eKtab
EN ع
النظام السياسي ومشكلات الوحدة الوطنية في دول جنوب افريقيا
Read free sample

النظام السياسي ومشكلات الوحدة الوطنية في دول جنوب افريقيا

by د. خميس حميد دهام

Page 1

أولاً – عنوان البحث :-

إن عنوان البحث يعكس الأهمية المتزايدة لمشكلات الوحدة الوطنية وتثبيت أسس النظام السياسي وقنواته الاجتماعية والثقافية والقيمية ؛ لذا جاء عنوان البحث (( النظام السياسي ومشكلات الوحدة الوطنية في دولة جنوب أفريقيا)) ليتلائم وهدف البحث من دراسة بنية النظام السياسي وتفرعاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

ثانياً – غاية البحث :-

تحاول الدراسة الإجابة عن أسئلة عدة منها ، أن سياسة التمييز العنصري التي كانت عقيدة النظام السابق ، أهي المحفز والباعث في إثارة مشكلات الوحدة الوطنية ؟ أم أن ثمة عوامل أخرى كالاستعمار والاستيطان ؟ وهل يمكن في التحليل الأخير للنظام السياسي الناشئ أن يضع حداً لهذه المشكلات ؟ وهل تستمر هذه المشكلات مع تصاعد الخط البياني لمنجزات النظام السياسي الجديد ؟.

ثالثاً – فرضية البحث :-

تبتغي الأطروحة التحقق من فرضية مفادها ، إن مشكلات الوحدة الوطنية في دولة جنوب أفريقيا وجدت نتيجة مباشرة لمساوئ النظام العنصري السابق وأن هناك عوامل وتداعيات داخلية وخارجية تضافرت جميعها لتسهم في تغيير النظام القديم وإرساء معالم المرحلة الجديدة .

رابعاً – أهمية الدراسة :-

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تهتم بدراسة الإطار السياسي للنظام السياسي وتحليله، فضلاً عن مشكلات الوحدة الوطنية بوصفهما متغيرين متغير مستقل ، وآخر تابع ، وقد جاءت هذه الدراسة في منطلقاتها الأساسية من خلال التحليل السياسي والموضوعي في تحليل أدوات النظام السياسي وتفاعلاته .

خامساً – منهجية الدراسة :-

اقتضت هذه الدراسة تبني مناهج عدة ، من أجل الوصول إلى الاستنتاجات الأساسية، إذ لا يمكن دراسة النظام السياسي ومشكلات الوحدة الوطنية دراسة علمية مستفيضة من غير الاعتماد على منهج علمي شامل ، ومن ثم فإن المناهج التقليدية تبقى قاصرة في الولوج إلى مفاتيح هذه الأنماط من الدراسات ، وكان حرّيا بنا أن نتبنى منهجاً تكاملياً وطبقاً لطبيعة هذه الدراسة ، سار الباحث في ضوء المنهجية التاريخية والاجتماعية التي مكنته بسير أغوار تحليلاته على مقتضى أدوات المنهجية (الوظيفية – البنيوية) متلائمة مع (المنهجية الكلاسيكية) والمنهجية النظامية بما يخدم البحث في استنباط الحلول الجذرية والمشاكل الواقعية التي يعاني منها النظام السياسي على وفق دراسة بنائية هيكلية ذات نمط بنيوي – علائقي ووظيفي ، لتكون المنهجية المتبعة في الدراسة (المنهجية الاجتماعية – المركبة) .

سادساً- نطاق البحث :-

انتظمت الدراسة في أربعة فصول ، فضلاً عن المقدمة والخاتمة ، كرس الفصل الأول لمناقشة (نشأة دولة جنوب أفريقيا وتطورها) في أربعة مباحث ففي المبحث الأول تناولنا طبيعة الاستعمار وتكوين الدولة ، في حين تناولنا في المبحث الثاني التركيبة الاجتماعية ، أما المبحث الثالث فقد عالج (التركيبة اللغوية والدينية) ، أما المبحث الرابع فقد تناولنا فيه (البنية الاقتصادية) .

أما الفصل الثاني ، فقد تناول النظام السياسي ومؤسسات الدولة في مباحث ثلاثة ، ففي مبحثه الأول كرس (لهيكلية النظام السياسي) وتناول المبحث الثاني (دور القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة في النظام السياسي) وعالج المبحث الثالث: (شرعية النظام السياسي ومشروعيته) على الصعيدين الخارجي والداخلي ، في حين خصص الفصل الثالث لدراسة سياسة النظام العنصرية ومشكلات الوحدة الوطنية وفي خمسة مباحث ، ناقشنا في المبحث الأول (التمييز العنصري وأثره في الوحدة الوطنية) أما في المبحث الثاني فقد ناقشنا (أشكال التمييز العنصري) ، أما في المبحث الثالث ، فقد عالجنا (القوى المناهضة لسياسة النظام العنصري على الصعيد الداخلي) بينما تناول المبحث الرابع (القوى الداعمة للنظام العنصري على الصعيد الدولي) ، فيما عالج المبحث الخامس (مشكلات النظام مع دول الجوار ) .

أما الفصل الأخير في هذه الأطروحة فقد كرس (للتحولات الديمقراطية للنظام السياسي وتحديات الوحدة الوطنية ) ، وفي ثلاثة مباحث ، جاء الأول لدراسة (العوامل المؤثرة في تغيير النظام السياسي ) ، وتناول المبحث الثاني (التحولات الديمقراطية ) ، فيما تناول المبحث الثالث ( التحديات على صعيد الوحدة الوطنية وأساليب معالجتها ) وبينت خاتمة الأطروحة ، خلاصة واستنتاجات توصل إليها الباحث في تقويم النظام السياسي وتقدير مستقبله السياسي ومستقبل الوحدة الوطنية في إطاره .

سابعاً – واجهت هذه الأطروحة وهي تعالج مشكلات تاريخية عدة ذات تشابكات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ، عوائق ومصاعب ومن أبرز هذه المعوقات ندرة البحوث والدراسات التي تناولت هذا البلد وندرة المعلومات المتوفرة فيما يخص النظام السياسي الناشئ والتي لم تعط الباحث الاستفادة المثلى في عمله ولا سيما ، أن معظمها قد كتب بلغات أجنبية ، لذا كلفت الباحث جهداً ووقتاً ، كما أن الباحث قد حرم من دراسة ميدانية لدولة جنوب أفريقيا بسبب ظروف الحصار الجائر المفروض من قوى الشر والضلالة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على بلدنا العزيز ، ولكن مع كل هذه المعوقات والمصاعب التي واجهت الباحث ، إلا أن الباحث استطاع بمشيئة الله تعالى الاستفادة من الملاحظات القيمة والآراء السديدة للدكتور المشرف الأستاذ الفاضل سعد ناجي جواد المشرف على هذه الأطروحة ، وأن يجتاز هذه الصعوبات ويذللها بأخلاص لكي يكتمل هذا البحث كوثيقة سياسية وفكرية واقتصادية أمينة لدولة جنوب أفريقيا ، عن طريق ملاحظات الأساتذة الأفاضل المناقشين لما يملكونه من آراء علمية ، ولست أدعي الكمال في هذا العمل ، لأن الكمال لله وحده ، ولكن أخلاصي لهذا العمل قد يسوّغ جزءاً من القصور ، والله الموفق .

المؤلف

Page 2

تــــمهيــد

تقع دولة جنوب أفريقيا في أقصى جنوب القارة الأفريقية ، وتبلغ مساحتها (1.221.137) كيلو متر مربع ، وبلغ عدد سكانها في منتصف عام 2000 حوالي 43.685.699 ([1]) مليون نسمة ومن اشهر مدنها بريتوريا العاصمة الرسمية وكيب تاون العاصمة التشريعية وبلوم فونتين التي تعد مركز السلطة القضائية في الدولة .
وتتمتع دولة جنوب أفريقيا بموقع استراتيجي مهم جداً ، إذ تطل على المحيط الأطلسي والمحيط الهندي ، كما انها ترتبط بحدود مشتركة مع عدد من الدول الأفريقية ، فتحدها ناميبيا من الجنوب الغربي وبتسوانا من الشمال الغربي وزيمبابوي من الجنوب وموزمبيق وسوازيلاند من الشرق ، ويحدها المحيط الأطلسي من الجنوب والغرب والمحيط الهندي من الجنوب الغربي ([2]) .
ان هذا الموقع الاستراتيجي المهم ، جعلها مطمعاً للمستعمرين الغربيين من هولنديين وبريطانيين ، وقد تهافتت عليها هذه الدول الاستعمارية في التاريخ الحديث للسيطرة عليها ، خصوصاً بعد اكتشاف المعادن الثمينة فيها مثل الماس والذهب .
ان إقليم جنوب أفريقيا لم يكن مثلما تدعي الدول الاستعمارية الغربية بأنها بلاد غير آهلة بالسكان ، بل كانت تقطن هذا الأقليم قبائل أفريقية مثل البانتو والهوتنتوت والبوشمن ، وقد دخلت هذه القبائل في حرب طاحنة مع المستعمرين الهولنديين أولاً والبريطانيين فيما بعد ، كان الفوز فيها حليف المستعمرين الغربيين ، بسبب عدم التكافؤ بين الطرفين ، وقد دخل المستعمرون في حرب طاحنة فيما بينهم (حرب البوير) للسيطرة على هذا الإقليم ، وقد نجحت بريطانيا في الحصول على حصة الأسد في أقاليم جنوب أفريقيا وتهجير أعداد كبيرة من البريطانيين واستيطان هذه الأقاليم وتكوين نظام استيطاني عنصري وذهب الاستعمار الهولندي بالاتجاه نفسه من عمليات تهجير واستيطان داخل أقاليم جنوب أفريقيا .
ان هذا الاستيطان جعل مجتمع دولة جنوب أفريقيا مجتمعاً معقداً من حيث تكويناته البنيوية ، وانتماءاته الدينية ، لذلك فهو مجتمع مركب ومن أهم سماته ذلك التوزيع العرقي الذي يمثل محور التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والذي أثر بدوره على النظام السياسي ومشكلات الوحدة الوطنية ، وتحديد طبيعة مستقبل الدولة في ظل التطورات الديمقراطية التي حصلت في عقد التسعينيات.

