورة) إلى الظل([32])، كما ازدهر الاهتمام بالتراث في هذه الفترة، فقد كانت الهزيمة من عدو يستند إلى تراث ديني - قومي في آن واحد، إلى جانب انفجار الثورة الإسلامية في إيران في (1979م) التي رفعت أرصدة التراث، وكشفت عن مقدرته في تجنيد الجماهير، علاوةً على ذلك، تحول الفكر العربي إلى المشروعات العربية المعاصرة([33]) في محاولة لتجاوز القسمة الموروثة في تيارات الفكر العربي مابين ليبرالية وقومية وإسلامية...([34])، ليس هذا وحسب، بل إن التنظير للنهضة العربية الذي يقوم به الفكر العربي المعاصر بعد (1967م) يطلق عليه البعض (مشروع النهضة العربي الثاني)([35])، فبعد (1967م) وكحدث من داخل المنطقة، وعودة شعار (النهضة) إلى التداول، وبروز أهمية التراث للنهضة والتغيير، والتحول في الفكر العربي إلى المشروعات العربية المعاصرة، وصياغة مشروع النهضة الثانية، جعل من هذه الفترة متميزة عن ما سبقها، لذلك اتخذ هذا البحث منها فترة معاصرة للفكر العربي وما قبلها فترة حديثة.

تقسيم الدراسة :

ينقسم البحث إلى مقدمة وخاتمة و سبعة فصول : الفصل الأول : عن (النهضة) في الفكر العربي المعاصر بعد (1967م)، وينقسم إلى مبحثين : المبحث الأول : المشروعات الفكرية العربية المعاصرة، والمبحث الثاني : مشروعات (النهضة) العربية، تلاهما خلاصة.

الفصل الثاني : تناول مفهوم (النهضة) في فكر حسن حنفي والجابري، وينقسم إلى مبحثين : المبحث الأول : مفهوم (النهضة) في فكر حسن حنفي، انقسم إلى عدة نقاط. والمبحث الثاني : مفهوم (النهضة) في فكر الجابري، ونقاط فرعية، فخلاصة.

الفصل الثالث : تناول أسباب فشل (النهضة) في فكر حسن حنفي والجابري، انقسم إلى مبحثين : المبحث الأول : عن أسباب فشل (النهضة) في فكر حسن حنفي، تفرع بدوره إلى نقاط فرعية. والمبحث الثاني عن أسباب فشل (النهضة) في فكر الجابري، انقسم إلى نقاط فرعية، فخلاصة.

الفصل الرابع : تنـاول الموقـف من الـواقع فـي فكـر حسـن حنفي والجابري، - الواقع الثقافي والفكري- انقسم إلى مبحثين : المبحث الأول : الموقف من الواقع في فكر حسن حنفي، تفرع إلى نقاط فرعية. والمبحث الثاني : الموقف من الواقع في فكر الجابري، تفرع إلى نقاط فرعية، فخلاصة هذا الفصل.

الفصل الخامس : تناول الموقف من التراث العربي الإسلامي في فكر حسن حنفي والجابري، انقسم إلى مبحثين : المبحث الأول : الموقف من التراث في فكر حسن حنفي، تفرع إلى نقاط فرعية. والمبحث الثاني : الموقف من التراث في فكر الجابري، انقسم إلى نقاط فرعية، فخلاصة هذا الفصل.

الفصل السادس : تناول الموقف من التراث الغربي في فكر حسن حنفي والجابري، انقسم إلى مبحثين : المبحث الأول الموقف من التراث الغربي في فكر حسن حنفي، تفرع إلى عدة نقاط فرعية. والمبحث الثاني : الموقف من التراث الغربي في فكر الجابري، تفرع إلى عدة نقاط فرعية، تلاهما خلاصة هذا الفصل.

الفصل السابع : تناول الإستراتيجية والقوى المحققة لأهداف النهضة في فكر حسن حنفي والجابري، انقسم إلى مبحثين : الأول الإستراتيجية والقوى المحققة لأهداف النهضة في فكر حسن حنفي، تفرع إلى عدة نقاط فرعية. والمبحث الثاني: الإستراتيجية والقوى المحققة لأهداف النهضة في فكر الجابري، تفرع إلى نقاط فرعية، فخلاصة هذا الفصل.

وقد تضمنت الخاتمة إلى جانب خلاصة المقارنات، الاتجاهات العامة للفكر العربي المعاصر، وإسهامات حسن حنفي والجابري في الفكر السياسي العربي المعاصر.

Page 4

النهضة في الفكر العربي المعاصر

مـدخــــل

توارى شعار (الثورة) وعاد الفكر العربي بعد (1967م) مرة أخرى رافعاً شعار (النهضة)([36])، ومهما يكن من أمر، فـلكل مجتمع مشروع حضاري به يسهم في مجرى التاريخ([37])، ويتم اليوم صياغة مشروعنا الحضاري الجديد؛ من خلال ازدهار المشروعات الفكرية العربية بعد (1967م) في مصر والمغرب والشام...، والتيتشترك في إشكالية عامة واحدة هي إشكالية (الأصالة والمعاصرة) أو(التراثوالتجديد) أو (من التراث إلى الثورة)...، وصياغة مشروعات نهضة عربية جديدة، تداعى لصياغتها مفكرون وأكاديميون وسياسيون من تيارات الفكر العربي المعاصر.

