eKtab
EN ع
النهر والغريب ومرثية الأقمار المتساقطة
Read free sample

النهر والغريب ومرثية الأقمار المتساقطة

by باسل الحجاج

Page 1

ما العمر إلا فهرس الأحزان

فاقرئي كتابي يا جنية البستان

وارقصي كنعومة الماضي...

كغواية الثعبان

على جرس قصائد

كئيبة الأوزان

كغجريةٍ محررة الجنحان

غارقة في حبٍّ أزليّ الخسران

في وجعٍ لا تشفيهِ أنهار الدنان

لعلي أبزغُ في قلبكِ كنجوم الغمّة

وأضيئكِ بألم الحنين...

حتى تأخذكِ بغرامي الرحمة

وتكف غيومكِ عن مطر الهجران!

Page 2

سوناتا

لا تتركوني وحيداً كأشجار الخريف

يدُ الزمان تخرفُ (*) غبطتي وتعريني

كطفلٍ تبنتهُ شياطينُ الجحيم

أمضغ الذكريات وأشجو من عزف الحفيف

خائفاً كالظلِّ من أمسٍ يلاحقني

وغدٍ يشابههُ الموتُ السقيم

Page 3

توجس

أتوجسُ خيفةً كلما لمحتُ زيف الآمال

رقصة عفريتٍ في تحديقة لاهي الرجال

أعلمُ من لسان الدهر وماضيات الأحوال

نعيم الدنيا ومتاعها القليل الذي أحبُّ للزيال

ما وهبت بالغدوِّ من حرام أو حلال

استردتهُ أضعافاً مضاعفةً بالآصال

تزيّن بهرجاً مقاليدهُ بأيدي بنيها الجهال

وتكسرُ الحكيمَ بجورها وعيشها كلال

طرقت أبوابها الصلدةَ باكياً كالأطفال

سنين عمري سفحتها لأجلها بلا احتيال

وفياً كنتُ كالكلبِ لحبها

هرمتُ في انتظار غوثها

غير أنها كدائم عهدها

خانت بعد غوايةِ غرورها

سدّتْ الدروب وأسلمتنا للضلال

وأغلقت عن السعادة الأقفال

استحالت هجيراً بلا ظلال.

Page 4

ما الذي يمنحكِ قدرة السحروفتنة الساهور

لأني أفكر فيكِ بكل المنعطفات والتعقيدات والجروح

وأبحث عن شيء يفسركِ بمختلف صُعُد الروح

غدا حبكِ داءً يجازيني شحوباً وصفرةًً وقروح

ما الذي يمنحكِ قدرة السحر وفتنة الساهور

وكل تلك الأشياء التي تؤذيني وتمتص مني السرور؟

جائعٌ لفاكهةِ يديكِ وتين قدميكِ ولشفاهٍ كالزهور.

أحنُّ بلوعةٍ لأنفاسكِ النقيةِ كمريض مسلول

وربِّ الكعبةِ الذي أهداك

حسن الثريا والدلال الخجول

منذ حرمتني رمالَ هجيركِ وجسدي يتلاشى بالنحول

Page 5

وحدة بلا أمل

ما زلنا كما كنا... وحيدين ومحرومين

كما الحزن الهامي من القيثار

يلتف ما بيننا

- كأقمطة الرضع الصغار -

الإسمنتُ المسلح لهذه الأسوار

الآسرةِ لمنازل هذه القفار

فلا نملكُ من أمرنا يا زهرة الجلنار

غير استراق نظراتٍ خجلى

تذبح قلبي بمدية الصمتِ كلَّ نهار

وتدمي خديكِ يا أميرة الأسحار

بعناقيد العنبِ وتوت الاحمرار

ولأني لا أملكُ للبوحِ سبيلاً

ينجي هوانا من ليل الأسرار

ستظلين نجمةً نائية كعشتار

لا تمطرني بريحان الأنوار

ولو غمامةً من رحيق الغبار

Page 6

وسأظلُّ يا فراشتي العاجية

أغزلُ أسماءنا بشعاع الأشعار

وأرسمُ السلالم الكثار

بأقواس قزحٍ لامرئية الخيال

ربما لذنا معاً إلى أحصنة الفرار

حبيبتي الصغيرة مهما أهرمتنا الأعمار

ألا اهربي معي قبل انسدال الستار

ولنبتنِ من الطين كوخاً في فردوسِ الأقمار.

حبيبتي يا روضةً من الورود

كفى بالحبِّ غايةً للوجود

وما من حاجةٍ أخرى تستحقُّ خلق الأعذار

ألا اهربي معي... عاشقين تحت مظلة الأمطار

لأعرف من كنتُ ومن أكون

بعيونٍ تفضح ذاتي

لم أحسن أمامها أبداً إخفاء الأسرار!

Page 7

النهر والغريب

"كل شيء يجري، يتحرك، وليس هناك ما هو أبدي. لذلك، لا نستطيع أن ننزل مرتين إلى النهر نفسه، ذلك أنني عندما أستحم للمرة الثانية يكون النهر قد تغير، وأنا أيضاً"

هيراقليطس

"لم نؤت كياناً. لسنا إلا نهراً،

ننساب راضين في كل الأشكال،

في النهار، في الليل،

في الكهف وفي الكنيسة،

نسير خلالها يدفعنا الظمأ إلى كيان.

وهكذا نملأ الشكل بعد الشكل

دون أن نرتاح،

وليس هناك شكل

يصبح وطننا وسعادتنا وبؤسنا،

إننا دائماً نسير في الطريق،

إننا على الدوام ضيوف،

لا ينادينا حقل محراث، ولا ينمو لنا خبز."