Page 3

الفصل الأول

نشأة دولة جنوب أفريقيا وتطورها

ليس جديداً القول ، ان العصور التاريخية الممتدة حتى القرن السابع عشر ما يزال يكتنفها الغموض والتناقض ، إذ إن الأفارقة الأصليين يتهمون المؤرخين البيض (أي الأوربيين : وهم المؤرخون الوحيدون الذين كتبوا بإسهاب عن المنطقة) بافتعال هذا الغموض من خلال الإهمال والإيجاز وإبراز الآراء المتضاربة والتركيز على الحقبة التي تبدأ منذ القرن السابع عشر([3]) . كما تدل الاكتشافات الأنثروبولوجية على ان جنوب أفريقيا عرفت وجوداً بشرياً قديماً جداً وإن سكان البلاد الأصليين الذين ما زال أحفادهم يعيشون فيها [*] ، قد أتوا اليها من المناطق المجاورة للبحيرات الكبرى في أفريقيا الوسطى بين القرنيين الحادي عشر والرابع عشر . وفي القرن الخامس عشر اكتشف البحارة الأوربيون ولاسيما البرتغاليين مناطق أفريقيا الجنوبية ، إذ نزل البحار(فاسكودي كاما) الشاطئ الأطلسي جنوب غرب أفريقيا عام 1498 ووصل (بارثلميودياز) إلى رأس العواصف[**] عام 1498 . لذا ارتبطت نشأة دولة جنوب أفريقيا وتطورها بالجذور التاريخية لها .

المبحث الأول

الاستعمار وتكوين الدولة

تمثل السيطرة الاستعمارية حداً فاصلاً في تاريخ جنوب أفريقيا الحديث اذ نقلت البلاد من الوضع القديم الذي يتسم بأنه رعوي ، وتقليدي ، ومجزء إلى الوضع المعاصر الذي يتسم بكونه صناعيا حديثا وموحداً ضمن نطاق اتحاد الجنوب الأفريقي في بادئ الأمر ثم في نطاق جمهورية جنوب أفريقيا فيما بعد ابتداء من 31 آيار 1961([4]) .
ان المرتكزات التي تبناها الاستعمار في هذه الدولة كرست لأجل خدمة مصالحه الخاصة في تحقيق الأرباح ونهب خيرات البلاد ولتخدم فيما بعد الأقلية العنصرية البيضاء التي هيمنت على مقدرات البلاد الاقتصادية وهيمنت على السلطة السياسية وممارسة الاضطهاد لشعوب هذه الدولة مدة دامت حوالي 350 عاماً ، عانى خلالها المواطنون الأفارقة السود اشد المعاملات اللاإنسانية قساوة ووحشية . ومن هنا سوف نوضح أثر كل من الاستعمار الهولندي والبريطاني في نشأة دولة جنوب أفريقيا .

المطلب الأول :الاستعمار الهولندي

جاء وصول الهولنديين إلى جنوب أفريقيا متأخراً - خلال القرن السابع عشر - ولم يكن في وسعهم إنشاء مستعمرة بيضاء على غرار المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية. بيد أن تطور الجماعات الهولندية في مدينة الكاب بوصفها مجتمعات مستقرة ، كان يرجع لظروف لم تدخل في الحسبان ([5]) . اذ تأخر الهولنديون في دخول مجال التجارة البحرية مع جزر الهند الشرقية كما هو معروف ، اذ كان البرتغاليون هم اول من اكتشف الطريق إلى الشرق . ففي عام 1485 وصل بارثلومودياز إلى خليج جوا ، وفي عام 1488 وصل برتغالي آخر هو ديجوكاما الى مصب نهر الكونغو ([6]) . اما ذروة هذه الرحلات البحرية فكانت في عام 1498 عندما أبحر البرتغالي (فاسكودي كاما) حول منطقة الكاب فوصل إلى ساحل يعرف اليوم باسم (ناتال)([7]) . ومن هناك اكمل إبحاره إلى الهند. ومهما يكن من الأمر فأن البرتغاليين لم يستقروا في منطقة الرأس (الكاب) فقد كان هدفهم الذهب والعاج والرقيق ، ولم يكن ذلك متوفراً في الكاب ، وحتى نهاية القرن السادس عشر لم يكن ثمة قوة تتحدى البرتغاليين وتنافسهم كسادة لتجارة الشرق الغنية ، وقد انفردوا بالهيمنة على الطرق البحرية مع الشرق نتيجة لتجارتهم ببضائع الشرق ممثلة بالتوابل والسجاد والعطور والأحجار الكريمة([8]).
وفي عام 1595 أبحر الهولندي (كورنيلس هوتمان) حول الكاب حتى وصل إلى جاوا في اندنوسيا . وأصبح واضحاً ان احتكار البرتغال لهذه التجارة المربحة الذي طال أمده كان في طريقه الى النهاية ، التي ثارت ضد أسبانيا وإنكلترا عام (1579)([9])
وقد مارس الهولنديون نشاطاتهم التجارية من خلال شركاتهم ، ففي عام 1600 أنشأت شركة شرق الهند وبعد ذلك بعامين ، اتحدت شركات هولندية مختلفة لتكوين شركة الهند الشرقية الهولندية . وكان لهذه الشركة لجنة مركزية قوية وميزانية ضخمة ([10]) لقد كان يتعين المرور على ساحل غرب أفريقيا ملامسين سيراليون ثم عبور المحيط الأطلسي ، ومن الساحل الجنوبي يتم الإبحار شرقاً عبر المحيط إلى ساحل جنوب أفريقيا ، ومن هناك يتخذ التجار سبيلهم إلى جزر الهند الشرقية ، وفي عام 1647 تحطمت السفينة (هارلم) التابعة لشركة الهند الشرقية الهولندية في خليج (تيبل) ، فانتقل طاقم السفينة المحطمة إلى وادي (تيبل) اذ مكثوا هناك ستة اشهر وقاموا بزراعة الخضراوات وقايضوا السكان المحليين على اللحوم ، وقد كان مناخ الوادي مناسباً وأرضه خصبة وكان ذلك دافعاً للاستقرار ([11]) .
وفي عام 1649 عندما عاد طاقم السفينة هارلم إلى بلادهم . كانوا ما زالوا متأثرين بأيامهم في الوادي ، فكتبوا تقريراً عنه مفعماً بالحماس وكانت استجابة الشركة مشجعة ، فقررت إنشاء محطة على هيئة قلعة ومنتجع في منطقة خليج تيبل وسرعان ما أبحرت بعثة من ثلاث سفن عليها 130 رجلاً وامرأة بقيادة جان فان ريبك ([12]) . إذ وصلت إلى خليج (تيبل) في 4 حزيران عام 1652([13]) .
وفي الوقت نفسه كانت سفن كثيرة تزور (الكاب) بانتظام في طريقها للشرق او عائدة منه . لقد كان (الكاب) مكاناً مناسباً لأن يكون محطة توفر الراحة للبحارة ، وينبغي التأكيد هنا ان هذه المحطة لم تكن إلا مركزاً للراحة وحتى لا يحصل اللبس عند القارئ بين هذا النوع من الاستقرار وبين المستعمرة بمعناها التقليدي ، ويبدو ان المسؤولين في شركة الهند الشرقية الهولندية لم يفكروا في تأسيس مستعمرة في جنوب افريقيا خلال السنوات الاولى . فقد كان عدد الهولنديين في أراضي جنوب افريقيا قليلاً بينما يحتاج استعمار مناطق جديدة إلى عدد اكبر من الرجال . وعلى أية حال فإنه لم تكن هناك حاجة في هذه المراحل المبكرة في الأقل إلى إنشاء مستعمرة استيطان ، لان هذه المحطة او هذا المركز يمكنه - إذا تمت إدارته بعناية - ان يسد احتياجات البحارة الأساسية . ويعد هذا التاريخ (1652) مهماً في حياة العنصريين في جنوب أفريقية اذ سجل أول استيطان أوربي رسمي وقد جلبوا معهم كالفنية أصولية صارمة ، أدارت ظهرها لكل الميول التنويرية التي كانت في أوربا . ولقد طور البوير أو الافريكانيون ، كما سموا أنفسهم لاحقاً ، هوية مميزة فريدة في تاريخ الاستعمار الأوربي فقد ظلوا غير متأثرين بعقلانية حركة التنوير والحكم للثورة الفرنسية([14]) وقد احتفل بمرور ثلاثمائة عام عليه في سنة1952([15])،وقد سجل عام1688 وصول جماعات الهوجونوت المطرودين من فرنسا بسبب الاضطهاد الديني والحروب ألاهلية ، وأدّى توافد الأوربيين إلى الكاب الى اساءة العلاقات مع السكان الأصليين من قبائل البانتو وغيرها وكان للتفوق الأوربي لما يملك من السلاح أثر في هزيمة الأفريقيين وانسحابهم إلى المناطق الداخلية وقد استقدمت شركة الهند الهولندية بعض الأسيويين والأفارقة لمساعدة مستوطنيها في العمل الزراعي وتعايش الجميع من سكان البلاد من الأفريقيين وشكلوا ما يدعى اليوم شعب الكاب الملون وهو نتيجة لتمازج العناصر المختلفة المتزاوجة ، إلا إن هناك بعض الهولنديين رفضوا الاندماج وتمردوا على سلطة الشركة وضرائبها فخرجوا إلى الداخل في بداية لحملة استيطانية جديدة ويقول المؤرخون انه بقي في الكاب عام1795(16000) نسمة بعد ان اندحرت هولندا عام 1795 أمام فرنسا في سلسلة الحروب الأوربية وهزمت أمام الأساطيل البريطانية عام 1805([16]) تحت لواء الصراع الاستعماري أصبح الكاب مستعمرة بريطانية ودفعت التعويضات عن هذه المستعمرات إلى ملك هولندا بموجب معاهدة فينا عام 1814 ([17]) .

