Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
تـقديم
هذه أطروحة دراسات عليا ( ماجستير ) قمت بالإشراف عليها ، وهى تتناول موضوعاً غاية في الأهمية سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية .
فهذه الرسالة تتعرض بالدراسة والتحليل للنظام القانوني للمرافق العامة حيث قسّم الباحث رسالته إلى فصل تمهيدي وثلاث فصول أخرى . خصص الفصل التمهيدي لماهية المرفق العام طبقاً للمعيار العضوي والمعيار المادي أو الموضوعي والمعيار المختلط والعناصر المميزة للمرفق العام . كما تناول بالدارسة من الفصل الأول القواعد القانونية المتعلقة بإنشاء ثم تنظيم وإلغاء المرافق العامة في مباحث ثلاثة على التوالي ، أمّا الفصل الثاني فقد خصصه الباحث للمبادئ أو القواعد الأربعة المعروفة التي تحكم سير المرافق العامة وهى : مبدأ دوام سير المرافق العامة بانتظام واطراد ومبدأ تكيف المرافق العامة طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة ، ومبدأ المساواة أمام المرافق العامة ، ومبدأ حياد المرافق العامة .
أما الفصل الثالث . فقد خصصه الباحث لأنواع المرافق العامة وطرق إدارتها .
وفى ختام هذه الدراسة خلص الباحث إلى توصياته بضرورة تدخل المشرع الليبي ، كما هو الحال فى مصر لتحديد المركز القانوني للمرافق العامة بمختلف أنواعها وتحديد طبيعة كل من هذه المرافق ، بعد التطورات التي طرأت على وظيفة الإدارة فى الجماهيرية الليبية ، وتمشياً مع النهج الاشتراكي الذي تسلكه البلاد ، والذي يتطلب الأخذ بالمفهوم المزدوج للمرفق العام بدلا من المفهوم الشكلي أو العضوي الذي تبناه القاضي الإداري الليبي في هذا المجال . كما لاحظ الباحث أن التحول الهائل في الجماهيرية إلى الحكم الشعبي يتطلب التخلي عن أسلوب المركزية الإدارية والنزول الى الشعبيات والمحلات وتفويضها بإنشاء وإلغاء المرافق العامة باعتبارها الأقدر على معرفة ضرورة إنشاء وإلغاء هذه المرافق واختيار السبل المناسبة لحل مشاكلها. ولقد جاءت هذه الدراسة شاملة لنظرية المرفق العام ، التي شغلت ولا تزال تشغل بال المهتمين بالقانون الإداري والقانون العام .
لذلك فمن المنتظر أن تجد هذه الرسالة مكانها اللائق بين مراجع وكتب القانون العام وأن يستفيد منها كل باحث في هذا المجال .
ولا يفوتني في هذا التقديم أن أشد بالجهد المبذول في إنجاز هذا العمل ، وأن أعرب لصاحبه عن كامل تشجيعي لـه على مواصلة الإسهام في دعم المكتبة القانونية الليبية بمثل هذا النوع من الأعمال القيّمة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
د. عمر محمد السيوى
أستاذ القانون العام ـ كلية القانون
جامعــة قاريونس
تـقديم
هذه أطروحة دراسات عليا ( ماجستير ) قمت بالإشراف عليها ، وهى تتناول موضوعاً غاية في الأهمية سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية .
فهذه الرسالة تتعرض بالدراسة والتحليل للنظام القانوني للمرافق العامة حيث قسّم الباحث رسالته إلى فصل تمهيدي وثلاث فصول أخرى . خصص الفصل التمهيدي لماهية المرفق العام طبقاً للمعيار العضوي والمعيار المادي أو الموضوعي والمعيار المختلط والعناصر المميزة للمرفق العام . كما تناول بالدارسة من الفصل الأول القواعد القانونية المتعلقة بإنشاء ثم تنظيم وإلغاء المرافق العامة في مباحث ثلاثة على التوالي ، أمّا الفصل الثاني فقد خصصه الباحث للمبادئ أو القواعد الأربعة المعروفة التي تحكم سير المرافق العامة وهى : مبدأ دوام سير المرافق العامة بانتظام واطراد ومبدأ تكيف المرافق العامة طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة ، ومبدأ المساواة أمام المرافق العامة ، ومبدأ حياد المرافق العامة .
أما الفصل الثالث . فقد خصصه الباحث لأنواع المرافق العامة وطرق إدارتها .
وفى ختام هذه الدراسة خلص الباحث إلى توصياته بضرورة تدخل المشرع الليبي ، كما هو الحال فى مصر لتحديد المركز القانوني للمرافق العامة بمختلف أنواعها وتحديد طبيعة كل من هذه المرافق ، بعد التطورات التي طرأت على وظيفة الإدارة فى الجماهيرية الليبية ، وتمشياً مع النهج الاشتراكي الذي تسلكه البلاد ، والذي يتطلب الأخذ بالمفهوم المزدوج للمرفق العام بدلا من المفهوم الشكلي أو العضوي الذي تبناه القاضي الإداري الليبي في هذا المجال . كما لاحظ الباحث أن التحول الهائل في الجماهيرية إلى الحكم الشعبي يتطلب التخلي عن أسلوب المركزية الإدارية والنزول الى الشعبيات والمحلات وتفويضها بإنشاء وإلغاء المرافق العامة باعتبارها الأقدر على معرفة ضرورة إنشاء وإلغاء هذه المرافق واختيار السبل المناسبة لحل مشاكلها. ولقد جاءت هذه الدراسة شاملة لنظرية المرفق العام ، التي شغلت ولا تزال تشغل بال المهتمين بالقانون الإداري والقانون العام .
لذلك فمن المنتظر أن تجد هذه الرسالة مكانها اللائق بين مراجع وكتب القانون العام وأن يستفيد منها كل باحث في هذا المجال .
ولا يفوتني في هذا التقديم أن أشد بالجهد المبذول في إنجاز هذا العمل ، وأن أعرب لصاحبه عن كامل تشجيعي لـه على مواصلة الإسهام في دعم المكتبة القانونية الليبية بمثل هذا النوع من الأعمال القيّمة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
د. عمر محمد السيوى
أستاذ القانون العام ـ كلية القانون
جامعــة قاريونس
Page 2
مقدمة عامـة
تعد المرافق العامة من أهم مظاهر نشاط الإدارة التي تسعى من خلالها إلى تحقيق المصلحة العامة . وقد كان لفكرة المرافق العامة من الإغراء ما دفع جانباً كبيراً من الفقه ومن بعده القضاءـ في غالبية أحكامه ـ إلى تأسيس القانون الإداري عليها ، وذلك لما لهذه المرافق من أهمية في الحياة اليومية الجارية ، وبين مقومات المجتمع الأساسية . فجلّ الحاجات الاجتماعية تُشبـّع من خلال هذه المرافق (1) .
ولعل هذا ما دفع البعض إلى القول بأن الدولة ما هي إلا "جسم خلاياه من المرافق العامة" (2) .
وقد كان نشاط الإدارة ـ من خلال هذه المرافق ـ في زمن الدولة ( الحارسة ) ينحصر في تسيير النشاطات الإدارية السيادية كالدفاع والأمن والتعليم والقضاء ، غير أن الوضع قد تغير في أعقاب حركات التأميم التي ظهرت مع بداية القرن العشرين ، وانتشار المذاهب الاشتراكية في كثير من البلدان ، مما أدى إلى ظهور ما سمي بالدولة ( الخادمة ) نتيجةً لتدخل الدولة في مختلف الميادين والأنشطة الصناعية والتجارية التي كانت مملوكة في السابق للأفراد والشركات الخاصة .
وعلى ذلك أصبحت وظائف المرافق العامة لا تقتصر على صيانة النظام العام ونشر العدالة وغير ذلك من الأهداف التي تدخل في وظيفة المرافق الإدارية البحتة ، وإنما تقوم كذلك بخدمة الصالح العام عن طريق تقديم خدمات أخرى للأفراد كالتزويد بالكهرباء والمياه والمواد الغذائية ، ووسائل المواصلات وغيرها ، وذلك عن طريق المرافق الصناعية والتجارية .
ولا يختلف الحال عن ذلك في الجماهيرية الليبية ، فقد أدت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد إلى قيام الإدارة الشعبية وازدياد وتنوع المرافق العامة ، التي هي محور النشاط الرئيسي لهذه الإدارة ومن خلالها تعمل على تحقيق الخدمات العامة في المجتمع وتوفير المقومات الأساسية للحياة الاجتماعية السليمة . حيث ظهرت المرافق العامة الاقتصادية إلى جانب المرافق العامة الإدارية نتيجةً لتدخل الدولة المتزايد واضطلاعها بإدارة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية ، وبإدارة التنمية ، كما كان للتأميم الشامل والجزئي للمشروعات الخاصة أثره أيضاً على اتساع نشاط الإدارة الشعبية وازدياد المرافق الصناعية والتجارية .
وقد ترتب على تنوع المرافق العامة وتعدد مجالاتها ظهور عدة طرق لإدارة هذه المرافق تباينت فيما بينها في النظام القانوني الذي يحكمها ، وإن كانت هناك بعض المبادئ المشتركة التي تحكم هذه المرافق جميعها دون استثناء .
أهمية الموضوع :-
ولا شك أن وجود كم هائل من المرافق المختلفة في أنواعها وأسلوب إدارتها ، وجهة الاختصاص بإنشائها يجعل نظامها القانوني أكثر تعقيداً ويثير في المحيط القانوني والواقع العملي عدة مسائل تحتاج إلى بحث وتحليل لمحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها ، وخاصةً في الجماهيرية الليبية التي اتسم نشاط الإدارة فيها بالتغيرات الجذرية المتلاحقة والسريعة ، خلال الربع الأخير من القرن العشرين ، نتيجةً للقوانين والقرارات الكثيرة و المتعددة الصادرة في هذا الخصوص ، والتي كان آخرها القانون رقم ( 1 ) لسنة 2000 ف بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، والقرار رقم ( 14 ) لسنة 2000 ف بإصدار اللائحة العامة للقانون رقم ( 1 ) سالف الذكر .
كما تبدو أهمية دراسة هذا الموضوع في ندرة الدراسات القانونية المتعمقة للمرافق العامة على وجه الخصوص . فمعظم المؤلفات الفقهية قد تناولته في إطار دراسة القانون الإداري بصفة عامة. هذا بالإضافة إلى تناول هذه الرسالة بالدراسة والتحليل لما صدر من قوانين وقرارات جديدة في الجماهيرية الليبية في هذا الخصوص لم يسبق تناولها ـ بحسب علمنا ـ في أي بحث .
كما تناولت هذه الرسالة بالتحليل العديد من الأحكام القضائية الحديثة غير المنشورة ، الصادرة عن دوائر القضاء الإداري بمختلف مدن الجماهيرية الليبية ، والتي مازال بعضها مطروحاً أمام المحكمة العليا الليبية مما يعطي هذه الدراسة أهمية علمية خاصة لمساهمتها في إلقاء الضوء على موقف القضاء الليبـي في ظل التشريعات الجديدة المتعاقبة ، وما أرساه هذا القضاء من مبادئ متعلقة بهذا الموضوع .
هذا بالإضافة إلى أهمية ما تضمنته هذه الرسالة من مراجع عربية وأجنبية حديثة تمكن القارئ من التعرف على العديد من الأنظمة القانونية المقارنة ( للمرافق العامة ) وفقاً لآخر التشريعات الصادرة في تلك الدول .
منهج البحث :
على ضوء ما تقدم فإن منهج البحث في هذه الدراسة سوف يقوم على الدراسة القانونية التحليلية المقارنة للنظام القانوني للمرافق العامة في العديد من الدول الأوروبية والعربية ، وذلك من خلال تحليل النصوص الدستورية والقانونية لتشريعات هذه الدول ومقارنتها مع ما جاءت به النصوص الدستورية والتشريعات المتعلقة بالنظام القانوني للمرافق العامة في الجماهيرية الليبية . هذا بالإضافة إلى ما سنقوم به من دراسة وتحليل للأحكام القضائية الصادرة في هذا الموضوع .
تعد المرافق العامة من أهم مظاهر نشاط الإدارة التي تسعى من خلالها إلى تحقيق المصلحة العامة . وقد كان لفكرة المرافق العامة من الإغراء ما دفع جانباً كبيراً من الفقه ومن بعده القضاءـ في غالبية أحكامه ـ إلى تأسيس القانون الإداري عليها ، وذلك لما لهذه المرافق من أهمية في الحياة اليومية الجارية ، وبين مقومات المجتمع الأساسية . فجلّ الحاجات الاجتماعية تُشبـّع من خلال هذه المرافق (1) .
ولعل هذا ما دفع البعض إلى القول بأن الدولة ما هي إلا "جسم خلاياه من المرافق العامة" (2) .
وقد كان نشاط الإدارة ـ من خلال هذه المرافق ـ في زمن الدولة ( الحارسة ) ينحصر في تسيير النشاطات الإدارية السيادية كالدفاع والأمن والتعليم والقضاء ، غير أن الوضع قد تغير في أعقاب حركات التأميم التي ظهرت مع بداية القرن العشرين ، وانتشار المذاهب الاشتراكية في كثير من البلدان ، مما أدى إلى ظهور ما سمي بالدولة ( الخادمة ) نتيجةً لتدخل الدولة في مختلف الميادين والأنشطة الصناعية والتجارية التي كانت مملوكة في السابق للأفراد والشركات الخاصة .
وعلى ذلك أصبحت وظائف المرافق العامة لا تقتصر على صيانة النظام العام ونشر العدالة وغير ذلك من الأهداف التي تدخل في وظيفة المرافق الإدارية البحتة ، وإنما تقوم كذلك بخدمة الصالح العام عن طريق تقديم خدمات أخرى للأفراد كالتزويد بالكهرباء والمياه والمواد الغذائية ، ووسائل المواصلات وغيرها ، وذلك عن طريق المرافق الصناعية والتجارية .
ولا يختلف الحال عن ذلك في الجماهيرية الليبية ، فقد أدت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد إلى قيام الإدارة الشعبية وازدياد وتنوع المرافق العامة ، التي هي محور النشاط الرئيسي لهذه الإدارة ومن خلالها تعمل على تحقيق الخدمات العامة في المجتمع وتوفير المقومات الأساسية للحياة الاجتماعية السليمة . حيث ظهرت المرافق العامة الاقتصادية إلى جانب المرافق العامة الإدارية نتيجةً لتدخل الدولة المتزايد واضطلاعها بإدارة المشروعات الاقتصادية والاجتماعية ، وبإدارة التنمية ، كما كان للتأميم الشامل والجزئي للمشروعات الخاصة أثره أيضاً على اتساع نشاط الإدارة الشعبية وازدياد المرافق الصناعية والتجارية .
وقد ترتب على تنوع المرافق العامة وتعدد مجالاتها ظهور عدة طرق لإدارة هذه المرافق تباينت فيما بينها في النظام القانوني الذي يحكمها ، وإن كانت هناك بعض المبادئ المشتركة التي تحكم هذه المرافق جميعها دون استثناء .
أهمية الموضوع :-
ولا شك أن وجود كم هائل من المرافق المختلفة في أنواعها وأسلوب إدارتها ، وجهة الاختصاص بإنشائها يجعل نظامها القانوني أكثر تعقيداً ويثير في المحيط القانوني والواقع العملي عدة مسائل تحتاج إلى بحث وتحليل لمحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها ، وخاصةً في الجماهيرية الليبية التي اتسم نشاط الإدارة فيها بالتغيرات الجذرية المتلاحقة والسريعة ، خلال الربع الأخير من القرن العشرين ، نتيجةً للقوانين والقرارات الكثيرة و المتعددة الصادرة في هذا الخصوص ، والتي كان آخرها القانون رقم ( 1 ) لسنة 2000 ف بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، والقرار رقم ( 14 ) لسنة 2000 ف بإصدار اللائحة العامة للقانون رقم ( 1 ) سالف الذكر .
