eKtab
EN ع
النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية
Read free sample

النقد الثقافي من النسق الثقافي الى الرؤيا الثقافية

by عبد الرزاق المصباحي

Page 1

مدخل

ما القيمة المضافة لمشروع النقد الثقافي في المشهد النقدي العربي الحديث؟ وهل إعلان موت النقد الأدبي واتخاذ النقد الثقافي بديلاً منهجياً عنه كافٍ لتحقيق طفرة في هذا المشهد؟ وإلى أي حدّ تمكًّن النقد الثقافي من التأسيس لأدوات نقدية قادرة على استكناه المضمرات النسقية للخطاب؟ هل تستطيع الأداة النقدية الثقافية، وهي تؤسس نقلتها المصطلحية والإجرائية، ادعاءَ الانفلات من ربقة الأنساق الثقافية؟ ثم كيف تلقى المشهد النقدي العربي مشروع النقد الثقافي؟. من زاوية أخرى، هل بمقدور مصطلحي (الرؤيا الثقافية والبليغ الثقافي)، اللذين تستسعفهما هذه الدراسة، تقديمَ مقترب ثقافي للنص الشعري يأخذ بالاعتبار خصوصيته المضادة للتنميط والحدّ المانع؟

إن النقد الثقافي نشاطية نقدية غايتها تفكيك الأنساق الثقافية المضمرة وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي، في سعيها إلى إعادة إنتاج قيم التمركز والنسخ والاحتواء القسري، والمتسربة بوساطة أنظمة ثقافية متحكمٍ في غاياتها ومراميها. والثقافة هنا بمعناها الأنثروبولوجي التي تعني، كما عند كليفورد غيرتزGeertz ، إنتاجَ آليات الهيمنة والإخضاع "بإسقاط سماتنا الذاتية على (الغرباء) حتى يتحول الآخر إلى صورة مستنسخة من الأنا" (1) ، وليس، فقط، مجموع الأعراف والعادات والتقاليد، وهو ما يوازي مفهوم المؤسسة الرسمية التي تتحكم في الخطاب ورعية الخطاب، وتستهدف إخضاع المخالف وإسكاتَه وتدجين المعارض وإلجامه عن طريق تنميط الخطاب ضمن تراتبية معينة للتحكم، دون وعي من المستقبِل الثقافي، في طبيعة التفاعلات التي ينفرز عنها الصراع بين الأفراد والطبقات مع المؤسسة الرسمية التي تسيطر عليها النخبة. فالنقد الثقافي يقدم نفسه بوصفه خطاباً نقدياً يحتفي بالاختلاف والغيرية ويناهض أشكال التنميط والتدجين أو "قبحيات الخطاب" التي لم يستطع النقد الأدبي في كل تاريخه الطويل أن يسائل حركيتها القاتلة، والمتملكة لبنيات خطاب متنوعة، إبداعية وفكرية، بسبب من العمى الثقافي الشامل الذي خدّر أدواتِه نتيجة خضوعه للاستهلاك الجمالي دون نقد متعته أو تقويضها.

لعلَّ هذا هو طرح الناقد السعودي عبدالله الغذامي منذ كتابه الذائع (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) المتضَمِّنِ مشروعَه في النقد الثقافي باعتباره بديلا منهجيا عن النقد الأدبي الذي أعلن الغذامي موته في ندوة حول الشعر عقدت في تونس سنة 1997، واضعاً بذلك المشهد النقدي العربي في حمأة صراع جديد بين مناهج النقد الأدبي ونظرية النقد الثقافي كما يتمثلها. والصراع النقدي أمر صحي يسعف في تحريك المياه الراكدة وإثارة السؤال النقدي القلق الذي لا يركن إلى الأداة النقدية اللوغوسية الثابتة والإبدالات السكونية، مما هو قمين بإحداث قطائع إبستيمولوجية وإجرائية.

إن تاريخ النقد والنظرية مفعم بحوادث الصراع الطويلة بين المقاربات التي يسعى كل منها إلى بناء مشروع قرائي يحظى بالمقبولية في تأويل النص والخطاب واستكناه أنساقهما؛ غير أنه "في المعركة من أجل السطوة التي تخوضها القراءات المتصارعة، هنالك حالتان متطرفتان ومستهجنتان على حدِّ سواء، هما الاستبداد والفوضى" (2)، وذلك بسبب الرغبة في امتلاك النص وتجريده من آخريته. بمعنى أن النقد في سعيه إلى تقديم مقترب نقدي بصدد النص يكون خاضعا للنسق الثقافي الناسخ الذي لا يعترف للآخر بأحقيته في الوجود وفي تقديم قراءة مختلفة، حدث ذلك في فرنسا بين رولان بارت وريمون بيكار الذي كان يعتبر راسين ملكا له، بينما كان يطالب رولان بارت بحقه في قراءة خاصة. وحدث، أيضاً، بين ماثيو أرنولد وويليام ووردزوورث في إنجلترا حول حق النقاد في مساءلة الشعر. وهذه حوادث ثقافية لا تزال تستعاد بطرق مختلفة كلما تجددت الرؤى والمناهج والآليات والمفاهيم التي تربك القديم فيبدي مقاومة شرسة لحماية مصالحه ونفوذه، نعم نفوذه، لأن كل قراءة نقدية قد تقع، من حيث لا تحتسب، في خرم الاستبداد وتحاول تأمين حوزتها تجاه منافسيها. ولن يكون غريبا في هذا الصدد أن تتدافع نظرية النقد الثقافي مع النقد الأدبي في صراع حول المواقع داخل المشهد النقدي العربي، وهو ما قد تكون نجحت، نسبياً، فيه جرّاء المتابعة الإعلامية الكبيرة التي حظيت بها خاصة أنها ترتبط بعبدالله الغذامي، الناقد المتمرس والخبير في النظريات النقدية الأدبية المختلفة، وأحد الذين قدموا استراتيجية التفكيك للقارئ العربي في بداياتها، وهو الناقد المتجدد الذي يطور أدواته النقدية بقدر ما ينوع في الموضوعات والخطابات المختلفة التي يقاربها (3) .

Page 2

إن تجدد المنجز النقدي عند عبدالله الغذامي ورهانه الذي يقوم على الجمع بين الرصانة والجماهيرية هو ما يحفزنا، في هذا الكتاب، على دخول غمار قراءة مشروعه في النقد الثقافي، خاصة أنه حقق تراكما مهما في السنوات الأخيرة التي تلت صدور كتابه (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) سنة 2000، إذ صدر كتابه (الثقافة التليفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي) سنة 2004، وكتابه (الفقيه الفضائي) سنة 2011، وكتابه (اليد واللسان) في السنة نفسها. وهي جميعها كتب تطبق آليات ومفاهيم النقد الثقافي على بنيات خطابية متنوعة (الشعر، النص الديني والمدونة الفقهية، ثقافة الصورة، ظواهر القراءة والأمية والأكثر مبيعا....). وهذا التراكم يغري باستثماره لتتبع فاعلية الأداة النقدية الثقافية في مقاربة هذه الظواهر، وقراءة الفرضيات المنطلق منها وطبيعة النتائج المتوصل إليها، فضلاً عن التحقق من مدى تمكُّن النقد الثقافي وأولياته عند عبدالله الغذامي من الفكاك من ربقة الأنساق الثقافية نفسها التي يعتبرها عبدالله الغذامي أزلية وتاريخية، أي مدى قدرته على ربح رهان الوجودِ داخل الأنساقِ وخارجَها في الوقت نفسه.