Page 4

المطلب الثاني :الاستعمار البريطاني

خلفت إنكلترا هولندا رسمياً عام 1814 (تاريخ توقيع اتفاقية لندن)([18]) ولكنها بدأت بممارسة سلطتها الفعلية منذ عام 1806 وبدأت إنكلترا عام 1825 بإدخال بعض الإصلاحات على نظامها الاستعماري في البلاد ، فأنشأت مجلساً تشريعياً عام (1834)، وشكلت محكمة عليا لتكريس استقلالية السلطة القضائية وعملت على التخفيف من حدة اضطهاد السود ([19]) ، وشجعت الهجرة الإنكليزية إلى المستعمرة وأعلنت اللغة الإنكليزية لغة رسمية ، ونمت الإرساليات الانكليكانية فأثار كل ذلك حفيظة البوير وهم بأغلبيتهم المطلقة مزارعون تقليديون بأفكارهم وينتمون إلى الكنيسة الإصلاحية الهولندية التي تتبع تعاليم كالفن ، ولكن بمنهج مغاير ([20]) .فلم يرتضوا بالوصاية الإنكليزية عليهم ونزحوا بأعداد كبيرة إلى خارج حدود مستعمرة الرأس (الكاب) إلى مسافة الفي كيلو متر باتجاه الشمال والشرق (منطقة ترانسفال في الشمال ، وناتال في الشرق) ، إذ ما لبثوا ان أعلنوا استقلالهم . فظهرت جمهوريتان : جمهورية جنوب أفريقيا (ترانسفال 1884) وجمهورية دولة اورانج الحرة (اعترفت إنكلترا بها عام 1854) ([21]) اللتان عاشتا حياة مضطربة حتى نهاية القرن الثامن عشر بسبب تهديد القبائل الأفريقية ولاسيما قبيلة الزولو ، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن تقسيم البلاد على وحدتين سياسيتين متحاربتين ، جمهوريات البوير والمستعمرات الإنكليزية،ومطامع ألمانيا الاستعمارية في أفريقيا الجنوبية وكذلك البرتغال وفرنسا، والوضع الجديد الناتج عن اكتشاف الماس والذهب الذي ترتب عليه تدفق المهاجرين بكثرة ولاسيما في بداية عام 1886 ، وقيام مدن جديدة كمدينة جوهانسبرغ وقد عد البوير ان تدفق المهاجرين هذا هو بمثابة أستيطان إنكليزي - يهودي يهدف إلى نهب ثرواتهم ([22]) .
عملت بريطانيا بعد ظهور هذه الثروات المنجمية ، على التنكر لمعاهداتها السابقة مع زعماء القبائل من جهة ، ومع البوير من جهة أخرى ، ولجأت إلى سياسة ضم الأراضي إلى سلطتها التي امتدت بين الأعوام 1865 - 1895 من مستعمراتها في الكاب حتى ناتال وهكذا ، كانت أفريقيا الجنوبية كلها في العام 1895 ، الواقعة جنوبي نهر ليمبوبو ، خاضعة للسيطرة البريطانية ، فيما عدا جمهوريتي البوير (الترانسفال والاورانج) ([23]) . اللتين كانت بريطانيا تطمح في إخضاعهما أيضاً ، ليتم لها السيطرة على كامل أفريقيا الجنوبية وبعد مناوشات عسكرية عدة ، كانت الغلبة فيها أحياناً للبوير ، وقد أعلنت الترانسفال الحرب على إنكلترا ، ثم لحقتها حليفتها الاورانج ، وبدأت بذلك حرب فعلية بين الإنكليز والبوير في 12 تشرين الأول عام 1899([24]) ، امتدت حتى 31 آيار 1902 وانتهت بهزيمة البوير وباختفاء دولتهم وأطلق على البوير وهم تحت السلطة البريطانية اسم الافريكان ، او افريكانرز ([25]) .
إن هذا الصراع استخدم فيه الإنكليز البوير من اجل قتال الأفريقيين ، ثم بعد ذلك اختلفوا معهم على اقتسام ثروات البلاد وسوف نرى ان لذلك أثراً في اقتسام النفوذ في جنوب أفريقيا .
وفي ضوء كل ما تقدم ، ظل الأفريقي صاحب البلاد الشرعي مبتعداً عن قضية بلده متقهقراً في مناطق فقيرة بعد تسوية النزاع بين المستعمرين ، وسوف نرى من خلال التجمعات السياسية للأفريقيين ، أن النضال ضد الاستعمار الاستيطاني لم يتوقف لحظة واحدة ، وإنما اخذ أشكالاً متعددة بعد القهر الأبيض العنصري المسلح لهم . كرس المستعمرون والمستوطنون في جنوب أفريقيا نظاماً يقوم على السيادة غير الشرعية للأبيض، انه التمييز العنصري الذي ناضل الأفريقيون لمحوه ، وكان الإنكليز يضخمون التناقضات بين البوير والأفريقيين إلا انهم ليسوا اقل عنصرية منهم وان الصراع الداخلي بينهم وبين الافريكان ، إنما هو ظاهرة لها خطرها على المجتمع الأبيض ، الا ان الخوف من المد التحرري الأفريقي كان يجمع العدوين ، بهذا يسهم البيض جميعاً بدعم خارجي وداخلي بإيقاد نار العنصرية ، المظلة التي يرونها تحميهم.
كانت بريطانيا تدعم التقسيمات بين السكان والحكام المحليين في جنوب أفريقيا ([26]) ووسعت من خلال التقسيم بين البيض والسود ، وقد اتضح هذا في نهاية القرن التاسع عشر ، حينما أخذ المجتمع في منطقة (الكاب) طابع الخصومة والعداء السافر بين مجتمع البيض والأفارقة السود المحليين ، كما ساعد ذلك على اكتشاف المعادن في جنوب أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر (الماس) في عام 1867 و (الذهب) في عام 1886([27]). لذا تغّير على نحو مثير وسريع بناء جنوب أفريقيا وتركيبته الاقتصادية والسياسية ، وكانت صناعة المعادن المتنامية قد خلقت انقسامات كبيرة بين البريطانيين والبوير والبيض والسود والأغنياء والفقراء .

