eKtab
EN ع
النظرية النقدية الغربية .. من افلاطون الى بوكاشيو
Read free sample

النظرية النقدية الغربية .. من افلاطون الى بوكاشيو

by د. عيد الدحيات

Page 1
تمهيد
 
يبحث هذا الكتاب في تطور النظرية النقدية الأوروبية منذ القرن الرابع قبل الميلاد إلى نهاية العصور الوسطى وانبثاق عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر· والرجوع إلى الأعمال النقدية الأولية التي طُرحت فيها القضايا الرئيسية في النقد يذكرنا بالمنطلقات والأساسيات في خضم الآراء النقدية المتضاربة هذه الأيام، ويمنعنا من الذهاب بعيداً في افتراضاتنا· فهنالك تراث نقدي نجح في امتحان الزمن حيث استمر قوياً متدفقاً على الرغم من تعاقب الأزمان والأذواق والنظريات· فالأعمال النقدية العظيمة التي تركها أرسطو وهوراس ولونجاينوس تمتاز بهيبة و جلال تجعلها ترفض أن تفرض عليها أساليبنا وعصبياتنا النقدية الجاهزة· ولهذا رأيت أن من الأجدى أن أدع النصوص تقدم نفسها للقارئ بشكل عادل وواضح؛ فليس هنالك أفضل من تركها تقدم ذاتها وتكشف عن مدلولاتها· وقد جعلت العلاقة بيني كقارئ وبينها كنصوص علاقة قائمة على احترام حقها في أن تُشرح لا أن تُشرَّح، وأن توصف لا أن تُصَنّف ولهذا السبب عينه، يجد القارئ أنني أكثرت من الاقتباسات المأخوذة من هذه النصوص للحفاظ على حضورها أمام القارئ· ولعل مقولة أرتشيبولد ماكليش Archibald MacLeish من أن القصيدة وجود حي، هو ما هو، وليست معنى فحسب، تنطبق أيضاً على النص النقدي· ففي عمل أرسطو النقدي الخالد صناعة الشعر يشارك النصُ الناقدَ في عملية التفسير، ويتفاعل مع الفكر أحياناً، ويتحدى التحليلَ أحياناً أخرى؛ ولكنه، في كل مرة يتعامل القارئ معه، يكشف عن معنى جديد وعن بعد مستجد، ولسان حاله يقول : إن عظمة النص تكمن في عصيانه على الفهم السريع المتعجل، وإصراره على أن يجهد الشارح ويتعب للكشف عن مكنوناته ومعانيه·
 
لقد سعدت حقاً خلال قراءة تلك النصوص النقدية، وزادت سعادتي لأنني بذلت جهداً متأنياً في التعامل معها يتناسب مع رفعتها ومكانتها· ولقد علمتني هذه التجربة أن لا شيء يعادل التعاطي مع الأشياء بشكل مباشر· إن من الخطأ أن ننسى النص ونضعه جانباً، ونلجأ إلى قراءة ما كتب الآخرون عنه· إن منهجية المواجهة مع النص بطريقة مباشرة قد غابت، مع الأسف، عند الكثير من الأكاديميين من دراسي الأدب والنقد الذين آثروا قراءة ملخصات لهذه النصوص أو تفسيرات لها، وهو الأمر الذي أدى إلى تراكم أفكار وآراء تشرح نصوصاً في أذهان الشارحين وخيالهم فحسب· ولهذا كله، فإن هذا الكتاب ليس موجهاً إلى المهتمين بتاريخ النقد الأدبي، ولكنه موجّهٌ إلى النقاد أنفسهم وإلى المهتمين بمعرفة النص الأدبي أولاً·
 
وكلي أمل أن قارئ هذا الكتاب سيجد أن هذه النصوص العائدة إلى ما يسمى بالعصر الكلاسيكي اليوناني والروماني تخاطب، على الرغم من إيغالها في الماضي، المستقبل وتجيب عن كثير من الاستفسارات النقدية المعاصرة· والمعاصرة ليست فترة زمنية تاريخية، ولكنها، بالتأكيد، حالة ذهنية ومنظور عقلي وإنساني· ففيها إجابات عن طبيعة الأدب ووظيفته وتأثيره واختلافه عن غيره من النشاط الإنساني الوجداني· وقد كان هذا هو السبب الذي جعلني أقوم بحذف ما كتبه كونتليان Quintillian وتاستوس Tacitus عن الخطابة والبلاغة من هذا الكتاب واقتصاره فقط على الأعمال اللصيقة بطبيعة الأدب كفن مستقل بذاته· لقد كانت ملاحظة السير فيليب سدني في دفاعه عن الشعر، قبل أكثر من خمسة قرون، التي قال فيها أنه يستحق اللوم لأنه خلط بين الشعر والخطابة، حاضرة في ذهني وفي خلدي عند اختيار النقاد والأعمال النقدية التي يتصدى لمعالجتها هذا الكتاب·
Page 2
ولعل من المناسب أن أذكر هنا أنني حَرَصْتُ على عدم الإطالة والتكرار في التفسير، وحاولت جاهداً أن يكون الشرح مختصراً وموجزاً ينفذ إلى جوهر المسائل النقدية المطروحة، ويبين الرأي النقدي في النص بوضوح ودقة وسلاسة· لقد كانت ملاحظات أرسطو فيما يتعلق بحسن الاختيار في الكل والجزء، وملاحظات لونجاينوس في حسن اختيار الكلمات ماثلةً أمام عيني· وأرجو أن أكون قد امتثلت لهاتين النصيحتين ونجحت في تجنيب القارئ الضجر والملل·
 
ويلاحظ قارئ هذا الكتاب، أن طبيعة الأدب وغايته وأهميته تشكل القضايا الرئيسية التي حظيت بعناية خاصة في هذا الكتاب· إن أهم مبرر لوجود النقد الأدبي، كما أرى، في أي زمان ومكان، كونه يساعد على فهم هذه القضايا، وبالتالي توضيح هدف العلوم الإنسانية ومبرر وجودها·
 
ولعل أهم ما يميز العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية أنها لا تقدم تحليلاً دون معاينة للجزيئات والتفاصيل، ولا توصف دون تقييم، ولا تقدم المجرد إلا ومعه العواطف والمشاعر والجوانب الإنسانية· ولهذا السبب فإن نقد العلوم الإنسانية يجب أن يكون إنسانياً كذلك· وليكون هكذا، يجب أن يكون مدركاً للقيم الإنسانية الأساسية وأن يدافع عنها ويظهرها كأمور أسمى من التجريد وأكثر رفعة· ومن ناحية أخرى، فلربما كان أهم مردود نحصل عليه من ممارسة النقد الأدبي (أو حتى من قراءته) هو أنه يثير فينا الرغبة في أن نفكر فيما نقرأ· وكلما قرأنا أكثر، تطورت ملكة التفكير لدينا وصقلت بطريقة تجعلها إحدى أهم أدواتنا للعيش في عالم مضطرب ومشوش، اختلطت فيه الرؤى واختلفت فيه الاتجاهات· وهذا ليس إنجازاً عابراً، ولكنه مكافأة وتشجيع لنا أن نستمر في طريق نستخدم فيه أفضل قدراتنا الإنسانية لتمييز الحقيقة من نقيضها· وكم كان الفيلسوف الناقد أرسطو مصيباً عندما فرّق بين ما أسماه الفنون المفيدة useful arts والفنون الجميلة fine arts · وتفريقه هذا مرتبط بالوسيلة التي يحقق كل منهما الهدف الأساسي للفن بعموميته، ألا وهو محاولة الإنسان إكمال عمل الطبيعة فالفنون المفيدة، مثل فن المعمار والطب والمهن والحرف الأخرى، تتعاون مع الطبيعة لاستكمال القدرات الطبيعية وتنفيذها لتلبية الاحتياجات العملية للإنسان· أما الفنون الجميلة فتتعاون كذلك مع الطبيعة ولكن عن طريق محاكاتها بشكل ينافسها ولكنه لا يختلف عنها ومعها· فالفنون الجميلة تكمل الحياة من خلال محاكاتها مما يساعد على توسيع الإدراك وصقل البصيرة وتطويرهما نحو الكمال· وهكذا يساعد الفن الإنسانَ على تحقيق غايته في معرفة الحقيقة؛ حقيقة ذاته وحقيقة العالم الذي يعيش فيه· وعن طريق هذه المعرفة يصبح الفرد إنساناً حراً· لقد كان صاموئيل جونسون (وهو أحد أعمدة المدرسة الكلاسيكية الجديدة في القرن الثامن عشر) مدركاً لهذا كله عندما قال إن الحرية وتحقيق الذات لا يتوافران إلا عندما يتكئُ الفرد براحة واطمئنان على ثبات الحقيقة (1)· نعم، لقد وفر لنا الأدب سبيلاً للحقيقة عن طريق رسم المثال وتقديم رؤى للكمال والثبات بحيث أصبح الإنسان ميدان البحث وغايته في آن واحد· أما النقد الأدبي فهو ولوج إلى داخل عالم الأدب المصنوع من الصور والكلمات والأحاسيس لكشف رحلة الإنسان وسعيه نحو الكمال· وهذه الغاية النبيلة تجعله فرعاً من أهم فروع المعرفة الإنسانية وأسماها·
 