إن ما نقترحه، في هذه الدراسة، يتمثل في تتبع آليات النقد الثقافي عند عبدالله الغذامي من زاوية قدرتها على كشف الأنساق الثقافية المضمرة داخل الخطاب الشعري والذهنية النسقية المتعاملة مع المدونة الفقهية والأنساق الجماهيرية المنفرزة عن عصر الصورة وثقافتها، ومدى نجاحها في تلافي تعميمية الأحكام وبروكسيتها أثناء بحثها المضني عن الأنساق الناسخة وكشف حركيتها، بعبارة أخرى قدرتها، أي آليات النقد الثقافي، على جعل الخطاب المقارَب في حال (التابع المختلف) الذي طرحه بول أرمسترونغ، والذي يعني "علاقة النصوص بمن يحكم عليها بأن تكون تابعة لمقاصده وغاياته وقناعاته، ومستقلة عنها في آن واحد" (4) ، ما يعني تلافي امتلاك الخطاب في استبداد مغرق وديكتاتورية متمركزة. ولعل هدفنا هو جعل الأداة النقدية الثقافية موائمة لقصديتها، أي أن تجسد ما البينية والغيرية والاختلاف دون التخلي عن حقها الخاص في قراءة خاصة، وهو الرهان الذي نطمح إليه من خلال استسعاف مفهومي "البليغ الثقافي والرؤيا الثقافية" اللذين نطرحهما بوصفهما مصطلحين إجرائيين نستسعفهما في قراءتنا الثقافية لديوان محمود درويش (كزهر اللوز أو أبعد)، ونعني بالرؤيا الثقافية بنية دلالية/جمالية تستضمر حالات وجودية تسائل العوالم الكائنة وتستشرف أخرى ممكنة بكثير من الحكمة التي تقدم بأسلوبية متجددة وتستحضر، بوعي نافد، آفاق التلقي القرائي بنوعيه الجماهيري والنقدي، وتسعى إلى التسامي على شرط الأنساق الثقافية مع الوعي بجبريتها ومسعاها إلى التنميط والهيمنة، تجسيدا لاختلافنا مع ما طرحه الغذامي حول ضرورة إبعاد الجماليّ الذي يخفي، في نظره، الأنساق الثقافية ويتواطأ معها.

وإني أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور بنعيسى بوحمالة الذي أولى لهذه الدراسة عناية خاصة، وقومها بملاحظات منهجية ومعرفية ولغوية أسفعتني، واسعاً، في استغوار أعمق للمتن الثقافي.

Page 3

الفصل الأول :النقد الثقـافيبين استعادة الأنساق والخطاب المضاد

تتقاطع في هذه الفصل غايتان، فهو يحاول، من جهة، تتبع مظاهر النسق الناسخ في الأدوات النقدية الثقافية التي اقترحها عبدالله الغذامي، في مسعاها الشاق للتحرر من المؤسسة النقدية ممثلةً في البلاغة العربية والنقد الأدبي النصيِّ الحديث، والسفر بهذه الأدوات المطبوعة بعلامات الجسد المانح إلى جسد النقد الثقافي الذي نسعى، أيضاً، إلى ملامسة بعض من آثار العلة التي لحقته بسببٍ من هذا التهجير القسري. ومن جهة ثانية، تتبع النقاش الذي أثير حول مشروع النقد الثقافي عند الغذامي، مع كل من عبدالنبي اصطيف وسعيد علوش، مع استخلاص ما يمكن أن يسعف في تقويم نسبي لأدوات النقد الثقافي عند الغذامي وإبدالاته.

1. المبحث الأول: مشروع النقد الثقافي عند الغذامي

1-1 النقد الثقافي: تفكيك سلطة النسق أم إعادة إنتاجه

إن "النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد فروع اللغة وحقول الألسنية، معنيٌّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء، من حيث دور كل منهما في حساب المستهلك الثقافي الجمعي، إنه معنيٌّ بكشف لا الجمالي، كما هو شأن النقد الأدبي، وإنما همّه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/ الجمالي، وكما لدينا نظريات في الجماليات، فإن المطلوب هو إيجاد نظريات في (القبحيات)، لا بمعنى البحث في عن جماليات القبح، مما يعتبر إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعيوللحس النقدي." (5) هكذا يعرف الغذامي نقده الثقافي. ومن اللافت، يقينا، اعتباره أحد فروع النقد النصوصي العام، مما يحيل على مجال معرفي شاسع يشمل، فضلا، عن اللسانيات بمختلف نماذجها ومدارسها المناهجَ النقديّة النصيّةَ: من بنيوية، تفكيك، وسيميائيات، لكنه يختلف عن هذه المناهج النصيّة في مرماه المتمثل في محاولة كشف الأنساق الثقافية المضمرة في الخطاب الأدبي التي تتموقع بوصفها أنساقاً ثقافيةً مضادة لكل وعي سليم، لا بتفكيك وإعادة تركيب النسق اللغوي مثلما هو حال البنيوية التي ظلت تهتم بالأدبية بوصفها بحثا في أنساق النص الداخلية وعلاقاتها بغاية البحث فيما يصنع جماليته. وهو ما جعل الغذامي يعلن عن نهاية وظيفة النقد الأدبي ودوره التاريخي، مادام لا يستطيع مساءلة حقيقة الحداثة العربية وحقيقة الدور الذي لعبه الشعر العربية "فهل الحداثة العربية حداثة رجعية ؟ وهل جنى الشعر العربي على الشخصية العربية؟ هل في ديوان العرب أشياء أخرى غير الجماليات التي وقفنا عليها؟ هل هناك أنساق ثقافية تسربت بالشعر وفي الشعر لتؤسس لسلوك غير إنساني وغير ديمقراطي؟" (6)

وإنها إشكالات يحاول إضاءتها بوساطة تفكيك الأنساق الثقافية العربية، بما هي عيوب تسربت، عميقا، بفعل الشعر الذي جسد الخطاب المركزي الأول في الثقافة العربية. وهي، أيضاً، عيوبٌ ليس النقد الأدبي قادراً على كشفها وفضح حركيتها الخطيرة؛ لأن غايته ظلت حبيسة الاعتناء بالبلاغي والجمالي، ولأن أدواته ليس بمقدورها كشف حيل الثقافة وعيوبها النسقية التي تجيد الاختباء من تحت عباءة الجمالي. لهذا السبب يؤكد الغذامي أن النقد الأدبي لم يعد مؤهلا لكشف الخلل الثقافي فكانت دعوته "إلى إعلان موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه، وكان ذلك في تونس في ندوة عن الشعر عقدت في 22/ 9/ 1997" (7) ؛ لكنه مع ذلك يحترس من أي سوء قراءة للفظة " الموت"، إذ لا تعني في نظره التخلي كلية عن منجز النقد الأدبي، وإنما تفيد تحويل الأداة النقدية من أداة في قراءة الجمالي الخالص وتبريره إلى أداة في نقد الخطاب وكشف عيوبه، ويوضح أن ما يبدو لنا حداثيا من منظور النقد الأدبي ليس في حقيقته إلا رجعيا باليا، أما الجمالي فيحمل في طياته عيوبا خطيرة (نسقية) أثرت على الشخصية العربية التي ينعتها بأنها شخصية متشعرنة: أي أن كافة قيمها تسربت إليها، بوعي أو بغير وعي، من ديوان العرب، وهذا التشعرن والرجعية، يؤكد الغذامي، أنهما انبتا في منجز إبداعي ظللنا لقرون نبجله حد التقديس ونستمتع به دون نقده أو معرفة بخطورته.

إن الهدف، إذن، عند الغذامي هو إيجاد نظرية في القبحيات، ضداً على الجماليات، وهي، يقينا، قبحياتُ الخطاب وقيمه السالبة. ومن الواضح جداً أن الغذامي يرمي إلى إحداث قطيعة مع النقد الأدبي لكونه خطاباً مهادناً ظَلّ رهين الأنساق الثقافية التي رسختها السياسة ورسخها الشعر أساسا، ولكأننا بالغذامي يُلمح هنا إلى أن النقد الأدبي تخلى عن مرتبته الحقيقية في أن يكون خطاباً متعالياً على الشعر، إذ ظل خاضعاً له ومسوغاً لأخطائه ومتسامحاً مع عيوبه الخطيرة التي يرى الغذامي أنها سبب تلبس الشخصية العربية لقيم فاسدة مغلفة بكثير من الجمال الخداع. ويحق لنا هنا أن نتساءل إن كان الغذامي نفسه خاضعا للنسق الثقافي الفحولي المبني على الإقصاء، إذ رغم تحفظه من سوء فهم لفظة الموت التي وظفها إزاء خطاب منافس هو النقد الأدبي إلَّا أن توظيف هذا التعبير يحمل أقصى أنواع الإلغاء وهو القتل وإعلان ذلك وتبريره. ولكأن الغذامي، هنا، يمارس دور الطبيب في المشرحة حين ينقل الأعضاء من جثة هالك إلى آخر حي لكنه عليل لاستكمال استشفائه، وذلك في رهانه على تحويل الأداة من تبرير الجمالي إلى كشف عيوبه. وهذا اعتراف بأن المشروع الجديد معتل ويحتاج إلى أعضاء حيوية من جسد آخر(أعضاء النقد الأدبي)، وهي أعضاء لا تزال قوية وفعالة، وإلا ما كان ليستثمرها الخطاب النقدي الجديد. فإذن ألا يكون الاحتفاء بالموت هنا احتفاء لا واعياً بالنسق الثقافي المعيب مادام مؤسساً على الإلغاء والإبعاد، حتى لو كان الأمر يتعلق بخطاب لوغوسي، فالنقد نفسه، لا يخلو من شعرية أحياناً وعقلانيته غير محسومة بشكل مطلق، وقد لا يخطئه النسق، مادامت له القدرة على الانتشار والاندماج ضمن أكثر البنيات مقاومة؟

إن مشروع الغذامي النقدي يستند إلى رهان قوي يرمي إلى الحسم مع نقد أدبي ممتد تاريخياً، ومتجذر في الثقافة العربية، لذلك يستند إلى ما يسميه ذاكرة مصطلح، وهو الإبدال الذي انطلق منه لصياغة تصوره للنقد الثقافي.