لعبة الكريات الزجاجية -هيرمان هيسه

أيها النهر، وقف على ضفافك الغريب

أشهدُ في قرارتك الحزينة

غرق هيرقليطس والماهية والكينونة

وأنا مثل حكيمٍ أحدب

- أهرمتهُ السنين واستوحشتهُ الأمكنة -

Page 8

ينتحبُ على ذبول الحياةِ باكياً مثل ذيب

أيها النهر، غارت في محاجر عينيك ألحاظ الغريب

مودعاً بحرائق الزفرات الماضي البعيد القريب

وتنين الأسطورة الجاثم في كهف البلعوم

ينفث بركان الآهات والحسرات شياطين من اللهيب

في مرآة أمواهكِ الزرقاء كالحزنوحجر الفيروز الكريم

تمرُّ بعجالة الومضِ شرائط الذكرىوصور العمر القديم

فيشهد مغموراً بفراشات الأسى

ما كانهُ من طفل حميم

لا يفهمُ كيف واراهُ الثرى،

أو كيف خمد الشبابُ وانطفأ كجمرة الحمّى

لا يفهمُ كيف بلون الليل وحناء الشجو

أضحى الفؤاد خضيب

وعلام انسل الزمان...

كاللصِّ من أحداق الكوى بخافت الدبيب؟!

وخلفتهُ الأعنة في مضامير جريها محروماً سليب:

" يا حورية النهر المسحور القرار

جاب سندبادي غياهب البحار

وما وجدت بقحط الأرواح شجيرة صبار

أحتضن شوكها وأناديها في عسجد الرغبة بالحبيب

شموس الهجير اضرمت الجفاف

والدخانُ اختطف الندى

ليس لي بمزامير العمر مبسمٌ...

ليس لي نجمٌ مشع بالهوى

بلا حبٍّ ولا ظلٍّ ولا حكمةٍ ولا عدلٍ...

تحتضرُ الحياةُ في قلبي التريب!"

Page 9

أيها النهر، خارت على ضفافك أقدام الغريب

أمسك حفنات الثرى فينسلُ خيط التراب

هو اضمحلال النبض على سرادق الغياب

زوبعة الصمت الضامر حدّ الانحلال

في وجدان الضمير المريضِ بالرِّيب

السعال الأخيرُ للفؤاد الحريب

عبر رحلة البرزخ وديدان جبانة العذاب

هو السقوط في هوة الجحيم

إذ تتلقف الأرواحَ الآثمة الكلاليب

أيها النهر، تهامت على ضفافك دمعات الغريب

(يتلو آية الذكر الحكيم: ( كلا إنها لظى نزاعة للشوى (*)

ومن مخافة الآخرةِ يتزلزلُ بمختضِ النحيب

إلهي يا ربَّ الغفران والرحمة... لا تزايلني الهموم

في غمر جوارحي تنتحر النوارس غرقى

وتتركني كآخر زفرات النجوم...

لزوالٍ وانطماسٍ قريب

ويدفن طاوياً أحلامي

تحت عباءتهِ الشتويةِ ثلجيُّ الكثيب

إلهي بهذا الليل الكئيب،

وعلى ضفاف الشظايا الزجاجية

للرملِ الأزرق كأشباح الأثير

أنزف من جدث النوايا أجراس الضمير...

إلهي بهذا الليل الزمهريري الكئيب

أتمسحُ بنور عفوك،

كما يشتهي وهج الشمسِ بأقمار السكينة،

متسولٌ ضرير

وأبرءُ من ذنبي حتى تغسلني التقوى

لا تعذبني فإني للنأي عن ذاتي لم أعدْ أقوى

وما كان لي صبرٌ إذ اصطليتُ بنار الجوى

فكيف اصطبر على عقاب جهنم والسعير

تفغرُ أشداقها ونار اللظى أمرٌ رهيب؟!

Page 10

كوني متيمة بي يا شهرزاد

كوني متيمةً بي يا زهرة الصبار

كما يتيمُ بأعواد الكبريت السيجار

إن أعظم حكايا الحبِّ

تنتهي جحيماً من النار.

في حانة اليأس والحرمان

كوني متيمةً بي

كما يظمأ للكأس السكيرُ الخمَّار

إنما العشق صداعٌ

ولا شفاء للعقلِ منهُ

إلا بأراجيح الدوّار

كوني متيمةً بي يا شهرزاد...

فأنا متلفُ القلبِ وحزينٌ كشهريار...

كان نبضُ الهوى

موقداً من زيت العناد

كوني متيمةً بي...

غافلةً عن نواميس العباد

مثل خطيئةٍ لا تمطرها سحائب استغفار

إن الهوى جرمٌ

يجهلُ التخلي عن مزالج الاستمرار

كوني متيمةً بي

كما يدمن الذنب الفجار

ودعي أقدامكِ تزلقُ في دروبي

حدَّ التهشمِ والاحتضار

ودعي نجمات وجودي

توقـِـدُ بالأسى

قبائل الجنِّ وظلمة الغار

ليس حبَّاً ما يتوب عنهُ الفؤاد

وليس حبَّاً ما يستحيلُ إلى اعتذار

كأنما لم يكن أكثر من سرابٍ

أطفأه جفاف الدمعِ وطول الانتظار!

كوني متيمةً بي يا شهرزاد

كحزنٍ أبديٍّ لا يشفى

كيما أكون للأزلِ قصيدةً مائية الأشعار!