Page 5

المطلب الثالث :نشأة اتحاد جنوب افريقيا وتطوره

بعد سلسلة من المفاوضات العسيرة بين ممثلي المستعمرات الاربع (الترانسفل والناتال اورانج والكاب)([28]) . تخللها التمرد الفاشل لقبائل الزولو بين عامي 1906-1907 ، توصل المجتمعون الى الاتفاق على مشروع دستور للدولة الجديدة ، ينص على إنها دولة فدرالية ، وعلى ان تكون المستعمرات الأربع المكونة لها مقاطعات تتمتع بنوع من الحكم الذاتي في ادارة شؤونها الداخلية والإدارية وتكون الدولة عضواً في الكومنولث البريطاني ، وان الانكليزية والافريكانرزية هما اللغتان الرسميتان فيها .
وكان من بين المواضيع التي أثارت جدلاً طويلاً ومحموماً موضوع النظام الخاص لغير البيض ، إذ أظهر الافريكان (البوير) تعنتاً ضدهم أكثر من الجانب الانكليزي ([29]) . فلم يحصل السود على حق الاقتراع الا في مقاطعة الكاب ، ودخل الدستور حيز التنفيذ في 31 آيار 1910 ، أي بعد ثمان سنوات من توقيع معاهدة فرينيينغ الالمانية *للسلام بين البوير والانكليز في 21 آيار عام 1902 ([30]) . وفي الحقبة الممتدة بين 1910-1948 كانت الحياة السياسية في اتحاد جنوب افريقيا تسير في خطوطها العريضة على نسق الحياة السياسية في بريطانيا وكان هناك اتجاه للآخذ بنظام الثنائية الحزبية . ولم تكن اللعبة البرلمانية تهم سوى البيض ، بسبب نظام التمييز العنصري الابارتهيد Aprthed ([31]) . وفي عام 1930 منح قانون الانتخابات النساء حق الاقتراع . وكانت السلطة تتمحور حول شخص رئيس الوزراء ، فلم يتعاقب على رئاسة الوزراء طوال المدة المذكورة 1910-1948 سوى ثلاث شخصيات ، هم (بوثا ، وسمطس وهيرتزوغ) ([32]) . استمر بوثا في السلطة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، وعانى صعوبات داخلية بسبب الوضع الاقتصادي للعمال البيض الذين قاموا باضرابات عدة كما عانى من صعوبات خارجية ، سببها الحرب العالمية الأولى ، ولاسيما بعد احتلاله لمناطق جنوب غرب افريقيا الالمانيا (ناميبيا التي حصلت على استقلالها عام 1990) ([33]) .
وفي ايلول عام 1914 ، أعلن الجنرالات البوير التمرد الا ان سمطس[*] سحق هذا التمرد في شباط عام 1915 وقد وضعت عصبة الأمم في عامي 1919-1920 المستعمرات الألمانية في جنوبي غربي أفريقيا ، تحت انتداب جنوب افريقيا ([34]) متذرعة بالرسالة المقدسة للأمم المتحضرة . وكان دخول بوثا[**] الحرب الى جانب الحلفاء ، قد أثار ضده وضد وزيره سمطس ، الافريكيان المتعنتين الذين كان يقودهم هرتزوغ[*] المطالب بسياسة الحياد خارجياً وبالتمييز العنصري المتشدد داخلياً ([35]) .
بعد وفاة بوثا عام 1920 ، جاء الجنرال سمطس الذي ورث وضعاً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً صعباً فقمع في عام 1922 وعلى نحو دموي إضراب عمال المناجم البيض ، فحرمه ذلك من تعاطف حزب العمال والنقابيين والحزب الشيوعي . وأثارت سياسته المنفتحة الى حد ما على غير البيض نقمة الحزب الوطني الذي أصبح الحزب الأساسي في المعارضة ، فاضطر بعد فشله في انتخابات عام 1924 التشريعية الى التخلي عن السلطة لمصلحة الجنرال هرتزوغ[*]* ([36]) . وقد تضمن برنامج هرتزوغ نقطتين اساسيتين :- تعديل نظام الدومنيون وفرض برنامج عنصري منهجي متشدد . وقد توصل فيما يخص النقطة الأولى وبالاتفاق مع حكومة لندن عام 1934 ، الى تكريس السيادة الكاملة الداخلية والخارجية على اتحاد جنوب افريقيا ولكنه لم يستطع ان يفرض برنامجه المتشدد حول التمييز العنصري في كل الميادين اذ لقي معارضة من حزب جنوب افريقيا الذي كان يتزعمه سمطس فلم يجر الاقتراع الا على بعض بنود هذا البرنامج عام 1936 وكان هرتزوغ قد بدأ يقترب منذ عام 1934 من مبادئ سمطس السياسية لدرجة ان الحزبين (الحزب الوطني وحزب حنوب افريقيا)([37]) اندمجاً في حزب واحد هو الحزب الموحد ، مما دفع المتطرفين في الحزب الوطني الى الانفصال وتشكيل الحزب (القومي النقي) بزعامة الدكتور مالان[*]** ، الذي كان يهدف الى إعادة السلطة السياسية للافريكان وحدهم وتحقيق فصل عنصري منظم بين الاجناس اشتهر باسم الابارتهيد ([38]) .
وقلبت الحرب العالمية الثانية الموازين من جديد في جنوب افريقيا . فقد استمر هرتزوغ على موقفه القاضي بالتزام الحياد ، مما دفعه الى الاستقالة ليأتي سمطس من جديد([39]).فيقدم كامل دعمه للحلفاء.وانشق الحزب الموحد على نفسه،واعاد هرتزوغ من جديد انشاء حزبه الافريكاني ، في حين اعلن القوميون الانقياء دعمهم لالمانيا النازية([40]).
وبعد الحرب مباشرة ، أي في عام 1946 ، انفجرت قضية هنود جنوب افريقيا التي ادرجت في تلك السنة على جدول اعمال هيئة الامم المتحدة . ولم تمنع الاجراءات الناقصة التي قدمها سمطس لحل مشكلة الهنود من قيام مظاهرات واعمال شغب في مقاطعة ناتال ، فضلاً عن إضرابات اخرى قام بها عمال المناجم البيض . وعرف القوميون كيف يستغلون هذا الوضع المتأزم سواء على الصعيد السياسي ام الاجتماعي ، فحصل الحزب الوطني ، الذي يتزعمه الدكتور مالان على اغلبية المقاعد النيابية في انتخابات عام 1948 ([41]) .

Page 6

المبحث الثاني

التركيبة الاجتماعية

يمثل البناء الاجتماعي (شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد خلال حقبة زمنية معينة)([42]) كما يقول راد كلف براون لذا فأن العلاقات المتداخلة بين المراكز والادوار الاجتماعية التي تعبر عنها الجماعات الاجتماعية ، هي التي تحدد طبيعة البيئة الاجتماعية في كل مجتمع.
فالتفاعل بين الجماعات (الدينية والقومية والطبقية) داخل النظام الاجتماعي يفرز قوة اجتماعية - سياسية - تحكم بفعل تكريس معتقداتها وقيمها في عملية التغيير الاجتماعي ، وواقع النظام الاجتماعي والنظام السياسي جزء منه.
إن طبيعة التركيب الاجتماعي في جنوب افريقيا الذي يتسم بالتباين ولاسيما في تركيبه القومي والديني والطبقي خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي للنظام السياسي .
بيد ان هذا التباين العنصري والديني . خلق حالة من التمييز العنصري في الحقوق من النظام السياسي المتمثل بالأقلية العنصرية البيضاء ، وبدوره أدى إلى عدم الانصهار في بودقة الوحدة الوطنية ([43]) .
فهذه الاقلية ليست صاحبة حق في البلاد انما جاءت عن طريق الاستيطان والتوسع على حساب المواطنين الافارقة ، مما يثير المشاكل للنظام السياسي على الصعيد الداخلي .
وعند معاينة التركيبة الاجتماعية نرى أن سكان جنوب افريقيا يقدم لنا ترتيباً معقداً من التركيبات العرقية ، التي اصبحت مادة قابلة للانفجار خلال عهد التمييز العنصري ، عندما استخدمها النظام السابق لاغراض واهداف سياسية وعنصرية مقيتة . فالبيض في جنوب افريقيا كانوا يقرون حالة العداوة والحرب في البلاد وذلك للأصول المختلفة لشعوبها ([44]) .
واستناداً إلى ذلك طبق الموظفون والاداريون الحكوميون وعلى نحو قسري جداً تصنيفات قبائلية وعرقية على حقيقة وواقع اجتماعي مستفيض ، مانحة كل افريقي اسود رقعة تصنيفية قبائلية ، او بطاقة هوية بتصنيف عرقي واحد منفرد ([45]) . كما ان مبادئ التمييز العنصري وعقائده تستند على فكرة مفادها بأن كل مجموعة سكانية سوداء سوف يأتي يوم تكتسب فيه نضجاً كاملاً تاماً مثل شعب المتأفرقينAfrikaner. ولذا يشير الاداريون والموظفون الحكوميون أحياناً الى المجموعات العرقية الافريقية الاكبر وكأنها هي امم . وقد انشأت الحكومة مناطق لغوية لكل من هذه المجموعات ، وخلال الخمسينيات والستينيات حددت لهم مناطق سكنية منفصلة تتوافق وتتناسب مع هوية عرقية متميزة ملحوظة ومدركة تماماً فأن اجزاء كبرى من هذه المناطق اللغوية صارت تسمى بالبانتوستانس ، وبعد ذلك صاروا يحكمون انفسهم ذاتياً([46]) ، واخيراً وفي السبعينيات والثمانينيات فأن اربعة من هذه المواطن وهي ترانسكاي ، بوتسوانا ، وفيندا وسيسكاي ، كانت قد حصلت على استقلال شكلي ، وبالرغم من ان المواطن المستقلة لم تكن تعد أمماً منفصلة من أي بلد ، سوى من جنوب افريقيا يسمون الناس الذين توجب عليهم العيش هناك رسمياً (غير مواطنين او بدون مواطنة) ([47]) لجنوب افريقيا . وقد مكنت سياسات التمييز العنصري من تقوية الحكومة من اجل تحويل الافارقة السود من المدن ومن اجل التحفظ على عنصر العرق في الجوار في المدن الصغيرة للافارقة التي كانت تتنامى قانونياً وغير قانوني حول المدن الخاصة بالبيض ، والعديد من الجوار الساكنين في المدن الصغيرة كانوا قد اعطوا اشارات وعلامات خاصة قبلية ، والمساكن في هذه المدن الصغيرة، كانت على العموم تهمل هذه العلامات والسمات الجبرية المفروضة عليها ، وعلى كل حال ، وقد ردت بفعلها على هذا التقسيم العرقي والفصل العنصري الحكومي ذي الطابع السياسي ، بواسطة التقليل من اهمية ارثهم العرقي او افكارهم نهائياً ([48]) .
اعتنق قسم من سكان جنوب افريقيا المبدأ او المعتقد الذي يقول بأن العرقية هي وجهة او معتقد عفا عليه الزمن ، وهي اداة او وسيلة اختلقتها الدولة والحكومة وعلماء الجنس البشري ، وقد اثيرت هذه الفكرة اصلاً لخلق تقسيم بين الناس لمنطقة او لطبقة معينة من الناس ([49]) .
ان لفظة (قبيلة) كانت تعني او تدل على دلالات ومعاني ازدرائية خلال عهد التمييز العنصري في جزء ما ، بسبب التشويهات التي جاءت من خلال تطبيق وجهة النظر هذه على المجتمع ، فأن مصطلح القبيلة هو مصطلح يرجع الى علم الاجناس البشرية ، وهو يعرف على هذا الاساس بانه مجموعة من الناس يتشاركون في ثقافة واحدة ومتشابهة مثل اساليب المعتقدات والسلوك والعادات وهي تسكن في اقليم او منطقة واحدة معلومة مشتركة ما بينهم - ويرجعون الى اسلافهم - ربما الى سلف واحد مشترك ، ان سكان المناطق البعيدة يستطيعون ان يرجعوا الى الوراء زمناً ليعرفوا الناس اجدادهم ثم بجدهم المشترك مع العديد من جيرانهم. واخيراً ففي عام 1993 وفي عام 1994 عندما انعتقت البلاد من عهد العنصرية البائد فأن العديد من الجنوب افريقيين صاروا فعلاً هذه المرة يبحثون عما يدعون به من ارثهم العرقي لاعطاء الآخرين مقدار الفخر بالاسلاف ([50]) .
أدرك الزعماء السياسيون الجدد الفائدة العملية في تشجيع الناس كي يعرفوا انفسهم بكلا الاسلوبين معاً ، بالسمة الوطنية وبالسمة الاجتماعية القبلية فكلا الامرين ليس فيهما مضرة وانما العكس لان الصفة القبلية لها ما في اقدم كثيراً من الصفة الوطنية ، ولكن الصفة الوطنية هي الاهم لانها تضع الجميع امام قانون واحد يحدد الواجبات والحقوق ، ولذا فأن دستور عام 1994 اعاد التأكيد على اهميته العرقية بتحديد تسع لغات افريقية كاللغات الرسمية للبلاد فضلاً عن الانكليزية والافريكانية ([51]) .
لذا سوف نتناول في هذا المبحث التركيبة القبلية لمجتمع جنوب افريقيا على ان نتناول في مبحث لاحق التركيبة اللغوية والدينية .