كما تبدو أهمية دراسة هذا الموضوع في ندرة الدراسات القانونية المتعمقة للمرافق العامة على وجه الخصوص . فمعظم المؤلفات الفقهية قد تناولته في إطار دراسة القانون الإداري بصفة عامة. هذا بالإضافة إلى تناول هذه الرسالة بالدراسة والتحليل لما صدر من قوانين وقرارات جديدة في الجماهيرية الليبية في هذا الخصوص لم يسبق تناولها ـ بحسب علمنا ـ في أي بحث .
كما تناولت هذه الرسالة بالتحليل العديد من الأحكام القضائية الحديثة غير المنشورة ، الصادرة عن دوائر القضاء الإداري بمختلف مدن الجماهيرية الليبية ، والتي مازال بعضها مطروحاً أمام المحكمة العليا الليبية مما يعطي هذه الدراسة أهمية علمية خاصة لمساهمتها في إلقاء الضوء على موقف القضاء الليبـي في ظل التشريعات الجديدة المتعاقبة ، وما أرساه هذا القضاء من مبادئ متعلقة بهذا الموضوع .
هذا بالإضافة إلى أهمية ما تضمنته هذه الرسالة من مراجع عربية وأجنبية حديثة تمكن القارئ من التعرف على العديد من الأنظمة القانونية المقارنة ( للمرافق العامة ) وفقاً لآخر التشريعات الصادرة في تلك الدول .
منهج البحث :
على ضوء ما تقدم فإن منهج البحث في هذه الدراسة سوف يقوم على الدراسة القانونية التحليلية المقارنة للنظام القانوني للمرافق العامة في العديد من الدول الأوروبية والعربية ، وذلك من خلال تحليل النصوص الدستورية والقانونية لتشريعات هذه الدول ومقارنتها مع ما جاءت به النصوص الدستورية والتشريعات المتعلقة بالنظام القانوني للمرافق العامة في الجماهيرية الليبية . هذا بالإضافة إلى ما سنقوم به من دراسة وتحليل للأحكام القضائية الصادرة في هذا الموضوع .
Page 3
صعوبات البحث :
تتمثل صعوبات البحث في هذا الموضوع بشكل أساسي في عدم توفر المراجع العربية والأجنبية الحديثة التي يمكن من خلالها إجراء دراسة مقارنة حقيقية في ضوء التشريعات النافذة الآن في تلك الدول . وهذا ما دفعنا إلى السعي بكافة السبل للحصول على هذه المراجع من مصادرها ، ومن دور النشر الخاصة بها ، سواء بالنسبة للمراجع العربية أم الأجنبية .
وقد كانت المراجع الأجنبية التي تحصلنا عليها تحتاج دون شك للوقت الكثير والجهد الوفير حتى يمكن ترجمتها ترجمة قانونية صحيحة للاستفادة منها في إثراء موضوع هذه الدراسة .
كما أن صدور القانون رقم ( 1 ) لسنة 2000 ف بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، والذي ألغى القانون رقم ( 1 ) لسنة 1996 ف وتعديلاته بعد انتهائنا من إعداد هذه الرسالة وطباعتها اضطرنا إلى مراجعة كل جزئيات هذه الرسالة من جديد لتناول نصوص هذا القانون في الأماكن اللازمة لذلك ، واعتماده كمرجع أساسي أخير في الدراسة والتحليل بدلاً من القانون رقم ( 1 ) لسنة 1996 ف وما جرى عليه من تعديلات . وقد تطلب منا ذلك الاعتماد مباشرةً على النصوص القانونية البحتة الواردة فيه لعدم وجود أية دراسات قانونية أو أبحاث سابقة تناولت هذا القانون لحداثته .
خطة البحث :
سوف تكون دراستنا لموضوع النظام القانوني للمرافق العامة في ليبيا مقارنةً بغيرها من الدول على النحو التالي :
فصل تمهيدي :
لتحديد ماهية المرافق العامة وفقاً للمفاهيم القانونية والفقهية والقضائية ، وما جرى عليها من تطورات ، ويشمل :
مبحث أول : تعريف المرفق العام .
مبحث ثانٍ : العناصر المميزة للمرفق العام .
فصل أول : إنشاء وتنظيم وإلغاء المرافق العامة :
مبحث أول : إنشاء المرافق العامة .
مبحث ثانٍ : تنظيم المرافق العامة .
مبحث ثالث : إلغاء المرافق العامة .
فصل ثانٍ : المبادئ الأساسية التي تحكم سير المرافق العامة :
مبحث أول : مبدأ دوام سير المرافق العامة بانتظام واطراد .
مبحث ثانٍ : مبدأ تكيف المرافق العامة طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة .
مبحث ثالث : مبدأ المساواة بين المواطنين أمام المرافق العامة .
مبحث رابع : مبدأ حياد المرافق العامة .
فصل ثالث : أنواع المرافق العامة وطرق إدارتها :
مبحث أول : أنواع المرافق العامة .
مبحث ثانٍ : طرق إدارة المرافق العامة .
خاتمــة :
وفي خاتمة هذه الدراسة سوف نعرض لأهم النتائج التي انتهينا إليها من خلال هذه الدراسة ، والتعديلات والحلول التي نقترحها في هذا الخصوص ، والتي قد تسهم في تلافي بعض العيوب المتعلقة بالنظام القانوني للمرافق العامة في الجماهيرية الليبية موضوع هذه الدراسة .
والله ولي التوفيق
تتمثل صعوبات البحث في هذا الموضوع بشكل أساسي في عدم توفر المراجع العربية والأجنبية الحديثة التي يمكن من خلالها إجراء دراسة مقارنة حقيقية في ضوء التشريعات النافذة الآن في تلك الدول . وهذا ما دفعنا إلى السعي بكافة السبل للحصول على هذه المراجع من مصادرها ، ومن دور النشر الخاصة بها ، سواء بالنسبة للمراجع العربية أم الأجنبية .
وقد كانت المراجع الأجنبية التي تحصلنا عليها تحتاج دون شك للوقت الكثير والجهد الوفير حتى يمكن ترجمتها ترجمة قانونية صحيحة للاستفادة منها في إثراء موضوع هذه الدراسة .
كما أن صدور القانون رقم ( 1 ) لسنة 2000 ف بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ، والذي ألغى القانون رقم ( 1 ) لسنة 1996 ف وتعديلاته بعد انتهائنا من إعداد هذه الرسالة وطباعتها اضطرنا إلى مراجعة كل جزئيات هذه الرسالة من جديد لتناول نصوص هذا القانون في الأماكن اللازمة لذلك ، واعتماده كمرجع أساسي أخير في الدراسة والتحليل بدلاً من القانون رقم ( 1 ) لسنة 1996 ف وما جرى عليه من تعديلات . وقد تطلب منا ذلك الاعتماد مباشرةً على النصوص القانونية البحتة الواردة فيه لعدم وجود أية دراسات قانونية أو أبحاث سابقة تناولت هذا القانون لحداثته .
خطة البحث :
سوف تكون دراستنا لموضوع النظام القانوني للمرافق العامة في ليبيا مقارنةً بغيرها من الدول على النحو التالي :
فصل تمهيدي :
لتحديد ماهية المرافق العامة وفقاً للمفاهيم القانونية والفقهية والقضائية ، وما جرى عليها من تطورات ، ويشمل :
مبحث أول : تعريف المرفق العام .
مبحث ثانٍ : العناصر المميزة للمرفق العام .
فصل أول : إنشاء وتنظيم وإلغاء المرافق العامة :
مبحث أول : إنشاء المرافق العامة .
مبحث ثانٍ : تنظيم المرافق العامة .
مبحث ثالث : إلغاء المرافق العامة .
فصل ثانٍ : المبادئ الأساسية التي تحكم سير المرافق العامة :
مبحث أول : مبدأ دوام سير المرافق العامة بانتظام واطراد .
مبحث ثانٍ : مبدأ تكيف المرافق العامة طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة .
مبحث ثالث : مبدأ المساواة بين المواطنين أمام المرافق العامة .
مبحث رابع : مبدأ حياد المرافق العامة .
فصل ثالث : أنواع المرافق العامة وطرق إدارتها :
مبحث أول : أنواع المرافق العامة .
مبحث ثانٍ : طرق إدارة المرافق العامة .
خاتمــة :
وفي خاتمة هذه الدراسة سوف نعرض لأهم النتائج التي انتهينا إليها من خلال هذه الدراسة ، والتعديلات والحلول التي نقترحها في هذا الخصوص ، والتي قد تسهم في تلافي بعض العيوب المتعلقة بالنظام القانوني للمرافق العامة في الجماهيرية الليبية موضوع هذه الدراسة .
والله ولي التوفيق
Page 4
الفصل التمهيدي
ماهية المرافق العامة
المبحث الأول
تعريف المرفــق العــام
إن كلمة مرفق في اللغة العربية مشتقة من أصل كلمة " رفق " ، والرفق ضد العنف ، وأرفقه أي نفعه (3) . فالمرفق هو ما يرتفق به ، أي ينتفع به .
وقد وردت كلمة مرفق بهذا المعنى في القرآن الكريم دالةً على النفع أو الرزق ، في قوله تعالى : { وإذا أعتزلتموهم وما يعبدون إلاَّ الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً }[ 16/الكهف]، أي أمراً ترتفقون به(4).
ولا يختلف ما تعنيه كلمة مرفق في اللغة العربية عمَّا يقابلها في اللغات الأجنبية . ففي اللغة الفرنسية نجد كلمة مرفق Le Service تعني خدمة أو مصلحة أو منفعة (5) . وفي الإنجليزية تأتي كلمة Service بذات المعنى (6) . كما وردت كلمة مرفق في اللغة الإيطالية Servizio بمعنىخدمة أو فائدة أو مصلحة (7) .
وعلى ذلك فإن مصطلح المرفق العام Le Service Public يقصد به لغةً المصلحة العامة أو النفع العام . ولعل السبب في إطلاق هذه التسمية على المشروعات الحكومية العامة يرجع إلى أن فكرة المرفق العام في جوهرها تقوم على أساس عنصر النفع العام باعتباره المحور الأساسي لها .
وقد ظهر اصطلاح المرفق العام لأول مرة في كتابات الفقيه (برودون Proudhon) الذي استعمل هذا المصطلح بمثابة معيار للتفرقة بين المال العام والخاص المملوك للدولة ، ثم تطور هذا المصطلح بنشأة القانون الإداري واستقلاله بقواعده عن القانون المدني ، وأصبحت كلمة مرفق عام تعنيمجال مباشرة الدولة لوظيفتها الطبيعية ، وبالتالي مجال تطبيق القانون الإداري (8).
ورغم ما تؤديه فكرة المرفق العام من دور بالغ الأهمية في مجال رسم معالم القانون الإداري ، حيث تشكل الأساس الذي يرتكز عليه القضاء الإداري في تحديده للمفاهيم الكبرى لذلك القانون ، مثل مفهوم الموظف العام ومفهوم القرار الإداري والعقد الإداري، والمال العام ، الأمر الذي جعل جانباً من الفقه يذهب إلى اعتبار المرفق العام بمثابة العمود الفقري للقانون الإداري وإلى أن هذا القانون نفسه لا يعدو إلاَّ أن يكون قانون المرافق العامة ، إلاَّ أنه لم يهتم المشرع ولا القضاء بتحديد فكرة المرفق العام (9) .
وإذا كان القضاء الإداري الليبـي والمقارن قد عرّف في بعض أحكامه مفهوم المرفق العام ، إلاَّ أن هذه التعريفات جاءت موسعة يصعب معها تحديد فكرة المرفق العـام(10) ،
ولعل ذلك يرجع إلى تطور المرافق العامة المستمر ، ومن ثم صعوبة إيجاد تعريــف جامع مانع لها (11) .
أما الفقه ، فقد تعددت آراؤه في تحديد مفهوم المرفق العام وتفاوتت معانيه تفاوتاً كان مرجعه الزاوية التي يُنظر إلى المرفق من خلالها . فيذهب البعض إلى تعريف المرفق العام بالنظر إليه من الناحية الموضوعية أو المادية ، فينظر فقط إلى طبيعة النشاط الذي تقوم به الإدارة ، ويذهب البعض الآخر إلى تغليب المعيار الشكلي أو العضوي فيعرف المرفق العام بأنه الهيئة الإدارية نفسها التي تتولى أمر هذا النشاط ، بينما رجح فريق ثالث الجمع بين المدلولين في تعريف المرفق العام .
ولإيضاح كل من هذه المفاهيم ، نقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب ، نخصص المطلب الأول لدراسة المفهوم العضوي للمرفق العام ، والمطلب الثاني للمفهوم المادي ، ونتناول في المطلب الثالث المفهوم المزدوج للمرفق العام .
ماهية المرافق العامة
المبحث الأول
تعريف المرفــق العــام
إن كلمة مرفق في اللغة العربية مشتقة من أصل كلمة " رفق " ، والرفق ضد العنف ، وأرفقه أي نفعه (3) . فالمرفق هو ما يرتفق به ، أي ينتفع به .
وقد وردت كلمة مرفق بهذا المعنى في القرآن الكريم دالةً على النفع أو الرزق ، في قوله تعالى : { وإذا أعتزلتموهم وما يعبدون إلاَّ الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً }[ 16/الكهف]، أي أمراً ترتفقون به(4).
ولا يختلف ما تعنيه كلمة مرفق في اللغة العربية عمَّا يقابلها في اللغات الأجنبية . ففي اللغة الفرنسية نجد كلمة مرفق Le Service تعني خدمة أو مصلحة أو منفعة (5) . وفي الإنجليزية تأتي كلمة Service بذات المعنى (6) . كما وردت كلمة مرفق في اللغة الإيطالية Servizio بمعنىخدمة أو فائدة أو مصلحة (7) .
وعلى ذلك فإن مصطلح المرفق العام Le Service Public يقصد به لغةً المصلحة العامة أو النفع العام . ولعل السبب في إطلاق هذه التسمية على المشروعات الحكومية العامة يرجع إلى أن فكرة المرفق العام في جوهرها تقوم على أساس عنصر النفع العام باعتباره المحور الأساسي لها .
وقد ظهر اصطلاح المرفق العام لأول مرة في كتابات الفقيه (برودون Proudhon) الذي استعمل هذا المصطلح بمثابة معيار للتفرقة بين المال العام والخاص المملوك للدولة ، ثم تطور هذا المصطلح بنشأة القانون الإداري واستقلاله بقواعده عن القانون المدني ، وأصبحت كلمة مرفق عام تعنيمجال مباشرة الدولة لوظيفتها الطبيعية ، وبالتالي مجال تطبيق القانون الإداري (8).
ورغم ما تؤديه فكرة المرفق العام من دور بالغ الأهمية في مجال رسم معالم القانون الإداري ، حيث تشكل الأساس الذي يرتكز عليه القضاء الإداري في تحديده للمفاهيم الكبرى لذلك القانون ، مثل مفهوم الموظف العام ومفهوم القرار الإداري والعقد الإداري، والمال العام ، الأمر الذي جعل جانباً من الفقه يذهب إلى اعتبار المرفق العام بمثابة العمود الفقري للقانون الإداري وإلى أن هذا القانون نفسه لا يعدو إلاَّ أن يكون قانون المرافق العامة ، إلاَّ أنه لم يهتم المشرع ولا القضاء بتحديد فكرة المرفق العام (9) .
وإذا كان القضاء الإداري الليبـي والمقارن قد عرّف في بعض أحكامه مفهوم المرفق العام ، إلاَّ أن هذه التعريفات جاءت موسعة يصعب معها تحديد فكرة المرفق العـام(10) ،
ولعل ذلك يرجع إلى تطور المرافق العامة المستمر ، ومن ثم صعوبة إيجاد تعريــف جامع مانع لها (11) .
أما الفقه ، فقد تعددت آراؤه في تحديد مفهوم المرفق العام وتفاوتت معانيه تفاوتاً كان مرجعه الزاوية التي يُنظر إلى المرفق من خلالها . فيذهب البعض إلى تعريف المرفق العام بالنظر إليه من الناحية الموضوعية أو المادية ، فينظر فقط إلى طبيعة النشاط الذي تقوم به الإدارة ، ويذهب البعض الآخر إلى تغليب المعيار الشكلي أو العضوي فيعرف المرفق العام بأنه الهيئة الإدارية نفسها التي تتولى أمر هذا النشاط ، بينما رجح فريق ثالث الجمع بين المدلولين في تعريف المرفق العام .