Page 4

1-2 النقد الثقافي والنماذج الإرشادية

يُسمي الغذامي الأساس النظري الذي وجه مشروعه لتأسيس نظرية نقدية ثقافية بالذاكرة الاصطلاحية، ويقصد بها الجهودَ النظرية التي شكلت خلفية طرحه النقدي المتمثل في تـأصيل عربي لمفهوم النقد الثقافي، ويحددها الغذامي على هذا النحو: الدراسات الثقافية، في نقد الثقافة، الرواية التكنولوجية، النقد الثقافي عند فنسنت ليتش، النقد المؤسساتي، الجماليات الثقافية (التاريخية الجديدة)، والناقد المدني عند إدوارد سعيد.

لقد عاد الغذامي إلى الدراسات الثقافية بوصفها أساسا مركزياً لمشروعه النقدي، ففي الدراسات الثقافية "ينصرف أساتذة الأدب، كما يؤكد جوناثان كاللر، عن دراسة ميلتون إلى دراسة مادونا، وعن دراسة شكسبير إلى دراسة الدراما التليفزيونية، ونرى ضمن اشتغالها البروفيسور الفرنسي يكتب عن السجائر وزميله يكتب عن السمنة ." (8) والدراسات الثقافية، حسب الغذامي، تقوّض مركزية النص في مقابل الاهتمام بكل الظواهر القادرة على تحقيق وقع اجتماعي وتـأثير في الناس، أو ما يسميه منظروه "بالأنظمة الذاتية في فعلها الاجتماعي في أي تموضع كانت بما في ذلك تموضعها النصوصي" (9) ،ولا يعني تكسير مركزية النص الاتجاه نحو البحث في البعد التاريخي؛ لأن التاريخ والنص من منظور الدراسات الثقافية مدمجان معاً باعتبارهما جزءاً من عملية واحدة، وهذا ما يميزهما عن المنهج التاريخي والاجتماعي اللذين يفرقان على التوالي بين البنى التاريخية والبنى النصية، والبنى الفوقية والتحتية. وتبحث الدراسات الثقافية أيضاً في عمليات إنتاج الثقافة في علاقتها بمفهوم الهيمنة "التي تتحقق، كما عندأنطونيو غرامشي، لا بسبب قوة المسيطر؛ بل بقدرته على جعلنا نقبل ونسلم بوجاهة هيمنته"(10) ؛ والأمر يتعلق هنا بضرب من ممارسة الحيلة والـتأثير الإيديولوجي والإعلامي وكل ما من شأنه تسويغ هذه الهيمنة؛ وبالرغم من أن الغذامي يعترف بفضل الدراسات الثقافية في اهتمامها بالهامشي والمُغيَّب، ومحاولاتها الريادية في كشف ألاعيب المركز إلا أنه يعيب عليها فقرها النظري الذي أدى بها إلى تسطيحات جعلتها تتلقى انتقادات كثيرة، بخاصة تركيزها، بشكل مغال، على العوامل الاقتصادية والمادية.

ومن أشكال التسطيح الذي لم تنتبه إليه الدراسات الثقافية تثبيت قيمٍ وأنساقٍ ثقافية فقط لأنها جماهيرية، لذلك تبنى الغذامي كثيراً من تصورات دوكلاس كلنر في نقد الثقافة، الذي ينطلق من مقولة المابين التي تقول إننا لم نحقق بعد الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، مما يعني، بالنسبة إليه، أننا سنكون دوما بحاجة إلى مقولات التوجهين، وهو ما كرّسه في طرحه النظري القائم على البحث في منجزات مدرسة برمينغهام (المدرسة المؤسسة للدراسات الثقافية) ومدرسة فرانكفورت وأضاف إليهما مقولات ما بعد الحداثة والتعددية الثقافية والنقد النسوي. ودرس "كلنر" العلاقات التفاعلية بين تدخل الوسائل وكيفية تشكيلها لأفعال تلقِ معينة، منتقدا مدرستي فرانكفورت وبرمينغهام في احتفائهما بفكرة الرفض، إذ يعتقد أنهما أغفلتا كثيرا من وجوهه وأنواعه، واكتفتا بالاحتفال بمتعة الجمهور دون نقد وظيفة المتعة، "حتى لقد جرت تسمية العنف الذي يتخذ المتعة وسيلة على أنه رفض ومتعة جماهيرية كما تحدد في بعض الدراسات عن أفلام هوليود" (11) . والمتعة عند كلنر مكتسبة، فهي شيء نتعلمه؛ بل إننا نستمتع وفق مقاييس اجتماعية، لكنها لا تمثل دائما موقفاً طليعياً يسمو بالذوق، بل تسعى أحياناً إلى إخضاعنا وإذلالنا، لأن هناك من قد يجد المتعة في مشاهد العنف والاغتصاب واحتقار ثقافة الغير... ، وهو ما يجعل هذا التوجه الذي عبرت عنه الدراسات الثقافية (ممثلة في المدرستين السابقتين) موسوما بأثر الإيديولوجيا التي ينتقدها كلنر بشدة. ويقدم، في المقابل، رؤية نقدية بديلة يسميها نقد ثقافة الوسائل، وهي رؤية تعتبر "الثقافة مجالاً للدراسة بحيث لا يجري تفريق بين نص راق وآخر هابط، وعدم الانحياز لأي منهما، ولا بين الشعبي والنخبوي، وذلك لتجنب الموقف الذي يتضمنه مصطلح (جماهيري) و(شعبي)، مع الأخذ بالاعتبار أن التفريق ممكن إذا ما كان لأسباب استراتيجية تقتضيها بعض النصوص" (12) . ولا شك في أنَّ كلنر هنا يقدم للغذامي أهم آليات التعامل مع النسق الثقافي، فإذا كانت الإيديولوجيا قد جعلت الدراسات الثقافية تنتصر للهامشي وتكرسه حتى دون نقد عيوبه النسقية فإن نظرية نقد ثقافة الوسائل قد أعادت التوازن المغيب عند الدارسين الثقافيين حين جعلت النخبوي والشعبي تحت نفس المشرط النقدي الذي لا يستسلم لإغواء الإيديولوجيا بما يسمح بتمرير الأنساق المعيبة؛ بل وبإخضاع المتعة للتفكيك النقدي مهما تسربلت في صور جميلة وممتعة.

إضافة إلى نقد ثقافة الوسائل استند الغذامي إلى مفهوم الرواية التكنولوجيةcyberpunk الذي طرحه كلنر، في سياق رده على أفكار بودريار الذي ألف كتاباً عن أمريكا يعتبر فيه النموذج الأوروبي مقياساً للحكم والقراءة،(حيث) تمثل أوروبا الراقي والنموذجي، بينما كل ما هو في الثقافة الأمريكيةيبدو دونياً وسلبياً (13). لقد كان بودريار يصدر في تنظيره عن اعتبارات ما بعد الحداثة، مما جعل كلنر يحكم على مشروعه بازدواجية الصيغة وبالرجعية، لأنه بهذا سيعود إلى القول بمركزية الحداثة الأوربية وعقلانيتها. ويقدم كلنر مفهوم الرواية التكنولوجية بما هي خطاب مركب من عناصر الحياة المصاحبة للتغير التكنولوجي المستمر في التغير والتحول، مميِّزاً بين الرواية العلمية التي تعتمد خطاباً مؤسساتياً ومثيلتها التكنولوجية المحتفية بالمهمش العلمي والشخوص المتمردة وتقوم على الخيال المبني على الممكن والمتصور مع دقة التوصيف والسرعة التي يتطلبها مجتمع تكنولوجي.