Page 7

المطلب الأول :الجماعات الإفريقية

تشير بعض المصادر الى ان أقليم جنوب افريقيا كانت آهلة بالسكان قبل دخول المستعمرين الهولنديين والبريطانيين ، وعلى أية حال كان الانسان الأول يسكن أقليم جنوب افريقيا ([52]) . وسنحاول معرفة أهم الجماعات الأفريقية في أقليم جنوب أفريقيا التي ترجع بجذورها إلى السكان الذين سكنوا الأقاليم (البُوشمن Bushmen) ([53]) الذين نعرفهم الآن في صحراء كلاهاري ، ولكن الشبه بينهم وبين البوشمن الحاليين لم يكن مطابقاً تماماً . اذ انهم قد كانوا يعيشون على القنص والجمع والالتقاط وصيد الاسماك وهذا ما سوف نعرج عليه .
أولاً : البوشمن :- Bushmen

يعتقد بعضهم البعض ان البوشمن بوصفهم مجموعة بشرية معاصرة ، هم اقدم سكان جنوب افريقيا ويعرف البوشمن في جنوب افريقيا باسماء متعددة ( فالاوربيون يسمونهم البشمون ، والاكسهوسا يسمونهم توا Twa والسوثو Sotho يسمونهم روا Roa والهوتنتوت يسمونهم سان San ([54]) .
ومهما يكن من أمر فأن الاسم الاكثر شيوعاً هو البوشمن وهو الاسم الذي أطلقه عليهم للمرة الأولى جماعات البوير Boers الذين أطلق عليهم اسم Bosjesmonnes وتعني رجال الاحراش ) ويؤكد بعض الكتاب ان البوشمن مجموعة عرقية معاصرة هم اول من قطن جنوب افريقيا . وذلك استناداً إلى الآثار العديدة لأدواتهم الحجرية ورسومهم على الصخور وتماثيلهم . وهذه الآثار من أدوات ورسوم ومنحوتات قريبة الشبة ، كما ان الشخوص لهم الملامح نفسها إذا ما قارناها بثقافة البوشمن الحالية ([55]) .
ولقد وجد الباحثون هذه الآثار في مناطق جنوب افريقيا كلها . فعلى سبيل المثال وجدت في دمارالاند وباتلابين وغرب مرتفعات جريكالاند وفي دولة الاورانج الحرة والترنسفال وترانسكاي والجدير بالملاحظة أنة في أواخر القرن التاسع عشر كان البوشمن لايزالون يشغلون أجزاء كثيرة من جنوب أفريقيا ولا يزالون يعيشون في المناطق الجافة في بتسوانا وفي ناميبيا وحتى في انكولا وبلغ تعدادهم في عام 1980 حوالي10000 ([56]) نسمة.
وعلى الرغم من أن البوشمن لا يمتلكون إلا الأدوات البسيطة لم يجد البوشمن الاول في تحصيل طعامهم نصيبا كبيرا طالما كانوا سادة أرضهم الغنية بما يمكن أقتناصه . لقد كانوا يعيشون على الحيوانات البرية وجذور النباتات والفاكهة وايضا على الجراد والعسل البري والنمل الأبيض ، وكانوا فضلا عن غذائهم هذا يصطادون الأسماك من النهيرات العديدة كأنهار الكاي والفال والتسومو والمترمقوبو وتوجيلا ، وكانوا مرتبطين بأرضهم معاشياً([57]) .
ان هذا النمط من الحياة لا يشجع على إحداث تنظيمات اجتماعية وسياسية على درجة كبيرة من التقدم . فطالما في الأرض سعة ووفرة ، وطالما يعيش البوشمن على القنص منها والجمع من فاكهتها المتساقطة واقتلاع جذور نباتاتها فأن كل هذا يؤدي الى نوع من الحياة البدوية وقد عاش البوشمن في مجتمعات منعزلة بعضها عن الآخر ، فكان كل تجمع بشري يشكل عمليا وحدة مستقلة ومن الطبيعي ان تكون كل قرية من قرى البوشمن ، وكل مستقر أو تجمع بشري قليل السكان إذ كان كل تجمع يتراوح بين 25 و 70 أما القرى الكبيرة فيتراوح سكانها بين 200 و500 لكل قرية ، لكن هذه القرى الكبيرة لا تكاد توجد الا نادرا ([58]) .
ثانيا : الهوتنتوت :- The Hottentots

وهم جماعة عريقة أخرى ذات صلة بالبوشمن ونعني بهم جماعات الهوتنتوت . أنهم أطول من البوشمن ، وان كانوا مثلهم وهم يسمون أنفسهم الخوي خوان Khoikoin ومعناها أسياد الرجال ( أورجال من أصلاب رجال ) men of men ([59]) . ويشير اليهم بعض الباحثين باسم الخوي خوي Khoi Khoi . اما الاوربيون فيسمونهم الهوتنتوت ويطلقون على لغتهم ايضاً الهوتنتوت . وقد اضحى هذا الاسم اكثر انتشاراً للدلالة عليهم وعلى لغتهم([60]) .
وفي حوالي منتصف القرن السابع عشر كانوا يعيشون حول منطقة الرأس (الكاب Cape) وعلى ضفاف شاطئ نهر الاورانج وعلى الساحل في ناتال وفي كثير من مناطق جنوب غرب افريقيا (ناميبيا) ([61]) .
ويبدو ان الهوتنتوت - مثلهم مثل اشباههم البوشمن قد توطنوا في شرق وجنوب افريقيا. ففي حوالي القرن العاشر للميلاد كان البوشمن يعيشون على ساحل ما يعرف الآن تنزانيا ويبدو ان الهوتنتوت كانوا هناك ايضاً في الوقت نفسه تقريباً ، ويحتفظ الهوتنتوت بقطعان كبيرة من الماشية وبأعداد من الاغنام وكلاهما يشكلان عصب اقتصاد الهوتنتوت ، وبعض فروع الهوتنتوت يسمون الناما Nama يقتنون الماشية([62]). ولان الهوتنتوت رعاة ماشية فهم ينتقلون بقطعانهم بحثاً عن المراعي والمياه والانتقال هذا ضروري طالما تم استهلاك المراعي ، فينبغي عنئذ البحث عن مرعى جديد . وعلى الرغم من ان الهوتنتوت يمتلكون اعداد كبيرة من الماشية ، نادراً ما يذبحونها بغية اطعام انفسهم ، الا في المناسبات المهمة كالاعياد والاحتفالات ([63]) .
والهوتنتوت مثلهم مثل البوشمن ، يقتاتون أيضاً على العسل والفاكهة والجذور والاسماك ، كما ان قيامهم باصطياد الحيوانات المفترسة بسهامهم السامة يثري وجباتهم باللحوم، وعلى هذا فهم كالبوشمن صيادون جماعون وهم لا يستنبتون نباتاً كما فعل البانتو بعد ذلك ، ومن الامور الفارقة بينهم وبين البوشمن انهم يحتفظون بالماشية ([64]) .
ولدى الهوتنتوت مؤسسات وتنظيمات اجتماعية وسياسية اضخم واكثر كفاءة مما لدى البوشمن فهم يعيشون في تجمعات كبيرة ، ويتكون كل تجمع من مجموعة عشائر مختلفة تربطها صلة القربى،وعلى هذا فكل تجمع بمثابة قرية كبيرة،وبصرف النظر عن افراد العشائر ذات القرب، فأن التجمع يضم كل قطعان الماشية التي تخص ساكنه([65]).
كما رأينا فأن البوشمن والهوتنتوت ذو اعراق متقاربة . لقد سكن البوشمن جنوب افريقيا ثم اعقبهم الهوتنتوت . اما لماذا انفصلا ؟ او لماذا اتخذ الهوتنتوت طريقاً مستقلاً مختلفاً لتطوير انفسهم ؟ فأن ذلك كانت نتيجة لتأثير البيئة وربما انعزال كليهما (البوشمن و الهوتنتوت بعضهما عن الآخر ، لمدة زمنية ، استطاع فيها الهوتنتوت تطوير ثقافتهم المستقلة ومن المحتمل ايضاَ أن الهوتنتوت قد تحولوا الى رعاة بعد حصولهم على الماشية من المهاجرين البانتو الاول ، في أثناء تقدمهم . مهما تكن من الامر النظرية القديمة التي كانت ترى أن البوشمن يمثلون جنساَ مختلفاَ عن الزنوج وان الهوتنتوت هم ناتج زواج بين البوشمن والجماعات او الشعوب الناطقة بالكوشية ، والتي ضلت طريقها للمنطقة أضحت نظرية غير صحيحة ([66]) .