وفي الختام، أرجو أن أتقدم بالشكر والعرفان إلى صديقي الأستاذ الدكتور محمد يوسف شاهين الذي يذكرّني باستمرار بأن لا أنسى البحث والتأليف في غمرة مشاغلي وتشعب مسارات حياتي· أما صديقي الأستاذ الدكتور عودة أبو عودة، المعروف بدقته ومهارته في اللغة العربية، فقد قام بتصويب لغة هذا الكتاب؛ فله مني صادق المودة والتقدير·
Page 3
مقدمة
 
إن الرجوع إلى المنابع الأولى للنقد الأوروبي يوفر للقارئ منظوراً تاريخياً يساعده على فهم تطور هذا النقد خلال فترة تناهز الألفي عام، ويمكنه، في الوقت نفسه، من التعرف على فهمٍ للكون والحياة والإنسان جعل مجموعة قليلة من الناس قوة فاعلة اندفعت إلى الأمام مزودة بطاقة فكرية إبداعية قدر لها أن تحدث تغييرات كبيرة في مسيرة الحضارة الغربية· لقد امتازت حضارة اليونان القدماء في القرن الرابع قبل الميلاد باتساع في الأفق ومقدرة فائقة على التحليل والاستنباط والمحاورة المنطقية ندر أن شهد العالم مثيلاً لها على مدى تاريخه· وقد مكنّت هذه المنهجية اليونانيين من أن يطلعوا على العالم بالفلسفة والديموقراطية والعلم النظري والتطبيقي· أما في مجال الآداب فقد كانت إضافاتهم الرئيسية تتمثل في شعر الملاحم والمسرحية والشعر الغنائي·
 
ففي شعر الملاحم ترك هوميروس (القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد) أثراً أدبياً خالداً يتمثل في ملحمة الإلياذة Iliad وملحمة الأوديسة Odyssey اللتين أرستا تقاليدً في كتابة هذا الجنس الأدبي اتبعها شعراء الملاحم طوال تاريخ الأدب الأوروبي· وفي ميدان المسرحية (المأساة والملهاة) استطاع عدد من الكتاب استعمال الأساطير القديمة عن الآلهة والأبطال جاعلين منها مادة درامية تعكس الحياة البشرية بقوتها وضعفها· ولسوء الحظ، فإن عدداً محدوداً من مئات الأعمال التراجيدية التي كتبت ومُثلت وصل إلينا بشكل كامل، منها سبعة من تأليف إسكلوس ( Aeschylus(525-654ق·م، وعشرة من تأليف سوفوكليس ( Sophocles (694-604ق·م، وثمانية عشر كتبها يوروبيديس ( Euripides (084-604ق·م· أما الأعمال الكوميدية فلدينا منها إحدى عَشْرَةَ مسرحية من تأليف أريستوفانيس ( Aristophanes (544-583ق·م، الذيتخصصفي الهجاء؛ ولم يسلم حتى الفيلسوف سقراط من سخريته· أما النوع الذي عُرف فيما بعد بالكوميديا الجديدة الذي اتصف بانخفاض حدة الهجاء فيه، فقد كان ميناندر( Menander (243-292ق·م أبرز كتابه· أما في مجال الشعر الغنائي فقد كتبت الشاعرة سافو Sapho قصائد حب تصل لدرجة المجون، وكذلك فعل الشاعر الإسبارطي ألكمان Alcman؛ في حين ألفّ أرخيلوخس قصائد هجاء· أما الشاعر Pindarus (225-834ق·م)، فيعد بحق أعظم الشعراء الغنائيين في زمانه حيث ابتدع نمط قصيدة غنائية سميت باسمه Pindaric Ode· أما في ميدان النثر فقد ألفّ هيرودوتس Herodotus (584-524ق·م) تاريخه المشهور عن الحروب اليونانية الفارسية وعن الشعوب المحيطة بالجزر اليونانية، حيث تختلط الأساطير مع مشاهداته كرحالة، أما ثيوسيديدس Thucydides فقد ترك مادة غزيرة عن الحروب البلوبونيسية Peloponnesian·
 