سببت حملة (نابليون) في (1798م) على مصر والشام صدمة الحداثة؛ الحملة التي جعلت الغرب الحديث مرآة للذات تعكس فيها صورتها في مرآة الآخر، ونتيجة لهذا نشأت تيارات نهضوية ثلاثة في فكرنا العربي الحديث على يد روادها الأوائل، " تلتقي جميعها في نموذج واحد (الغرب نمط للتحديث) وإن اختلفت فيما بينها في نقطة البداية، الدين في التيار الإصلاحي الديني، والعلم في التيار العلمي العلماني، والسياسية أو الدولة في التيار الليبرالي"، وقد تداخلت هذه التيارات فيما بينها مع تعاقب أجيالها؛ فوجد مفكرون في التخوم : الإصلاحي والليبرالي مثل : على عبدالرزاق وخالد محمد خالد... ، والعلمي العلماني والليبرالي مثل : فؤاد زكريا...، ومع ذلك تبقى هذه التيارات متمايزة من حيث بدايتها ومساراتها ونهاياتها، روادها وأجيالها وروافدها([38]).

بعد جيل الرواد الأوائل من كل التيارات العربية النهضوية المذكورة، قدّم الجيل الخامس - جيل حسن حنفي والجابري - نمطاً جديداً للعلاقة مع الغرب : (الغرب أداة التجديد)، ليس باعتباره نمطاً كلياً للتحديث ممثلاً في أحدى تياراته الفكرية والسياسية وهي الليـبرالية؛ بل باعتباره أداة جزئية ومتعددة للتجديد؛ فالمذهب أوالمنهج يأتي من الغرب، بدلاً من أن يظل في صراع مع الموروث أوفي مواجهته أومزاحماً له، فإنه يستعمل كأداة لفهم الموروث وتقديم قراءة جديدة له([39])، وهو جيل من المفكرين العرب يهتمون بتشييد المشروعات العربية الفكرية، وأغلبها ظهر بعد (1967م)([40]).

"وبالرغم من أن المشروعات العربية المعاصرة في كثير منها مازالت مرتبطة بثقافة المركز [الغرب] إلا أنها ليست تابعة له "؛ فأخذها النظرية أو المنهج كأداة للتحليل، واستعمال ثقافة الآخر من أجل تجديد مسار الأنا، يدل على رغبة في الإبداع، والتعبيرعن الواقع المحلي، ومثله موجود في الهند والصين وإيران ودول جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وقد يأتي جيل جديد "... يكون أقدر على الإبداع الذاتي الخالص دون الاستعانة بثقافة الآخر، بعد أن يكون قد تملك أدوات تحليله "([41]).

وتقوم هذه المشروعات بدور المذاهب الفكرية في الغرب، مع اختلاف في الموقف الحضاري؛ من بقاء الاتصال بالتراث وبقاء الواقع بغطائه النظري خلافاً للغرب في عصر النهضة ([42])، وهي لا شك تسهم في بلورة مشروع نهضوي عربي جديد([43])، بدأت هذه المشروعات الفكرية في الخمسينيات غير أنها ازدهرت في نهاية الستينيات وحتى الآن([44])، " تحاول وضع سؤال جذري رئيس : كيف يمكن النهوض بالأمة العربية من خلال الثـقافة العربية؟ وكيف يمكن رؤية مستقبل الثـقافة العربية دون وصف لماضيها وتحليل حاضرها؟"([45]).

لقد كان التراث حاضراً بقوة بعد (1967م) - كما سبق- مما حتـَّم أخذ موقف منه؛ " فقد فشلت الأيديولوجيات العلمانية [...] في التحديث: الليـبرالية قبل (1952م)، والقومية أو الاشتراكية بعد (1952م)، مصطدمة بالثـقافة الموروثة التي كانت ما تزال أحد مكونات الواقع الثـقافي والاجتماعي والسياسي"([46])، في مقابل ازدهار الصحوة الإسلامية، ثم انفجار الثورة الإسلامية في إيران، واستقلال الجمهوريات الإسلامية في أسيا...([47])، كما كان يُرى أن تراث الآخر - أرض المعاد، وشعب الله المختار... - من أسباب انتصاره([48])، كما سبق.

علاوةً على ذلك، مارست التيارات العربية النقد الذاتي؛ " فالكل مسئول عن الهزيمة لا فرق بين سلطة ومعارضة، نقد التيار القومي نفسه، لأنه كان في الحكم وهو المسئول المباشر عن الهزيمة، ونقد الماركسيون أنفسهم"، واستمر النقد بعد انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وفي الاتحاد السوفيتي ذاته، " ونقد التيار الإسلامي نفسه داخل السجون وخارجها، فما جدوى العنف والوطن محتل؟ وما الصلة بين العدو في الخارج والعدو في الداخل، بين المحتل للأرض في الخارج والمغتصب للسلطة في الداخل؟"، ولم يبق إلا الليبراليون الذين لم ينتقدوا أنفسهم، مع أنهم كانوا من ضحايا الثورة باسم القومية والاشتراكية، وخصوصاً في هذه الفترة التي أصبحت الحرية الفكرية والديمقراطية السياسية لأنظمة الحكم مطلب غالبية التيارات العربية([49]).

وأمام التراجع والفشل في النهضة والتغيير الاجتماعي نشأت محاولات عديدة من المفكرين والأكاديميين، لإعادة الوحدة في الثـقافة والفكر بين الموروث والوافد، من أجل تجاوز الثنائية التي يعاني منها المشروع الحضاري العربي بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر، بينشرعية الماضي وشرعية الحاضر، وذلك لضرورة الأصالة والحاجة إلى المعاصرة([50]).