Page 8

ثالثاً : البانتو :- Bantu

لقد وصل هذا الجنس الأطول والأقوى بنية ( البانتو) الذين يحتفظون بالماشية كالهوتنتوت لكنهم يختلفون عنهم وعن البوشمن في انهم زراع يستنبتون النباتات بكميات كبيرة لاستخدامه في الغذاء ([67]) . وقد اشتهروا بذلك وكان اقتصاد البانتو متقدماً ، يجمع ما بين الزراعة والرعي ، كما ان مستواهم المعيشي كان اعلى من اقتصاد اسلافهم ، وقد امتلكوا ما كان ينقص اسلافهم اذ عرفوا وجلبوا معهم اشغال الحديد ، ونتيجة لهذا كانوا قادرين على صناعة الأدوات الحديدية واستخدامها التي كانت اكثر كفاءة من الادوات الحجرية والمصنوعة من العظام وكان يستخدمها اسلافهم ، وبادواتهم ذات الكفاءة هذه استطاع البانتو تطهير الغابات والاحراش وزراعة الارض بمساحات كبيرة، كما كانت اسلحتهم كالسهام الحديدية مثلاً ذات بأس شديد اذا قيست بأسلحة خصومهم([68]). كما كانت اعدادهم المتزايدة قادرة على البقاء اعتماداً على ما يزرعونه وعلى منتجات الماشية .
وثمة سبب آخر لنجاح البانتو - هؤلاء القادمون الجدد - يتمثل في نوع الاقتصاد الذي كانوا يمارسونه ، فقد كانوا يحتفظون باعداد كبيرة من قطعان الماشية إذ كانت الماشية هي مقياس الثراء ، فالذين يمتلكون قطعاناً من الماشية اكثر يحققون وضعية اجتماعية ارقى لما تحققه الثروة من فخار ([69]) .
لهذا تزايدت اعداد البانتو نتيجة لأعتمادهم على الزراعة والرعي وادى هذا الى توسعهم خارج مناطقهم . ولا نعرف بالضبط ، ما هو التاريخ الذي وصل فيه البانتو من الشمال والشمال الشرقي ، وان كان هناك شبه اتفاق بين الباحثين على ان هذا حدث منذ الف سنة ([70]) .
وعلى اية حال كان البانتو يشغلون بالفعل جانباً من جنوب افريقيا ([71]) . وبدلاً من ان يأتوا جميعاً في مجموعة واحدة فأنهم بوصفهم مهاجرين قدموا في مجموعات مختلفة وفي ازمنة مختلفة ، واستقروا في اماكن متباينة وانتشروا تدريجياً ، وخلال القرن السادس عشر ويقيناً في منتصف القرن السابع عشر كانوا بالفعل مستقرين في الناتال واجزاء من مدينة الكاب وكان هذا نتيجة لقرون عدة من الهجرة والاستقرار والتوسع([72]) . وقد كان لقدوم البانتو ثم الاوربيين اخيراً لمنطقة جنوب افريقيا تأثيرات مدمرة على كل من البوشمن والهوتنتوت . فالبوشمن عانوا من مصائب وكوارث متلاحقة ، وهزموا وفقدوا اراضيهم التي كانت عماد حياتهم المعتمدة على الصيد والجمع والالتقاط امام مهاجميهم الجدد المسلحين بأسلحة قوية واضطر البوشمن امام هذه الهزائم المتلاحقة الى الهروب والانزواء في مناطق غير ملائمة حيث فرص اقل وحيث الطعام نادر والحياة شاقة ([73]) ، وقد اضطر عدد كبير منهم للانسحاب الى صحراء كالاهاري طلباً للملجأ والحماية وبعضهم انصهروا في مجتمعات البانتو وعاشوا بينهم وفقدوا شخصيتهم المستقلة وتزاوجوا معهم . وهناك من قتل في اثناء الصدامات مع البانتو او مات نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية القاسية([74]) ، وبمرور الوقت ظهر بين البانتو في جنوب افريقيا ثلاث اقسام كبرى بمثابة مجموعات لغوية ، وما سنذكره الآن يعد تقسيمات لغوية وليس تقسيمات سياسية .
اما المجموعة الثالثة الضخمة من مجموعات البانتو في جنوب افريقيا فتتمثل في الهيريرو Herero والافامبو Avambo ويعيشان في جنوب غرب افريقيا ويسميان باسم شامل هو البانتو الجنوبيين والغربيين او بانتو الجنوب الغربي ، ومن الناحية العملية فأن بانتو هذه المجموعة قد تأثروا بالبوشمن والهوتنتوت إذ كان بينهما - أي البانتو من ناحية والبوشمن والهوتنتوت من ناحية أخرى - اتصالات ، وهذا يفسر لنا وجود شبه في لغات النجوني التي هي من تأثيرات لغات البوشمن والهوتنتوت([75]) .


رابعاً : سوثو : Sotho
يتنوع شعب السوثو فمنهم الشماليون والجنوبيون والـ (تسوانا) أي (بوتسوانا) وكل واحدة من هذه المجاميع متجانسة ، ويعتقد المؤرخون ان سلالة شعب السوثو استقرت في منطقة شمال ترنسفال في القرن الخامس عشر وكانت معيشتهم تعتمد على الجمع بين صنع الادوات وزراعة الحبوب للتبادل وكذلك رعي الماشية وزراعة التبغ . وكذلك كان السوثو حرفيين ماهرين في صناعة الادوات الحديدية والجلدية والخشب([76]) .
لقد عاش السوثو في ظل زعامات صغيرة مثل النكَوني ، وكانت المراتب الاجتماعية تعطى على حسب قرب الشخص من الزعيم ، على العكس من النكَوني فشعب السوثو عاش في قرى وكانت المسؤولية الاقتصادية موزعة على جميع السكان . وزعيم القرية - وهو لقب وراثي- يعين القادة الاداريين إذ تتجمع مراكز اقامتهم حول مركز اقامة زعيم القرية . ان قرى السوثو قد تكبر وتتوسع لتصبح مدن كبيرة يسكنها الآلاف من السوثو . تكون الاراضي الزراعية عادة خارج القرى وتكون بعيدة عنها . هذا النوع من التنظيم يساعد السوثو على الدفاع عن قراهم على نحو افضل مما لو تم توزيع السكن في مناطق متباعدة وكذلك يساعد الزعيم على السيطرة ([77]) .
وتنظم القرية في السوثو على أساس المجاميع ، أي كل مجموعة من النساء والرجال من عمر معين يعطون مسؤوليات محددة ، كأن يعطى الرجال من عمر محدد مسؤولية رعي الماشية ،وأن يعطي النساء من عمر محدد عملية زراعة الحبوب ، وهكذا . ان مجاميع فئات القرية يندرجون في المهام من الأسهل الى الأصعب حين تحول مجموعة من مهمة الى مهمة أخرى أصعب تحتفل القرية بعملية التخرج هذه وتكون هناك طقوس خاصة في هذه المناسبة ([78]) .
ان اصول النسب والانتماء مهم جداً عند السوثو ، فعملية الزواج مثلاً تتم على اساس ان الزوجين معروفا النسب ومن السوثو وليس من خارجها . وفي بداية عام 1990 كان عدد السوثو الذين يعملون في المناجم 100.000 شخص وقسم كبير آخر كان يعمل ضمن الاعمال المدنية للبيض ([79]) ، ويبلغ عدد السوثو حوالي سبعة ملايين داخل جنوب افريقيا وحوالي ثلاثة ملايين في الأقطار ويتحدثون لغة سوثو ([80]) .