أما الأدب الروماني فقد بدأ بداية متواضعة في القرن الأول قبل الميلاد حيث ظهرت أشعار لكريشس (69-55 ق·م) Lucretius والأشعار الغنائية التي كتبها كاثلس Catallus عن الحب والمحبين، إضافة إلى نثر شيشرون (601-34 ق·م) Ciceron وبخاصة خطبه المشهورة التي امتازت ببلاغتها وفصاحة بيانها· وبعد هذه البداية جاء العصر الذهبي في الأدب الروماني الذي كان فيرجيل Vergil (07-91 ق·م) أعظم ممثليه· وقد اتبع فيرجيل الأنموذج اليوناني في كتابة شعر الملاحم حيث ألف الأنيادة Aeneid على غرار ملاحم هوميروس، كما كتب قصائده الرعوية المعروفة بـEclogues وGeorgics على غرار الشعر الغنائي اليوناني· أما هوراس فقد كان شاعراً امتاز بتعدد أوزانه الشعرية وتعدد العواطف التي يعالجها· أما أوفيد (Ovid (34ق·م -71 ميلادي فقد انصب اهتمامه على الأساطير القديمة وبخاصة الجانب المتعلق بالتحولات التي تطرأ على أشكال الآلهة والأبطال والشجر في تلك الأساطير، والتي خلدها في كتاب التحولات Metamorphoses· وقد كتب أوفيد كذلك عن الحب، وأرسى تقاليدً عرفت بتقاليدَ الحب الأوفيدي امتازت بتمجيد عالم الحواس والشهوات· وفي مجال التراجيديا، ترك سنيكا Seneca (القرن الأول للميلاد) عدداً من المسرحيات مكتوبة على نهج المسرح اليوناني عند يوروبيديس· وقد مارست هذه المسرحيات التراجيدية أثراً كبيراً على مسرحيي عصر النهضة، الذين اعتقدوا، خطاً، أنها قد كتبت من أجل أن تمثل (بينما كانت في الواقع مسرحيات معدة للقراءة بصوت عالٍ أمام المستمعين)·
Page 4
ومن الأمور اللافتة للنظر في هذا السياق تواضع انجازات الحضارة الرومانية في مجال الأدب والعلوم والفكر بشكل عام إذا ما قورنت مع الحضارة اليونانية· ومن أسباب ذلك أن الطبقة الحاكمة في عصر الإمبراطورية الرومانية لم تعط العلم والأدب الاهتمام الكافي· وقد ذهب الأمر ببعض الحكام إلى اعتبار العلم والبحث أخطاراً تهدد حياة الناس وأرزاقهم لأنها تفقدهم حرفهم وأعمالهم· ويُروى أن الإمبراطور الروماني تايبريوس (Tberius (24ق·م-73 م أعدم رجلاً لأنه اكتشف طريقة لعمل زجاج غير قابل للكسر· إن التقدم العلمي الذي أنجزته الحضارة اليونانية أدى إلى وجود نخبة من العقلانيين الذين اعتقدوا أن السبيل لإصلاح حياتهم وحياة غيرهم من الناس في هذا الكوكب يعتمد على المهارات العقلية التحليلية· لقد كان بمقدور هذه الفئة أن تغير إلى حد ما مجرى الأحداث في تلك الفترة لو أنها لقيت الدعم والتشجيع من طبقة الأباطرة والنبلاء الحاكمة· ولكنها، بسبب ما لقيت من إهمال، تلاشت تدريجياً ولم يكن بمقدورها تكوين قيادة فكرية وعلمية مؤثرة· وكان الجو العام السائد محبطاً، اكتنفه تفكير مغلق قائم على اعتبار الإنسان عاجزاً بطبيعته، وغير قادر على تقرير مصيره· فالحياة - كما صُورت - لُعبةُ الحظ والأقدار، حيث سادت مع بدايات القرن الثالث الميلادي طقوس ما يسمى بآلهة الحظ Fortuna· وقد اكتسبت هذه الطقوس شهرة واتساعاً في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط أدى إلى إيجاد نوع من التفكير المستسلم لإرادة قوى لا سبيل للإنسان التحكم فيها أو حتى التنبؤ بما يمكن أن تُقدم عليه· وقد عّبر الكاتبالروماني بوويثيوس (Boethius (084-425 عن هذا النمط من التفكير أفضل تعبير في مؤلفه المعروف بـ تعزية الفلسفة Consolation of Philosophy، الذي كانت مخطوطاته من أكثر مخطوطات الكتب رواجاً بين الطبقة المتعلمة في ذلك الوقت· وحسب هذا الكتاب تأتي الفلسفة إلى بوويثيوس في سجنه على شكل امرأة لتعزيته بفقدان مجده الغابر· وتعتمد هذه التعزية على فكرة أن آلهة الحظ هي الحكم والفيصل في شؤون البشر كافة، وما على المرء إلا أن يقبل أحكامها ويستسلم لإرادتها·
 
لقد أدت هذه الروح السلبية الخانعة إلى وقوع أوروبا فريسة سهلة لهجمات البرابرة القادمين من الشمال الذين استطاعوا بسهولة ويسر تدمير الإمبراطورية الرومانية الغربية ونشر المزيد من الجهل والتخلف في شتى الأصقاع التي اجتاحوها· يسأل كينث كلارك Kenneth Clark عن السبب الذي أدى إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية بهذا اليسر أمام الغزاة البرابرة، ويجيب بأن من أهم أسباب انهيارها وتلاشيها هو الخوف من عالم الغيبيات والذي يعني أنك لا تستطيع أن تشك في شيء أو تتنازل عنه، ناهيك عن تغييره· لقد كان العالم القديم مليئاً بالطقوس عديمة المعنى والجدوى وبالأديان السرية التي قضت على الثقة في النفس·(2) ومما لا شك فيه أن الحضارة والنهضة تتطلبان ثقة كبيرة في قدرات الإنسان (3) العقلية وممارسة هذه القدرات في جو من الحيوية والنشاط وحتى المغامرة· فكل حضارة سادت كان وراءها مخزون هائل من الطاقة الفردية والجماعية الجامحة العنيدة والقادرة على تحطيم ما يقف في سبيلها من موانع وعوائق·
 
وقد عكست آداب أولئك الغزاة البرابرة عالماً مظلماً موحشاً تغلفه الكآبة والحزن، ويتمحور حول عجز الإنسان أمام قوى الطبيعة· فالحياة قاسية والإنسان في حالة استعداد دائم لمواجهة الأخطار الموجودة في كل مكان، حيث البحر والغابات والتلال مسكونة كلها بالأرواح الشريرة· لقد أعطى هذا العالم القاسي الذي شكل شخصية الشعوب الجرمانية في موطنها الأصلي للنظرة القدرية الاستسلامية التي سادت في أواخر أيام الإمبراطورية الرومانية الغربية دفعاً جديداً· ولعل من المناسب أن أذكر هنا أن الكلمة الإنجليزية القديمة الدالة على القدر هي Wyrd، وهي كذلك اسم آلهة الحظ غريبة الأطوار· وقد اشتقت الكلمة الإنجليزية الحديثة weird منها، وهي تحمل نفس المعنى والمدلول· والواقع أن إنجازات أوروبا خلال فترة الهجمات البربرية لا يعتد بها· فالحياة المضطربة لم تعط وقتاً للبناء، كما أن الحكام لم يكونوا على درجة من الفهم والدراية تمكنهم من رعاية أعمال الحضارة والمدنية· أما اللغات المحلية ولهجاتها المتعددة فقد كانت في أشكال بدائية لا يتوافر فيها إرث أو مخزون ثقافي يمكنها من استيعاب الأفكار المجردة أو التعبير عن المشاعر والعواطف الإنسانية بشكل فني مقبول· ولم يكن يعرف اللغة اللاتينية سوى عدد محدود من الناس يقتصر على رجال الدين أو أولئك الذين توفرت لهم سبل معرفتها·
Page 5
ولحسن الحظ كان لظهور قائد كبير هو شارلمان (Charlemagne (417-418م، الذي تَوَجَهُ البابا ليو الثالث Leo III إمبراطوراً في مدينة روما يوم عيد الميلاد عام 800م، أثراً كبيراً في البدء في عملية إحياء المعرفة اليونانية وتشجيع العلماء وإنشاء مراكز التعليم والعلم· استطاع شارلمان أن يوحد تحت إمرته كل ممتلكات الإمبراطورية الرومانية الغربية (ما عدا بريطانيا وجنوب إيطاليا وصقلية وشمال إفريقيا)، وأضاف إليها وسط أوروبا وشرقها التي لم يستطع الرومان السيطرة عليها· لقد استطاع شارلمان إحداث أول نهضة في تاريخ أوروبا والتي عرفت بنهضة شارلمان Carolingian Renaissance، حيث تم بعث الحياة في التراث اليوناني وأبقيت جذوته مشتعلة لتصل إلى الأجيال القادمة· ولم يعتمد شارلمان على مصادر إمبراطوريته التي لم يترك فيها البرابرة سوى بعض بقايا مبعثرة من التراث القديم، ولكنه استطاع بواسطةعلماء استقدمهم من ايرلندا وبريطانيا أن يبني قواعد متينة للمستقبل·(4) كان العالم البريطاني الكوين (Alcuin ، (537-408، الذي نشأ في مدينة يورك York، في مقدمة أولئك العلماء حيث اختاره شارلمان قائداً لفريق الباحثين الذين اضطلعوا بإصلاح مدارس البلاط الإمبراطوري وإنشاء مراكز عديدة للعلم والعلماء في أنحاء إمبراطورية شارلمان· ومع أن الكنيسة الكاثوليكية والدين المسيحي الذي اعتنقته تلك القبائل القادمة من أصقاع شمال أوروبا الباردة قد عملا على تهذيبها إلى حد ما؛ إلا أن عملية الانتقال إلى منظومة جديدة من القيم ومنظور جديد للحياة قدر لهما أن يستغرقا وقتاً طويلاً·
 