إنه التحول في الفكر العربي من التراث العربي الإسلامي والتراث الغربي إلى المشروعات الفكرية العربية المعاصرة؛ إسهاماً من المفكرين العرب لأمتهم وشعوراً بالمسئولية أمام ما حدث في (1967)([51])، فمع ظهور هذه المشروعات هناك محاولات أيضاً، لتجاوز القسمة الموروثة منذ عصر النهضة : العقلانية الإصلاحية، والعقلانية الليـبرالية، والعقلانية العلمانية إلى مشروعات جديدة تحت اسم (نقد العقلانية) بفروعها الثلاثة : (نقد العقل الإسلامي) لمحمد أركون مثلاً، ناقداً العقلانية الإصلاحية، و(نقد العقل العربي) لمحمد عابد الجابري وريث الفكر القومي، و(نقد العقل الغربي) لمطاع صفدي وريث العقلانية العلمية العلمانية([52]).

وهذا يعني أن شعار(النهضة) ومشروعها تمحور بعد (1967) في :

- المشروعات الفكرية كأساس نظري لمشروع النهضة العربية وفقاً للاختيارات الفكرية والمنهجية لصاحب كل مشروع، ويعني المشروع الفكري هنا الدراسات المهتمة بالتراث العربي الإسلامي بناء على متطلبات العصر بهدف التغيير الاجتماعي، ومحاولة إعادة النظر في طبيعة العقل العربي والغربي ونقد إمكانياتهما([53])، محكومة بمحددات الوعي النهضوي وفقاً للجابري (الموقف الحضاري بجبهاته الثلاث، وفقاً لحسن حنفي) وهي : الموقف من تراثنا والموقف من تراث الغرب، والموقف من الواقع، كمراجعة شاملة لثقافة الذات والآخر، محاولين طرح بدائل فكرية([54])، فلا يوجد مفكر عربي حديث أو معاصر إلا وقد تكون في هذه الروافد أوالمواقف الثلاثة، وأسهم في التنظير لها، مجدداً الموروث، أوناقلاً الوافد الغربي، وواصفاً الواقع العربي([55]).

- المشروعات النهضوية العربية الجديدة التي صاغها جمع من ممثلي التيارات والفعاليات العربية : مفكرون وأكاديميون وسياسيون...، وهي الإطار العملي المشترك بين التيارات العربية، مشروع كلي وعام متكامل في كافة المجالات : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثـقافية، من شأنه إعادة تشكيل المجتمع، وفتح المجال لتحقيق أهداف الأمة....، وتستند هذه السياسات إلى رؤية متسقة للعالم...([56])، وهو حصيلة تفاعل الأمة مع واقعها وسعياً وراء تغييره([57]).

- وتمثل هذه الجهود رافداً قوياً لما تحتاجه الأمة من (تجدد حضاري) بما يعنى "... مراجعة شاملة للثقافة العربية في مختلف الجوانب سعياً إلى النهوض بأهداف الأمة العربية وتبوأها المكانة التي تليق بها بين الأمم، ويشمل ذلك نقد التراث، وفض إشكالات التعامل مع الثـقافة والحضارة الغربية، والتفاعل الخلاق مع الحضارات الأخرى، وتهيئة العقل العربي للتعامل مع التقنيات الحديثة"([58]).

وعزز هذه الخيارات النهضوية الأحداث والتحديات المتوالية على الأمة : كاتفاقية (كامب ديفيد) وخروج مصر قلب العروبة من الصراع، مما عرض مستقبل النظام الإقليمي العربي للتدهور والضعف، وتهديد أمنه القومي، وانفجار الثورة الإسلامية في إيران (1979)، التي قدمت التراث والتجديد كأداة للثورة، كما سبق، وتداعيات سقوط الكتلة الاشتراكية على المنطقة العربية والإسلامية، وانفتاح المجال لمحاولات تكريس أحادية القطب، وفرض قيم الرأسمالية الغربية تحت شعار العولمة([59])، وما رافقه من انعكاسات أحداث حرب الخليج الثانية، كـ(مشروع الشرق أوسطي الكبير)، وتوصيات ومشروعات الاتحاد الأوروبي - إعلان برشلونة- بما يخدم المصالح الخارجية وتؤمن أهدافها التوسعية، وانعكاسات أحداث (11) سبتمبر المتمثلة في محاولات مستمرة لفرض مشروعات تنمية وإصلاح على المنطقة العربية من خارجها، كل هذه التداعيات جعلت من خيار الإصلاح والنهضة ليس لتحقيق التحرر من الطغيان الداخلي والخارجي وفي اتجاه الوحدة والتقدم فحسب، بل من أجل الدفاع عن الهوية والوجود، أيضاً.

سوف تعرض الأوراق التالية بإيجاز بعض هذه المشروعات الفكرية، ثم مشروعات النهضة العربية التي ظهرت بعد (1967) إلى اليوم.

Page 5

المبحث الأول : مشروعات الفكر العربي المعاصر

أولاً - المشروعات الفكرية العربية المعاصرة - المغرب العربي :

اشتهر مشروع محمد عزيز الحبابي (الشخصانية الإسلامية) في الخمسينيات وامتداده بعد (1967)، ومشروع عبدالله العروي، ومشروع محمد عابد الجابري ومشروعات معاصرة لها، تغالي في الاعتماد على اتجاهات الفكر الغربي المعاصر مثل : كتابات عبدالسلام بن عبد العلي في فلسفة العلوم والقطيعة المعرفية عند (باشلار)، وعبد الكريم الخطيب صاحب (النقد المزدوج) و(الاسم العربي الجريح) و(الكتابة والتجربة) اعتماداً على (جاك دريدا) في التفكيكية([60]).

ومشروعات أخرى لا ترتبط بالتراث الغربي بل تؤصل فكرها في التراث الإسلامي خاصة ابن رشد وابن خلدون مثل : جمال الدين العلوي ومحمد مصباحي وعلي أومليل، ويؤخذ على بعض هذه الاهتمامات أنها موجهة لتكريس خصوصية مغربية، مع أن هناك جيلاً من الشبان يتجاوزونها؛ ارتباطاً بالوطن العربي كله مثل : سعيد بن سعيد في الفكر السياسي أو كمال عبد اللطيف في الفكر العربي المعاصر([61]).