Page 9

خامساً : النجوني : Naguni او النكَوني

النجوني هي الجماعة الناطقة بلغة نكوني وهذه المجموعة كانت تعيش في السابق في منطقة الساحل الشرقي لجنوب افريقيا ، التي تمتد من الزولولاند Zulu land وناتال الى حدود مستعمرة الرأس (الكاب) ([81]) ، وهم يشغلون اجزاء من الترنسفال والناتال والرأس وبلاد الزولو. وتتكون هذه المجموعة عند آخرين من الزولو والنديبيلي Ndebele والسوازي Swazi والاكسهوسا Xhosa فكل اولئك يتحدثون لهجات للغة واحدة ([82]) . ويبدو ان الاكزوسا قد وصلوا الى اعالي نهر أوزيمغويوبا Umzimvubu في حوالي عام 1300 وبحلول عام 1593 انتشروا جنوباً حتى نهر اومتاتا Umtata . وفي خلال المائتي عام التي تلت انتشروا حتى وصلوا الى نهر السمك fish river([83])، ان كل واحدة من هذه المجاميع هي خليط من مجاميع صغيرة غير متجانسة ([84]) .
قبل القرن التاسع عشر ، كان توزيع السكن عند (النكَوني) يعتمد على تفرقة البيوت وليس تجميعها ، كما هو معمول في نظام القرى والسكن الرئيس لهم كان في (بانرليتج) ويشتمل على مجاميع ذوي قربى وروابط متنوعة . كانوا يعتمدون على رعي الماشية والزراعة والصيد ([85]) وكان الوضع السياسي ((للنكَوني)) يعتمد على نحو عام على زعامات صغيرة وفي بعض الاحيان على بضعة مئات من الاشخاص يدينون بالولاء لشخص ما لكونه شخصا يصلح للزعامة او له عدد من الانجازات ، ويطلب الزعيم الدعم من القبيلة ويفرض الضرائب على التابعين له ويكافئ الذين يعتقد انهم يستحقون المكافأة وقد يعقد التحالفات السياسية وقد يعلن الحرب على الاعداء ([86]) .
1. الزولو Zulu
كان هناك عدد من الزعامات في القرن الثامن التي تتكلم اللغة النكَونية والتي كانت تسكن في الجانب الشمالي من نهر (توكَيلا) ان مساكن الزولو الريفية احتوت على عوائل واسعة ومتعددة وكذلك عدد من الناس الذين اضطروا اجتماعياً الى العيش في هذه المساكن . هذه الوحدة الاجتماعية كانت معتمدة على نحو كبير على المصلحة الشخصية . وكانت المسؤوليات متوزعة على حسب الجنس والرجال على نحو عام مسؤولون عن حماية المساكن والدفاع عنها والاعتناء بقطعان الماشية وصناعة السلاح وزراعة الاراضي وبناء المساكن ، اما النساء فكانت مسؤولياتهن العمل في المنزل والاعتناء بالمحاصيل الزراعية التي هي عادة الحبوب التي تزرع في الاراضي القريبة من المنزل ([87]) .
كان زعماء الزولو طلباتهم كثيرة وملحة ويفرضون الضرائب على نحو مستمر ودائم . لذلك كانت لديهم ثروات طائلة ويقودون جيوش كبيرة وفي معظم الاحوال ينجحون في اخضاع الزعامات القريبة منهم ، وقد سمح الغزو العسكري للرجال أن تكون لهم مراتب اجتماعية متميزة والتي اصبح لها اهمية كبيرة في مجتمع الزولو ([88]) .
ان الزولو نساءً ورجالاً استطاعوا ان يساهموا بشكل كبير ومتجانس في قوة العمل المدنية في جنوب افريقيا خلال القرن العشرين ولاسيما في مناجم الذهب والنحاس في مدينة (وتواترسراند) ، اسس الزولوا واسهموا في تأسيس اول النقابات العمالية السوداء في البلد ([89])، نستطيع ان نخمن - في عام 1990 ان هناك (8) ملايين نسمة يعدون انفسهم زولو او مجاميع قريبة من الزولو ([90]) .
2. سوازي Swazi
كان مجتمع السوازي حتى أوائل القرن الثامن عشر يحتوي على مجاميع قريبة الصلة بالزعامات النكَونية ، في ذلك الوقت ظهر زعيم قوي هو ناكَوان ، سيطر على عدد من الزعامات الصغيرة في الجوار من نكَوني وسوثو ، ليقوي دفاعات جيشه ضد قوات الماثيثاوا، التي كان يقودها وتكَوايو . ولكن تاكَوان انسحب تحت ضغط الماثيثاوا الى الجبال ، التي اصبحت تدعى هذه المنطقة (منطقة سوازي) ([91]) .
وقد قاوم نكَوان عملية الاندماج في امبراطورية الزولو في عهد الزعيم شاكا واستطاع شعب السوازي ان يحقق التعايش السلمي في علاقته مع الزولو وحلفاء الزعيم شاكا .
أجبر بعض عشائر السوازي على الرحيل الى الشمال ليسكنوا مع بعض عشائر الزولو ما يسمى الآن ملاوي وزامبيا ([92]) . وفي عام 1968 اصبحت ارض السوازي مستقلة بقيادة الملك سابهوزو لقد اخذت تضغط على بريتوريا لاعادة المناطق التابعة للسوازي التي احتلتها عام 1960 ، وفي عام 1982 وافقت بريتوريا على إعادة هذه الاراضي لكن القرار رفض من محكمة جنوب افريقيا ([93]) . وهناك 1.6 مليون من شعب سوازي 900.000 نسمة يعيشون في اراضي سوازي والباقي في جنوب افريقيا على حسب احصائية عام 1990 ([94]) .
3. اكسهوزا Xhosa
يتكلم معظم شعب الاكسهوزا اللغة الانكليزية ولغات اخرى عدة ولكنهم يفخرون بالتكلم بلغة الكسهوزا (ازي كسهوزا) وهي احدى اللغات القريبة من لغة الزولو ([95]) .
وصل اقوام الكسهوزا الاصليين الى الاقاليم الغربية نزوحاً من الشمال قبل القرن الخامس عشر . ان تاريخ الكسهوزا يؤكد ان الاستيطان في غرب نهر سندي بدأ في القرن الثامن عشر ([96])
ان معظم الكسهوزا كانوا يعيشون على الرعي وزراعة الحبوب والصيد اما بيوتهم في العادة فتبنى قرب الحافات العالية المطلة على الانهار . ويعد امتـلاك قطعان الماشية رمز الثروة عندهم كما هو ايضاً وسيلة للتبادل ([97]) .
تتضمن لغة الكسهوزا شيئاً من لغة (الثمبو) الجارة الشرقية للاكسهوزا وكان هؤلاء الثمبو يشكلون قبائل نجحت في اخضاع القبائل المجاورة عبر التاريخ كذلك هناك (البوندو) وهم شديدو الصلة بالكسهوزا ويقطنون المنطقة المجاورة للثومبو من جهة الشرق ([98]) ، وبلغ تعداد شعب الكسهوزا في عام 1990 في جنوب افريقيا (6) ملايين نسمة على حسب التقديرات الرسمية بضمنهم (البوندو) (والثمبو)ومجاميع اخرى اندمجت مع الكسهوزا اجتماعياً على مدى قرون عدة ، كل واحدة من هذه المجاميع متجانسة ومتجمعة في اماكن صغيرة ([99]) .

4. نديبيلي Ndebele
ان شعب النديبل منحدرمن المنطقة التي تسمى حالياً اقليم ناتال وسمى مؤخراً باسم كاوازولوناتال وقد هاجر قسم من شعب النديبيل باتجاه الشمال في بداية القرن التاسع عشر والقسم الآخر استقر في ترنسفال الشمالية . اما (مازيكيازي) وجماعته هربوا شمال ناتال بعد هزيمتهم على يد شاكال عام 1817([100]) . أجبر شعب النديبيل على الهجرة مرات عدة بالقوة باتجاهات عديدة ، حتى استقروا حول ناتال في نهاية القرن التاسع عشر . واصبح معظم النديبيل مقاتلين استطاعوا ان يخضعوا الزعامات الصغيرة ودمجها في مجتمع النديبيل . وفي القرن التاسع عشر استطاع القائد الأنكليزي (بول كروجر) ان يحتل ارض النديبيل ويعدم العديد من قاداتهم واجبار الآخرين بالعمل في مزارع البيض عبيداً ([101]) اما في الوقت الحالي فقد اعيدت بعض الاراضي الى قلة من النديبل مكافأة لولائهم او لاعطائهم ميزة اجتماعية خاصة تحت وطأة التمييز العنصري وقرر معظم النديبل الذين كانوا يعيشون شمال ترنسفال اللجوء الى اراضي (ليبوا) التي كانت تحتوي على قطع متناثرة عدة من الارض في شمال ترنسفال . والقسم الآخر الذين كانوا يتمسكون ببعض التقاليد القديمة لثقافتهم ولغتهم رحلوا الى (كاوانديبل) ، كانوديبل هي ارض كانت قد اعطيت الى ابن نابيلا ، المقاتل النوبيلي المعروف في زمن كروجر ، وكانت هذه الارض تعني كثيراً لهم لذا نادى التقليديون باستقلال كاونديبل عام 1980([102]) .
اعلنت كاونديبل مقاطعة مستقلة تحكم نفسها عام 1981 ولكن القليل من المقيمين فيها والذين كان تعدادهم 300,000 نسمة استطاعوا الحصول على عمل لذلك معظمهم اضطر الى عمل في المناطق الصناعية في بريتوريا وجوهانسبرغ . وفي الاقل 500000 نسمة من شعب النديبيل عاشوا في المناطق المدنية والمراكز الرئيسة في جنوب افريقيا ، أي خارج منطقة كاونديبل في عام 1980 ([103]) . فضلا عن 1.7 مليون نديلي كانوا يعيشون في زيمبابوي ويشكلون 6/1 من السكان وكذلك 300.000 نسمة كانوا يعيشون في بوتسوانا([104]). بلغ تعداداً اندييلي او مانديبل حوالي 800.000 نسمة من سكان جنوب افريقيا عام 1990 ، الذين كانوا يعيشون في ترنسفال الشمالية لاكثر من قرن من الزمان ، كان النيديبال يتكلمون لغة(ازي نديبل) والتي تصنف من ضمن لغات نكَوني على الرغم من تأثر لغة الـ (سوثو)([105]).