استمرت المراكز التي تم إنشاؤها في عهد شارلمان في تأدية واجبها وتطورت بشكل حثيث وبخاصة في مجال الدراسات اليونانية حتى وصلت أوجها في القرن الثاني عشر الذي يعدّ المقدمة الحقيقية لعصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر· فقد كان القرن الثاني عشر الزمن الذي بدأ فيه بناء الكاتدرائيات الفخمة العظيمة، كما كان العصر الذي شهد تطور الفلسفة المدرسية scholastic philosophy على يد بيتر لومبارد Peter Lombard وأبلارد Abelard ، وتوما الأكويني، ودنز سكوتس Dun Scotus· كما شهد هذا القرن كذلك إنشاء الجامعات مثل جامعة باريس وجامعة بولونا Bologna في إيطاليا وجامعتي أكسفورد وكمبردج في بريطانيا· أما تأثير العلوم والفلسفة العربية الإسلامية على أوروبا العصر الوسيط فكان كبيراً وحاسماً· ودَين أوروبا للحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى موضوع معروف ويعدّ من المسلمات التي لا يشك فيها باحث منصف·
 
شكل القرن الثاني عشر نقطة تحول في ميدان الآداب حيث ظهرت أغنية رولاند song of Roland التي تحكي بطولات رولاند ضد أعداء المسيحية· أما في جنوب فرنسا وبخاصة في مقاطعة بروفنس Provence فقد ظهر شعراء متجولون عرفوا بالتروبودورز Trobadours، أشاعوا أفكاراً عن الحب شبيهة إلى حد كبير بالأفكار والعواطف التي نجدها في الشعر العربي في إسبانيا، وخاصة شعر الموشحات· وانتشر هذا النوع من الشعر الغنائي في شتى أقطار القارة الأوروبية وأصبح له أعراف ومبادئ أثّرت على أخلاق طبقة النبلاء والفرسان ونظرتها للنساء، إذ أضفت على هذه الطبقة لمسات من المدنية لم تكن معروفة في أوروبا ما قبل القرن الثاني عشر·كما ظهر أيضاً في هذا القرن شعراء عرفوا بالشعراء الجوليارديون Goliards الذين استهزءوا بمحتوى القصيدة الغنائية الدينية وشكلها، ولم يستثنوا من سخريتهم رجال الدين وبعض طقوس الكنيسة الكاثوليكية· أما أدب الفروسية المعروف بالرومانس romance فقد كان إحدى ثمرات العصور الوسطى الأدبية· ويدور معظم هذا الجنس من الأدب حول شخصية الملك آرثر وفرسانه والبطل رولاند والإمبراطور شارلمان· وقد كُتب أدب الرومانس باللهجات المحلية الدارجة· ويلحظ دارس هذا الأدب اختلافه عن شعر الملاحم اليونانية والرومانية، فالبطل في الرومانس فارس يتبع نظاماً صارماً يحدد سلوكه وأخلاقياته· كما شهدت العصور الوسطى ظهور المسرحية التي تطورت من الترانيم الكنسية التي أصبحت تغنى بأسلوب درامي في الأعياد والمناسبات· وسرعان ما اكتسبت شهرة واسعة جعلت الكنيسة تخرج بها إلى الناس في المدن والقرى حيث تطورت إلى أشكال جديدة من الفن المسرحي المستمدة مادته من قصص الكتاب المقدس، ويؤدي هدفاً وعظياً إرشادياً·
 
وهكذا نلحظ نوعاً من الثنائية في أدب العصور الوسطى· ففي حين كان جُل الاهتمام منصباً على الأدب التعليمي الذي يخدم أهداف الكنيسة ولا يخرج عن ضوابطها ومحدداتها، فإننا نلحظ ابتداءً من القرن الثاني عشر ظهور أدب مهم يمجد الحياة الدنيا ويتغنى بجمالها· وتبرز هذه الثنائية بوضوح في قصيدة طويلة جاءت على شكل حوار بين بومة وعندليب· ففي حين ترى البومة أن هدف الشعر تعليمي تهذيبي، يرى العندليب أن هدفه الإمتاع والشعور بالمسرة· ولهذا عُدّت هذه القصيدة أول عمل في العصور الوسطى يقع ضمن مسمى النقد الأدبي· إن ما أثير في هذه القصيدة الرمزية على الرغم من بساطته يشكل واحدة من أهم القضايا النقدية· وسنرى في فصول هذا الكتاب كيف شغلت هذه القضية وغيرها من القضايا النقدية مجموعة من أفضل مفكري أوروبا وعقولها في الفترة الواقعة منذ أفلاطون إلى بوكاشيو·
Page 6
1- آراء أفلاطون النقدية
 
ولد أفلاطون عام 724 ق·م لأبوين ينحدران من أسر يونانية عريقة· نعرف القليل عن طفولته، ولكنه تلقى بالتأكيد تعليماً يركز على القراءة والكتابة والشعر، مثله مثل غيره من أبناء أثينا في ذلك الزمان· التقى أفلاطون وهو في سن الشباب الفيلسوف سقراط، ونشأت بين الاثنين علاقة حميمة شكلت نقطة تحول في حياة أفلاطون· أما إعدام سقراط فقد كان نقطة التحول الثانية التي قرر عندها أفلاطون عدم الاشتغال بالسياسة التي كان يخطط أن يكون له دور فيها· لقد أدى إعدام سقراط إلى خيبة أمل أفلاطون في السياسة والسياسيين، حيث يذكر (على لسان سقراط) في الرسالة السابعة ما يلي :-
 
عندما أمعنت النظر في ما حدث (أي إعدام سقراط) زادني ذلك إصراراً على دراسة السياسة والسياسيين والقوانين والعادات التي تحكم زماننا· وكلما تقدمت بي السنوات أدركت مدى صعوبة أن تحكم الناس بالعدل· والواقع أنه لا يمكن عمل أي شيء دون وجود مؤيدين لك وأصدقاء موثوق بهم· ولكن العثور على هؤلاء أمر صعب للغاية··· لهذا أعتقد أن الأمل الوحيد لإرساء العدالة في المجتمع يكمن في الفلسفة الحقيقية· ولا يمكن للبشرية أن تتمتع بزمان خال من المشاكل والاضطرابات إلا عندما يصل الفلاسفة إلى سدة الحكم أو عندما يصبح الساسة (ربما بمعجزة) فلاسفة حقيقيين!(5)
 
لقد بقيت هذه القناعة الأساس الذي بنى عليه أفلاطون نظامه الفكري الكامل؛ فالفلسفة وحدها هي الوسيلة إلى معرفة الحقيقة والبلسم الشافي لحل مشاكل الفرد والمجتمع·
 