إلى جانب الحركات الإسلامية في الجزائر المعترضة على الممارسات العلمانية، والداعية إلى التواصل مع التراث ضد الانقطاع، يذكر مشروع محمد أركون - مقيم في فرنسا - وهناك تياران في تونس : إسلام مستنير متمثل في حزب النهضة؛ يرى أن الديمقراطية وسيلة للحكم، ويرفض العنف، والثاني تيار علماني يمثل الثـقافة الغربية وهناك أيضاً، محاولات للتعرف على مكونات (الشخصية الإسلامية والمصير العربي) عند هشام جعيط، ومحاولات لـ(تحريك السواكن) لمحجوب بن ميلاد إيقاظاً للوعي وتنشيطاً للفكر([62])، وفي ليبيا نشر الكتاب الأخضر، كثقافة قومية عربية وأيديولوجية سياسية خطابية إنشائية...([63])، سيذكر بشيء من التعريف لأهم وأشهر المشروعات الفكرية في المغرب العربي على النحو التالي :

Page 6

1 - مشروع عبد الله العروي :

ظهر بعد (1967) - اشتراكي ليبرالي !!- انتقد طبيعة العقل العربي - وهي من سمات المشروعات الفكرية في هذه الفترة - وذلك في (العرب والفكر التاريخي) و(الأيديولوجية العربية المعاصرة) و(ثقافتنا في ضوء التاريخ) ...الخ.

انتقد المثـقـفين العرب الذين يفكرون حسب الفكر التقليدي السلفي، أوحسب الفكر الانتقائي من الغرب؛ لحذفهما العمق التاريخي في ما يتبنونه، ومن ثم العجز عن إدراك الواقع كما هو([64])، وحل مسألة الأصالة والمعاصرة عنده تتمثل في الماركسية بتأويلها التاريخي، وفي تبني الفكر التاريخي بكل مقوماته التي حددها في : صيرورة الحقيقة، وإيجابية الحدث التاريخي، وتسلسل الأحداث، ومسئولية الأفراد (الإنسان صانع التاريخ)، ثبوت قوانين التطور التاريخي (حتمية المراحل)، ووحدة الاتجاه (الماضي، المستقبل)، وإمكانية اقتباس الثـقافة (وحدة الجنس البشري)، وإيجابية دور المثقف والسياسي (الطفرة واقتصاد الزمن)([65]).

يرى أن العقلانية في الفكر العربي تواجه موانع وعراقيل من الداخل والخارج؛ فالعقلانية معرقلة من الداخل بالنخب السياسية المتحكمة في الدولة القومية والتي لا ترى مصلحة لها في تغليب الفكر العصري على الفكر التقليدي، ولا ترغب في إخراج العلم والعقلانية من المعمل والمكتب والمتجر إلى الميدان السياسي العام، لهذا كانت ولازالتالعقلانية الشاملة عندنا ضعيفة([66])، أما عراقيل العقلانية من الخارج فمشكلة فلسطين قوى من الفكر التقليدي كإمكانية لازدواجية العلم الحديث والقومية الدينية، ومن ناحية أخرى أضعف قيام الكيان الصهيوني كل الحركات اليسارية والليـبرالية، وضعف معها كل دعوة إلى الليـبرالية والديمقراطية والفكر الواقعي التاريخي([67]).

إن خلو الواقع من العقلانية الشاملة جعل الواقعية هي الاستسلام للامعقول وللاتاريخ؛ فموقف العرب من مصالحهم لا يخضع للعدل والمعقول، وكذلك موقفهم من الصهاينة، ويرى ضرورة اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثـقافي قدر الإمكان حتى لو أصبحت ثقافتنا تابعة لثقافة الغير، "وليكن إذا كان في ذلك طريق الخلاص"([68])!!.

2 - مشروع محمد أركون :

في مقابل (نقد العقل العربي) لمحمد عابد الجابري قام محمد أركون - ليبرالي - بـ(نقد العقل الإسلامي) بمنهج وأدوات غربية، "تاريخية وألسنية وسيميائية دلالية وإنثروبيولوجية وفلسفية" باحثاً عن الشروط الاجتماعية التي تتحكم في إنتاج العقول وإعادة إنتاجها لتلافي نواقص تاريخ الأفكار الخطي المجرد ومخاطره([69])، بحث العقل الإسلامي الكلاسيكي وأنواع الإسلامات [هكذا] أو العقول : العقلية (الأرثوذكسية)، والخبرة العملية أو الحس العملي([70])، لأن الإسلام السياسي اليوم يدعي الانتساب إلى نظام العقول الإسلامية([71])، وبحث الخطابات العربية المعاصرة والاستشراقية([72]).

والعقل الإسلامي ليس مستقلاً بل مشروط وموجه بمجموعة نصية ناجزه ومغلقة هي: القرآن والحديث اللذان شكلا السيادة العليا والمشروعية الدينية وما يتبعها من إسناد لهذه السيادة من أدوات كالإجماع والاجتهاد، وأنماط أساسية من قياس واستحسان...، فالعقل القديم تجلى في (الرسالة) للشافعي، وكون العقل الإسلامي متجه نحو العمل أكثر من توجهه نحو النظر، وهو ما حاول الفكر العربي تلافيه من الفكر الغربي عن (ديكارت) و(كانط) و(هيغل) وحتى (فوكو)([73])، إنها محاولة لإعادة بناء الفكر الإسلامي مستلهماً النزعة الإنسانية الأولى عند مسكويه في القرن الرابع الهجري([74]).