Page 5

ومن النماذج الموجهة لمشروع الغذامي مفهومُ النقد الثقافي عند فنست ليتش الذي ابتدع تحولا في مقاربة الخطاب على مستويي مادة البحث (الاهتمام بالخطاب بما هو خطاب) ومنهج التحليل (يجمع هذا المنهج بين السوسيولوجيا والتاريخ والسياسة) مع الاهتمام بمنجز النقد الأدبي، والنقد الثقافي عند ليتش يصنف ضمن النقد ما بعد البنيوي وما بعد الحداثي، ويقوم على ثلاث خصائص:

• لا يؤطر النقد الثقافي نفسه ضمن التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي.

• من سنن هذا النقد أن يستفيد من مناهج التحليل العرفية من مثل تأويل النصوص.

• دراسة الخلفية التاريخية، و إفادته من الموقف الثقافي النقدي والتحليل المؤسساتي.

• إن الذي يميز النقد الثقافي ما بعد البنيوي هو تركيزه الجوهري على أنظمة الخطابوأنظمة الإفصاح الجوهري النصوصي كما عند بارت وديريدا وفوكو. خاصة مقولةديريدا ألّا شيء خارج النص، وهي مقولة يصفها ليتش بأنها البرتوكول للنقد الثقافي (14) .

إن هذه الأسس تماثل تلك التي أَشَّرَ عليها تعريف النقد الثقافي عند الغذامي، فكلاهما يرفض الخضوع لتصنيفات المؤسسة النقدية ورؤيتها للجماليّ، ويفيد منها في الوقت ذاته خاصة فيما يتعلق بطرائق التحليل الذي يجمع المنجز النقدي الحداثي وما بعد الحداثي (التأويل، تاريخية النص...)، مع التركيز على مفهوم الخطاب الذي لا يمكن تمثل سماته إلا من النص ذاته. ولقد انتقد ليتش أيضاً المؤسسة الأكاديمية في سعيها الدائم للتحكم في الأذواق وتنميطها وتسييجها بقواعد تلق معينة، ويشير إلى أن ذلك واجه بعض منظري جمالية التلقي من أمثال "بليتش" و"ستانلي فيش" وقبلهما نقاد البنيوية، كجوناثان كاللر وتزيفيتان تودوروف، الذين حولوا اهتماماتهم من نقد النصوص إلى نقد المؤسسة التي يعترف، أي الغذامي، بصعوبة الخروج المطلق عن سلطتها.

إضافة إلى كل ذلك استند الغذامي إلى الجماليات الثقافية ( أو التاريخية الجديدة) مع "لوي مونتروز" الذي قال بمفهومي "تاريخية النص" و"نصية التاريخ"، إذ يعني بالأول صعوبة التوصل إلى ماض كامل وصحيح دون وساطة الآثار النصية المتبقية التي لا يمكن اعتبارها منتجات للعلاقات الاجتماعية المركبة. أما المفهوم الثاني فمؤداه يتحدد في أن كل أنواع الكتابة (أدبية أم غير أدبية) تتميز بخصوصية ثقافية وتخضع لقاعدة اجتماعية معينة. مبدئياً يقر مونتروزLouisMontrose، في سياق شرحه لوظائف الناقد التاريخي الجديد، أن الناقد في التاريخية الجديدة لا يستطيع التحلل أثناء اشتغاله من سلطة الوسط الذي يحضر بالقوة وبالفعل في النص المنقود، فكل أنواع الكتابة لها "خصوصية ثقافية"، لكن هذه الخصوصية لا تعني بالضرورة محاولة البحث عن تحققات التاريخ في النص، أي الانطلاق من الخارج(الوسط) نحو الداخل (النص)، بل استكناه الثقافي والتاريخي من النص لأن له القدرة على جعلنا نتوصل إلى الماضي الكامل والصحيح. وهذه المبادئ سيعمل "ستيفن غرينبلات"Stephen Greenblatt على ترسيخها، فإليه يرجع تسمية الشعريات الثقافية (التاريخية الجديدة) التي تعنى، بالنسبة إليه، بدراسة الإنتاج الجمعي للممارسات الثقافية والتعرف على كيفية صياغتها في شكل جمالي يقدم للاستهلاك، أما قراءة العمل الأدبي عنده فلا ينبغي لها، وهذا هو المثير في تصورغرينبلات، أن تكتفي بقراءة نصوص عاصرت النصوص المدروسة، بل ينبغي أيضاً النظر إليها من منظور الظرف التاريخي والسياق الثقافي للقارئ الحديث، وهو قول يشي بالمدى الذي بلغه انفتاح نقد ما بعد التفكيك على منجز ما بعد الحداثة (جمالية التلقي خاصة) (15) . أما مفهوم الناقد المدني الذي قال به إدوارد سعيد في كتابه "العالم والنص والناقد"، فيضع الناقد على حد الشفرة بين النظام المؤسساتي الذي يعمل على توجيه عمله (الناقد) والثقافة التي تتحدى فعل النقد، باعتبارها فعلاً حيوياً لا تخضع أحداثها لمنهج معين، هذا التناقض بين النظام والثقافة ينبغي أن يحوله الناقد، من منظور إدوارد سعيد، إلى تجانس عبر استعداد الناقد لمساءلة الخطاب النقدي ذاته وانفتاحه على الأقليات المهمشة بغاية إحضارها إلى المتن الثقافي. من جانب آخر يسترفد الغذامي تصور إدوارد سعيد للنص الذي يعتبره معطى واقعيا يتشكل وفق ظروف معينة بما فيها جمالية النصوص التي تتمازج بالظرفي، ويتعذر إثر ذلك فصل النصوص عن سياقاتها الواقعية وتفاعلاتها البشرية والثقافية "فالنص ظاهرة تعبيرية ظرفية، وبما إنه كذلك فلا بد إذن من وقوف الناقد على هذه الحافة التي تجعله في موقع جامع بين الثقافة والنظام، بين التعبير الحر والتعبير الممأسس، ولذا عليه أن يرى فعل المؤسسة من جهة وأن يحرر نفسه من سلطتها عليه وعلى النص(من جهة أخرى)" (16).

يبدو أن مرمى الغذامي من تقديم هذا الإطار النظري هو إيجاد سند تنظيري يكرس مشروعه النقدي الجديد، وتعلق الأمر بتنظيرات متنوعة أعمل فيها كثيرا من النقد والتفييئ والتمييز، مما يسعفه في بناء نسق مفهومي وآليات اشتغال متينة تحاول تلافي العيوب التي سجلت على بعض هذه التوجهات النقدية، ومنها الدراسات الثقافية التي عاب عليها تسطيحها النقدي وانتصارها الأعمى للهامشي لكونها "انطلقت من خلفية ماركسية لذلك نفهم هجومها على الرأسمالية ومحاولة نقضها ورفض قيمها" (17) ،منتبهاً إلى أن ذلك قمين بأن يجعل الهامشي مركزاً متعالياً على النقد والمساءلة، وينتج بالتالي آليات جديدة من الهيمنة، مما قد يجعل الدراسات الثقافية متناقضة مع هدف مشروعها المتجسد في فضح ألاعيب المركز. ولقد كان الغذامي هنا متنبها إلى حقيقة أن كل الخطابات التي نشأت بعد التفكيكية تمتلك من عناصر التشابه، أكثر من عناصر التباين وهو ما يوافقه عليه عبدالعزيز حمودة إذ "ليس هناك اختلافات كبيرة بين اتجاهات ما بعد التفكيك من مادية ثقافية، وتاريخية جديدة، وماركسية جديدة باستثناء النقد النسوي" (18) ، لذلك نفهم حرصه على التنويع في نماذجه الإرشادية معملا النقد والتجاوز. لكنه يميل إلى فنسنت ليتش الذي يمده بآليات التحليل، خاصة آليات تأويل النصوص التي تمكنه من جعل النص يفصح عن الجوهري داخله بالاستناد على مبدأ الانطلاق من النص، بحيث أن لا شيء خارجه، وهو ما يؤطره الغذامي ضمن مقولة"النقد النصوصي العام". فلهذا النص تاريخيته، كما هو طرح التاريخية الجديدة، وهو أيضاً نص دنيوي كما هو عند إدوارد سعيد الذي يعتبر "أن النص ينبغي أن يكون في العالم in the world باعتباره إنتاج ذلك العالم، ومؤثراً فيه في الوقت نفسه" (19) .وإن أهم ما يلتقي فيه الغذامي وفنسنت ليتشLeitchهوأن النقد الثقافي لا يؤطر نفسه ضمن التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي، إذ يرى الغذامي أن هناك تواطؤا مخيباً للآمال بين الجمالي والنسق الثقافي، وبالتالي فإنه ينبغي الكف عن التعامل مع الجمالي وتكريسه، وهي الوظيفة التي يقوم بها عمليا النقد الأدبي.