اتخّذ أفلاطون قراره بترك السياسة بعد عشر سنوات من موت سقراط· وخلال هذه السنوات كان قد زار مصر و (ربما) بلاد الفينيقيين، كما خدم في الجيش الأثيني وشارك في ثلاث حملات عسكرية· كتب محاوراته مبتدئاً بالدفاع عن سقراط واستمر بكتابة المحاورات التي غاص فيها في أعماق فكر سقراط الفلسفي، وأنهى المحاورات (ربما) بحوار جورجياس Georgias الذي يضع فيه السياسة وجهاً لوجه مع الفلسفة· ويُظهر هذا الحوار أن إسقاطه للسياسة لم يكن قراراًً سهلاً· وفي عام 883-783 ق·م· زار أفلاطون جنوب إيطاليا وصقلية التي التقى فيها بديونيسيوس الأول حاكم سيراكيوز· وانتهت هذه الزيارة بخلاف بين الاثنين، فشل على أثره أفلاطون في تحويل ديونيسيوس إلى فيلسوف حاكم· قفل أفلاطون راجعاً لمدينته أثينــا، وفــي عــام 683 ق·م (علــى وجــه التقريب) أسس أكاديميته الشهيرة التي بقي يمارس التعليم فيها حتى وفاته عام 743 ق·م· كان هدفه من إنشاء الأكاديمية تدريب حكام المستقبل ليصبحوا فلاسفة· ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أسوكرايتوس Isocrates كان قد أسس مدرسةً قبل الأكاديمية ببضع سنوات حسب تقاليد السفسطائيين، انصّب الاهتمام فيها على تعليم الشعر والبلاغة وفن الخطابــة·
 
اعتقد القائمون على مدرسة السفسطائيين أن برامج مدرستهم أفضل بكثير من البرنامج الذي اعتمده أفلاطون في أكاديميته، في حين رأى أفلاطون أن البلاغة فن سطحي يزود الطلاب بوسائل التعبير دون حمايتهم من خطرها· وكان البرنامج الفلاطوني في التعليم يتألف (كما بينه في الكتاب الثالث من الجمهورية) من تعليم الرياضيات والمنطق والمناقشات الفلسفية· ويبدو من هذا البرنامج أن أفلاطون لم يفقد الأمل أبداً من تحويل حكام المستقبل إلى فلاسفة، ولكنه في الوقت نفسه كان مدركاً للفجوة بين النظرية والتطبيق، وبين الحلم والواقع؛ كما هو واضح في بعض أجزاء جمهوريته وفي كتبه المتأخرة مثل كتابَيْ النواميس Laws والسياسة Politics ، حيث يبدو أفلاطون أقل أوتوقراطية وأكثر ميلاً إلى وجود تنظيمات حكومية وإدارية فاعلة إلى جانب الحاكم الفيلسوف·
 
ما يهمني في هذا الكتاب هو نقد أفلاطون للأدب والأدباء ورأيه في طبيعة العمل الأدبي ووظيفته وغايته· فالفلسفة كانت منطلقه وقاعدته الأساس التي حكم بواسطتها على السياسة والأدب وأي نشاط إنساني آخر· لقد احتل الشعر مكاناً كبيراً في النظام التعليمي اليوناني، زمن أفلاطون(6)، إذ كان يُدرس عن طريقة قراءته بصوت عالٍ أو عن طريق غنائه على أنغام القيثارة· كان الشعر المصدر الأساس الذي اشتقت منه الناشئة مبادئها وأفكارها المتعلقة بالدين والأخلاق؛ ولهذا السبب نُظر للشعر كما لو كان كتاب اليونانيين القدماء المقدس· لم يكن أفلاطون، المؤمن أبداً بأن الفلسفة هي السبيل لمعرفة الحقيقة، راضياً عن إعطاء هذه المكانة الرفيعة للشعر والشعراء في تنشئة الأجيال وإعدادها للمستقبل· أما السبب كما وضحه هو في الكتاب العاشر من الجمهورية فيكمن في أن:
 
كل الفنون التي تعتمد المحاكاة [mimesis] ضارة ومدمرة لأنها تمارس مفعولاً سلبياً على القوى العقلية عند المستمعين الذين لا يملكون المعرفة الكافية التي تحميهم من شرور هذه الفنون وأضرارها, ولهذا فإن من الواجب قول الحقيقة على الرغم من محبتي منذ الصغر لهوميروس لأنهبالنسبة لي يعدّ أستاذاً لجميع الشعراء التراجيديين وقائداً لهم· ولكن الحقيقة تأتي قبل حب هوميروس· وسأقولها·(7)
Page 7
في ضوء هذا كله، فإن من غير الممكن معالجة آراء أفلاطون النقدية والإحاطة بها بمعزل عن أرائه الفلسفية ونظريته في المعرفة epistemological theory· ففي محاورة Ion وفي الكتاب الثاني، و الثالث و العاشر من الجمهورية وفي الكتاب الثاني والسابع والثامن من النواميس يوجد تمازج لا ينفصم بين نظريته في المعرفة وبين آرائه في الشعر والشعراء وطبيعة الشعر وغايته· فمعالجة مبدأ المحاكاة في الكتاب العاشر من الجمهورية مرتبط ارتباطاً عضوياً بآراء أفلاطون الفلسفية ومفهومه للحقيقة والطريق إليها· كما أن مدى معرفة الفيلسوف والشاعر للحقيقة الأفلاطونية هو الفيصل والمعيار الذي في ضوئه يحكم على كل منهما· ولهذا اعتبر الكتاب العاشر من الجمهورية بحق بداية النظرية النقدية عند اليونان·(8)
 
لقد كان أفلاطون دائم البحث عن اليقين الفلسفي، ذاك الثابت الذي لا يتغير ولا يفنى ولا يزول ولا تصل له يد الزمن ولا يعتوره النقص والضعف· وبحثه عن الكمال والثبات كان رداً فلسفياً على أراء السفسطائيين الذين نظروا للكون نظرة خاصة حيث اعتبروا أن كل شيء في الوجود نسبي relative يعتمد في الدرجة الأولى على حكم الفرد وتقييمه ومنظوره الخاص؛ وبالتالي لا توجد حقيقة واحدة يتفق عليها كل الناس· أما أفلاطون فقد رأى أن كوناً مثل هذا لا يمكن أن يكون منظماً بكليته، إضافة إلى أنه لا يوجد له معنى أو أهمية باعتباره يعتمد على ردة فعل كل فرد وهواه· ويجد أفلاطون عالم الحقيقة الذي سعى له في عالم أسماه عالم الصورة، ميّزه تمييزاً حدياً عن عالم المادة أو الهيولي· فعالم الصورة الذي يتوصل إليه الفيلسوف من خلال العقل، أزلي، أما عالم المادة فمجرد ظل زائل (رغم عدم إدراكنا لذلك) للحقيقة المطلقة· وباختصار فإن عالم الصورة هو الحقيقة الأفلاطونية المطلقة، والعقل هو الوسيلة الوحيدة لمعرفته· أما باقي قدرات الإنسان مثل العواطف والخيال والإحساس فهي مجردة من أي قيمة، حسب رأي أفلاطون، إلا إذا وضعت تحت إشراف العقل وسيطرته التامة· وعندما يحاكي الشاعر الأشياء، فإنه يحاكي عالم المادة فحسب، ولا يعرف شيئاً عن عالم الحقيقة المطلقة لأنه، على عكس الفيلسوف، لا يستخدم عقله بل يلجأ إلى خياله وعاطفته· ومن هنا يستنتج أفلاطون أن الشاعر لا يعمل على بعث الفضيلة والأخلاق وتهذيب النفوس لأن شعره مستمد من عالم غير حقيقي· فمعرفة الحقيقة المطلقة ومحاكاتها كفيلان بإصلاح الأجيال· وهذه المعرفة لا تتوفر إلا للفيلسوف فقط· إن الإنتاج الأدبي شبيه بالصور التي نراها في المرايا وفي المياه، والتي لا تتعدى كونها انعكاساً لعالم المادة والحواس الذي هو بدوره انعكاس لعالم الصورة· وهكذا يجعل أفلاطون الشاعر بعيداً عن مصدر الحقيقة بثلاث درجات· إن مفهوم أفلاطون للمحاكاة مفهوم محدود، كونه لا يتعدى انعكاسات عالم الحواس· وهكذا جرد أفلاطون الشعر من أي قيمة، وجعل الشاعر جاهلاً بما يحاكي، يثير العواطف ويخرجها عن سيطرة العقل وسلطانه مما يحدث اضطراباً وخلخلة في النفس البشرية· ولنا أن نتصور، يقول أفلاطون، الأثر التربوي المدمر لمثل هذه الفوضى على الناشئة وعلى الناس أجمعين عندما يرون من هو أقل درجة ومكانة يتحكم بزمام الأمور، غير آبه بما هو أرفع منه قدراً وأسمى منزلة· وهذه الحال شبيهة بحال إطلاق العنان للأوغاد والأشرار للعبث في المدن والحواضر على هواهم دون حسيب أو رقيب يضع حداً لتصرفاتهم العمياء·(9)
 