3 - مشروع محمد عابد الجابري :

هو المشروع الثالث في المغرب والأكثر حضوراً على مستوى الوطن العربي - عقلاني قومي- (نقد العقل العربي) تكوينه وبنيته كعقل نظري ونقد العقل السياسي والأخلاقي- تكوينه وبنيته أيضا- كعقل عملي، فظهر التراث كبنية عقلية ثابتة، محاولاً تلافي النقص الذي يعاني منه التنظير للنهضة ألا وهو نقد العقل ذاته أدواته وتصوراته...، دعا إلى إعادة تأسيس الفكر القومي العربي بالعقلانية والديمقراطية والتراث العربي الإسلامي المتمثل في الروح الرشدية على وجه الخصوص، وإحداث قطيعة معرفية مع ما عداها، بتفصيل سيأتي.

Page 7

ثانياً - المشروعات الفكرية العربية المعاصرة - الشام :

ازدهرت أيضاً، بعد (1967) مشروعات فكرية معاصرة في الشام بالمعنى الجغرافي الذي يشمل: سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، فهناك: التيار الماركسي عند حسن مروه في لبنان، والطيب تبزيني وصادق جلال العظم في سوريا، وفي لبنان أيضاً وجد تيار مثالي بمختلف اتجاهاته مثل: الظاهرياتية عند حسن صعب، دعا إلى (تحديث العقل العربي) بالاجتهاد وحرية التفسير والتأويل تطويراً للماضي، وقراءة الحاضر في الماضي([75])، ورينيه حبشي في (الشخصانية) على أساس مسيحي، كما أسسها محمد عزيز الحبابي على أساس إسلامي([76])، ومشروع أدونيس (الثابت والمتحول) الظاهرياتي من سوريا أيضاً، وفهمي جدعان من الأردن، حاول الوصول إلى نموذج عقلاني حضاري فريد، لا فرق بين الحكيم الرواقي والحكيم الإسلامي في كتابه (الرواقية في الإسلام)، ثم حاول تطوير الفكر العربي الحديث في (أسس التقدم في الفكر العربي الحديث)، والبحث عن أسباب انكسار التيارات العربية([77]).

كما سادت مثالية صوفية عرفانية في لبنان على يد الآباء اليسوعيين، فقد أحيا فريد جبر التراث الأفلاطوني الجديد؛ للإبقاء على أصول الحياة الروحية العربية فيمقابل الاتجاهات الماركسية الحديثة، واستخدم الأب نويا مفاهيم التأويل الحديثة في تفسير وتأويل القرآن، كما حاول ناصف نصار تأسيس فلسفة مستقلة في (طريقالاستقلال الفلسفي) مطبقاً ذلك في الفلسفة السياسية، وكيفية حماية الفلسفة كنمط مستقل بدلاً من ردها إلى الدين أو العلم أو استخدامها لتبرير المواقف السياسية في سبيل تأسيس مجتمع لبناني حر يتجاوز الطائفية والمذهبية وهيمنة الدولة([78])، إلى جانب ماجد فخري - ليبرالي - اعتماداً على خير الدين التونسي، ومعن زيادة إشراقي صوفي، بحث (معالم في طريق تحديث العقل العربي)، ونشر عدداً من نصوص التراث الإسلامي...([79])، وتيار ليبرالي كما هو عند هشام شرابي من فلسطين المحتلة ومقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وسيُذكر بعض المشروعات الفكرية بشيء من التفصيل لشهرتها، وانتشارها على النحو التالي :

1 - مشروع طيب تيزيني :

وظف المنهج الماركسي في (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي من بداياته حتى المرحلة المعاصرة) في اثني عشر جزءاً، الأول (من التراث إلى الثورة) حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي، الثاني (الفكر العربي في بواكيره الأولى)، وقد عبر عن هذا الموقف من قبل في رسالته للدكتوراه (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط)، فالمنهج تاريخي مقسماً الفكر العربي إلى تيارات مادية ومثالية مع التركيز على النضال الطبقي الاجتماعي، فهي رؤية غربية ماركسية للفكر الإسلامي، مؤكداً أن التراث الفلسفي والعلمي في الحضارة العربية وإن كان بتأثير الثقافات الأجنبية فإنه ظل محتفظاً بكونه ثـقافة المجتمع العربي الإسلامي الوسيط؛ فواصل ابن عطاء والنظام والكندي وابن خلدون هم جزء جوهري من تراثنا الثقافي، ولايمكن أن يكونوا نسخة من الثقافات الوافدة على حضارتنا([80])، ويقدم رؤية تاريخية للتراث في مقابل الرؤية اللاتاريخية السلفية والعلمانية، كما أن منهجه المطبق أقرب إلى الوضعية والنزعة التاريخية منه إلى الجدلية، مع تركيز شديد على الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل([81]).

Page 8

2 - مشروع أدونيس :

كتب (الثابت والمتحول) في ثلاثة أجزاء، الأول في(الأصول)، والثاني في(تأصيل الأصول)، والثالث في(صدمة الحداثة)، محاولة لتشخيص أسباب التخلف في الفكر العربي وتقديم حلول له، فوجد العقل العربي معتقل بالتراث العربي والتراث الغربي([82])، فمن أسباب التخلف سيادة الثابت على المتحول وهيمنته عليه : فثابت العقيدة هو المطلق والمتحول هو العالم، الأشعرية كعقيدة رسمية سيطرت منذ القرن الخامس الهجري على تصور العقائد في مقابل عقائد الفرق الأخرى كالمعتزلة والشيعة والخوارج، وفي الفلسفة سيطرت الإلهيات على الطبيعيات والإنسانيات، وسيطرت الفلسفة الاشراقية على الفلسفة العقلانية، ولم تعش المعارضة الفلسفية عند أبي بكر الرازي أو المعارضة الكلامية عند الراوندي، وفي أصول الفقه ساد النص على المصلحة، والأصل على الفرع؛ مما أوقع التشريع في الحرفية، وفي الأدب سادت القصيدة العمودية على الشعر الحر، وجماليات القصيدة العربية القديمة على مظاهر التجديد فيها...([83]).