إن حرص الغذامي على استحضار المنجز النقدي الثقافي الغربي وإخضاع بعضه للنقد والمساءلة هو، في جوهره، تأكيد أولاً على اطلاعه العميق على هذا المنجز، ورد على مقولات المطابقة والاغتراب والاستلاب التي يُتهم بها النقاد الحداثيون الذين يسترفدون المناهج الغربية، والغذامي نفسه لم ينج من ذلك التشهير منذ صدور كتابه الشهير(الخطيئة والتكفير). إنه يحمل رهاناً مزدوجاً يجمع بين الامتداد الذي هو عنصر مركزي في بناء نظريات جديدة، مجسداً، ربما، كنه المقولة المسكوكة، إن الجديد هو قتل القديم بحثاً، والقطيعة التي تمكن من تحقيق نقلة على مستويين آخرين هما القصدية والجهاز المفهومي.

Page 6

1-3 النقلة المفهومية أو تغوُّل النسق الثقافي

يعلن الغذامي بأن أول خطوة ينبغي الانطلاق منها هي تحقيق نقلة اصطلاحية تــُخرج مفاهيم (النسق، المجاز، الأدبية، الجملة، والتورية...) من سلطة المؤسسة النقدية الأدبية التي تقدم تصوراً واحداً أساسه البحث في جمالية الجميل، وتُعمل على التمييز بين أدب راق وآخر مبتذل كما هو شأن تعامل النقاد القدامى مع "ألف ليلة و ليلة" التي اعتبروها مما لا يليق إلّا بالنساء والأطفال وضعاف النفوس. فهذه الأحكام، حسب الغذامي، عطلت من قدرة النقد على تحليل خطابات غير معترف بأدبيتها، والسبب في هذا التعطيل هو ما يسميه الغذامي "عقدة المصطلح" الذي يتلبس دائما بلبوس المؤسسة الرسمية ويتقيد بحدها، ولتجاوز هذه العقدة الاصطلاحية يقترح العمليات الإجرائية التالية:

• نقلة في المصطلح النقدي ذاته.

• نقلة في المفهوم.

• نقلة في الوظيفة.

• نقلة في التطبيق.

إن الغذامي يعترف بصعوبة إخضاع مصطلحات تلبست منذ قرون تصور المؤسسة النقدية لمفاهيم جديدة، خاصة إذا كان الوعي الجمعي قد كرسها؛ بالقياس إلى عمل فردي لباحث مجتهد تصعب عليه الإحاطة بالمنجز النقدي في تاريخه الطويل أو الإطاحة به، لذا يؤسس عمله النقدي على الاستناد إلى هذا المنجز بتحوير يجعل من النقد أداة في نقد الثقافي لا الجمالي. وتشمل النقلة الاصطلاحية أساسيات ستة:

• عناصر الرسالة (الوظيفة النسقية).

• المجاز (المجاز الكلي)

• التورية (التورية الثقافية).

• نوع الدلالة

• الجملة النوعية.

• المؤلف المزدوج.

وهي الأساسيات التي سنقدمها بشكل موجز قبل مناقشتها والوقوف على بعض مثالبها، والتي انزلقت إلى استعادة النسق الثقافي وجعله متغولاً بدل الاشتغال على تكسير سطوته.

أ) النسق والوظيفة النــسقية

لقد اتخذ الغذامي من منجز رومان ياكبسون في التواصل أساساً لكي يقدم عنصراً سابعاً لعناصر التواصل الستة المعروفة. وإذا كان ياكبسون في نموذجه التواصلي يؤصل مفهوم الأدبية مجسدة في الوظيفة الشعرية التي تركز على عنصر الرسالة نفسها؛ فإن الغذامي يقترح إضافة عنصر سابع هو النسق وتنتج عنه الوظيفة النسقية، منطلقاً في ذلك من إيمانه بأن النقلة المصطلحية ينبغي أن تتحقق من دون اللجوء إلى تجاهل النموذج المتحقق. وتصبح هكذا عناصر التواصل ووظائفه كالآتي:

• ذاتية/ وجدانية: حينما يركز الخطاب على المرسل

• إخبارية / نفعية: حينما يركز الخطاب على المرسل إليه.

• مرجعية: التركيز على السياق.

• معجمية: التركيز على الشفرة.

• تنبيهية: التركيز علىأداة الاتصال.

• شعرية: التركيز على الرسالة نفسها.

• الوظيفة النسقية: التركيز على عنصر النسق كما هو مقترح الغذامي لهذا المفهوم؛ لأن التسليم بوجود العنصر النسقي والوظيفة النسقية "سيجعلنا في وضع نستطيع معه أن نوجه نظرنا نحو الأبعاد التي تتحكم بنا وبخطاباتنا" (20) .

يتحدد النسق هنا بوصفه نسقا ثقافيا لا أدبيا، فهو عند الغذامي ليس ما كان على نظام واحد وليس مرادفاً لمفهوم البنية؛ بل إن النسق الثقافي باعتباره مفهوما مركزيا في مشروعه النقدي يكتسب قيما دلالية وسمات اصطلاحية يحدها على هذا النحو:

1. إن النسق الثقافي يتحدد عبر وظيفته وليس عبر وجوده المجرد، وللوظيفة النسقية أربعة شروط هي:

• أنها تفترض وجود نسقين متعارضين أحدهما ظاهر والآخر خفي في نص واحد.

• يكون المضمر في النص نقيضا وناسخا للعلني، فإن لم يكن هناك نسق مضمر من تحت العلني فحينئذ لا يدخل النص في مجال النقد الثقافي.

• لا بد أن يكون النص جميلا ويستهلك بوصفه جميلا (الجمالية هنا من منظور ما يسميه الرعية الثقافية لا المؤسسة النقدية ).

• لا بد أن يكون النص جماهيريا ويحظى بمقروئية عريضة.

2. من خصائص النسق الثقافي أنه يقرأ النص إجرائيا بطريقة خاصة باعتبارها "حالاً ثقافية"، لا نصا أدبياً جمالياً (مع الانتباه إلى خطورة الدلالة الجمالية وقدرتها على إخفاء العيوب).

3. النسق باعتباره دلالة مضمرة تؤلفه الثقافة؛ التي تستهلكها جماهير اللغة من كتاب وقراء يتساوى فيها الصغير والكبير، النساء مع الرجال، والمهمش مع المسوّد.

4. النسق ذو طبيعة سردية يتحرك في حبكة متقنة، لذلك هو قادر على الاختفاء دائما.

5. النسق يجسد جبروتا رمزيا ذا طبيعة مجازية كلية (جماعية وليست فردية شأن المجاز البلاغي).

6. الأنساق الثقافية تاريخية أزلية ولها الغلبة دائما، وتحركنا على نحو لا شعوري نحو تبنيها والتلذذ بجمالياتها دون فحص أو نقد (21) .

Page 7

ب: المجاز والمـــجاز الكلي

إن المجاز عند الغذامي قيمة ثقافية، وليس بلاغية وجمالية؛ لأن حديث البلاغيين عن كونه "الاستعمال المفرد للفظة المفردة" (22) يحيل على هذا المعنى الثقافي الكلي، فالاستعمال عند الغذامي يفيد الجمعيّ َ والعموميَّ، لا الفردي وهذا معناه أنه، أي الاستعمال، أحد أفعال الثقافة.