واضح إذن، يقول أفلاطون، أن الشاعر الذي يحاكي عالم المادة ليس ميالاً بطبيعته إلى ما هو عقلاني، ولكنه من أجل أن يجعل محاكاته ممتعة وجذابة يلجأ إلى الشخصيات غير المستقرة عاطفياً ونفسياً· فمن العدالة، والأمر كذلك، أن لا يركن إلى صحة ما يقول الشاعر، وأن يتم التعامل مع إنتاجه الأدبي بحذر شديد لأنه (أي الإنتاج الأدبي) يهمل الجانب الحسن والأعلى من النفس (العقل) ويطلق العنان إلى الجوانب السيئة (الغرائز)· وبناء على ذلك، فإن على الشاعر أن يخضع لمراقبة الدولة ويطلب منه عدم قول أو كتابة ما يخالف قوانين جمهورية أفلاطون وضوابطها· أما الأعمال المسموح بها فهي التي تمجد الناس الخيريين النبلاء وأفعالهم·
 
ويذهب أفلاطون بعيداً عندما يعتبر الشاعر فاقداً لعقله· ففي الحوار المسمى أيون Ion يتحاور سقراط مع شخص يدعى أيون(10) مهنته قراءة أشعار هوميروس وشرحها للناس، حيث يطرح سقراط نظرية الإيحاء الشعري inspiration· وبموجب هذه الفرضية يتلقى الشاعر إيحاءً من ربة الشعر دون أن يكون واعياً لما يوحى له· ودوره لا يتعدى دور المتلقن الذي يقوم بإيصال هذا الإيحاء (الذي يتردد على شكل حلقات مغناطيسية) إلى الناقد وإلى القارئ أو المشاهد· فالشاعر لا يعرف ماذا يحاكي، كما أنه ليس صانعاً لأشعاره، ويقتصر دوره على تمرير الإيحاء من شخص إلى آخر فحسب· يقول سقراط مخاطباً أيون:
 
إن الموهبة التي تملكها والمتمثلة بكلامك الجميل عن هوميروس ليست فناً، ولكنها، كما قلت لك، مجرد إيحاء· فهنالك روح مقدسة تحركك مثل التي في تلك الحجارة التي يسميها يوروبيوس المغنطيس magnet، والتي تسمى عادة حجارة هيراكليا Heraclea Stone· إن هذه الحجارة لا تجذب فقط الحلقات المعدنية ولكنها تعطيها أيضاً القدرة على جذب حلقات أخرى؛ وفي بعض الأحيان ترى عدداً من قطع المعادن والحلقات معلقة بعضها ببعض بحيث تشكل سلسلة طويلة· وجميع هذه الحلقات تأخذ قوتها من الحجارة الأولى· وكما تقوم هذه الحجارة بعملها فإن ربة الشعر Muse تقوم أولاً بالإيحاء لبعض الناس· وبعد ذلك تتوالى مجموعة من الإيحاءات إلى أشخاص آخرين· ولهذا فإن جميع الشعراء الجيدين- مثل شعراء الملاحم والشعراء الغنائيين، يؤلفون قصائدهم الجميلة ليس بسبب قدراتهم الفنية؛ ولكن بسبب وقوعهم تحت تأثير الإلهام والإيحاء الخارجي···· مثلهم مثل الراقصين المعروفين بالكوربانتيان Corybantian الذين يؤدون رقصاتهم عندما لا يكونون بكامل قواهم العقلية· وكذلك يكون الشعراء الغنائيون عندما يألفون قصائدهم الجميلة حيث يقعون تحت تأثير الموسيقى والوزن الشعري، ويأخذهم الإيحاء بعيداًعنأنفسهم·أما الشاعر فلا يكون عنده أي َخلقٍ أو إبداع حيث يخرج عن نفسه نتيجة للإلهام والإيحاء حيث يفقد عقله· وعندما لا يكون في هذه الحالة ( أي فقدان عقله) يصبح عاجزاً وغير قادر بتاتاً على قول الشعر·(11)
Page 8
إن قول سقراط في هذا الحوار متصل برأي أفلاطون في الكتاب العاشر من الجمهورية عن المحاكاة الشعرية التي اعتبرها مجرد تمثيل لعالم المادة يقوم به الشاعر تحت تأثير العاطفة وليس العقل· وهكذا يعيد أفلاطون تأكيده على الفرق بين الفلسفة والشعر وعلاقة كل منهما مع الحقيقة المطلقة
 
أما مادة المحاكاة الشعرية فهي فاسدة لأنها مبنية على فاسد· فلأن الشعراء لا يحاكون الحقيقة المطلقة ولا يعرفونها فإن أشعارهم قد صورت الآلهة على عكس حقيقتها وطبيعتها، وألصقت بها كل أشكال السلوك الشائن· ففي الكتاب الثاني من الجمهورية يقول سقراط(12) أن أشعار هوميروس وهسيود Hesiod تسيء للآلهة وتنسب إليها كل ما يحدث من خير أو شر للناس· ولها فإن أول قانون على الشعراء إتباعه هو الامتناع عن قول أن الآلهة هي سبب كل شيء، ويسمح لهم بالقول أن الآلهة سبب كل ما هو خير فقط·(13) أما القانون الثاني المتعلق بمادة المحاكاة أو محتوى الشعر فيمنع تصوير الآلهة بهيئات وصور مختلفة كما لو كانت مجموعة من السحرة الذين يغيرون أشكالهم وهيئاتهم وتصرفاتهم حسب الموقف الذي هم فيه· فالآلهة، يقول سقراط، لا تتغير أبداً وتمتاز بثبات هيئتها وسلوكها؛ وبسبب ثبات حالها فإنها لا تلجأ لخداع بني البشر قولاً أو فعلاً· ويتابع سقراط حديثه عن محتوى الشعر في الكتاب الثالث من الجمهورية حيث يذكر عدم جواز تصوير العالم الآخر بطريقة مرعبة تبعث الخوف والجبن في الأنفس· ويعطي مثالاً على ذلك التصوير غير المستطاب المقابلة بين أوديسيوس وشبح أخيل في إلياذة هوميروس، والتي يقول فيها شبح أخيل أنه يفضل أن يكون فلاحاً بسيطاً في عالم الأحياء على أن يكون ملكاً لكل عالم الأموات· فَوَصْفٌ مثل هذا، يرى أفلاطون، لا يخدم المصلحة العامة لأنه يثبط عزائم الجيوش بدل استنهاضها· ويمنع أفلاطون على الشاعر أيضاً ذكر الأشباح والأشكال الأخرى المرعبة، وعليه حذفها نهائياً عندما يصور عالم الموت السفلي· وواجب على الشعراء تصوير الأبطال وهم في أحسن حالاتهم والابتعاد عن إظهار تفجعهم أو ألمهم وخوفهم· فالتعليم عند أفلاطون يتم من خلال إبراز المثال والأنموذج الذي يحتذى بحيث يتقمص السامعون أو المشاهدون ما يقوم به البطل أو يفعله· والتعليم من خلال الأنموذج موضوع كثير الدوران في النقد اليوناني والروماني القديم وفي نقد عصر النهضة الأوروبية· وهكذا حَسَبَ أفلاطون فإن محتوى الأدب لا يقدم الحقائق كما أنه لا يؤدي أية وظيفة تهذيبية أو تعليمية·
 