ولإيضاح كل من هذه المفاهيم ، نقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب ، نخصص المطلب الأول لدراسة المفهوم العضوي للمرفق العام ، والمطلب الثاني للمفهوم المادي ، ونتناول في المطلب الثالث المفهوم المزدوج للمرفق العام .
Page 5
المطلب الأول: المفهوم العضوي للمرفق العام
يركز بعض الفقهاء اهتمامهم في معرض التعريف بالمرافق العامة على المفهوم العضوي للمرفق العام Le Conception Organique ، أي على المنظمة التي تتولى النشاط لا على النشاط ذاته ، وبالتالي يولون دراسة المرافق العضوية جلَّ عنايتهم على اعتبار أنها الأصــل العام (12) .وعلى ذلك يعرفون المرفق العام بأنه " منظمة عامة تنشؤها السلطة الحاكمة ، وتخضع في إدارتها لإرادة هذه السلطة ، بقصد تحقيق حاجات الجمهور العامة بطريقة منظمة ومطردة ، مع مراعاة مبدأ المساواة بين المنتفعين " (13) .
وقد أخذ بهذا الاتجاه بعض الفقه في فرنسا مثل Rolland ، و Morange (14) . كذلك الفقيه ( هوريو ) الذي عرّف المرفق العام بأنه منظمة عامة تملك من السلطات والاختصاصات ما يكفل لها القيام بخدمة معينة تسديها للجمهور على نحو منتظم (15) .
ومن الفقهاء الذين أخذوا بالمفهوم العضوي في الفقه المصري الدكتور محمد وحيد رأفت، حيث عرَّف المرافق العامة بأنها الهيئات والمشروعات التي تعمل باطراد وانتظام تحت إدارة الدولة ـ أو أحد الأشخاص الإدارية الأخرى ـ المباشرة أو تحت إدارتها العليا لسد حاجات الجمهور والقيام بأداء الخدمات العامة (16) .
وتأسيساً على ما تقدم ، فإن مفهوم المرفق العام من الناحية العضوية يقوم على عنصرين : عنصر التكوين ، وعنصر التبعية .
فمن ناحية التكوين ، المرفق لا يعدو إلا أن يكون كياناً مادياً ، أي طائفة من الوسائل المادية والبشرية ، حيث تتمثل الوسائل المادية في الأبنية والأثاث والأموال التي يدير من خلالها الجهاز أو الهيئة نشاطها ، وتتجسد الوسائل البشرية في جماعة الموظفين والعاملين الذين يقومون بإدارة ما ينشغل به هذا الجهاز من أعمال وما يبرمه من تصرفات (17) .
أما من ناحية التبعية ، فإن هذه الهيئة لكي تكتسب صفة المرفق العام لابد أن تتبع أحد أشخاص القانون العام . فالمفهوم العضوي أو الشكلي يركز على صفة وشكل الجهة التي تباشر النشاط ، فإذا كانت هذه الجهة من الجهات الإدارية التابعة للدولة ، أي من الأشخاص الاعتبارية العامة فإننا نكون أمام مرفق عام ، أما إذا لم تكن كذلك فإننا نكون أمام مشروع من المشروعات الخاصة (18) .
وعلى هذا النحو تعتبر الجامعات ، وأمانة الصحة ، وأمانة المرافق ، وأمانة التعليم، والهيئة العامة للمياه ... إلخ ، مرافق عامة من الناحية العضوية . فالعبرة إذن وفقاً لهذا المفهوم هي بالهيئة التي تمارس النشاط بصرف النظر عن طبيعة وموضوع النشاط ذاته (19).
وقد أخذت محكمة التنازع الفرنسية بالمدلول العضوي للمرفق العام في أقدم أحكامها ، وهذا ما نستخلصه من حكمها في قضية بلانكو Blanco الصادر عام 1873.
وتتلخص وقائع قضية بلانكو في أن عربة صغيرة تتبع مصنع التبغ صدمت الطفلة بلانكو فأصابتها بجراح ، فرفع والد الطفلة النزاع إلى القضاء العادي ، إذ أقام دعوى تعويض ضد الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطأ الذي ارتكبه عمالها . غير أن مدير المصنع رأى أن الاختصاص بهذه الدعوى يجب أن يكون لمجلس الدولة وليس للمحاكم العادية ، فأصدر قرار التنازع محيلاً إياه إلى محكمة التنازع ، وكان على محكمة التنازع أن تفصل فيمن له من جهتي القضاء ـ الإداري أو العادي ـ الاختصاص العام بنظر دعاوى التعويض ضد الدولة .
وقد أصدرت محكمة التنازع حكمها في القضية مقررةً أن الاختصاص للمحاكم الإدارية، حيث أضفت في هذا الحكم وصف المرفق العام على مصنع الدخان على اعتبار أنه كان تابعاً لأكبر أشخاص القانون العام .
وبذا يكون حكم بلانكو الذي يعد حجر الزاوية في بناء نظرية المرفق العام في فرنسا قد اعتمد في رؤيته للمرفق العام على المفهوم العضوي دون غيره (20) .
ويرى البعض من الفقه ، أن محكمة التنازع الفرنسية إنما أخذت في هذا الحكم بالمفهوم الموضوعي للمرفق العام ، وذلك على اعتبار أن محكمة التنازع قد حددت اختصاصها بالنظر في هذه الدعوى على أساس أن هذا النشاط الذي ترتبت عليه المسؤولية مرتبط بنشاط المرفق الذي تديره الدولة (21) .
إلاَّ أننا نرى أن هذا الرأي يأتي مناقضاً لما أكده الحكم ـ كما سبق أن أوضحنا ـ وما أعلنه المفوض David في تقريره في هذه القضية ، الذي أوضح فيه " إن جميع المرافق العامة لا تعدو أن تكون فروعاً للإدارة تتصرف الدولة في إدارتها تصرف السلطة العامـة " (22) .
ونخلص مما سبق إلى أن محكمة التنازع الفرنسية قد أخذت في أول أحكامها لاسيما خلال القرن التاسع عشر بالمفهوم العضوي لا المادي للمرفق العام ، وظل هذا المفهوم هادياً للقضاء في أحكامه ، لما يتمتع به من بساطة في الفهم وسهولة في التطبيق ، وساعد على ذلك الدور المحدود للدولة آنذاك ، الذي توقف عند دور الدولة الحارسة المتمثل في حماية الأمن الداخلي والخارجي ، كما كانت المرافق العامة مقصورة بطبيعة دور الدولة في تلك الفترة على المرافق العامة الإدارية . وهذا ما سبق ملاحظته في حكم بلانكو الذي اُتخذ أساساً قضائياً لنظرية المرافق العامة ، حيث شكل التلازم بين المرفق العام والشخص العام كترجمة للمعيار العضوي أساساً لإضفاء صفة المرفق العام على مصنع الدخان نظراً لتبعيته للدولة (23) .
بيد أن ما حدث من تطور في الحياة الإدارية لا سيما في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما خلفته من آثار اقتصادية واجتماعية أدى إلى الحاجة إلى ظهور أنشطة جديدة، وارتياد مجالات اقتصادية واجتماعية وتجارية حديثة ، الأمر الذي صارت معه الفكرة العضوية للمرفق العام عاجزة عن مواجهة هذه التطورات ، وتقديم تبرير منطقي لتلك الظواهر المستجدة على نحو تأكد معه أن المرفق العام لم يعد مرتبطاً بالشخص العام ارتباطاً وثيقاً (24) . وإنما أصبحت فكرة النشاط المشبع للحاجات التي يقتضيها النفع العام Utilit publique أو المصلحة العامة Intéret publiqueمع بداية هذا القرن هي الفكرة التي يدور عليها تعريف المرفق العام ، وبالتالي أصبح الاتجاه في تغليب الجانب المادي على الجانب العضوي في تعريف المرفق العام هو الاتجاه الغالب لدى الفقه والقضاء المقارن(25).
وفي الجماهيرية ، رغم عدم اهتمام المشرع ولا القضاء بتحديد فكرة المرفق العام . إلاَّ أنه يلاحظ بوضوح أن القضاء الإداري الليبـي قد أخذ في كافة أحكامه قديمها وحديثها بالمفهوم العضوي للمرفق العام مرجِّحاً إياه على المفهوم المادي وذلك سواء عند تحديده لمصطلح الموظف العام ، أو القرار الإداري والمال العام والعقد الإداري . بمعنى أنه اعتمد ـ في أحكامه هذه ـ على صفة وشكل الهيئة التي تدير النشاط لا على جوهر النشاط ذاته ، فإذا كانت هذه الهيئة من الأشخاص الاعتبارية العامة فإننا نكون إزاء مرفق عام أما إذا كانت من الأشخاص الاعتبارية الخاصة فإننا لا نكون أمام مرفق عام (26) .
وهذا ما يتبين لنا جلياً من الحكم الصادر بتاريخ 26 / 11 / 75 في الدعوى المرفوعة من نائب المدير الإداري للشركة العامة لاستيراد وبيع الآلات الزراعية ، والتي تقدم بها أمام دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف طرابلس طالباً فيها إلغاء القرار الصَّادر عن اللجنة الشعبية للشركة بفصله بغير الطريق التأديبي ، على اعتبار أنه موظف عام يقوم بأداء خدمة عامة لدى مرفق عام ، وبالتالي فإن دوائر القضاء الإداري هي وحدها المختصة بالفصل في طلباته طبقاً للقانون رقم ( 88 ) لسنة 71 في شأن القضاء الإداري . إلا أن دائرة القضاء الإداري رفضت طلب الطاعن ، وقضت بعدم اختصاصها بنظر دعواه ، موضحةً ذلك بقولها " ... وحيث أن المدعي ليس موظفاً عاماً ، وإنما هو من العاملين في إحدى شركات القطاع العام التي لا تعتبر من المرافق العامة ، وملكية الدولة لأموالها لا تضفي عليها هذه الصفة ولا تستوجب إخضاعها للقواعد المتعلقة بالمرافق العامة في القانون الإداري ، بل تظهر محتفظة بشكلها كشركة تجارية من أشخاص القانون الخاص لها شخصيتها الاعتبارية الخاصة وميزانيتها المستقلة عن ميزانية الدولة ... ومن ثم فإنه داخل هذا الإطار تنتفي عن العاملين بها صفة الموظفين العامين ، كما تنتفي عن قراراتها صفة القرارات الإدارية ... "(27) .
يركز بعض الفقهاء اهتمامهم في معرض التعريف بالمرافق العامة على المفهوم العضوي للمرفق العام Le Conception Organique ، أي على المنظمة التي تتولى النشاط لا على النشاط ذاته ، وبالتالي يولون دراسة المرافق العضوية جلَّ عنايتهم على اعتبار أنها الأصــل العام (12) .وعلى ذلك يعرفون المرفق العام بأنه " منظمة عامة تنشؤها السلطة الحاكمة ، وتخضع في إدارتها لإرادة هذه السلطة ، بقصد تحقيق حاجات الجمهور العامة بطريقة منظمة ومطردة ، مع مراعاة مبدأ المساواة بين المنتفعين " (13) .
وقد أخذ بهذا الاتجاه بعض الفقه في فرنسا مثل Rolland ، و Morange (14) . كذلك الفقيه ( هوريو ) الذي عرّف المرفق العام بأنه منظمة عامة تملك من السلطات والاختصاصات ما يكفل لها القيام بخدمة معينة تسديها للجمهور على نحو منتظم (15) .
ومن الفقهاء الذين أخذوا بالمفهوم العضوي في الفقه المصري الدكتور محمد وحيد رأفت، حيث عرَّف المرافق العامة بأنها الهيئات والمشروعات التي تعمل باطراد وانتظام تحت إدارة الدولة ـ أو أحد الأشخاص الإدارية الأخرى ـ المباشرة أو تحت إدارتها العليا لسد حاجات الجمهور والقيام بأداء الخدمات العامة (16) .
وتأسيساً على ما تقدم ، فإن مفهوم المرفق العام من الناحية العضوية يقوم على عنصرين : عنصر التكوين ، وعنصر التبعية .
فمن ناحية التكوين ، المرفق لا يعدو إلا أن يكون كياناً مادياً ، أي طائفة من الوسائل المادية والبشرية ، حيث تتمثل الوسائل المادية في الأبنية والأثاث والأموال التي يدير من خلالها الجهاز أو الهيئة نشاطها ، وتتجسد الوسائل البشرية في جماعة الموظفين والعاملين الذين يقومون بإدارة ما ينشغل به هذا الجهاز من أعمال وما يبرمه من تصرفات (17) .
أما من ناحية التبعية ، فإن هذه الهيئة لكي تكتسب صفة المرفق العام لابد أن تتبع أحد أشخاص القانون العام . فالمفهوم العضوي أو الشكلي يركز على صفة وشكل الجهة التي تباشر النشاط ، فإذا كانت هذه الجهة من الجهات الإدارية التابعة للدولة ، أي من الأشخاص الاعتبارية العامة فإننا نكون أمام مرفق عام ، أما إذا لم تكن كذلك فإننا نكون أمام مشروع من المشروعات الخاصة (18) .
وعلى هذا النحو تعتبر الجامعات ، وأمانة الصحة ، وأمانة المرافق ، وأمانة التعليم، والهيئة العامة للمياه ... إلخ ، مرافق عامة من الناحية العضوية . فالعبرة إذن وفقاً لهذا المفهوم هي بالهيئة التي تمارس النشاط بصرف النظر عن طبيعة وموضوع النشاط ذاته (19).
وقد أخذت محكمة التنازع الفرنسية بالمدلول العضوي للمرفق العام في أقدم أحكامها ، وهذا ما نستخلصه من حكمها في قضية بلانكو Blanco الصادر عام 1873.
وتتلخص وقائع قضية بلانكو في أن عربة صغيرة تتبع مصنع التبغ صدمت الطفلة بلانكو فأصابتها بجراح ، فرفع والد الطفلة النزاع إلى القضاء العادي ، إذ أقام دعوى تعويض ضد الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطأ الذي ارتكبه عمالها . غير أن مدير المصنع رأى أن الاختصاص بهذه الدعوى يجب أن يكون لمجلس الدولة وليس للمحاكم العادية ، فأصدر قرار التنازع محيلاً إياه إلى محكمة التنازع ، وكان على محكمة التنازع أن تفصل فيمن له من جهتي القضاء ـ الإداري أو العادي ـ الاختصاص العام بنظر دعاوى التعويض ضد الدولة .
وقد أصدرت محكمة التنازع حكمها في القضية مقررةً أن الاختصاص للمحاكم الإدارية، حيث أضفت في هذا الحكم وصف المرفق العام على مصنع الدخان على اعتبار أنه كان تابعاً لأكبر أشخاص القانون العام .
وبذا يكون حكم بلانكو الذي يعد حجر الزاوية في بناء نظرية المرفق العام في فرنسا قد اعتمد في رؤيته للمرفق العام على المفهوم العضوي دون غيره (20) .
ويرى البعض من الفقه ، أن محكمة التنازع الفرنسية إنما أخذت في هذا الحكم بالمفهوم الموضوعي للمرفق العام ، وذلك على اعتبار أن محكمة التنازع قد حددت اختصاصها بالنظر في هذه الدعوى على أساس أن هذا النشاط الذي ترتبت عليه المسؤولية مرتبط بنشاط المرفق الذي تديره الدولة (21) .
إلاَّ أننا نرى أن هذا الرأي يأتي مناقضاً لما أكده الحكم ـ كما سبق أن أوضحنا ـ وما أعلنه المفوض David في تقريره في هذه القضية ، الذي أوضح فيه " إن جميع المرافق العامة لا تعدو أن تكون فروعاً للإدارة تتصرف الدولة في إدارتها تصرف السلطة العامـة " (22) .