وُجدت الحداثة في التراث والتاريخ العربي الإسلامي، وتمثلت في الأدب عند أبي نواس وأبي تمام...، وفي العلم والفلسفة عند الرازي وابن الراوندي وابن رشد والتصوف؛ فقد أدانوا التقليدوأكدوا على التفرد والسبق، ونقد مفهوم الزمن الذي كان من أسس الحداثة الغربية([84])، ولم يرد اعتبار المتحول إلا بعد صدمة الحداثة مع الغرب؛ فتم الدفاع عن حرية الإنسان، واستقلال الطبيعة، والدعوة إلى ديمقراطية النظم السياسية والشعر الحر، ورغم ذلك مازالت المعارضة السياسية هامشية أمام السلطة المركزية، والأقلية مطحونة أمام الأغلبية، وينتهي إلى أن الإتباع والتقليد سببه الثابت والإبداع سببه المتحول([85]).

3 - مشروع هشام شرابي :

مقولته الأساسية في تحليل أسباب تخلف المجتمع العربي هي البنية (البطركية) أو البنية الأبوية، التي تنبثق من نموذج الأبوة كسلطة مهيمنة، كما هو معهود في المجتمعات القديمة والتقليدية السابقة لعصر الحداثة، وتتجاوز هذه السلطة نطاق القرابة والقبيلة والعشيرة إلى البنى السياسية والاجتماعية والثـقافية، وهي النظام القائم في المجتمع العربي اليوم، والذي تم تحديثه دون تغيير جذري؛ مما كرس هذا النظام الأبوي كنظام مستحدث([86])، وتمثل الذهنية الأبوية في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد والحوار أو إعادة النظر وتزعم امتلاك الحقيقة الواحدة، وأي حوار بين الأفراد والجماعات لا يتم إلا بالتقليل من شأن مخالفيها وإظهار هذه الحقيقة الواحدة وتأكيد انتصارها، سواء كانت هذه الحقيقة علمانية أو دينية، وتسعى إلى فرض حقيقتها بالعنف والجبر إن لزم الأمر، فالعلاقة الأبوية تسري في المجتمعات العربية في كل قطاعاته وتياراته الفكرية([87]).

فالتخلف الذي نعاني منه ليس في التنمية الاقتصادية أو الإصلاح الإداري، فلوكان الأمر كذلك لكان التغلب عليه في متناول اليد ولا يتطلب إلا الوقت والجهد والمال، إن التخلف الذي نعانيه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية التي تسري في كل أطراف بنية المجتمع، وتنتقل من جيل إلى جيل، وهذا التخلف لا تكشفه الفحوص ولا تفسره الأرقام والإحصاءات، إنه حضور لا يغيب عن حياتنا ونتقبله عن غير وعي به([88])، ويأخذ التخلف أشكالاً عدة تتميز عن بعضها البعض بصنفين مترابطين : اللاعقلانية في التدبير والممارسة، والعجز عن التوصل إلى الأهداف([89]).

وتغيير المجتمع والنهوض به لن يتم بعصا سحرية أو انقلاب عسكري، بل بإزاحة الأب رمزاً وسلطة، وتحرير المرأة قولاً وفعلاً([90])، وتجديد اللغة العربية التي تعمل على تكريس ونقل النظام الأبوي عبر الأجيال([91])، ومجابهة السلطة الدينية والتيار الأصولي مجابهة كلية وصريحة، وذلك من خلال التمييز بين الحركات الدينية كحركات سياسية والتراث الديني الذي توظفه لأهدافها([92])، وانطلاقاً من رؤية بعيدة المدى وإلى نوع من الممارسة الجماعية، وتراكم عبر أجيال إلى أن تتحول الكمية إلى نوعية فيصبح التغيير جذرياً شاملاً([93])، وذلك بواسطة النقد الحضاري على الصعيد النفسي والمعرفي بهدف الإطاحة بسلطة الأب وكل من يحل محله، والإطاحة بالخطاب الذي يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة، فالحقيقة إجماع في سياق تاريخي متغير وملك للجميع([94]).

نقد حضاري علي الصعيد الأيديولوجي، بهدف اعتناق مبدأ التعددية الأيديولوجية، وأن الحقيقة تقوم على الاختلاف والإجماع معاً، لا على سلطة فوقية سياسية أو فكرية أو غيبية، وإعادة النظر في المسلمات وتحويلها إلى إشكالات مثل إشكالية الوحدة بأنواعها : الوحدة القومية، والوحدة الدينية، والوحدة الفلسفية، والوحدة السياسية، فهناك مثلاً وحدة تقوم على التعددية بخلاف الوحدة التقليدية التي تقوم على قمع الأقليات وفرز فئات عرقية..، فالمساواة والديمقراطية وتوزيع السلطة لن تجعل من الاختلافات خطراً على المجتمع بل أداة لتجاوز السلطة الأبوية، واستبدالها بالديمقراطية اللامركزية علي صعيد الوطن الواسع([95]).