هذا هو المدخل الذي انطلق منه الغذامي لنقد المفهوم البلاغي للمجاز، مقترحا بديلاً يوسع من مجاله ليصير كلياً لا فردياً يهتم، فقط، باللفظة المفردة أو على أبعد تقدير بالجملة، فالمجاز الكلي يتجاوز اللفظة المفردة والجملة إلى الخطاب المتجاور مع وظيفة اللغة نفسها باعتبارها منتجا جمعيا يؤدي وظيفة التأثير المباشر (الحقيقة في عرف البلاغة) وغير المباشر أو الضمني (المجاز)، فضلاً عن قدرتها على التحكم في علاقتنا بأفعال التعبير والتفاعل من خلال المضمر الدلالي للخطاب "المحرك الخفي الذي يتحكم في كافة علاقاتنا (...) ويدير أفعالنا ذاتها ويوجه سلوكاتنا العقلية والذوقية"(23) ، وهذا يعني أن المجاز الكلي يدمج الاستقبال وآلياته المغيبة في المفهوم البلاغي للمجاز.

ج: التورية والــتورية الثـقافية.

تحيل التورية، بلاغياً، على بعدين دلاليين: أحدهما قريب والآخر بعيد، والمراد البعيد هو الذي يقصده المؤلف. والقصد يعني الوعي بالدلالة المبثوثة وهو التصور الذي يرفضه الغذامي، لأن العملية برمتها، استناداً إلى مفهوم القصد، تصير لعبة جمالية يعيها القارئ والمؤلف معاً. وبالتالي فإن وظيفة النقد هنا تترسخ في مجرد تفسير الجمالي وتوضيحه وبالتالي تكريسه بدل كشف عيوب الخطاب وهو ما لا يتلاءم مع ما يعني النقد الثقافي، والمتجسد في كشف المضمرات النسقية للخطاب، لذا يقترح الغذامي توسيع مفهوم التورية ليدل دلالة كلية لا تنحصر في معنيين: قريب وبعيد بجعل المعنى البعيد هو المقصود؛ وإنما ليدل على حال الخطاب إذ ينطوي على بعدين أحدهما مضمر ولا شعوري، ليس في وعي المؤلف أو وعي القارئ "وإنما هو مضمر نسقي ثقافي لم يكتبه كاتب فرد، ولكنه انوجد عبر عمليات من التراكم والتواتر حتى صار عنصرا نسقيا يتلبس الخطاب ورعية الخطاب من مؤلفين وقراء" (24) ،هذا الخطاب (المعنى البعيد في تصور الغذامي) أكثر فاعلية وتأثيراً في طبيعة التفاعلات والانفعالات الممكنة ويطلق عليه التورية الثقافية.

د: نــوع الدلالة (الدلالة النسقية)

يرى الغذامي أن النقد الأدبي يقارب النص في علاقته بالدلالة عبر التمييز بين ضربين من الدلالة:

• دلالة صريحة / مباشرة: ترتبط بالنحو وتؤدي وظيفة التواصل والتبليغ.

• دلالة ضمنية: وهي دلالة مضاعفة مرتبطة بالوظيفة الجمالية لا التواصلية، غايتها تحديد أدبية الأدب.

ويقترح الغذامي، في سياق تحريره المصطلح من سلطة النقد الأدبي، إضافة وظيفة ثالثة هي الدلالة النسقية التي ترتبط عنده بالعنصر النسقي، العنصر السابع الذي أضافه إلى عناصر التواصل لدى ياكبسون، وهي ذات بعد ثقافي ترتبط بعلاقات متشابكة نشأت مع الزمن، إذ تنشأ تدريجيا وتكون لها القدرة على التخفي، وهو ما يمكنها من التأثير الفاعل دون كشف حركيتها، وعند الغذامي يتعذر الفصل بين الدلالة الثقافية والجملة الثقافية.

هـ: الجملة الثقافية

كل نوع من أنواع الدلالات السالفة يرتبط بنوع معين من الجمل، فالدلالة الصريحة ترتبك بالجملة النحوية، ومثيلتها الضمنية ترتبط بالجملة الأدبية، أما الدلالة النسقية فترتبط بالجملة الثقافية "من حيث إنها: تمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي"(25) . والثقافة هنا بمعناها الأنثروبولوجي أي إواليات الهيمنة والسيطرة وسبل تحققها كما عند غيرتزGEERTZ، وليس مجموع العلاقات والتقاليد والأعراف.

Page 8

و: المؤلف المزدوج

إن كل منجز إبداعي يتوفر، عند الغذامي، على مؤلفين اثنين :الأول هو المؤلف المعهود سواء أكان ضمنيا أم نموذجيا أم فعليا، والثاني هو الثقافة التي هي المؤلف المضمر. فالمؤلف الفعلي هو نتاج لثقافة معينة يمرر أنساقها، بدون وعي منه، على درجة تناقض وَعْيَه، وبهذا فنحن نكون إزاء مؤلف مزدوج تكون فيه الثقافة حاسمة في ترسيخ الأنساق.

إن مرمى الغذامي هو تحرير المصطلح النقدي من سيطرة البلاغة وهي، في تصورنا، غاية محفوفة بالمخاطر التي يعترف بها هو نفسه، ولعل العائق الأكبر يتجلى في كون المصطلحات التي يريد تطويعها متجذرة ضمن تصورات وبنية مفهومية بعينها، وتلتصق بالمصطلح بفعل المراس التاريخي الطويل بها، وبالتالي فإن تحويرها لا شك تعتوره هنات وفجوات تمس مفهومه الجديد، ومنها أن قول الغذامي بمصطلحات المؤلف المزدوج، التورية الثقافية، والنسق الثقافي هي، في حقيقتها، تحمل صك غفران مطلق للمؤلف الفعلي من "الخطيئة" التي يسميها الغذامي النسق الثقافي، إنه يريد أن يفهمنا أن دور المؤلف محدود، وهو ضحية، شأنه شأن المتلقي؛ لأن المؤلف الحقيقي هو الثقافة، بوصفها منتجة الأنساق وحاملتها، والهادفة إلى الهيمنة المطلقة والنسخ الكامل للآخر المنافس والتدجين الأقصى. ومن المظاهر البارزة لهذه التبرئة قول الغذامي بالدلالة النسقية التي هي دلالة مضمرة ولا شعورية، وتغيب عن وعي المؤلف، وهي كذلك مادامت ضمن دائرة اللاشعوري؛ بيد أنها كلما ارتبطت بوعي المؤلف، وكانت تحت تصرفه وقصديته إلاَّ كانت دلالة ضمنية هدفها جمالي صرف. إن المشكل هنا هو أن الغذامي يكاد يختصر المؤلف في كونه ذاتا تخييلية لا تُعمل النقد إلا من زاوية تشذيب الخطاب ليبدو أجمل؛ لكنها غير معنية بعيوبه الثقافية أو غير واعية بها. فمطلق وعي المؤلف ينحصر في تكريس الاستيتقي وتسويغه. فهو عنده منتج الجملة الأدبية التي تتولد عنها الدلالة الضمنية، أما الثقافة فدورها، في تصوره، أعمق وأخطر إذ تبث في غفلة من وعي المؤلف الأنساق المعيبة، وتنتج الجمل الثقافية التي تولد، ضمن هذا الغياب المطلق، الدلالةَ النسقيةَ.