ونخلص مما سبق إلى أن محكمة التنازع الفرنسية قد أخذت في أول أحكامها لاسيما خلال القرن التاسع عشر بالمفهوم العضوي لا المادي للمرفق العام ، وظل هذا المفهوم هادياً للقضاء في أحكامه ، لما يتمتع به من بساطة في الفهم وسهولة في التطبيق ، وساعد على ذلك الدور المحدود للدولة آنذاك ، الذي توقف عند دور الدولة الحارسة المتمثل في حماية الأمن الداخلي والخارجي ، كما كانت المرافق العامة مقصورة بطبيعة دور الدولة في تلك الفترة على المرافق العامة الإدارية . وهذا ما سبق ملاحظته في حكم بلانكو الذي اُتخذ أساساً قضائياً لنظرية المرافق العامة ، حيث شكل التلازم بين المرفق العام والشخص العام كترجمة للمعيار العضوي أساساً لإضفاء صفة المرفق العام على مصنع الدخان نظراً لتبعيته للدولة (23) .
بيد أن ما حدث من تطور في الحياة الإدارية لا سيما في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما خلفته من آثار اقتصادية واجتماعية أدى إلى الحاجة إلى ظهور أنشطة جديدة، وارتياد مجالات اقتصادية واجتماعية وتجارية حديثة ، الأمر الذي صارت معه الفكرة العضوية للمرفق العام عاجزة عن مواجهة هذه التطورات ، وتقديم تبرير منطقي لتلك الظواهر المستجدة على نحو تأكد معه أن المرفق العام لم يعد مرتبطاً بالشخص العام ارتباطاً وثيقاً (24) . وإنما أصبحت فكرة النشاط المشبع للحاجات التي يقتضيها النفع العام Utilit publique أو المصلحة العامة Intéret publiqueمع بداية هذا القرن هي الفكرة التي يدور عليها تعريف المرفق العام ، وبالتالي أصبح الاتجاه في تغليب الجانب المادي على الجانب العضوي في تعريف المرفق العام هو الاتجاه الغالب لدى الفقه والقضاء المقارن(25).
وفي الجماهيرية ، رغم عدم اهتمام المشرع ولا القضاء بتحديد فكرة المرفق العام . إلاَّ أنه يلاحظ بوضوح أن القضاء الإداري الليبـي قد أخذ في كافة أحكامه قديمها وحديثها بالمفهوم العضوي للمرفق العام مرجِّحاً إياه على المفهوم المادي وذلك سواء عند تحديده لمصطلح الموظف العام ، أو القرار الإداري والمال العام والعقد الإداري . بمعنى أنه اعتمد ـ في أحكامه هذه ـ على صفة وشكل الهيئة التي تدير النشاط لا على جوهر النشاط ذاته ، فإذا كانت هذه الهيئة من الأشخاص الاعتبارية العامة فإننا نكون إزاء مرفق عام أما إذا كانت من الأشخاص الاعتبارية الخاصة فإننا لا نكون أمام مرفق عام (26) .
وهذا ما يتبين لنا جلياً من الحكم الصادر بتاريخ 26 / 11 / 75 في الدعوى المرفوعة من نائب المدير الإداري للشركة العامة لاستيراد وبيع الآلات الزراعية ، والتي تقدم بها أمام دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف طرابلس طالباً فيها إلغاء القرار الصَّادر عن اللجنة الشعبية للشركة بفصله بغير الطريق التأديبي ، على اعتبار أنه موظف عام يقوم بأداء خدمة عامة لدى مرفق عام ، وبالتالي فإن دوائر القضاء الإداري هي وحدها المختصة بالفصل في طلباته طبقاً للقانون رقم ( 88 ) لسنة 71 في شأن القضاء الإداري . إلا أن دائرة القضاء الإداري رفضت طلب الطاعن ، وقضت بعدم اختصاصها بنظر دعواه ، موضحةً ذلك بقولها " ... وحيث أن المدعي ليس موظفاً عاماً ، وإنما هو من العاملين في إحدى شركات القطاع العام التي لا تعتبر من المرافق العامة ، وملكية الدولة لأموالها لا تضفي عليها هذه الصفة ولا تستوجب إخضاعها للقواعد المتعلقة بالمرافق العامة في القانون الإداري ، بل تظهر محتفظة بشكلها كشركة تجارية من أشخاص القانون الخاص لها شخصيتها الاعتبارية الخاصة وميزانيتها المستقلة عن ميزانية الدولة ... ومن ثم فإنه داخل هذا الإطار تنتفي عن العاملين بها صفة الموظفين العامين ، كما تنتفي عن قراراتها صفة القرارات الإدارية ... "(27) .
Page 6
وحكم دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي الصادر بتاريخ 15/5/1991 في الدعوى الإدارية رقم 520 لسنة 18 قضائية ، حيث قضت بعدم اعتبار أحد العاملين بالشركة العامة للمواشي واللحوم موظف عام يقع في مجال اختصاص القضاء الإداري ولا تدخل دعوى تسوية وضعهالوظيفي ضمن اختصاص محكمة القضاء الإداري ولائياً بنظر الطعن ، على اعتبار أن القرار الإداري الصادر في شأنه غير صادر عن جهة إدارية (28).
وهذا عينه ما قررته المحكمة العليا الليبـية في أول أحكامها في الدعوى رقم ( 1 ) لسنة ( 1 ) قضائية عند تحديدها لمفهوم القرار الإداري ، بقولها أن " العمل الإداري في عموم لفظه هو عمل من أعمال السلطة التنفيذية ... والفقه الحديث على اتفاق بوجود معيارين أحدهما موضوعي يعوِّل على كنه وطبيعة العمل في ذاته والمعيار الثاني شكلي ، والمعول عليه فيه السلطة التي أصدرت العمل ، فإذا كان صادراً من البرلمان ( السلطة التشريعية ) فهو تشريعي ، وإن كان العمل صادراً من فرد أو هيئة إدارية ذي سلطة تنفيذية فهو عمل إداري ، وإذا كان الأمر به من إحدى الهيئات التابعة للقضاء فهو عمل قضائي . وجمهور الفقهاء متفق على أن المعيار الشكلي هو المعتبر ، وخاصةً في تعرف الأعمال التي يجوز للقضاء إلغاؤها أو إبطالها ... " (29) .
وهو ما قضت به أيضاً في الطعن المدني رقم ( 88 ) لسنـة 20 قضائية الصادر بتاريخ 22 / 6 / 1975 الذي أكدت فيه " إن المستفاد من نص المادة ( 87 ) من القانون المدني أن المال لا يعتبر من الأموال العامة إلاَّ إذا كان ملكاً للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة ... وإن كان صندوق التوفير لا يعتبر من الأشخاص الاعتبارية العامة فإن العقارات التي يملكها لا تعد من الأموال العامة ويجوز التصرف فيها والحجز عليها وتملكها بالتقادم".
وهذا الحكم يؤكد أن المشرع وكذلك القضاء الليبـي قد اعتمدا المفهوم العضوي للمرفق العام في مجال تحديدهما لمفهوم المال العام ، وذلك باشتراط ضرورة ملكية المال لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة حتى يعد مالاً عاماً .
ومن الأحكام الحديثة التي تؤكد تشبث القضاء الإداري الليبـي بالمفهوم العضوي
للمرفق العام ، ما قضت به دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي في حكمها الصادر بتاريخ 25/4/1995 في الدعوى الإدارية رقم 96 لسنة 22 قضائية ، حيث قضت بعدم اعتبار العاملين في مشروع تربية الدواجن والأبقار موظفين عامين وبالتالي عدم اختصاص هذه الدائرةولائياً بنظر الطعون المرفوعة منهم ، مؤكدةً على عدم اعتبار المشروع مرفقاً عاماً وإن آلت ملكيته كاملةً للدولة ، وبرغم ما يهدف إليه هذا المشروع من إشباع الحاجات العامة (30) .
ونخلص مما سبق إلى أن القضاء الإداري الليبـي قد استقر في قضائه على الأخذ بالمعيار الشكلي أو العضوي مرجحاً إياه على المعيار الموضوعي أو المادي في تحديده لمفهوم المرفق العام . وذلك رغم التحول الكبير الذي شهدته الوظيفة الإدارية في الجماهيرية ، ورغم تطور دور الدولة واتساعه الذي أصبح لا يقتصر على تسيير المرافق الإدارية ، وإنما شمل كذلك المرافق الاقتصادية سواء الصناعية أو التجارية بالإضافة إلى المرافق المهنية . وهذا ما دفع جانب من الفقه إلى انتقاد هذا المسلك ، إذ أنه من غير المنطقي أن تختلف وتتمايز القواعد القانونية التي تحكم النشاطات التي تستهدف إشباع حاجات عامة بحسب ما إذا كانت الهيئة التي تدير هذه النشاطات تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة أو بالشخصية الاعتبارية الخاصة (31) . فوفقاً لمنطق القضاء الإداري هذا نجد أن العاملين في اللجان الشعبية العامة أو المؤسسات العامة موظفون عامون يخضعون لأحكام القانون الإداري وتختص دوائر القضاء الإداري بطلباتهم ، في حين أن العاملين لدى الشركات والمنشآت العامة التابعة لهذه اللِّجان والمؤسسات لا يُعدُّون موظفين عامين ، وإنما بمثابة عمال عاديين يخضعون للقواعد المقررة في قانون العمل ويختص القضاء المدني وحده بالنظر في طلباتهم (32) .
والحقيقة أن ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي من نقد لمسلك القضاء الإداري الليبـي في محله ، إذ أنه لا يمكن تَقَبـُّل ما قد يؤدي إليه هذا المسلك من نتائج خطيرة ، من ذلك ما توصلت إليه دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي فـــي حكمها الصادر بتاريخ 27 / 4 / 1982 والذي قررت فيه " أم أن إلغاء المؤسسة العامة للنقل العام للركاب بقرار اللجنة الشعبية العامة الصادر بتاريخ 19 / 3 / 1979 وتحويلها إلى منشأة عامة لنقل الركاب يؤدي بالضرورة إلى تحوّل في صفات العاملين بها ، حيث يتحولون من موظفين عامين يخضعون لاختصاص القضاء الإداري ولأحكام القانون الإداري إلى مجرد مستخدمين عاديين يخضعون لاختصاص القضاء المدني ولأحكام القانون الخاص " .
كما أنه وفقاً لهذا المسلك فإن أي نقل للعاملين بالجهات الاعتبارية العامة للعمل في الشركات والمنشآت العامة أو العكس يؤدي بالضرورة إلى تغيير كامل في الوضع الوظيفي للعاملين المنقولين ، إذ يتحولون بمجرد انتقالهم من موظفين عامين يختص القضاء الإداري بالنظر في طلباتهم إلى مجرد عمال عاديين يخضعون لأحكام قانون العمل ولاختصاص المحاكـــم المدنية (33).
وعلى ذلك فإنه تفادياً لكل هذه العيوب المترتبة على تمسك دوائر القضاء الإداري بالمفهوم العضوي وحده في تحديدها لمفهوم المرفق العام ، وتمشياً مع ما حدث من تطور في الحياة الإدارية وما أدى إليه ذلك من ارتياد الإدارة للعديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية الأمر الذي تأكد معه أن المرفق العام لم يعد مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشخص العام . رأى البعض أنه من اللزوم المنطقي التركيز على فكرة النشاط المشبع للحاجات العامة التي تقتضيها المصلحة العامة باعتبارها المحور الأساسي الذي تدور حوله فكرة المرفق العام ومن ثم الأخذ بالمفهوم المادي أو الموضوعي في تحديد مدلول المرفق العـام على النحو الذي سنبينه في المطلب التالي من هذه الدراسة .
وهذا عينه ما قررته المحكمة العليا الليبـية في أول أحكامها في الدعوى رقم ( 1 ) لسنة ( 1 ) قضائية عند تحديدها لمفهوم القرار الإداري ، بقولها أن " العمل الإداري في عموم لفظه هو عمل من أعمال السلطة التنفيذية ... والفقه الحديث على اتفاق بوجود معيارين أحدهما موضوعي يعوِّل على كنه وطبيعة العمل في ذاته والمعيار الثاني شكلي ، والمعول عليه فيه السلطة التي أصدرت العمل ، فإذا كان صادراً من البرلمان ( السلطة التشريعية ) فهو تشريعي ، وإن كان العمل صادراً من فرد أو هيئة إدارية ذي سلطة تنفيذية فهو عمل إداري ، وإذا كان الأمر به من إحدى الهيئات التابعة للقضاء فهو عمل قضائي . وجمهور الفقهاء متفق على أن المعيار الشكلي هو المعتبر ، وخاصةً في تعرف الأعمال التي يجوز للقضاء إلغاؤها أو إبطالها ... " (29) .
وهو ما قضت به أيضاً في الطعن المدني رقم ( 88 ) لسنـة 20 قضائية الصادر بتاريخ 22 / 6 / 1975 الذي أكدت فيه " إن المستفاد من نص المادة ( 87 ) من القانون المدني أن المال لا يعتبر من الأموال العامة إلاَّ إذا كان ملكاً للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة ... وإن كان صندوق التوفير لا يعتبر من الأشخاص الاعتبارية العامة فإن العقارات التي يملكها لا تعد من الأموال العامة ويجوز التصرف فيها والحجز عليها وتملكها بالتقادم".
وهذا الحكم يؤكد أن المشرع وكذلك القضاء الليبـي قد اعتمدا المفهوم العضوي للمرفق العام في مجال تحديدهما لمفهوم المال العام ، وذلك باشتراط ضرورة ملكية المال لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة حتى يعد مالاً عاماً .
ومن الأحكام الحديثة التي تؤكد تشبث القضاء الإداري الليبـي بالمفهوم العضوي
للمرفق العام ، ما قضت به دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي في حكمها الصادر بتاريخ 25/4/1995 في الدعوى الإدارية رقم 96 لسنة 22 قضائية ، حيث قضت بعدم اعتبار العاملين في مشروع تربية الدواجن والأبقار موظفين عامين وبالتالي عدم اختصاص هذه الدائرةولائياً بنظر الطعون المرفوعة منهم ، مؤكدةً على عدم اعتبار المشروع مرفقاً عاماً وإن آلت ملكيته كاملةً للدولة ، وبرغم ما يهدف إليه هذا المشروع من إشباع الحاجات العامة (30) .
ونخلص مما سبق إلى أن القضاء الإداري الليبـي قد استقر في قضائه على الأخذ بالمعيار الشكلي أو العضوي مرجحاً إياه على المعيار الموضوعي أو المادي في تحديده لمفهوم المرفق العام . وذلك رغم التحول الكبير الذي شهدته الوظيفة الإدارية في الجماهيرية ، ورغم تطور دور الدولة واتساعه الذي أصبح لا يقتصر على تسيير المرافق الإدارية ، وإنما شمل كذلك المرافق الاقتصادية سواء الصناعية أو التجارية بالإضافة إلى المرافق المهنية . وهذا ما دفع جانب من الفقه إلى انتقاد هذا المسلك ، إذ أنه من غير المنطقي أن تختلف وتتمايز القواعد القانونية التي تحكم النشاطات التي تستهدف إشباع حاجات عامة بحسب ما إذا كانت الهيئة التي تدير هذه النشاطات تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة أو بالشخصية الاعتبارية الخاصة (31) . فوفقاً لمنطق القضاء الإداري هذا نجد أن العاملين في اللجان الشعبية العامة أو المؤسسات العامة موظفون عامون يخضعون لأحكام القانون الإداري وتختص دوائر القضاء الإداري بطلباتهم ، في حين أن العاملين لدى الشركات والمنشآت العامة التابعة لهذه اللِّجان والمؤسسات لا يُعدُّون موظفين عامين ، وإنما بمثابة عمال عاديين يخضعون للقواعد المقررة في قانون العمل ويختص القضاء المدني وحده بالنظر في طلباتهم (32) .