أما وسائل المحاكاة فهي عند أفلاطون ثلاثة: 1- الأسلوب القصصي وهو الأسلوب الذي يتكلم فيه الأديب ويخبرنا ماذا قال كل واحد من الشخصيات، 2- الأسلوب القصصي البسيط الذي يتكلم فيه الأديب دون محاكاة أقوال الشخصيات الأخرى في العمل الأدبي، 3- الأسلوب الدرامي الذي تتكلم فيه الشخصيات فقط· أما عن استعمال اللغة في المحاكاة فيرى أفلاطون أن هنالك لغة وأسلوباً قصصياً يستعمله شعراء من ذوي مكانة رفيعة، كما أن هنالك لغة وأسلوباً خاصاً يستعمله شعراء من مكانة دونية هابطة يحاكون فيه شخصيات من شاكلتهم· إن أفلاطون من الرأي القائل أن هنالك علاقة بين الشاعر والعمل الأدبي؛ فالشاعر النبيل لا يحاكي إلا النبلاء والعكس صحيح·
 
مما لا شك فيه أن أفلاطون يركز بشكل واضح ومكثف على الوظيفة الاجتماعية للأدب، وهو موضوع أشغل بعض أفضل العقول في تاريخ النقد الأدبي الأوروبي على مدى العصور· أما تفضيل الفلسفة على الشعر فينبع من نظرية أفلاطون في المعرفة ومن اهتماماته التربوية وبخاصة تربية حكام المستقبل الذين رأى أفلاطون أن يكونوا فلاسفة حاكمين· ولقد كان الشعر أساسياً في العملية التربوية اليونانية في عصره، ولو لم يكن للشعر تلك المكانة الرفيعة التي غطت على الفلسفة وتفوقت عليها، فإن أفلاطون ربما لم يأبه به كثيراً· لقد رأى أفلاطون أن الأمر قد تعدى كل الحدود المقبولة حيث اعتبر الشعر أساس المعرفة وأساس الفضيلة، فانبرى إلى إعادة الاعتبار إلى الفلسفة خاصة وإن جمهوريته الفاضلة المتخيلة قائمة على فرضية حكم الفلاسفة
 
ولكن وعلى الرغم من انتقادات أفلاطون الأنفة الذكر إلا أنه، في معالجاته للوظيفة الاجتماعية للأدب وفي آرئه حول الإلهام والإيحاء، يقدم الشاعر بأسلوب فيه الكثير من الكلام المبطن الذي يخفي وراءه بعض الإعجاب بموهبة الشاعر وتأثيره على الناس· وعلينا ألاّ ننسى أيضاً أن أفلاطون كان يتمتع بملكة أدبية رفيعة كما تبين محاوراته وكتاباته الأخرى، لدرجة أن الشاعر الرومانسي الإنجليزي شيلي قد اعتبره شاعراً وليس فيلسوفاً·(14) أما حب أفلاطون لملاحم هوميروس فأمر يكرره باستمرار ويتكلم عن هوميروس بإعجاب لا يخفى على أحد· وعلى الرغم من قوله في الكتاب العاشر من الجمهورية أنه يفضل البحث عن الحقيقة على حبه لأشعار هوميروس، إلا إن الشاعر في داخل أفلاطون يطفو (أحياناً) فوق الفيلسوف الميتافيزيقي التجريدي· إن مشكلة أفلاطون الناقد مشكلة وقع فيها الكثير ممن جاء بعده من النقاد الذين وضعوا أنظمة وأسساً اعتبروها المعيار الذي من خلاله يتم تقييم الأدب والحكم عليه، وكان الأجدر بهذا الفيلسوف الناقد أن يعالج الشعر بمعزل عن الفلسفة، لأن لكل واحد منهما (الشعر والفلسفة) عالمه وهدفه وحقيقته التي تميزه عن غيره من النشاطات الفكرية والإبداعية الإنسانية·
Page 9
2- أرسطو : صناعة الشعر
 
ولد أرسطو في بلدة ستاغيرا Stagira في مكدونيا عام 483 ق·م· عمل والده نكوماخوس Nicomachus طبيباً لأمنتاس الثاني Amyntas II ملك مكدونيا ووالد فيليب الأكبر Philip the Great· أُعد أرسطو ليكون طبيباً (ربما مارس الطب إلى حين) كما كان لديه اهتمامات في علم الأحياء· وفي عام 863 ق·م (كان عمره آنذاك سبعة عشر عاماً) أُرسل إلى أثينا حيث بقي على اتصال بأكاديمية أفلاطون لمدة عشرين عاماً وحتى موت أفلاطون عام 743 ق·م· تعرف أرسطو خلال هذه الفترة على المبادئ الفلسفية والفكرية الأفلاطونية بشكل مباشر ولكنه استمر كذلك في إجراء أبحاثه في البيولوجيا· وبعد وفاة أفلاطون قضى أرسطو خمس سنوات في جزيرة لسبوس Lesbos في آسيا الصغرى حيث كرس جهوده لدراسات عينات من الأحياء في بيئة تلك الجزيرة· وفي عام 343/243 ق·م، وبناء على طلب من فيليب المكدوني أصبح أرسطو معلماً لابنه الإسكندر· عاد أرسطو إلى أثينا عام 533 ق·م بعد فترة قصيرة من موت فيليب الثاني؛ وخلال الثلاث عشرة سنة اللاحقة كّرس نفسه لإنشاء مدرسة عُرفت بـ اللسيوم Lyceum بالقرب من ربوة مقدسة عند تمثال ألإله أبوللو Apollo وعند المكان المفترض أن ربات الشعر Muses تسكن فيه حسب الأساطير اليونانية· وقد كان هذا مكاناً مفضلاً لدى سقراط من قبل· وقد سميت اللسيوم بمدرسة المشّائين peripatetic، لأن أرسطو كان يمارس التعليم وهو يمشي وحوله تلاميذه لاعتقاده أن الحركة الدائبة في الهواء الطلق تقدح الذهن وتفجر ينابيع العبقرية· كرّس وقته في هذه المدرسة في إجراء بحوثه الاستقصائية والتحليلية في كل أنواع المعرفة التي كانت في زمانه· ومن المفارقات في حياة أرسطو أن تكون فترته المنتجة التي شهدت أوج نشاطه العلمي والفلسفي هي الفترة نفسها التي شهدت حروب تلميذه الإسكندر المقدوني وفتوحاته، كما أن الجزء الأكبر من حياته كطالب علم ومعلم كانت خلال إقامته في أثينا التي عاش فيها غريباً حُرم من حقوقه السياسية ونظر إليه بشك وريبة بسبب علاقاته مع البلاط المكدوني· توفى أرسطو عام 223 ق·م وله من العمر اثنان وستون عاماً·
 
يعتبر أرسطو من أعظم الشخصيات في تاريخ الفكر الإنساني على الإطلاق، فقد كان يتمتع بعقلية تحليلية متميزة في مجالات طرح الأسئلة وإجراء التعريفات والاعتراضات والحلول لدرجة أن رفاقه في اللسيوم كانوا يطلقون عليه لقب noûs أي العقل، (The Brain)· كان أرسطو كذلك قارئاً وله ولع بالمسرح؛ أما في ميدان الشعر فكان هوميروس شاعره المفضل الذي اعتبره الشاعر الكامــل
 