إن هذا التغييب الكلي لدور المؤلف وقصده هو تكريس لفرضية غير متحقق منها، إذ ما الذي يمنع، مثلاً، أن ينتج المؤلف،قصداً، الأنساق الثقافية المعيبة متواطئا، ربما، مع المؤسسة الثقافية والسياسية؟ ثم إن مفهوم النسق ذاته يطرح إشكالا حقيقيا، لكونه يتطلب وجود نسقين متعارضين يكون فيهما المضمر الخفي ناسخا للعلني الظاهر، وأن كل خطاب أدبي لا يجسد هذا التعارض الناسخ يكون غير قابل لأن يندرج ضمن مجال النقد الثقافي، وهذا اعتراف بوجود بنيات خطابية أخرى (ومنها الإبداعية)، يقينا، لا تتوفر على هذين النسقين المتعارضين الذين ينجم عنهما النسخ والإلغاء. وهذا، من جهة، لا يتواءم مع النبرة الإطلاقية عند الغذامي القائلة بأزلية وتاريخية النسق الثقافي القادر، من منظوره، على اختراق كافة البنيات الخطابية والأنساق الإبداعية والفكرية والفلسفية...ولا مع مقولة موت النقد الأدبي وإلغاء وظيفته، مادام يقر، صراحة، بوجود خطابات ومناطق في الفكر والإبداع لا تعني النقد الثقافي من جهة ثانية. ثم إننا نسجل على الغذامي تحذيره المبالغ فيه، إن لم نقل المغالي، من الخطاب الجمالي وتحميله مسؤولية إخفاء الأنساق وتكريسها ونشرها. فخطاب نقدي يصف الجميل بالخطورة، ويحذر منه بكل هذه الأوصاف والعبارات المخيفة لن يكون بدوره إلا متوجسا، حذرا، متخوفا منه، أو على أقل تقدير قلقا من وجوده، وبالتالي لن يكون حكمه محايدا. وليس هذا اتهاما منا للغذامي بالذاتية، أو الانحياز ضد الجميل، لكن واقع الأشياء يثبت، كما هو أيضاً في التصور الأصولي، أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ونحن هنا نضع، فقط، اليدَ على زئبقية المفاهيم وهي تنفك عن نسقها التاريخي الخاص وقصديتها التي كرستها المؤسسة النقدية الأدبية. مسافرة، قسرا، إلى بناء نظري جديد، "ومؤسسة نقدية جديدة"، ففي النهاية خلق الغذامي نسقا مفهوميا جديدا لمشروعه في النقد الثقافي، له ترابطاته وتشابكاته، وعلاقاته اللوغوسية الواضحة، لكن على هذا الخطاب المؤسساتي الجديد أن يحفظ لهذه المفاهيم حقها في مقاومة التدجين أيضاً حتى يكون متوافقا مع مبادئه أو نماذجه الإرشادية.

ثم لنلاحظ أن غالبية المفاهيم التي حاول الغذامي أن يطوّعها هي إما مفاهيم بلاغية عربية كلاسيكية (المجاز، التورية) أو بنيوية ولسانية (النسق، الجملة النحوية، الجملة الأدبية، الدلالة الضمنية، الدلالة الصريحة). فيعمم هذه المفاهيم لتشمل كل النقد الأدبي الذي يحد وظيفته في ترسيخ جمالية الجميل، وهو قول حق إذا اقتصرنا على مناهج النقد الأدبي النصيّ التي تبحث في الأدبية شأن البنيوية والنقد الجديد وحتى النقد السيميائي؛ لكن النقد الأدبي يضم أيضاً النقد الماركسي، الذي لم يكن يُعنى بسؤال الأدبية (أو سؤال الجميل) في المقام الأول، فالنقد الماركسي الذي يقول بنظرية الانعكاس، يرى أن الأدب "يجب فهمه في الواقع التاريخي والاجتماعي في ضوء التفسير الماركسي لذلك الواقع" (26) ، أما البنيوية التكوينية التي تولي اهتماما نسبيا للبنيات الاستيتقية (الشكلية خاصة)، فيقول لوكاتش أحد أبرز منظريها، إن الأدب "هو انعكاس لتكشف جدلي هو الواقع، وأن وظيفته أن يكشف عن نمط التناقضات التي من وراء بناء اجتماعي معين" (27) .

وإذن فالغذامي اختزل النقد الأدبي في البلاغة الكلاسيكية والنقد الأدبي النصي، ولو اتجه، توسيعا للرؤية مثلاً، إلى النقد الخارج- نصيّ بوصفه تنويعا آخر للنقد الأدبي، لكان خطابه أقل حدة تجاه النقد الأدبي بما يعفيه من أن يكرس، بوعي أو من دونه، نسقَ الإلغاء والذي، يا للمفارقة، يقصد إلى فضحه، وهذا يعني أن خطاب الغذامي نفسه يعاني من خطر استعادة النسق.

لقد وقفنا في هذا المبحث، في محاوره الثلاثة، على مفهوم النقد الثقافي كما يقدمه الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه المؤسس "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية."، ورأينا كيف أن إعلان موت النقد الأدبي، برغم كل الاحتراسات المقدمة تلافيا لقراءة خاطئة، كاد يكون، أو هو كذلك حقا، تمجيدا للنسق الثقافي مجسدا في الإلغاء الذي يكرس الصوت الواحد، بحيث إن الإقصاء هنا قد يكون تأسس، دون وعي، على تصور يرى النقد خطاباً أقوى من الإبداع وأسمى مرتبة، وهي مرتبة يبدو أن النقد الأدبي، حسب الغذامي، قد تخلى عنها، بما أنه خطاب مهادن جعلته البلاغة خادما للشعر يبحث في أدبيته وجماليته. إن النقد الثقافي بهذا المعنى عند الغذامي ثورة على هذه المهادنة التي جعلت الشعر مركزاً، بدل النقد، ولكأن النسق ذاته يتغول في خطاب الغذامي ليعيده إلى المركز الذي تخلى عنه بسبب من البلاغة التي يحتويها الشعر ويتملكها. وسنحاول في المبحث الثاني ضمن هذا الفصل الوقوف على نموذجين حاورا مشروع الغذامي النقدي، أحدهما الباحث السوري عبدالنبي اصطيف في كتاب (نقد أدبي أم نقد ثقافي) وثانيهما الباحث المغربي سعيد علوش في كتابه (نقد ثقافي أم حداثة سلفية).

Page 9

2. المبحث الثاني: النقد الثقافي والخطاب المضاد

منذ صدور كتاب (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) سنة 2000، والضجة الإعلامية والنقدية حوله لم تهدأ، ولا نعجب لكَمّ المقالات والكتب التي ألفها أصحابها، على اختلاف درجاتهم أو انتماءاتهم للحقل النقدي أو لحقول معرفية أخرى، والتي إما تنتقد بحدة أو لين، أو توسع من هذا الخطاب الجديد في المشهد النقدي العربي من خلال الإجراء النقدي. وهذا الاهتمام الكبير يعود إلى أسباب متنوعة أهمها جماهيرية الغذامي ورصانته العلمية المشهودة، بحيث يمكن القول إن خطابه النقدي صار ظاهرة إعلامية (جماهيرية) وعلامة مسجلة باسمه. وكذا لأن الغذامي يطور من مشروعه ويوسع من متن الاشتغال ويختبر أدواته النقدية على خطابات متنوعة. وفي هذا المبحث سنركّز على كتابين اثنين حاورا مشروع النقد الثقافي عند الغذامي هما: كتاب (نقد أدبي أم نقد ثقافي) الذي، ألفه بالاشتراك، عبدالله الغذامي وعبدالنبي اصطيف، وكتاب (نقد ثقافي أم حداثة سلفية) لسعيد علوش.

إن الكتابين يمثلان جغرافيتين مختلفتين، ذلك أن الدكتور عبدالنبي اصطيف هو من القطر السوري، درس في انجلترا، وهو متخصص في النقد المقارن. أما الدكتور سعيد علوش فباحث مغربي خريج السوربون بفرنسا وتخصصه هو الأدب المقارن. والعامل الجغرافي عامل في اختيار الكتابين أردنا من خلاله التنويع في جغرافيا الحوار (التنويع الجغرافي يعني، في هذه الحال، تنويعاً في الإبدالات)، لكنه ليس عاملا حاسما إذ الأهم، بالنسبة إلينا، هو المقارنة بين نوعين من النقاش، أحدهما يسائل الدوافع الكامنة وراء إعلان موت النقد الأدبي، والثاني يناقش طبيعة الحداثة التي يبشر بها النقد الثقافي.