والحقيقة أن ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي من نقد لمسلك القضاء الإداري الليبـي في محله ، إذ أنه لا يمكن تَقَبـُّل ما قد يؤدي إليه هذا المسلك من نتائج خطيرة ، من ذلك ما توصلت إليه دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي فـــي حكمها الصادر بتاريخ 27 / 4 / 1982 والذي قررت فيه " أم أن إلغاء المؤسسة العامة للنقل العام للركاب بقرار اللجنة الشعبية العامة الصادر بتاريخ 19 / 3 / 1979 وتحويلها إلى منشأة عامة لنقل الركاب يؤدي بالضرورة إلى تحوّل في صفات العاملين بها ، حيث يتحولون من موظفين عامين يخضعون لاختصاص القضاء الإداري ولأحكام القانون الإداري إلى مجرد مستخدمين عاديين يخضعون لاختصاص القضاء المدني ولأحكام القانون الخاص " .
كما أنه وفقاً لهذا المسلك فإن أي نقل للعاملين بالجهات الاعتبارية العامة للعمل في الشركات والمنشآت العامة أو العكس يؤدي بالضرورة إلى تغيير كامل في الوضع الوظيفي للعاملين المنقولين ، إذ يتحولون بمجرد انتقالهم من موظفين عامين يختص القضاء الإداري بالنظر في طلباتهم إلى مجرد عمال عاديين يخضعون لأحكام قانون العمل ولاختصاص المحاكـــم المدنية (33).
وعلى ذلك فإنه تفادياً لكل هذه العيوب المترتبة على تمسك دوائر القضاء الإداري بالمفهوم العضوي وحده في تحديدها لمفهوم المرفق العام ، وتمشياً مع ما حدث من تطور في الحياة الإدارية وما أدى إليه ذلك من ارتياد الإدارة للعديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية الأمر الذي تأكد معه أن المرفق العام لم يعد مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالشخص العام . رأى البعض أنه من اللزوم المنطقي التركيز على فكرة النشاط المشبع للحاجات العامة التي تقتضيها المصلحة العامة باعتبارها المحور الأساسي الذي تدور حوله فكرة المرفق العام ومن ثم الأخذ بالمفهوم المادي أو الموضوعي في تحديد مدلول المرفق العـام على النحو الذي سنبينه في المطلب التالي من هذه الدراسة .
Page 7
المطلب الثاني: المفهوم المادي للمرفق العام
إذا كان المفهوم العضوي أو الشكلي للمرفق العام يركز على صفة وشكل الجهة التي تباشر النشاط ، وينصرف إلى كل هيئة تابعة للإدارة أو الجهاز الإداري للدولة بصرف النظر عن النشاط الذي تمارسه ، فإن المفهوم المادي على نقيض ذلك يركز على طبيعة وجوهر النشاط ذاته بصرف النظر عن صفة وشكل الجهة التي تتولى إدارته وتسييره. فإذا كان هذا النشاط يستهدف تحقيق مصلحة عامة للمجتمع فإنه يعد من قبيل المرافق العامة حتى وإن تم تسييره من قبل شخص اعتباري خاص ، أما إذا كان ذلك النشاط يستهدف إشباع مصلحة خاصة أو تحقيق الربح المادي، فإنه لا يعد من المرافق العامة حتى ولو عهد بإدارته إلى جهة تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة (34) .
فالمعنى الموضوعي للمرفق العام يعني كل نشاط يسعى إلى إشباع حاجة عامة أو يحقق مصلحة عامة بغض النظر عن الجهة أو الجهاز الذي يقوم به .
وقد تعددت تعريفات المرفق العام ـ التي ترجح المفهوم المادي للمرفق ـ بتعدد وجهات النظر التي يأخذ بها الفقهاء ، وبحسب اختلافهم في التركيز على عناصر معينة دون أخرى .
فقد عرف العميد ديجي ( Duguit ) عميد مدرسة المرافق العامة المرفق العام على أنه " كل نشاط يجب أن يكفله وينظمه ويتولاه الحكام ، على اعتبار أن الاضطلاع بأمر هذا النشاط لا غنى عنه لتحقيق التضامن الاجتماعي ولتطوره ، وأنه لا يمكن تحقيقه على أكمل وجه إلاَّ عن طريق تدخلالسلطة الحاكمة " (35) .
ويقول ديجي : إن الذي يميز المرافق العامة هو النشاط الذي تقوم به في تأدية الخدمات العامة التي يعجز الأفراد عادةً عن القيام بها بوجه تام ، فيعهد إليها القيام بها بتكليف من السلطة نظراً لأهمية العمل ونفعه العام ... (36) .
وتقوم رؤية الفقيه ديجي على أساس أن الدولة إيماناً منها بالقيام بوظائفها وتحقيق الحاجات التي يقتضيها الصالح العام فهي حين تجد أن حاجة عامة يجب إشباعها ، ولا يستطيع الأفراد تحقيقها ، إما لعدم مقدرتهم المالية أو لندرة ما تدره من أرباح لا تغريهم على القيام بها ، فإنها تنشئ بذاتها نشاطاً يقوم على إشباعها ، وهذا النشاط يسمى بالمرفق العام (37) .
ويعرف الفقيه دي لوبادير De Laubadére المرفق العام بأنه نشاط تباشره سلطة عامة بقصد الوفاء بحاجة ذات نفع عام Besoin d’interet general ، وهو يرى أن أغلبية القضاء الإداري الفرنسي والفقه الفرنسي تنظر إلى المرفق باعتباره نشاطاً لا عضواً ، أي تغلب فكرة المرفقالمادي على المرفق العضوي (38) .
وهذا ما ذهب إليه الفقيه ( فرنسيس بول بنوا Francis Paul Bénoit ) حيث عرف المرفق العام بأنه " نشاط إداري هدفه ضمان خدمة الأفراد " (39) .
أما فيدل ( Vedel ) فيعرف المرفق العام بقوله " إن المرفق العام نشاط إداري يقوم على تقديم خدمة ذات نفع عام " (40) .
ويقول كل من الفقيهين ( Jean - Marie Auby و Jean - Bernard Auby ) ـ تأكيداً للمفهوم المادي للمرفق العام ـ في مؤلفهما ( المؤسسات الإدارية ) أن المرفق العام هو نشاط تتحمل مسؤوليته الإدارة ( أو في بعض الحالات بواسطة أشخاص خاصة تتصرف تحت سيطرتها ) منأجل متابعة أغراض محددة ذات نفع عام (41) .
أما الفقيه ( جاكولين موراند Jacquline Morand ) فقد أكد في مؤلفه (دروس في القانون الإداري ) رفضه لهذا المفهوم المادي ، مؤكداً على أنه وإن كان القصد الذاتي للسلطات العامة للقيام بنشاط بالمرفق العام يعد عنصراً أساسياً للمرفق العام إلا أنه لا يمكن اعتبار مفهوم المرفق العاممفهوماً موضوعياً ، مؤكداً على ما ذهب إليه الفقيه ( جيز Jéze) من أن "مفهوم المرفق العام ليس موضوعياً ـ بأي حال ـ فلا يوجد مرفق عام بالفطرة"(42).
وقد عبَّر الدكتور ( سليمان الطماوي ) عن مفهومه للمرفق العام بقوله "..يستعمل اصطلاح مرفق عام للدلالة على نشاط ( Activité ) من نوع معين تقوم به الإدارة لصالح الأفراد ، وهذا هو المعنى الذي نقصده والذي يجب أن يخصص له هذا الاصطلاح منعاً للبس ... " (43) . ويؤكد ( الدكتور الطماوي ) على أن استعمال اصطلاح المرفق العام للدلالة على المنظمة Organisme أو الهيئة التي تقوم بالنشاط يؤدي إلى اللبس وعدم تفهم أحكام مجلس الدولة الفرنسي الحديثة . وعلى ذلك فهو يعرف المرفق العام بأنه " مشروع Entreprise يعمل باطراد وانتظام ، تحت إشرافرجال الحكومة، بقصد أداء خدمة عامة للجمهور ، مع خضوعه لنظام قانوني معين (44) .
وإذا كان الدكتور سليمان الطماوي قد استخدم كلمة مشروع في تعريف المرفق العام ، إلاَّ أنه أشار إلى أن هذا الاصطلاح إنما يدل على النشاط دون المنظمة، وذلك بعكس ما يراه البعض من أن اصطلاح مشروع يحمل في الحقيقة معنى المنظمة والنشاط معاً (45).
ومن الفقهاء الذين أخذوا بالمدلول المادي للمرفق العام الدكتور توفيق شحاته ، فقد عرّف المرفق العام بأنه " كل مشروع يستهدف الوفاء بحاجات ذات نفع عام ، وتعجز المشروعات الفردية عن تحقيقه على وجه مرضٍ ، فتتولاه الإدارة العامة ، وتديره بنفسها مباشرةً ، أو تعْهد به إلى أفراد يديرونه تحت رقابتها (46) .
وهذا ما ذهب إليه الدكتور محمود حافظ ، حيث عرف المرفق العام بأنه مشروع ذو نفع عام يهيمن عليه الحكام ، أي تتولى السلطة العامة إدارته مباشرةً أو بطريق غير مباشر (47) .
ويؤكد جانب من الفقه على أنه بالرغم من أن المفهوم المادي والمفهوم العضوي للمرفق العام ليسا متباعدين ، وأن الفقه والقضاء يستخدمان اصطلاح المرفق العام لينصرف إلى أي من المعنيين ، إلاَّ أن المفهوم المادي يجب أن تكون له الأولوية . بمعنى أنه يجب ويكفي لكي نجد أنفسنا أمام مرفق عام أن يكون هناك نشاط يحقق مصلحة عامة اتجهت نية السلطات العامة إلى اعتباره مرفقاً عاماً (48) .
إذا كان المفهوم العضوي أو الشكلي للمرفق العام يركز على صفة وشكل الجهة التي تباشر النشاط ، وينصرف إلى كل هيئة تابعة للإدارة أو الجهاز الإداري للدولة بصرف النظر عن النشاط الذي تمارسه ، فإن المفهوم المادي على نقيض ذلك يركز على طبيعة وجوهر النشاط ذاته بصرف النظر عن صفة وشكل الجهة التي تتولى إدارته وتسييره. فإذا كان هذا النشاط يستهدف تحقيق مصلحة عامة للمجتمع فإنه يعد من قبيل المرافق العامة حتى وإن تم تسييره من قبل شخص اعتباري خاص ، أما إذا كان ذلك النشاط يستهدف إشباع مصلحة خاصة أو تحقيق الربح المادي، فإنه لا يعد من المرافق العامة حتى ولو عهد بإدارته إلى جهة تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة (34) .
فالمعنى الموضوعي للمرفق العام يعني كل نشاط يسعى إلى إشباع حاجة عامة أو يحقق مصلحة عامة بغض النظر عن الجهة أو الجهاز الذي يقوم به .
وقد تعددت تعريفات المرفق العام ـ التي ترجح المفهوم المادي للمرفق ـ بتعدد وجهات النظر التي يأخذ بها الفقهاء ، وبحسب اختلافهم في التركيز على عناصر معينة دون أخرى .
فقد عرف العميد ديجي ( Duguit ) عميد مدرسة المرافق العامة المرفق العام على أنه " كل نشاط يجب أن يكفله وينظمه ويتولاه الحكام ، على اعتبار أن الاضطلاع بأمر هذا النشاط لا غنى عنه لتحقيق التضامن الاجتماعي ولتطوره ، وأنه لا يمكن تحقيقه على أكمل وجه إلاَّ عن طريق تدخلالسلطة الحاكمة " (35) .
ويقول ديجي : إن الذي يميز المرافق العامة هو النشاط الذي تقوم به في تأدية الخدمات العامة التي يعجز الأفراد عادةً عن القيام بها بوجه تام ، فيعهد إليها القيام بها بتكليف من السلطة نظراً لأهمية العمل ونفعه العام ... (36) .
وتقوم رؤية الفقيه ديجي على أساس أن الدولة إيماناً منها بالقيام بوظائفها وتحقيق الحاجات التي يقتضيها الصالح العام فهي حين تجد أن حاجة عامة يجب إشباعها ، ولا يستطيع الأفراد تحقيقها ، إما لعدم مقدرتهم المالية أو لندرة ما تدره من أرباح لا تغريهم على القيام بها ، فإنها تنشئ بذاتها نشاطاً يقوم على إشباعها ، وهذا النشاط يسمى بالمرفق العام (37) .
ويعرف الفقيه دي لوبادير De Laubadére المرفق العام بأنه نشاط تباشره سلطة عامة بقصد الوفاء بحاجة ذات نفع عام Besoin d’interet general ، وهو يرى أن أغلبية القضاء الإداري الفرنسي والفقه الفرنسي تنظر إلى المرفق باعتباره نشاطاً لا عضواً ، أي تغلب فكرة المرفقالمادي على المرفق العضوي (38) .
وهذا ما ذهب إليه الفقيه ( فرنسيس بول بنوا Francis Paul Bénoit ) حيث عرف المرفق العام بأنه " نشاط إداري هدفه ضمان خدمة الأفراد " (39) .
أما فيدل ( Vedel ) فيعرف المرفق العام بقوله " إن المرفق العام نشاط إداري يقوم على تقديم خدمة ذات نفع عام " (40) .
ويقول كل من الفقيهين ( Jean - Marie Auby و Jean - Bernard Auby ) ـ تأكيداً للمفهوم المادي للمرفق العام ـ في مؤلفهما ( المؤسسات الإدارية ) أن المرفق العام هو نشاط تتحمل مسؤوليته الإدارة ( أو في بعض الحالات بواسطة أشخاص خاصة تتصرف تحت سيطرتها ) منأجل متابعة أغراض محددة ذات نفع عام (41) .
أما الفقيه ( جاكولين موراند Jacquline Morand ) فقد أكد في مؤلفه (دروس في القانون الإداري ) رفضه لهذا المفهوم المادي ، مؤكداً على أنه وإن كان القصد الذاتي للسلطات العامة للقيام بنشاط بالمرفق العام يعد عنصراً أساسياً للمرفق العام إلا أنه لا يمكن اعتبار مفهوم المرفق العاممفهوماً موضوعياً ، مؤكداً على ما ذهب إليه الفقيه ( جيز Jéze) من أن "مفهوم المرفق العام ليس موضوعياً ـ بأي حال ـ فلا يوجد مرفق عام بالفطرة"(42).
وقد عبَّر الدكتور ( سليمان الطماوي ) عن مفهومه للمرفق العام بقوله "..يستعمل اصطلاح مرفق عام للدلالة على نشاط ( Activité ) من نوع معين تقوم به الإدارة لصالح الأفراد ، وهذا هو المعنى الذي نقصده والذي يجب أن يخصص له هذا الاصطلاح منعاً للبس ... " (43) . ويؤكد ( الدكتور الطماوي ) على أن استعمال اصطلاح المرفق العام للدلالة على المنظمة Organisme أو الهيئة التي تقوم بالنشاط يؤدي إلى اللبس وعدم تفهم أحكام مجلس الدولة الفرنسي الحديثة . وعلى ذلك فهو يعرف المرفق العام بأنه " مشروع Entreprise يعمل باطراد وانتظام ، تحت إشرافرجال الحكومة، بقصد أداء خدمة عامة للجمهور ، مع خضوعه لنظام قانوني معين (44) .
وإذا كان الدكتور سليمان الطماوي قد استخدم كلمة مشروع في تعريف المرفق العام ، إلاَّ أنه أشار إلى أن هذا الاصطلاح إنما يدل على النشاط دون المنظمة، وذلك بعكس ما يراه البعض من أن اصطلاح مشروع يحمل في الحقيقة معنى المنظمة والنشاط معاً (45).
ومن الفقهاء الذين أخذوا بالمدلول المادي للمرفق العام الدكتور توفيق شحاته ، فقد عرّف المرفق العام بأنه " كل مشروع يستهدف الوفاء بحاجات ذات نفع عام ، وتعجز المشروعات الفردية عن تحقيقه على وجه مرضٍ ، فتتولاه الإدارة العامة ، وتديره بنفسها مباشرةً ، أو تعْهد به إلى أفراد يديرونه تحت رقابتها (46) .
وهذا ما ذهب إليه الدكتور محمود حافظ ، حيث عرف المرفق العام بأنه مشروع ذو نفع عام يهيمن عليه الحكام ، أي تتولى السلطة العامة إدارته مباشرةً أو بطريق غير مباشر (47) .