ونقد حضاري على الصعيد السياسي المتمثل في إعادة صياغة الرؤية الاشتراكية التي لوثتها السلطة الأبوية المستحدثة، وتحقيق الديمقراطية بالفعل، والثورة بأساليب وأفكار جديدة، وتقديم البديل للنظام البرلماني الشكلي الذي تمارسه الأنظمة العربية،وذلك باعتماد الديمقراطية المحلية المباشرة أساساً لإعادة بناء المجتمع المدني وممارسةالحقوق السياسية والمدنية من قبل جميع المواطنين بالتساوي([96]).

وعلى صعيد المرأة، رفض توقف النقد العلماني على ما يسمى بحقوق المرأة ودعا إلى إعادة النظر في معنى الفرد والإنسان كمفاهيم إنسانية تدل على طبيعة الرجل وطبيعة المرأة، وتدل على (عقل) الرجل و(عقل) المرأة، وعلى مكانة الرجل ومكانة المرأة، حتى يتم تجاوز الانفصام المعنوي والفكري والحياتي وما يلحقه من انفصامات سياسية واجتماعية وقانونية في قلب المجتمع، " كخطوة أساسية لتمكين المجتمع من استرداد ذاته وقدرته على الانتقال من مجتمع أبوي تابع عاجز إلى مجتمع حر حديث"([97]).

Page 9

ثالثاً - المشروعات الفكرية العربية المعاصرة - مصر :

لمصر تجربتها النهضوية على مدى قرنين؛ لذلك ازدهرت فيها المشروعات الفكرية العربية المعاصرة، فلها إمكانيات بشرية ومؤسسات تعليمية ورصيد تاريخي وثقافي طويل؛ " ....وفيها ظهرت تيارات مثالية روحية وأخلاقية، أفلاطونية وأرسطية، وتيارات وجودية ونزعات إنسانية، وواقعية جديدة، وماركسية وطنية، ووطنية تاريخية، ويسار إسلامي أو إسلام ثوري، ومناهج تأويلية وآخر صيحات الحداثة"([98]).

هناك مشروعات ظهرت قبل (1967) وتداخلت مع الفترة التالية :كمشروع سيد قطب المبشر باليسار الإسلاميو بعد صدام الإخوان المسلمون مع الضباط الأحرار دعا إلى حاكمية الله في مقابل حاكمية البشر، فانطلقت منها الجماعات الجهادية، كما ظهر مشروع يوسف كرم الجامع بين (المثالية والواقعية)، ومشروع توفيق الطويل في (المثالية المعدلة) ومشروع يحيى هويدي في (الواقعية الجديدة)، إلى جانب مشروع عثمان أمين في (الجوانية (الفلسفة المثالية))، ومشروع زكي نجيب محمود في (الوضعية المنطقية)، ومشروع زكريا إبراهيم في (الوجودية المؤمنة) ومشروع عبد الرحمن بدوي في (الوجودية الملحدة)، وكذلك مشروع أنور عبد الملك في (الاشتراكية الوطنية)، ومشروع اليسار الإسلامي عند حسن حنفي في (التراث والتجديد/ من العقيدة إلى الثورة)، وتجدر الإشارة إلى مشروع عبد الوهاب المسيري في العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة الذي ظهر في أوائل التسعينيات.

1 - مشروع زكي نجيب محمود :

ظهر مشروعه قبل فترة (1967) كداعية لمدرسة (الوضعية المنطقية)، وبعد هذا التاريخ تحول إلى قراءة التراث بهذا الاتجاه، كان الظن أن الفكر الغربي "هو الفكر الإنساني الذي لا سواه"، غير أنه تبين أن مشكلتنا ليست في كم ينبغي أن نأخذ من الغرب، بل في " كيف نوائم بين الفكر الوافد الذي بغيره يفلت منا عصرنا أو نفلت منه، وبين تراثنا الذي بغيره نفلت من عروبتنا أو نفلت منها؟([99])، وهذا هو سؤال الأصالة والمعاصرة، فوصل إلى ثنائية العلم والدين، الروح والجسد، الدنيا والآخرة([100])، درس قيم التراث، ودعا إلى الحرية والرؤية العلمية، و(مجتمع جديد أوالكارثة)، ودعا إلى ثقافة عربية لمواجهة تحديات العصر عن طريق تحديثها، فالنهضة لن تتم إلا بيقظة العقل وتحكيمه([101])، وثورة فكرية إلى جانب ما أحدثته الثورة العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثورة في طريقة التفكير وليس في كم المعلومات ونوعها، "فقد تغيرت المعلومات ولكن لا تزال طريقة التفكير هي منذ قرون"([102])، فلا بد من تغيير النمط القديم من التفكير إلى نمط يشده إلى المستقبل وليس إلى الماضي([103]).

2 - مشروع عبد الرحمن بدوي :

تيار في الإنسانية والوجودية وهما مطلبان رئيسان في الفكر العربي الحديث والمعاصر؛ بحثاً عن الإنسان ودفاعاً عن حقوقه، لذلك ارتبط بحزب مصر الفتاة، دعا إلى (نيتشه)، جعل من الزمن الوجودي منطلقاً للفلسفة([104])، وأصّل ذلك في التراث اليوناني والغربي والإسلامي؛ فكتب (الإنسانية والوجودية في الفكر العربي) و(منتاريخ الإلحاد في الإسلام)، منتصراً لحرية الفكر عند الراوندي وأبي بكر الرازي...، واحتج بأوجه التشابه والتلاقي بين التصوف الإسلامي والمذهب الوجودي([105])، فوجد في فكرة (الإنسان الكامل) ما يناظر في الوجودية فكرة الإنسان الأوحد خصوصاً عند (كيركجورد)([106])، وذلك بقصد "... إحياء بعض [...] العناصرالممتازة الخليقة بالبقاء في تراثنا العربي" من أجل حاضرنا وتطوره الروحي القومي في سبيل النهضة([107])، محدداً ظهور النزعة الإنسانية في الفكر العربي مع بداية القرن الرابع الهجري حتى نهاية القرن السابع تقريباً، والنزعات الإنسانية موجودة في كل حضارة، تعبر عنها أثناء تنقلها من دور إلى آخر فهي ليست خاصة بأوروبا([108])، وزعم أن النزعة الإنسانية اليوم تتمثل في المذهب الوجودي([109])، وأصّل الوجودية أيضاًفي المثالية الغربية المتمثلة في (كانط) و(هيغل) و(شلنج) و(شوبنهور) وشعراء مثل (جوته)، أرخ للفلسفة الغربية والإسلامية، اعتمد كثيراً على دراسات المستشـرقين. وعاد في سنواته الأخـيرة مدافعاً عن الإسـلام ونبيه (صلى الله عليه وسلم) باللغة الفرنسية([110]).