Page 10

2-1 عبدالنبي اصطيف:الحياة المنفتحة للنقد الأدبي

مُعبرٌ هو عنوان "بل نقد أدبي" الذي اختاره الدكتور عبدالنبي اصطيف لمبحثه رداً على مبحث الغذامي " موت النقد الأدبي: النقد الثقافي بديلاً منهجياً عنه"، فحرف العطف"بل"، كما نعلم، يحمل معنى الاستدراك والإضراب، بما يعني الإشارة إلى خطأ التصور الذي يقدمه الغذامي عن النقد الأدبي بوصفه "فنّاً في البلاغة التي اختطفته من الفلسفة"(28) وليس فقط اختلاف هذا التصور أو مغايرته، أو على الأقل هو تصور قاصر "يتجاهل أن النقد الأدبي أفاد من التطورات الهائلة التي عرفتها مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية في النصف الثاني من القرن العشرين"(29). والتركيز على الجانب الاجتماعي والإنساني لدى اصطيف يوازيه، ضمنياً، رفض فكرة أن وظيفة النقد الأدبي تنحصر في مجرد إعادة وظيفة البلاغة المتمثلة عند الغذامي في البحث في جمالية الجميل" فالنقد الأدبي قادر أيضاً على "تدبر ضروب الإنتاج الثقافي الأخرى التي هي من شأنه" (30) .ولا يتفق اصطيف مع القول بقدرة الأنساق على مخاتلة النقد الأدبي، والتسرب إلى أدواته لأنه عبارة عن "جملة من العمليات الذهنية الواعية والقصدية التي تحكمها إجراءاتها الصارمة ومعاييرها المحددة، ونواظمها المتعارف عليها" (31)، أي أنه خطاب لوغوسي، عقلاني، له آلياته المخصوصة ومفاهيمه المحددة، ووعيه الحادّ بموضوعه التي تنتبه إلى تفاعلاته المربكة وحركيته المستمرة حتى لو تسربلت تلك الحركية بلبوس المضمر النسقي.

إن "اصطيف" ينفي عن النقد الأدبي صفة اللاّعقلانية واللاّفاعلية التي يقول الغذامي إنها عيوب نسقية تسربت من الشعر إلى النقد الأدبي (مجسداً في البلاغة) وكرست خطاباً سحرانياً ولاعقلانياً. بينما النقد الأدبي، في نظر اصطيف، لا ينفك عن علاقته الأكيدة بالعالم وبالوسط الاجتماعي الذي يؤثر فيه على نحو معقد "فالنقد نشاط دنيويWorldly ذو طابع اجتماعي" (32). وهذه النشاطية الاجتماعية تتمظهر في وجوه عدة، منها أن موضوع النقد الأدبي، أي الأدب، لا يمكن فصله عن وسط اجتماعي ما، وأن النقد إنشاء موجه إلى الآخر بغاية تحقيق فائدة اجتماعية. كما أن الأعراف الجمالية، في عمقها، أعراف اجتماعية، ما يفسر اختلافها من بنية ثقافية لأخرى؛ بل من شخص لآخر، ومن ثم فلن يكون الجمال مجرد نزوة شكلية بل بنية اجتماعية دالة، وهو ما يقره النقد الأدبي وينفيه الغذامي عنه، باعتباره لا يميز بين طبيعة الأدب وأهمية الأدب، فوظيفة النقد الأدبي هي تحديد طبيعة الأدب، بوصفه فناً جميلاً، ممتلكاً للوظيفةِ الجماليّةِ الناظمة لباقي الوظائف؛ أما أهمية الأدب " فتتحدد بمعايير ومقاييس فوق- أدبية"(33) ، والغذامي يُغفل هذه الحقيقة لأنه ينطلق من تصور خاص للنقد الأدبي "وهو تصور محفوز بغرضه"(34) الذي هو الأنساق الثقافية التي يرى أن النقد الأدبي عاجز عن كشفها. وهو ما يعتبره اصطيف مجرد افتتان بما حققه النقد الثقافي في الغرب؛ الذي "لم يلغِ دور النقد الأدبي"(35) رغم الأهمية القصوى لما حققه من نتائج.

ينفتح تصور "عبدالنبي اصطيف" على مختلف المقاربات التي يمكن أن تسعف في استكناه الخطاب الأدبي والاقتراب من جوهره المخاتل، فهو إذا كان يرجع تحديد طبيعة الأدب للنقد الأدبي، فإنه ترك أهمية الأدب ودوره الثقافي وتفاعلاته الممكنة مفتوحة لنشاطية نقدية أخرى، لعل أبرزها النقد الثقافي الذي يمكن "أن يتكامل مع النقد الأدبي"(36) رغم اختلاف وظائفهما. ومقولة تكامل الوظائف بين النشاطيتين النقديتين هي ردٌّ على مقولة "موت النقد الأدبي" الداعية، في جوهرها، إلى إلغاء الصوت المختلف وإلجامه والتعالي عليه، بما يكون تكريسا للفحولة والنسق الثقافي الناسخ؛ بيد أن قول اصطيف إن الدراسات الثقافية في الغرب لم تلغ دور النقد الأدبي هو قول لا ينفي، بأية حال، الصراع الطاحن بين مؤسسة الدراسات الأدبية والنقد اليساري الذي قاده في أمريكا الناقد الراديكالي لويس كامب أحد أكبر المناوئين لمؤسسة الدراسات الأدبية التي كانت في نظره "تقوي تكريس تفوق الطبقة الرأسمالية بتواطئ مع الجامعة" (37) ، بوساطة سلسلة مقالات نشرها بين عامي 1967 و1970 في مجلات مثل: هاربر، الأمة، والتغيير...، فالناقد الراديكالي في نظره ينبغي أن يدمر المعتقدات والإجراءات الموروثة، ويجعل من الأدب أداة في التحريض والمقاومة، ومن ثم كان انتقادكامب الشديد والشامل لمختلف "مدارس النقد السائدة من الشكلية إلى نقد الأسطورة إلى الوجودية إلى البنيوية لرفضها ربط الأدب بالحياة والفكر بالفعل" (38)، وهو هنا محفوز بنزعة التزام واضحة، كما رفاقه الراديكاليون، أومان، ولاونر، وفرانكلين.... الذين يَعتبرون أن المؤسسة الأدبية ظلت منافحة عن البورجوازية، ومعادية للبروليتاريا... ولقد أثار هذا التوجه الراديكالي دارساً ثقافياً لامعاً في أمريكا هو إدوارد سعيد، أحد أبرز المروجين للنقد الثقافي ما بعد الماركسي، الذي أكد أن "أي نقد يشجع على التأنف والتقديس و/أو عدم التدخل يصيب نفسه بالعجز والبعد عن مجاله، ثم يشل مشروع النقد بفصله عن الثقافة والمجتمع" (39)، منتقدا بشكل مزدوج، هنا، النقد الراديكالي الماركسي المنغلق على عقيدة الحزب ومدرسته التي تؤدي إلى التقديس المطلق والأعمى، ثم مؤسسة الدراسات الأدبية التي تنغلق في مجرد الشكل والجمال، وتفصل، بالتالي، في تعسف، الإبداع والممارسة النقدية عن التفاعلات المركبة مع الثقافة والمجتمع، ولقد جمع ناقد ثقافي آخر ومنظر للماركسية الجديدة هو فريدريك جيمسون بين هذه العلاقات المركبة التي أشار إليها إدوارد سعيد حينما "سعى، في ممارسته للنقد الثقافي، إلى تركيب أعظم ليس فقط من الماركسية الجديدة وما بعد البنيوية، وإنما كذلك نقد الأسطورة، وعلم التأويل" (40).

وإذن، فلقد كان هناك صراع قوي بين مؤسسة الدراسات الأدبية والدراسات الثقافية في الغرب، بلغ درجة الراديكالية كما عند لويس كامب ورفاقه، ولكن، بالموازاة مع ذلك، نشأت تصورات أخرى، ومنها تصور فريدريك جيمسون، تذهب بالإبداع إلى أكثر من توصيف الجمال الإبداعي، وأبعد من مجرد منافحته والتموقف الأعمى ضده، وإن الغذامي يقول بهذا التصور، أيضاً، حين يصرح "أن النقد الثقافي لا يلغي البعد الجمالي، بل إنه يُوافق النقد الأدبي فيه، ولكن يأخذ بالنص إلى أبعد من ذلك" (41)، لكن تموقفه الشديد من الجمالي وتحذيره من مخاطره، معتبراً إياه متواطئا مع الأنساق وساتراً لها، جعل أول مهام النقد الثقافي نسخَ وإلغاء الجميل.

ومنه، فإن عبدالنبي اصطيف يحاول، في هذا الحوار الثقافي، أن يقرب وجهتي نظر مختلفتين، وهذا الإيمان بالاختلاف قاده إلى الاعتراف للغذامي بالسمو الفكري، معتبرا أن مشاريعه النقدية والثقافية "كانت باستمرار حافزاً قوياً على التفكير والمساءلة، لكونهما من أهم وظائف الناقد/ المثقف" (42).