ويؤكد جانب من الفقه على أنه بالرغم من أن المفهوم المادي والمفهوم العضوي للمرفق العام ليسا متباعدين ، وأن الفقه والقضاء يستخدمان اصطلاح المرفق العام لينصرف إلى أي من المعنيين ، إلاَّ أن المفهوم المادي يجب أن تكون له الأولوية . بمعنى أنه يجب ويكفي لكي نجد أنفسنا أمام مرفق عام أن يكون هناك نشاط يحقق مصلحة عامة اتجهت نية السلطات العامة إلى اعتباره مرفقاً عاماً (48) .
Page 8
ويؤيد الدكتور محمد كامل ليلة هذا الاتجاه ، موضحاً أن المدلول الموضوعي (المادي) هو الذي يتفق مع ما طرأ على فكرة المرفق العام من تطور واتساع ، وهو الذي يحقق وحدة هذه الفكرة ووضوحها ، وبناءً على هذا المدلول الموضوعي يكون المراد بالمرفق العام ( الخدمة أو النشاط ذاته الذي يحقق نفعاً عاماً أو يسد حاجة عامة ، وذلك بصرف النظر عن الهيئة التي تمارس النشاط وهل هي هيئة عامة تخضع للقانون العام أم أنها هيئة خاصة ( كشركة أو فرد ) تخضع للقانون الخاص ، على أن يتحقق دائماً وفي جميع الأحوال إشراف السلطة العامة وهيمنتها على النشاط المذكور (49) .
وهذا ما أشار إليه أيضاً الدكتور زهدي يكن عند تحليله لاصطلاح المرفق العام ، إذ يؤكد على أن " هذه الكلمة تعني نشاط ، وبالوقت ذاته هيئة ، وحينما نريد أن نعرِّف المرفق العام يجب أن ننظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع لا إلى الهيئة التي تتولاه ، لأن مجلس الشورى الفرنسي أضفى بصفة المرفق العام في بعض الحالات على المشروعات التي يقوم بتأديتها النشاط الفردي حتى ولو لم تتولى هيئات إدارية أمر القيام بتلك المشروعات (50) .
وعلى ذلك فهو يرى أن كل تعريف يرمي إلى تحديد المرافق العامة بأنها كل نشاط تمارسه هيئة عامة لقضاء حاجة ذات نفع عام هو بنظره تعريف صحيح يجب أن يؤخذ به.
والمرفق العام من هذه الزاوية يتكون من شقين ، شق مادي ، وآخر غائي .
فمن الناحية المادية يعتبر المرفق نشاطاً أو أداءً معيناً تقوم به الدولة أو أحد الأشخاص العامة أو تحت إشرافها له طابع الخصوصية ، ولكن ليست الخصوصية التي تنقله إلى إطار أو مصاف المشروعات الفردية ، وإنما الخصوصية التي يعكسها سبب وجوده ، فهو يتنوع تبعاً للحاجة التي قام لإشباعها ، وهذه الحاجة قد تكون مادية أو معنوية . فإذا كانت هذه الحاجة مادية كالماء أو الطاقة أو النقل أو الصحة ، فإن هذا النشاط يتمثل في توزيع المياه وإنتاج الطاقة وتوفير وسائل النقل العام وإنشاء المستشفيات ودور العلاج . أما إذا كانت الحاجة العامة عضوية أو فكرية كالتعليم والثقافة فإن هذا النشاط يتمثل في بناء المدارس والجامعات ودور الثقافة بمختلف أنواعها (51) .
ومن الناحية الغائية يقوم التصوير الموضوعي للمرفق العام على أساس الربط بين مضمونه وغايته التي تتمثل في المصلحة العامة .
فهو نشاط هدفه الصالح العام ، ومن هنا فإنه يتميز عن المشروعات الخاصة التي ينشئها الأفراد ، حيث يكمن هدفها الأساسي في تحقيق الربح (52) .
ويرى جانب من الفقه (53) ، أنه رغم قدم المفهوم المادي للمرفق العام ، إلاَّ أن التعريف المادي ظل مختلطاً لفترة طويلة بالتعريف العضوي للمرفق العام لأنه في أغلب الأحيان كان النشاط المكون لمرفق عام يدار عن طريق جهاز إداري . وأن الأمر الذي دعا إلى فصل المفهوم المادي عن المفهوم العضوي ، ثم إعطاء الأولوية للمفهوم المادي هو تطور الأنشطة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة ، وقبول الدولة لمساهمة الأفراد والهيئات الخاصة في القيام بأنشطة هدفها المصلحة العامة ، وهذا ما دفع مجلس الدولة الفرنسي إلى اعتبار هذه الأنشطة مرافق عامة بصرف النظر عن وجود جهاز إداري يتولى إدارتها .
ولعل من أبرز الأحكام القضائية التي أخذت بهذا المفهوم الموضوعي للمرفق العام، حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية السيد ترييه Tierrier ، التي تتلخص في أن المجلس البلدي بإقليم السون واللوار Saóne - et - Loire كان قد اتخذ قراراً يقضي بمنح مكافأة لكل من يثبت أنه أعدم ثعباناً من الثعابين التي اجتاحت المدينة ، والتي كانت تمثل خطراً على حياة المواطنين ، وإذ رفض المدير دفع المكافأة التي يطلبها السيد ترييه استناداً إلى نفاذ الاعتماد المخصص ، طلب الأخير من مجلس الدولة إدانة مخالفة الإقليم بأن رفع دعوى قضائية على مجلس تلك المدينة أمام مجلس الدولة . وتحت تأثير المفوض روميو Romieu أكد المجلس اختصاصه بنظر المنازعة على اعتبار أنها تتعلق بمرفق عام يتمثل في نشاط عام يقوم على أداء خدمة عامة هو قتل الثعابين الذي تقتضيه المصلحة العامة (54) .
وقد توالت بعد ذلك أحكام مجلس الدولة الفرنسي التي تأخذ بالمفهوم الموضوعي للمرفق العام ، منها على سبيل المثال حكم تيرون Thérond الصادر في 4 مارس سنة 1910 (55) . وحكم مجلس الدولة الصادر في 13 مايو سنة 1938 المعروف بحكم صندوق الخدمة الاجتماعيةأوالصندوق الابتدائي Caisse Primaire (56) . وحكم مونيير الصادر في 3 يوليو سنة 1942 بشأن اعتبار لجان التنظيم Les Comités d’organisation قائمة على تسيير مرافق عامة (57) . وحكم بوجوان Bouguen الصادر من مجلس الدولة
الفرنسي في 2 أبريل 1943 الذي اعتبر النقابات المهنية مرافق عامة (58) .
وعلى ذلك يبدو جلياً أن المرفق العام من الناحية الموضوعية لا يستلزم وجود مبنى ومكاتب وموظفين ، وإنما يظهر في نشاط أو عمل لهيئة عامة بقصد إشباع حاجة عامة للمواطنين، وبهدف تحقيق المصلحة العامة .
ونخلص مما سبق إلى أن المرفق العام وفقاً للمفهوم المادي ، هو كل نشاط يهدف إلى تحقيق النفع العام للمجتمع ، سواءً كان الشخص الذي يديره شخصاً اعتبارياً عاماً أم شخصاً اعتبارياً خاصاً .
وعلى ذلك ، فالتعليم العام مثلاً ، والصحة والنقل العام ، وتزويد المدن بالمياه والكهرباء جميعها تعتبر مرافق عامة بالنظر إليها من الناحية المادية أو الموضوعية (59) . فالمعيار الموضوعي يربط المرفق العام بالهدف الذي يسعى إليه وهو المصلحة العامة . فإذا كان النشاط يحقق مصلحة عامة فإنه يعد مرفقاً عاماً ، أما إذا لم يكن يهدف إلى تحقيق النفع العام وإنما يهدف إلى تحقيق الربح فإنه لا يعتبر مرفقاً عاماً .
وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً كبيراً لدى غالبية الفقه والقضاء . إلاَّ أنه مع تطور وظيفة الإدارة واتساعها ، لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى ولجوء الدول تحت تأثير تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية إلى التدخل في الميدان الاقتصادي ، بالإضافة إلى تبني الكثير منها النهج الاشتراكي ، وظهور ما سمي بالدولة " الخادمة " ، أصبح هذا المفهوم قاصراً وغير كافٍ لوحده ـ شأنه شأن المفهوم العضوي ـ على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري ، وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه (60) .
كما أن هذا المفهوم ( الموضوعي ) قد يؤدي إلى الاختلاف في التفسير والاضطراب في التطبيق ، وذلك لأنه يقيم تحديد المرفق العام على اعتبارات ذاتية بحتة يصعب إن لم يكن يستحيل معها ضبطه بدقة . ففكرة المصلحة العامة تتميز بالمرونة التي تفرض عليها التغير من وقت لآخر ، بل في الوقت الواحد من مكان لآخر ، كما أنها في المكان الواحد تبعاً لتغير النظام المطبق فيه اشتراكياً كان أم رأسمالياً ، وهذا أمر يفرض عليها أن تخضع في تفسيرها لمطلق تقدير القاضي ، وفي تطبيقها لإرادة الإدارة التي أنشأت المرفق (61) . هذا بالإضافة إلى أن المصلحة العامة ليست هدفاًمقصوراً على المرافق العامة فحسب ، وإنما يمكن أن توجد في غيرها من المرافق (62) . فهناك العديد من المشروعات الخاصة التي تقوم بتحقيق المصلحة العامة من خلال المؤسسات الخاصة ذات النفع العام ، إلاَّ أنها لا تعد مرافق عامة على الرغم من قيامها بتحقيق المصلحة العامة.
وهذا ما أكده الفقيه ريفيرو Rivero بقوله إنه إذا كانت الإدارة دائماً تسعى إلى المصلحة العامة ، فإنها ليست الوحيدة التي تسعى لتحقيق هذا الهدف ، وإنما الأفراد أيضاً يحققون من خلال مشروعاتهم هذه المصلحة جبراً أو اختياراً ، ذلك أن المصلحة العامة هي الهدف الأسمى ليست للقانونالإداري فحسب وإنما للقانون بصفة عامة . فكيف نعترف بها كمعيار للقانون الإداري وحده (63) .
ونخلص مما سبق إلى أنه ، لا يكفي لتعريف المرفق العام ، وبالتالي لتحديد نطاق القانون الإداري أن نأخذ بالمفهوم العضوي وحده لما لحقه من قصور ـ أشرنا إليه فيما سلف ـ كما لا يكفي من جهة أخرى اعتبار النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس الوحيد في تعريف المرفق العام ، فاستهداف المصلحة العامة ليس حكراً على الدولة وحدها وإنما قد ينهض بها الأفراد في صورة مشروعات ذات نفع عام (64) .
ولعل هذا ما دفع إلى اتجاه غالبية الفقه وأحكام القضاء إلى الجمع بين المفهومين في تعريف المرفق العام ، وذلك بالنظر إليه من الناحيتين العضوية والمادية معاً ، وهو ما يعرف بالمفهوم المزدوج للمرفق العام (65) .
وهذا ما أشار إليه أيضاً الدكتور زهدي يكن عند تحليله لاصطلاح المرفق العام ، إذ يؤكد على أن " هذه الكلمة تعني نشاط ، وبالوقت ذاته هيئة ، وحينما نريد أن نعرِّف المرفق العام يجب أن ننظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع لا إلى الهيئة التي تتولاه ، لأن مجلس الشورى الفرنسي أضفى بصفة المرفق العام في بعض الحالات على المشروعات التي يقوم بتأديتها النشاط الفردي حتى ولو لم تتولى هيئات إدارية أمر القيام بتلك المشروعات (50) .
وعلى ذلك فهو يرى أن كل تعريف يرمي إلى تحديد المرافق العامة بأنها كل نشاط تمارسه هيئة عامة لقضاء حاجة ذات نفع عام هو بنظره تعريف صحيح يجب أن يؤخذ به.
والمرفق العام من هذه الزاوية يتكون من شقين ، شق مادي ، وآخر غائي .
فمن الناحية المادية يعتبر المرفق نشاطاً أو أداءً معيناً تقوم به الدولة أو أحد الأشخاص العامة أو تحت إشرافها له طابع الخصوصية ، ولكن ليست الخصوصية التي تنقله إلى إطار أو مصاف المشروعات الفردية ، وإنما الخصوصية التي يعكسها سبب وجوده ، فهو يتنوع تبعاً للحاجة التي قام لإشباعها ، وهذه الحاجة قد تكون مادية أو معنوية . فإذا كانت هذه الحاجة مادية كالماء أو الطاقة أو النقل أو الصحة ، فإن هذا النشاط يتمثل في توزيع المياه وإنتاج الطاقة وتوفير وسائل النقل العام وإنشاء المستشفيات ودور العلاج . أما إذا كانت الحاجة العامة عضوية أو فكرية كالتعليم والثقافة فإن هذا النشاط يتمثل في بناء المدارس والجامعات ودور الثقافة بمختلف أنواعها (51) .
ومن الناحية الغائية يقوم التصوير الموضوعي للمرفق العام على أساس الربط بين مضمونه وغايته التي تتمثل في المصلحة العامة .
فهو نشاط هدفه الصالح العام ، ومن هنا فإنه يتميز عن المشروعات الخاصة التي ينشئها الأفراد ، حيث يكمن هدفها الأساسي في تحقيق الربح (52) .
ويرى جانب من الفقه (53) ، أنه رغم قدم المفهوم المادي للمرفق العام ، إلاَّ أن التعريف المادي ظل مختلطاً لفترة طويلة بالتعريف العضوي للمرفق العام لأنه في أغلب الأحيان كان النشاط المكون لمرفق عام يدار عن طريق جهاز إداري . وأن الأمر الذي دعا إلى فصل المفهوم المادي عن المفهوم العضوي ، ثم إعطاء الأولوية للمفهوم المادي هو تطور الأنشطة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة ، وقبول الدولة لمساهمة الأفراد والهيئات الخاصة في القيام بأنشطة هدفها المصلحة العامة ، وهذا ما دفع مجلس الدولة الفرنسي إلى اعتبار هذه الأنشطة مرافق عامة بصرف النظر عن وجود جهاز إداري يتولى إدارتها .
ولعل من أبرز الأحكام القضائية التي أخذت بهذا المفهوم الموضوعي للمرفق العام، حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضية السيد ترييه Tierrier ، التي تتلخص في أن المجلس البلدي بإقليم السون واللوار Saóne - et - Loire كان قد اتخذ قراراً يقضي بمنح مكافأة لكل من يثبت أنه أعدم ثعباناً من الثعابين التي اجتاحت المدينة ، والتي كانت تمثل خطراً على حياة المواطنين ، وإذ رفض المدير دفع المكافأة التي يطلبها السيد ترييه استناداً إلى نفاذ الاعتماد المخصص ، طلب الأخير من مجلس الدولة إدانة مخالفة الإقليم بأن رفع دعوى قضائية على مجلس تلك المدينة أمام مجلس الدولة . وتحت تأثير المفوض روميو Romieu أكد المجلس اختصاصه بنظر المنازعة على اعتبار أنها تتعلق بمرفق عام يتمثل في نشاط عام يقوم على أداء خدمة عامة هو قتل الثعابين الذي تقتضيه المصلحة العامة (54) .
وقد توالت بعد ذلك أحكام مجلس الدولة الفرنسي التي تأخذ بالمفهوم الموضوعي للمرفق العام ، منها على سبيل المثال حكم تيرون Thérond الصادر في 4 مارس سنة 1910 (55) . وحكم مجلس الدولة الصادر في 13 مايو سنة 1938 المعروف بحكم صندوق الخدمة الاجتماعيةأوالصندوق الابتدائي Caisse Primaire (56) . وحكم مونيير الصادر في 3 يوليو سنة 1942 بشأن اعتبار لجان التنظيم Les Comités d’organisation قائمة على تسيير مرافق عامة (57) . وحكم بوجوان Bouguen الصادر من مجلس الدولة
الفرنسي في 2 أبريل 1943 الذي اعتبر النقابات المهنية مرافق عامة (58) .