Page 10

3 - مشروع حسن حنفي :

تجد الجوانية امتدادها وتطورها في مشروع حسن حنفي (التراث والتجديد / من العقيدة إلى الثورة) من المثالية الفردية إلى المثالية الاجتماعية([111])، كفلسفة وامتداد لحركة الإصلاح من بداية النهضة([112])، حاول إعادة صياغة الفكر العربي الحديث في تياراته الثلاثة : الإصلاحي، والليبرالي القومي، والعلمي العلماني لإقالتها من عثرتها، كما حاول إعادة صياغة الجبهات الثلاث التي يواجهها الفكر العربي الحديث والمعاصر : بإعادة بناء التراث القديم برؤية مثالية متعالية = (transcendental) وبناءً على احتياجات العصر، ليكون دافعاً للتقدم وليس معيقاً للنهضة، وفي سبيل تحويله إلى أيديولوجية ثورية، وأخذ موقف من الغرب برده إلى حدوده الطبيعية فأبدع (مقدمة في علم الاستغراب) برؤية إسلامية توحيدية، كما أسهم في التنظير للواقع المباشر رصداً لقضاياه وتحدياته الرئيسة...([113])، إنه مشروع اليسار الإسلامي بتفصيل سيأتي.

4 - مشروع عبد الوهاب المسيري :

أثناء نقده التفكيكي للصهيونية في (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) وبمرجعية متجاوزة تستند إلى الوحدانية وثنائية الوجود الإنساني([114])، طور نموذجاً تفسيرياً للعلمانية الجزئية والشاملة، وعلاقة العلمانية الشاملة بالامبريالية وأثرهما في الغرب والعالم([115]).

يعني بالعلمانية الجزئية ما يعبر عنه بعبارة (فصل الدين عن الدولة)، وربما الاقتصاد (الحياة العامة)، وتلتزم الصمت بشأن المجالات الأخرى فلا تشملها، ولاتنكر المطلقات والكليات الأخلاقية والإنسانية والميتافيزيقية والدينية؛ لذلك لاتنبع منها منظومة معرفية أو أخلاقية، وترى الإنسان رؤية طبيعية مادية في بعض الجوانب من حياته العامة، وتصمت عن الجوانب الأخرى، فهي علمانية أخلاقية أوعلمانية إنسانية ([116])، لا تتناقض مع المنظومة الدينية الإسلامية، " و[...] يمكنهما التجاور والتعايش بل التكامل" معها([117]).

والعلمانية الشاملة: "رؤية شاملة للواقع ذات بعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتافيزيقا) بكل مجالات الحياة"، فإما أن تنكرها أو تهمشها، وترى العالم مادي زماني نسبي في حالة حركة دائمة، يتفرع من هذه الرؤية منظومة معرفية : الحس والواقع المادي مصدر المعرفة، وأخلاقية : فالمعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق، وتاريخية : إتباع التاريخ مساراً واحداً، وإن تشعب فأنه يصل حتماً إلى نفس النقطة، والإنسان طبيعي/ مادي فقط، فهي علمانية طبيعية / مادية، أوعلمانية عدمية([118]).

ويبرهن المسيري على أن العلمانية الجزئية موجودة وكامنة في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً إلى اليوم، وتكو­­­­­­ن القيمة الحاكمة والمرجعية النهائية للمجتمع ومؤسساته هي القيم المطلقة : أخلاقية، إنسانية أو دينية، وليس مصلحة الدولة أو أي مرجعية مادية([119]).

في الغرب تصاعدت العلمانية الجزئية إلى علمانية شاملة، حتى وصلت إلى النسبية والعدمية الكاملة في منتصف ستينيات القرن العشرين؛ فقد زادت قوة الدولة العلمانية وأحكمت السيطرة على المؤسسات التربوية والإعلامية وقطاع اللذة، وتجاوزت بذلك قطاع السياسة والاقتصاد إلى أن دخلت الفلسفة، وتآكلت باقي القيم المسيحية والقيم الإنسانية، ومات الرب بزعم (نيتشه)، " وظهرت الفلسفات المعادية للإنسان مثل : البنيوية وتيارات ما بعد الحداثة التي تنكر على الإنسان المقدرة على التجاوز"([120]).

يؤكد المسيري بأن الطبيعة الامبريالية للغرب وما نتج عنها من استعمار ونهب واستعباد وإبادة ونازية وفاشية ليست تراجعاً عن القيم الإنسانية الغربية وانحرافاً في سلوكها، إنها نتيجة من نتائج تصاعد الغرب من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة([121])، فالعلمانية الشاملة والامبريالية وجهان لعملة واحدة؛ فقد حولت الداخل الغربي : الطبيعة والإنسان إلى مادة استعماليه، واستعمرت العالم لصالح مطلق علماني : الدولة أو العرق ...الخ([122]).