Page 10

المطلب الثاني :جماعة المستوطنين البيض

تتكون الجماعة البيضاء من أصول أجنبية متنوعة ، فإذا كانت هذه الجماعة تضم جماعتين فرعيتين هما :- جماعة الافريكانرز ، وهم الذين كانوا يسمون بالبوير([106]) وجماعة المتحدثين بالانكليزية . الا أنه يلاحظ بالنسبة للجماعة الأولى والتي تشكل نحو 60% من الجماعة البيضاء . انها تضم في صفوفها نسبة كبيرة من أبناء الهولنديين الأوائل الذين استقدمتهم شركة الهند الهولندية الشرقية للعمل في محطة الكاب البحرية في النصف الثاني من القرن السابع عشر كما تضم في صفوفها نسبة يعتد بها من أبناء الألمان الذين قدموا الى جنوب افريقيا ، في المدة نفسها تحت اغراءات منحهم مزارع خاصة بهم ثم أنها تضم كذلك نسبة لا بأس بها من أبناء الهوجونوت الفرنسيين الذين تدفقوا على هولندا في المدة نفسها ، هرباً من الاضطهاد الديني في فرنسا ، ثم ارتحلوا الى جنوب افريقيا سعياً وراء الحصول على مزارع كبيرة . وقد كان المستوطنون الاوائل من الألمان والفرنسيين من المزارعين المهرة ، وقبلوا بسهولة الانصياع للسيطرة الهولندية على الكاب (1651-1795) ([107]) ، كما استوعبوا اللغة الهولندية ( أو ما اصبح يعرف الان باللغة الافريكانية )، لدرجة ان العديد من قادة جنوب افريقيا المتحدثين بالهولندية على مدى القرون الثلاثة الماضية كانوا يحملون أسماء فرنسية ، بل يشير واقع الحال الى ان القسم الاكبر من الافريكانرز ينتمي لأصول فرنسية والمانية اكثر من انتمائهم لأصول هولندية . ([108]) وقد كانت المانيا مصدراً مهماً لتزويد جماعة الافريكانرز بالمهاجرين ، كما تم تعزيز هذه الجماعة بأعداد إضافية في ستينيات القرن الماضي ، من الهولنديين الذين قدموا من اندونيسيا ومن البلجيك الذين قدموا من الكونغو(زائير) عقب استقلال هاتين الدولتين .([109])
ويلاحظ بصفة عامة على المستوطنين من هذه الجماعة انهم احترفوا الزراعة فيما عدا الهولنديين الاوائل ، الذين برهنوا على عجزهم في القيام بهذه المهنة ، واتجهوا للرعي من خلال القرصنة وسلب قطعان واراضي القبائل الافريقية . ([110])
وفيما يتعلق بالجماعة المتحدثة بالانكليزية يلاحظ انه على الرغم من تحدث كل أعضائها بالإنكليزية، يوجد داخل هذه الجماعة الفرعية جماعة فرعية اخرى هي الجماعة اليهودية ([111]) والتي يقدر عددها على وفق آخر إحصاء عام 1996 بنحو (100الف نسمة) ([112]) . فعلى الرغم من أن أعضاء هذه الجماعة يتحدثون الإنكليزية ، يشكلون جماعة مختلفة داخل الجماعة المتحدثة بالانكليزية ، سواء من حيث الديانة أم من حيث ارتقاء مستوى ثرائهم ، وسواء من حيث نظرتهم لأنفسهم او نظرة بقية أعضاء الجماعة لهم . ([113])
وإذا كان أول استيطان بريطاني في جنوب أفريقيا قد حدث عقب احتلال بريطانيا لمدينة الكاب عام 1806 ، إذ اصبح الكاب جزءاً من الإمبراطورية البريطانية بموجب اتفاقية باريس عام 1814 ([114]) ، ولاسيما حينما نظمت الحكومة البريطانية ومولت هجرة مؤلفة من خمسة آلاف بريطاني الى الكاب عام 1820 ونحو 4.800 بريطاني الى مدينة الناتال في المدة من 1849-1852 ، فانه يلاحظ ان نحو خمسي الموجة الأولى من المستوطنين كانوا من المزارعين في حين ان البقية من الفنيين والتجار ورجال الجيش المتقاعدين والمهنيين، أما الموجة الثانية الى الناتال ، فلم يشكل المزارعون إلا نحو 1% فقط، ويلاحظ بصفة عامة أن أغلبية المزارعين البريطانيين قد تركوا الزراعة وارتحلوا للعمل في المدن خوفاً من هجمات القبائل الأفريقية عليهم ، من جانب ، وسعياً وراء فرص عمل افضل من جانب اخر . ([115]) وقد ظلت الجماعة المتحدثة بالإنكليزية ولا تزال تعتمد في زيادة عددها على النمو السكاني غير الطبيعي المعتمد على الهجرة وهو الأمر الذي زاد مخاوف جماعة الافريكانرز من احتمال اختلال التوازن الديمغرافي لغير صالحها، وان كانت جماعة الافريكانرز تسمح بهجرة المتحدثين بالانلكيزية الى جنوب أفريقيا لسد النقص في العمالة الماهرة البيضاء في البلاد من جانب ، ولتدعيم الوضع الديمغرافي للجماعة البيضاء ككل في مواجهة الجماعة الافريقية .
ونتيجة لما تقدم ، قدم الى جنوب أفريقيا واستقر فيها نحو ربع مليون مستوطن من المتحدثين بالإنكليزية في مدة تقل عن نصف قرن من عام 1924-1970. ([116]) ونسبة يعتد بها من هذا العدد قدمت من المستعمرات البريطانية السابقة في الهند ووسط وشرق افريقيا([117]) . مما تقدم يلاحظ إن هناك تنوعاً في أصول الجماعة البيضاء ، كما أن العامل التاريخي في الاستيطان قد جعل جماعة الافريكانرز في معظمها تتركز في الريف وتعمل في الزراعة والرعي ، في حين ان الجماعة المتحدثة بالانكليزية في معظمها تعيش في الحضر ، وتعمل في القطاعات الاقتصادية الحديثة ، وقد اضاف ذلك اختلافاً آخر بين الجماعتين الفرعيتين الافريكانرز والمتحدثة بالانكليزية ، الى جانب الاختلافات القائمة بينهما أصلاً فيما يتعلق بالدين واللغة ، إذ تتبع الاولى المذهب الكالفني البروتستانتي وتنتسب للكنيسة الهولندية الاصلاحية ، وتتحدث اللغة الافريكانية في حين ان الثانية تتبع عديداً من المذاهب المسيحية وتنتمي للعديد من الكنائس وتتحدث الانكليزية ، على اية حال ، فان عملية التحضر التي سادت جنوب افريقيا منذ القرنين الماضيين ، قد ادت الى تحضر غالبية الافريكانرز ثم ان دستور اتحاد جنوب افريقيا قد حل مشكلة اللغة بالنص على اعتبار اللغتين الافريكانية والانكليزية لغتين رسميتين للدولة . ([118])
وقد بلغ تعداد الجماعة البيضاء في منتصف عام 1976 نحو4,320,000 نسمة أي نحو 17% من سكان البلاد ([119]). واصبح معظم أعضاء الجماعة البيضاء من سكان الحضر اذ بلغت نسبة التحضر بينهم عام 1970 ما يزيد على 87% ، ولا يشكل البيض غالبية سكانية، على غير البيض في أي من المدن الكبرى لجنوب أفريقيا ، فيما عدا العاصمة بريتوريا ، كما لايشكلون غالبية عددية في أي من مقاطعات البلاد الأربع حتى مع استبعاد سكان البانتوستانات، وان كان يلاحظ بصفة عامة أن غالبيتهم يتركزون في ترانسفال إذ يعيش فيها نحو ما يزيد على40% من البيض والكاب إذ يوجد بها ما يقرب من35%منهم،اما ناتال ([120]). واورانج فيعيش فيهما فقط نحو 15% ، 10% على التوالي ، وبلغ تعدادهم في منتصف عام 2000 (4,5) مليون نسمة ، ونتيجة لعملية التحضر ودخول غالبية البيض واشتغالهم في القطاعات الاقتصادية الحديثة، فأن بعض معالم التكوين الطبقي قد بدأت في الظهور داخل الجماعة البيضاء . ويمكن ان نبين تقسيمات الجماعة البيضاء في جنوب افريقيا .