وعلى ذلك يبدو جلياً أن المرفق العام من الناحية الموضوعية لا يستلزم وجود مبنى ومكاتب وموظفين ، وإنما يظهر في نشاط أو عمل لهيئة عامة بقصد إشباع حاجة عامة للمواطنين، وبهدف تحقيق المصلحة العامة .
ونخلص مما سبق إلى أن المرفق العام وفقاً للمفهوم المادي ، هو كل نشاط يهدف إلى تحقيق النفع العام للمجتمع ، سواءً كان الشخص الذي يديره شخصاً اعتبارياً عاماً أم شخصاً اعتبارياً خاصاً .
وعلى ذلك ، فالتعليم العام مثلاً ، والصحة والنقل العام ، وتزويد المدن بالمياه والكهرباء جميعها تعتبر مرافق عامة بالنظر إليها من الناحية المادية أو الموضوعية (59) . فالمعيار الموضوعي يربط المرفق العام بالهدف الذي يسعى إليه وهو المصلحة العامة . فإذا كان النشاط يحقق مصلحة عامة فإنه يعد مرفقاً عاماً ، أما إذا لم يكن يهدف إلى تحقيق النفع العام وإنما يهدف إلى تحقيق الربح فإنه لا يعتبر مرفقاً عاماً .
وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً كبيراً لدى غالبية الفقه والقضاء . إلاَّ أنه مع تطور وظيفة الإدارة واتساعها ، لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى ولجوء الدول تحت تأثير تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية إلى التدخل في الميدان الاقتصادي ، بالإضافة إلى تبني الكثير منها النهج الاشتراكي ، وظهور ما سمي بالدولة " الخادمة " ، أصبح هذا المفهوم قاصراً وغير كافٍ لوحده ـ شأنه شأن المفهوم العضوي ـ على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري ، وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه (60) .
كما أن هذا المفهوم ( الموضوعي ) قد يؤدي إلى الاختلاف في التفسير والاضطراب في التطبيق ، وذلك لأنه يقيم تحديد المرفق العام على اعتبارات ذاتية بحتة يصعب إن لم يكن يستحيل معها ضبطه بدقة . ففكرة المصلحة العامة تتميز بالمرونة التي تفرض عليها التغير من وقت لآخر ، بل في الوقت الواحد من مكان لآخر ، كما أنها في المكان الواحد تبعاً لتغير النظام المطبق فيه اشتراكياً كان أم رأسمالياً ، وهذا أمر يفرض عليها أن تخضع في تفسيرها لمطلق تقدير القاضي ، وفي تطبيقها لإرادة الإدارة التي أنشأت المرفق (61) . هذا بالإضافة إلى أن المصلحة العامة ليست هدفاًمقصوراً على المرافق العامة فحسب ، وإنما يمكن أن توجد في غيرها من المرافق (62) . فهناك العديد من المشروعات الخاصة التي تقوم بتحقيق المصلحة العامة من خلال المؤسسات الخاصة ذات النفع العام ، إلاَّ أنها لا تعد مرافق عامة على الرغم من قيامها بتحقيق المصلحة العامة.
وهذا ما أكده الفقيه ريفيرو Rivero بقوله إنه إذا كانت الإدارة دائماً تسعى إلى المصلحة العامة ، فإنها ليست الوحيدة التي تسعى لتحقيق هذا الهدف ، وإنما الأفراد أيضاً يحققون من خلال مشروعاتهم هذه المصلحة جبراً أو اختياراً ، ذلك أن المصلحة العامة هي الهدف الأسمى ليست للقانونالإداري فحسب وإنما للقانون بصفة عامة . فكيف نعترف بها كمعيار للقانون الإداري وحده (63) .
ونخلص مما سبق إلى أنه ، لا يكفي لتعريف المرفق العام ، وبالتالي لتحديد نطاق القانون الإداري أن نأخذ بالمفهوم العضوي وحده لما لحقه من قصور ـ أشرنا إليه فيما سلف ـ كما لا يكفي من جهة أخرى اعتبار النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس الوحيد في تعريف المرفق العام ، فاستهداف المصلحة العامة ليس حكراً على الدولة وحدها وإنما قد ينهض بها الأفراد في صورة مشروعات ذات نفع عام (64) .
ولعل هذا ما دفع إلى اتجاه غالبية الفقه وأحكام القضاء إلى الجمع بين المفهومين في تعريف المرفق العام ، وذلك بالنظر إليه من الناحيتين العضوية والمادية معاً ، وهو ما يعرف بالمفهوم المزدوج للمرفق العام (65) .
Page 9
المطلب الثالث: المفهوم المزدوج للمرفق العام
نتيجةً للتطورات التي طرأت على وظيفة الإدارة واتساعها في كثير من الدول لاتباعها سياسة التدخل الاقتصادي ، وانتشار المذهب الاشتراكي ، وما ترتب على ذلك من انفصام المفهوم العضوي للمرفق العام عن مفهومه المادي ، وأصبح كل منهما قاصراً لوحده على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه ، اتجه غالبية الفقه إلى الجمع بين المعيارين ( العضوي والمادي ) في تعريف المرفق العام (66) .
وتجدر الإشارة هنا ، إلى أنه رغم الخلافات الفقهية التي كانت قائمة حول تحديد مفهوم المرفق العام ، واعتناق البعض للمفهوم العضوي ، واتجاه البعض الآخر إلى اعتناق المفهوم المادي أو الموضوعي ، إلاَّ أن جميع الفقهاء يسلمون بأن اصطلاح " مرفق عام " يشمل المنظمة والنشاط العام . وأن تلك الخلافات إنما تدور حول أيهما أهم لتعريف المرفق العام . فالمفهوم المادي والمفهوم العضوي ليسا متباعدين ، كما أن الفقه والقضاء يستخدمان اصطلاح المرفق العام لينصرف إلى أي من المعنيين . غير أن هناك من يرى أن المفهوم المادي يجب أن تكون له الأولوية. بمعنى أنه يجب ويكفي لكي نجد أنفسنا أمام مرفق عام أن يكون هناك نشاطاً يحقق مصلحة عامة اتجهت نية السلطات العامة إلى اعتباره مرفقاً عاماً (67) . بينما ذهب البعض الآخر إلى تغليب المعيار الشكلي أو العضوي بحيث يكون المرفق العام هو الهيئة أو المنظمة التي تضطلع بالنشاط الهادف إلى تحقيقالنفع العـام (68) .
غير أن هذين المفهومين أصبح كل منهما قاصراً وحده على التعبير بدقة عن مفهوم المرفق العام في القانون الإداري بعد التطورات التي طرأت على فكرة المرفق العام ، والتي دفعت بعض الفقه والقضاء إلى الجمع بين المفهومين في تعريف المرفق العام ، وهو ما يعرف بالمفهوم المزدوج للمرفق العام .
وعلى ذلك ، فإذا كان المرفق العام عضوياً بمثابة هيئة أو جهة عامة ، وموضوعياً يعد نشاطاً معيناً ، فإنه من الناحيتين الموضوعية والعضوية يعني نشاطاً تمارسه هيئة عامة بقصد إشباع حاجة عامة (69) .
ويؤكد الفقيه ( Rolland ) ـ في رأي آخر له ـ على وجوب اختيار تعريف للمرفق العام يشمل المعنى المادي للمرفق ، وهو النشاط ، والمعنى العضوي المتمثل في الهيئة التي تقوم به ، ولذا فهو يقول " المرافق العامة هي المشروعات أو المنظمات ذات النفع العام الموضوعة تحت إدارة الحاكمينالعليا والمعدة لقضاء حاجات الجمهور العامة " (70) .
وهذا ما أشار إليه الفقيهان ( جين ريفيرو ، جين فالين Jean Rivero - Jean Waline ) ، وذلك في إطار تحديدهما لمفهوم المرفق العام ، حيث أكدا على ضرورة أن يكون المرفق الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة متصلاً بشخص عام(71) .
وهو ما أكده أيضاً الفقيه ( جاكو موريو Jacques Moreau ) بقوله إن " المرفق العام هو أولاً نشاط يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة " ، إلا أن " هذا المرفق ـ لابد أن يكون تابعاً ( أو بديلاً ) لشخص عام "(72) .
ويحدد الدكتور محمد فؤاد مهنا مفهوم المرفق العام بقوله " إن جميع الفقهاء يسلمون بأن اصطلاح مرفق عام يشمل المنظمة والنشاط معاً ، بمعنى أن كلاً من المنظمة والنشاط يمكن أن يعتبر مرفقاً عاماً إذا توافرت فيه العناصر المميزة للمرافق العامة ، ولهذا رأينا أن نستخدم في تعريف المرافق العامة اصطلاحاً يحمل معنى المنظمة والنشاط معاً بقولنا أنها مشروعات " (73) . ولذا فهو يعرف المرافق العامة بأنها " مشروعات تنشؤها الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام ويكون الرأي الأعلى في إدارتها للسلطة العامة" (74) .
ولقد وجد هذا التعريف تأييداً كبيراً لدى غالبية الفقه في مصر (75) .
ويؤكد الدكتور ثروت بدوي على أن تعريف المرفق العام من خلال اتحاد العنصرين العضوي والموضوعي ، يمثل التصوير المنطقي لمفهوم المرفق العام ، وذلك لوجود ارتباط وثيق بينهما على الأقل من الناحية الواقعية المستساغة منطقياً ، لأن كل نشاط لابد أن يصدر عن جهة أو هيئة معينة ، كما أن كل منظمة لابد أن تمارس نشاطاً معيناً (76) .
ومن هنا كان بحكم اللزوم المنطقي الجمع في تعريف المرفق العام بين المعنى المادي والعضوي ، بغض النظر عن سيادة أحد المعنيين في التعريف على الآخر ، أي سواء كان العنصر البارز في التعريف هو عنصر النشاط العام أم كان عنصر الهيئة أو المنظمة التي تمارس هذا النشاط .
وفي لبنان يرى البعض من الفقه (77) ، أن مصطلح المرفق العام يعني نشاط ، وبالوقت ذاته هيئة ، غير أنه حينما نريد أن نعرف المرفق العام يجب أن ننظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع ( Entreprise ) لا إلى الهيئة التي تتولاه ، لأن مجلس الدولة الفرنسي أضفى بصفة المرفق العام في بعض الحالات على المشروعات التي يقوم بتأديتها النشاط الفردي حتى ولو لم تتولى هيئات إدارية أمر القيام بتلك المشروعات .
ونستخلص من ذلك أن هذا الرأي يذهب إلى الأخذ بالمفهوم المادي للمرفق العام. غير أنه عند تعريفه للمرفق العام ، ينتهي إلى القول بأنه " عبارة عن مشروعات تنشئها الدولة وتديرها أو تعمل تحت إشرافها ورقابتها باستمرار تحقيقاً لأداء خدمة عامة للجمهور " . وفي هذا ما يدل صراحة على أخذه بالمفهوم المزودج للمرفق العام ، على خلاف ما سبق أن أشار إليه من ضرورة النظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع لا إلى الهيئة التي تتولاه ، ويبرر ذلك بقوله " وقد اخترنا قبلاً تعريف المرفق العام بما يدل على النشاط ، أي المعنى المادي ، ولم نهمل الركن الشكلي أيضاً ، لأن مجلس الشورى الفرنسي بدأ بقراراته الأخيرة يجمع بين الركنين " (78) .
وقد أوضح الدكتور محمد عبدالله الحراري في معرض تحديده لمفهوم المرفق العام مدى قصور كل من المفهوم العضوي ، والمفهوم المادي كل لوحده على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري ، وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه ، وذلك بعد تطور وظيفة الإدارة واتساعها ، وانتشار المبادئ الاشتراكية في كثير من الدول . إذ لا يمكن الاعتماد على المفهوم العضوي وحده والقول بأن المرفق العام هو كل جهة إدارية عامة ، فهناك جهات إدارية لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة كالشركات العامة ، ولكنها رغم ذلك تخضع للقواعد القانونية للمرافق العامة ، كما لا يكفي من جهة أخرى أن نقرر أن النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس الوحيد في تعريف المرفق العام ، ذلك لأن استهداف المصلحة العامة لم يعد حكراً على الإدارة ، بل اصبحت تشاركها فيه المشروعات الفردية الخاصة كالمؤسسات الخاصة ذات النفع العام (79) .
نتيجةً للتطورات التي طرأت على وظيفة الإدارة واتساعها في كثير من الدول لاتباعها سياسة التدخل الاقتصادي ، وانتشار المذهب الاشتراكي ، وما ترتب على ذلك من انفصام المفهوم العضوي للمرفق العام عن مفهومه المادي ، وأصبح كل منهما قاصراً لوحده على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه ، اتجه غالبية الفقه إلى الجمع بين المعيارين ( العضوي والمادي ) في تعريف المرفق العام (66) .
وتجدر الإشارة هنا ، إلى أنه رغم الخلافات الفقهية التي كانت قائمة حول تحديد مفهوم المرفق العام ، واعتناق البعض للمفهوم العضوي ، واتجاه البعض الآخر إلى اعتناق المفهوم المادي أو الموضوعي ، إلاَّ أن جميع الفقهاء يسلمون بأن اصطلاح " مرفق عام " يشمل المنظمة والنشاط العام . وأن تلك الخلافات إنما تدور حول أيهما أهم لتعريف المرفق العام . فالمفهوم المادي والمفهوم العضوي ليسا متباعدين ، كما أن الفقه والقضاء يستخدمان اصطلاح المرفق العام لينصرف إلى أي من المعنيين . غير أن هناك من يرى أن المفهوم المادي يجب أن تكون له الأولوية. بمعنى أنه يجب ويكفي لكي نجد أنفسنا أمام مرفق عام أن يكون هناك نشاطاً يحقق مصلحة عامة اتجهت نية السلطات العامة إلى اعتباره مرفقاً عاماً (67) . بينما ذهب البعض الآخر إلى تغليب المعيار الشكلي أو العضوي بحيث يكون المرفق العام هو الهيئة أو المنظمة التي تضطلع بالنشاط الهادف إلى تحقيقالنفع العـام (68) .
غير أن هذين المفهومين أصبح كل منهما قاصراً وحده على التعبير بدقة عن مفهوم المرفق العام في القانون الإداري بعد التطورات التي طرأت على فكرة المرفق العام ، والتي دفعت بعض الفقه والقضاء إلى الجمع بين المفهومين في تعريف المرفق العام ، وهو ما يعرف بالمفهوم المزدوج للمرفق العام .
وعلى ذلك ، فإذا كان المرفق العام عضوياً بمثابة هيئة أو جهة عامة ، وموضوعياً يعد نشاطاً معيناً ، فإنه من الناحيتين الموضوعية والعضوية يعني نشاطاً تمارسه هيئة عامة بقصد إشباع حاجة عامة (69) .
ويؤكد الفقيه ( Rolland ) ـ في رأي آخر له ـ على وجوب اختيار تعريف للمرفق العام يشمل المعنى المادي للمرفق ، وهو النشاط ، والمعنى العضوي المتمثل في الهيئة التي تقوم به ، ولذا فهو يقول " المرافق العامة هي المشروعات أو المنظمات ذات النفع العام الموضوعة تحت إدارة الحاكمينالعليا والمعدة لقضاء حاجات الجمهور العامة " (70) .
وهذا ما أشار إليه الفقيهان ( جين ريفيرو ، جين فالين Jean Rivero - Jean Waline ) ، وذلك في إطار تحديدهما لمفهوم المرفق العام ، حيث أكدا على ضرورة أن يكون المرفق الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة متصلاً بشخص عام(71) .
وهو ما أكده أيضاً الفقيه ( جاكو موريو Jacques Moreau ) بقوله إن " المرفق العام هو أولاً نشاط يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة " ، إلا أن " هذا المرفق ـ لابد أن يكون تابعاً ( أو بديلاً ) لشخص عام "(72) .