صناعة الشعر The Poetics (حوالي 033-433ق·م)
 
تعدّ صناعة الشعر أهم عمل نقدي في تاريخ التراث الأدبي الكلاسيكي في الحضارة الغربية (15)· فقد سيطر هذا العمل الخالد على الساحة النقدية الأوروبية في عصر النهضة وفي عصر التنوير (القرن الثامن عشر)، كما كان الملهم للعديد من المدارس النقدية والنقاّد على مدى التاريخ الأوروبي قديمه وحديثه·
 
تبين صناعة الشعر أن المعرفة عند أرسطو تعتمد في المقام الأول على قراءة منهجية تحليلية متأنية وعميقة للنص الأدبي· فعلى الرغم من كونه فيلسوفاً من الطراز الأول، إلا أنه كناقد لم يعالج الأدب في المجرد والمطلق، ولكن حلله من خلال التعامل مع النص الأدبي بشكل مباشر باعتبار هذا النص اكتمالاً للفعل المُحاكى· ولهذا جاء نقد أرسطو على شكل وثيقة نقدية راقية لرجل عرف كيف يلاحظ ويشاهد ويفصل الأنواع والأجناس الأدبية ويحلل خصائصها ومميزاتها· لقد نظر أرسطو للأدب اليوناني في عصره كبيئة للمعرفة عليه اكتشافها والوقوف على كنهها وسبر أغوارها؛ وكما يفعل عالم الطبيعة أخذ يسجل ملاحظاته ويدون مشاهداته على ما كان يقرأ في الكتب المخطوطة وعلى ما كان يرى على المسرح اليوناني· فأرسطو لم ينطلق من نظام يفصل بين ما هو مادي وما هو تجريدي في ثنائية متضادة، ولكنة انطلق من أن المادي والتجريدي موجودان في الشيء نفسه، وما النص الأدبي، في شكله النهائي، إلا تجسيد لهذه الوحدة· ولهذا أقبل على اكتشاف هذا النوع الجديد من المعرفة متخذاً من النص ذاته دليله ومرشده في تبيان ماهيته وطبيعته وهدفه·
Page 10
أولاً: المحاكاة الشعرية Mimesis
 
يقول أرسطو في صناعة الشعر إن هنالك سببين لبداية الشعر، كلاهما طبيعي ؛ الأول يكمن في المحاكاة التي هي ميزة مغروسة في الإنسان منذ الطفولة تميزه عن سائر الحيوان· فالإنسان يحصل على معارفه من خلال المحاكاة· أما السبب الثاني فيعود إلى أن المتعة واللذة كذلك يأتيان من المحاكاة· يقول أرسطو :
 
ويبدو أن الشعر نشأ عن سببين، كلاهما طبيعي· فالمحاكاة غريزة في الإنسان تظهر منذ الطفولة (والإنسان) يختلف عن سائر الحيوان في كونه أكثر استعداداًً للمحاكاة، وبالمحاكاة يكتب معارفه الأولية، كما أنه يجد متعة في المحاكاة· والشاهد على ما يجري في الواقع: فالكائنات التي تقتحمها العين حينما تراها الطبيعة تلذ لها مشاهدتها مصورةً إذا أحكم تصويرها، مثل صور الحيوانات الخسيسة والجيف· وسبب آخر هو أن التعلم لذيذ : لا للفلاسفة وحدهم، بل لسائر الناس أيضاً، وإن لم يشارك هؤلاء فيه إلا بقدر يسير· فنحن نُسَرُّ برؤية الصور لأننا نفيد من مشاهدتها علماً ونستنبط ما تدل عليه، كأن نقول إأن هذه الصورة صورة فلان· فإن لم نكن رأينا موضوعها من قبل فإنها تسرنا لا بوصفها محاكاة، ولكن لإتقان صناعتها أو ألوانها أو ما شاكل ذلك·(16)
 
تعدّ المحاكاة الشعرية واحدة من أهم الأفكار التي أتى بها أرسطو؛ ولعلها من أخطر المبادئ النقدية على مدى تاريخ النظرية النقدية الغربية· يرى أرسطو أن المحاكاة تعتمد على أمرين هما : 1) الحوار dialogue،( 2 المهارة الفنية craftsmanship· وهذان الأمران يجعلان العمل الأدبي نتاجاً يشبه الأصل المحاكى من جهة ويختلف عنه من جهة أخرى· وتمثيل الواقع فنياً ليس تصويراً فوتوغرافياً لهذا الواقع، ولكنه إنتاج جديد، له عالمه الخاص به المرتبط بقوانينه الداخلية والعلاقات بين أجزائه· أما الأشياء التي يحاكيها الأديب أو الفنان في الأصل المحاكى فهي القوى الفاعلة الناشطة النابضة بالحياة والحركة الدرامية فيه· وهذا يؤدي إلى إيجاد نظير فني مكافئ للأصل ولكنه مستقل عنه·
 
ولهذا السبب بالذات فإن الفن عند أرسطو هو تنظيم لجزيئات العمل الفني وربط محكم لها في تركيب واحد متحد يكون كل جزء فيه نابعاً مما أتى قبله ومتصلاً بما يأتي بعده· فالمحاكاة مهارة وصنعة وعملية خلق فني يؤدي إلى وجود عالم جديد يحتوي على حقيقة تختلف تماماً عن الحقيقة التي نعرفها ونألفها في الواقع الذي نعيشه· وهي، باختصار، حقيقة آتية من أعماق الانسجام والترابط في عالم فني تحكمه قوانين السببية والاحتمالية في عالم ما يجب أن يكون وليس عالم ما كان أو ما هو كائن·
 
إن مبدأ المحاكاة عند أرسطو ليس بالأمر السهل؛ ولابد أن نأخذ ما يلي بعين الاعتبار عند مناقشته :
 
1- يجب عدم الربط بين مفهوم المحاكاة عند أرسطو والمفهوم الذي ساد في عصر الكلاسيكية المحدثة Neo-Classicism التي اعتبرت الإنتاج الأدبي بمثابة صورة في مرآة تعكس الواقع الخارجي كما هو مائة في المائة (17)، أو المفهوم الذي ساد في العصر الرومنسي Romanticism من أن العمل الفني يعكس العالم الداخلي الجواني للأديب مثل النور المنبثق من المصباح·(18)
 
2- إن مفهوم أرسطو لمحاكاة الواقع فنياً لا يعني أبداً ما يطلق عليه في النقد المعاصر بالنظرية الواقعية Realism التي تعتمد على تراكم التفاصيل المأخوذة من واقع الحياة في العمل الفني· فالمحاكاة الأرسطية تُعنى بما هو دائم ومنظم ولا علاقة لها بما هو معزول وآني وفردي· ولهذا السبب يقول أرسطو إن الشعر عالمي وفلسفي أكثر من التاريخ الذي يُعنى بالتفاصيل التاريخية المتعلقة بما حدث·
 
3- إن المحاكاة الأرسطية مرتكزة على مبدأ الاختيار selection وترك التفاصيل التي لا علاقة لها بموضوع العمل الفني· وفي هذا السياق ليس من خيار أمام التاريخ إذا أريد له أن يكون عالمياً مثل الشعر إلا أن يتخلى عن التفاصيل التي لا علاقة لها بجوهر الموضوع الذي يتصدى له؛ وعليه أيضاً أن يركز على الارتباطات الداخلية بين أجزاء الموضوع بحيث تشكل بنائية متجانسة ومترابطة·