ويحدد الدكتور محمد فؤاد مهنا مفهوم المرفق العام بقوله " إن جميع الفقهاء يسلمون بأن اصطلاح مرفق عام يشمل المنظمة والنشاط معاً ، بمعنى أن كلاً من المنظمة والنشاط يمكن أن يعتبر مرفقاً عاماً إذا توافرت فيه العناصر المميزة للمرافق العامة ، ولهذا رأينا أن نستخدم في تعريف المرافق العامة اصطلاحاً يحمل معنى المنظمة والنشاط معاً بقولنا أنها مشروعات " (73) . ولذا فهو يعرف المرافق العامة بأنها " مشروعات تنشؤها الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام ويكون الرأي الأعلى في إدارتها للسلطة العامة" (74) .
ولقد وجد هذا التعريف تأييداً كبيراً لدى غالبية الفقه في مصر (75) .
ويؤكد الدكتور ثروت بدوي على أن تعريف المرفق العام من خلال اتحاد العنصرين العضوي والموضوعي ، يمثل التصوير المنطقي لمفهوم المرفق العام ، وذلك لوجود ارتباط وثيق بينهما على الأقل من الناحية الواقعية المستساغة منطقياً ، لأن كل نشاط لابد أن يصدر عن جهة أو هيئة معينة ، كما أن كل منظمة لابد أن تمارس نشاطاً معيناً (76) .
ومن هنا كان بحكم اللزوم المنطقي الجمع في تعريف المرفق العام بين المعنى المادي والعضوي ، بغض النظر عن سيادة أحد المعنيين في التعريف على الآخر ، أي سواء كان العنصر البارز في التعريف هو عنصر النشاط العام أم كان عنصر الهيئة أو المنظمة التي تمارس هذا النشاط .
وفي لبنان يرى البعض من الفقه (77) ، أن مصطلح المرفق العام يعني نشاط ، وبالوقت ذاته هيئة ، غير أنه حينما نريد أن نعرف المرفق العام يجب أن ننظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع ( Entreprise ) لا إلى الهيئة التي تتولاه ، لأن مجلس الدولة الفرنسي أضفى بصفة المرفق العام في بعض الحالات على المشروعات التي يقوم بتأديتها النشاط الفردي حتى ولو لم تتولى هيئات إدارية أمر القيام بتلك المشروعات .
ونستخلص من ذلك أن هذا الرأي يذهب إلى الأخذ بالمفهوم المادي للمرفق العام. غير أنه عند تعريفه للمرفق العام ، ينتهي إلى القول بأنه " عبارة عن مشروعات تنشئها الدولة وتديرها أو تعمل تحت إشرافها ورقابتها باستمرار تحقيقاً لأداء خدمة عامة للجمهور " . وفي هذا ما يدل صراحة على أخذه بالمفهوم المزودج للمرفق العام ، على خلاف ما سبق أن أشار إليه من ضرورة النظر إلى موضوع النشاط الذي يباشره المشروع لا إلى الهيئة التي تتولاه ، ويبرر ذلك بقوله " وقد اخترنا قبلاً تعريف المرفق العام بما يدل على النشاط ، أي المعنى المادي ، ولم نهمل الركن الشكلي أيضاً ، لأن مجلس الشورى الفرنسي بدأ بقراراته الأخيرة يجمع بين الركنين " (78) .
وقد أوضح الدكتور محمد عبدالله الحراري في معرض تحديده لمفهوم المرفق العام مدى قصور كل من المفهوم العضوي ، والمفهوم المادي كل لوحده على التعبير عن حقيقة المرفق العام في القانون الإداري ، وبالتالي على تحديد نطاق تطبيقه ، وذلك بعد تطور وظيفة الإدارة واتساعها ، وانتشار المبادئ الاشتراكية في كثير من الدول . إذ لا يمكن الاعتماد على المفهوم العضوي وحده والقول بأن المرفق العام هو كل جهة إدارية عامة ، فهناك جهات إدارية لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة كالشركات العامة ، ولكنها رغم ذلك تخضع للقواعد القانونية للمرافق العامة ، كما لا يكفي من جهة أخرى أن نقرر أن النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس الوحيد في تعريف المرفق العام ، ذلك لأن استهداف المصلحة العامة لم يعد حكراً على الإدارة ، بل اصبحت تشاركها فيه المشروعات الفردية الخاصة كالمؤسسات الخاصة ذات النفع العام (79) .
Page 10
وهذا ما أكده الدكتور صبيح مسكوني في إطار تحليله لمفهوم المرفق العام . فهو يرى أن التوافق والتلاقي بين الجانبين العضوي والمادي في المرفق العام ، وإن كان قائماً في الدولة الحارسة أي في الدولة الليبرالية التي يكون النشاط الذي تتولاه في إشباع الحاجات العامة محصور في مجالات معينة كالدفاع والأمن والقضاء خاصة ، وتتولاه الهيئات الإدارية التابعة للدولة ، فإن مثل هذا الترابط بين الإدارة العامة ( المرفق العام بمعناه العضوي ) والنشاط الذي يبتغي المصلحة العامة ( المرفق العام بمعناه المادي ) اصبح منفصماً ، لإتباع الأولى بصورة عامة اليوم سياسة التدخل الاقتصادي والمذهب الاشتراكي عامةً ، الأمر الذي أدى إلى انفصال هذين العنصـرين عن بعضهما (80).
فمن جهة قد يعهد إلى أشخاص عاديين أو منظمات خاصة إدارة المرافق العامة كما هو الحال بالنسبة لعقود امتياز المرافق العامة .
ومن جهة أخرى ونتيجةً لتعاظم تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي قد لا توجد مرافق عامة رغم قيام هيئات إدارية عامة بممارسة نشاطات معينة نظراً لعدم استهداف هذه النشاطات المصلحة العامة . من ذلك قيام الإدارة باستغلال أموالها ( دومينها ) الخاص بإقامة المباني وبيعها وتأجيرها فإن ذلك لا يرقى إلى مرتبة المرفق العام لعدم استهدافه المصلحة العامة وإنما مصلحة الإدارة الخاصة (81) . وهذا يؤكد قصور المفهوم العضوي في تعريف المرفق العام .
كما أنه لا يكفي أن نقرر أن النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس في تعريف المرفق العام ، إذ يجب أيضاً أن تحدد خصائص المصلحة العامة التي تميز المرفق الإداري عن غيره من الفعاليات ، سواء تلك التي تقوم بها الدولة تحقيقاً للمصلحة العامة أو تلك التي ينهض بها الأفراد مبتغين منها المصلحة العامة أيضاً والتي تتخذ لها صورة مشروعات خاصة ذات نفع عام . إذ أن استهداف المصلحة العامة ليس حكراً على الدولة وحدها (82) ، مما يؤكد قصور المفهوم المادي أيضاً على التعبير عن حقيقة المرفق العام .
ونتيجةً لهذا الانفصال بين الجانب العضوي والجانب المادي يرى الدكتور (مسكوني) أن اصطلاح المرفق العام أصبح له مدلول واسع ، ومن ثم فهو يعرف المرفق العام بأنه " كل نشاط يستهدف تحقيق النفع العام قامت به الإدارة العامة بنفسها أو عهدت بممارسته إلى شخص من أشخاص القانون الخاص تحت إشرافها ورقابتها " (83) . وهو بذلك يرجح الأخذ بالمفهوم المزدوج للمرفق العام دون المفهوم العضوي أو المادي .
وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد ذهب في أول أحكامه إلى الأخذ بالمعيار العضوي في تحديد مفهوم المرفق العام ، ثم آثر بعدها تغليب الجانب المادي على الجانب العضوي نتيجةً لتطور النشاط الذي يهدف إلى تحقيق النفع العام ، إلاَّ أنه بدأ أخيراً يضم العنصرين معاً ،ويأخذ في قراراته بالمفهوم المزدوج للمرفق العام (84) . فهو حين يصف المرفق العام اليوم يقول عنه بأنه الجهاز الإداري ، والهيئة المكلفة بإدارة المرفق العام ، مما يدل على أن الاجتهاد الحديث بدأ يعبر عن المرفق العام بأنه نشاط تقرر الإدارة تحقيقه أو العمل على تحقيقه (85) .
وهذا ما ذهب إليه مجلس الدولة المصري في فتوى لقسم الرأي بتاريخ 16 مايو سنة 1955 ، حيث أكد على أنه ، وإن كانت فكرة المرفق العام غير محددة تحديداً واضحاً وليس لها تعريف جامع مانع ، إلا أن العنصر الأساسي فيها هو ضرورة وجود خدمة عامة يهدف المشروع إلى أدائها ،وتقوم بها الحكومة مباشرةً أو يقوم بها ملتزم تحت إشراف السلطة الإدارية في نطاق القانون العام (86) .
أما في الجماهيرية الليبية ، فلا يزال القضاء الإداري الليبـي يأخذ بالمفهوم العضوي للمرفق العام ، متبنياً لهذا المفهوم عند تعريفه للموظف العام والقرار الإداري والعقد الإداري رغم الانتقادات الفقهية لهذا المسلك ، ورغم ما ترتب على ذلك من إيجاد قضـاء قاصـر عن مواكبـة التحـول الهائـل الـذي شهدتـه الوظيفـة الإداريـة منـذ بدايــة السبعينيـات (87) .
والواقع ... إنه يلزم حقاً الجمع بين المفهومين العضوي والموضوعي معاً لتحديد مفهوم المرفق العام بصورة واضحة ، بصرف النظر عن تغليب أحد المعيارين في التعريف عن الآخر .
فلابد لوجود المرفق العام أن يكون هناك نشاط يهدف إلى إشباع حاجة عامة ، وأن تتولى هذا النشاط الإدارة بنفسها ، أو يتولاه فرد عادي أو هيئة خاصة تحت توجيه الإدارة ورقابتها وإشرافها ، بحيث يكون الرأي الأعلى والكلمة النهائية في إنشاء وإدارة المشروع لها .
وتأسيساً على ذلك ، يمكن تعريف المرفق العام بأنه مشروع تنشؤه الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام ، ويكون الرأي الأعلى في إدارته للسلطة العامة (88) . أو بأنه مشروع تتولاه الإدارة ، أو يتولاه فرد عادي تحت توجيه الإدارة وإشرافها بقصد تحقيق النفع العام .
غير أنه يتعين ملاحظة ، أن المرفق العام وإن كان مشروع ، فليس معنى هذا أن كل مشروع يعتبر مرفقاً عاماً ، وإنما يعد منها كذلك فقط المشروعات التي تتوافر فيها شروط أو عناصر معينة تميز هذه المرافق عن المشروعات الخاصة ، وهي ما تعرف بالعناصر المميزة للمرفق العام ، والتي سنتناولها تفصيلاً في المبحث القادم .
فمن جهة قد يعهد إلى أشخاص عاديين أو منظمات خاصة إدارة المرافق العامة كما هو الحال بالنسبة لعقود امتياز المرافق العامة .
ومن جهة أخرى ونتيجةً لتعاظم تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي قد لا توجد مرافق عامة رغم قيام هيئات إدارية عامة بممارسة نشاطات معينة نظراً لعدم استهداف هذه النشاطات المصلحة العامة . من ذلك قيام الإدارة باستغلال أموالها ( دومينها ) الخاص بإقامة المباني وبيعها وتأجيرها فإن ذلك لا يرقى إلى مرتبة المرفق العام لعدم استهدافه المصلحة العامة وإنما مصلحة الإدارة الخاصة (81) . وهذا يؤكد قصور المفهوم العضوي في تعريف المرفق العام .
كما أنه لا يكفي أن نقرر أن النشاط المستهدف للمصلحة العامة هو الأساس في تعريف المرفق العام ، إذ يجب أيضاً أن تحدد خصائص المصلحة العامة التي تميز المرفق الإداري عن غيره من الفعاليات ، سواء تلك التي تقوم بها الدولة تحقيقاً للمصلحة العامة أو تلك التي ينهض بها الأفراد مبتغين منها المصلحة العامة أيضاً والتي تتخذ لها صورة مشروعات خاصة ذات نفع عام . إذ أن استهداف المصلحة العامة ليس حكراً على الدولة وحدها (82) ، مما يؤكد قصور المفهوم المادي أيضاً على التعبير عن حقيقة المرفق العام .
ونتيجةً لهذا الانفصال بين الجانب العضوي والجانب المادي يرى الدكتور (مسكوني) أن اصطلاح المرفق العام أصبح له مدلول واسع ، ومن ثم فهو يعرف المرفق العام بأنه " كل نشاط يستهدف تحقيق النفع العام قامت به الإدارة العامة بنفسها أو عهدت بممارسته إلى شخص من أشخاص القانون الخاص تحت إشرافها ورقابتها " (83) . وهو بذلك يرجح الأخذ بالمفهوم المزدوج للمرفق العام دون المفهوم العضوي أو المادي .
وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد ذهب في أول أحكامه إلى الأخذ بالمعيار العضوي في تحديد مفهوم المرفق العام ، ثم آثر بعدها تغليب الجانب المادي على الجانب العضوي نتيجةً لتطور النشاط الذي يهدف إلى تحقيق النفع العام ، إلاَّ أنه بدأ أخيراً يضم العنصرين معاً ،ويأخذ في قراراته بالمفهوم المزدوج للمرفق العام (84) . فهو حين يصف المرفق العام اليوم يقول عنه بأنه الجهاز الإداري ، والهيئة المكلفة بإدارة المرفق العام ، مما يدل على أن الاجتهاد الحديث بدأ يعبر عن المرفق العام بأنه نشاط تقرر الإدارة تحقيقه أو العمل على تحقيقه (85) .
وهذا ما ذهب إليه مجلس الدولة المصري في فتوى لقسم الرأي بتاريخ 16 مايو سنة 1955 ، حيث أكد على أنه ، وإن كانت فكرة المرفق العام غير محددة تحديداً واضحاً وليس لها تعريف جامع مانع ، إلا أن العنصر الأساسي فيها هو ضرورة وجود خدمة عامة يهدف المشروع إلى أدائها ،وتقوم بها الحكومة مباشرةً أو يقوم بها ملتزم تحت إشراف السلطة الإدارية في نطاق القانون العام (86) .
أما في الجماهيرية الليبية ، فلا يزال القضاء الإداري الليبـي يأخذ بالمفهوم العضوي للمرفق العام ، متبنياً لهذا المفهوم عند تعريفه للموظف العام والقرار الإداري والعقد الإداري رغم الانتقادات الفقهية لهذا المسلك ، ورغم ما ترتب على ذلك من إيجاد قضـاء قاصـر عن مواكبـة التحـول الهائـل الـذي شهدتـه الوظيفـة الإداريـة منـذ بدايــة السبعينيـات (87) .
والواقع ... إنه يلزم حقاً الجمع بين المفهومين العضوي والموضوعي معاً لتحديد مفهوم المرفق العام بصورة واضحة ، بصرف النظر عن تغليب أحد المعيارين في التعريف عن الآخر .
فلابد لوجود المرفق العام أن يكون هناك نشاط يهدف إلى إشباع حاجة عامة ، وأن تتولى هذا النشاط الإدارة بنفسها ، أو يتولاه فرد عادي أو هيئة خاصة تحت توجيه الإدارة ورقابتها وإشرافها ، بحيث يكون الرأي الأعلى والكلمة النهائية في إنشاء وإدارة المشروع لها .
وتأسيساً على ذلك ، يمكن تعريف المرفق العام بأنه مشروع تنشؤه الدولة بقصد تحقيق غرض من أغراض النفع العام ، ويكون الرأي الأعلى في إدارته للسلطة العامة (88) . أو بأنه مشروع تتولاه الإدارة ، أو يتولاه فرد عادي تحت توجيه الإدارة وإشرافها بقصد تحقيق النفع العام .
غير أنه يتعين ملاحظة ، أن المرفق العام وإن كان مشروع ، فليس معنى هذا أن كل مشروع يعتبر مرفقاً عاماً ، وإنما يعد منها كذلك فقط المشروعات التي تتوافر فيها شروط أو عناصر معينة تميز هذه المرافق عن المشروعات الخاصة ، وهي ما تعرف بالعناصر المميزة للمرفق العام ، والتي سنتناولها تفصيلاً في المبحث القادم .