eKtab
EN ع
النظرية السياسية بين التجريد والممارسة
Read free sample

النظرية السياسية بين التجريد والممارسة

by د. إبراهيم أبراش

Page 1
المقدمة
 
النظرية السياسية من المواضيع الرئيسة في علم السياسة، واعتمادها كمجال معرفي ومادة للتدريس اعتراف بمرحلة النضج التي وصل إليها الفكر السياسي وعلم السياسة بشكل عام، فأن تُهيكل الأفكار السياسية في إطار نظريات علمية، معناه أن السياسة لم تعد مجرد أفكار ومقولات عامة بعيدة عن الواقع، بل أصبح من الممكن ضبط وتقنين الشأن السياسي ليصبح علماً مثل العلوم الأخرى. ومن هنا ليس عبثاً أن يدخل لفظ النظرية في المجال السياسي، وهو لفظ مستمد أصلاً من العلوم الحقة التي وصلت إلى درجة من الدقة والضبط جعل من الممكن ضبط مقولاتها في إطار نظريات علمية قابلة للتعميم، وتكون هادياً للباحث في تلك العلوم.
 
لا غرو إن كان اعتماد مفهوم النظرية والقوانين السياسية، إضافة إلى توظيف أدوات البحث العلمي ومناهجه في المجال الاجتماعي، محاولة من الباحثين الاجتماعيين والسياسيين للوصول بالمعرفة الاجتماعية والسياسية إلى درجة من الدقة والموضوعية شبيهة بالحالة التي عليها العلوم الحقة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود الشاقة التي بذلها العلماء الاجتماعيون والسياسيون في هذا المجال، إلا أن بعض العلماء ما زال يشكك في علمية المعرفة الاجتماعية بما في ذلك النظريات والقوانين الاجتماعية والسياسية، حتى عندما سئل الفيلسوف الفرنسي ليفي شتراوس Claude Lévi - Strauss: هل هناك علوم اجتماعية؟ أجاب: لدي شك في ذلك. وشكّه ينبع من إدراكه أن الظواهر الاجتماعية تختلف عن الظواهر الطبيعية، فإذا كانت الأولى قابلة للملاحظة والضبط والتجريب، فإن الثانية على درجة كبيرة من التعقيد وعدم الثبات والتحول من حال إلى حال، فالظاهرة الاجتماعية يتداخل في تشكلها مؤثرات سسيولوجية ونفسية ودينية واقتصادية وعاطفية، ما يجعل حصر مكوناتها وإخضاعها للتجربة أمراً شاقاً، وهذا الأمر يجعل من المخاطرة وبمثابة مغامرة علمية، صياغة نظريات وقوانين بعيدة المدى تزعم القدرة على فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية بشكل مُرض، ومن هنا فإن الباحثين يتعاملون بحذر مع النظريات الاجتماعية والسياسية وخصوصاً بعيدة المدى وشمولية التحليل.
 
إن قولنا المشار إليه أعلاه لا ينفي الجدوى عن النظريات الاجتماعية، ولكن المقصود أنه في مجال التنظير الاجتماعي والسياسي يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن عملية التنظير في هذا المجال تغني الباحث عن المقاربات الميدانية والتجريبية، أو أن النظريات السياسية تعبير صادق عن الواقع، فما بين الواقع والنظريات فجوة كبيرة والعلماء يلهثون دوماً لصياغة نظريات يمكنها أن تواكب الواقع، فالنظريات وحتى التي تزعم أنها علمية وموضوعية لا تتطابق دوماً مع الواقع، ولنا في واقع الحياة السياسية اليوم خير دليل على ذلك، فلا توجد أية نظرية سياسية قادرة لوحدها على تفسير وفهم ما يجري في السياسة الدولية، والفهم والتفسير من أهم أهداف النظرية السياسية.
Page 2
جاء اعتماد مصطلح النظرية في العلوم السياسية بعد رحلة طويلة وشاقة وممانعات متعددة المصادر واجهت الفكر السياسي، حيث انتقل من فكر تهيمن عليه الأسطورة والفلسفة السياسية إلى فكر علمي يعتمد على مناهج البحث العلمي، وتعد النظريات السياسية العمود الفقري لعلم السياسة، فالنظرية السياسية هي ذلك الجزء العلمي والممنهج من الفكر السياسي الذي كان أفكاراً عائمة وغير مضبوطة قبل أن تصبح السياسة علماً قائماً بذاته. على الرغم من الاعتراف بالعلم السياسي وبالنظريات السياسية، إلا أن علماء السياسة ما زالوا يناضلون حتى يُعترف بهم كمرجعيات رئيسة في الحقل السياسي، وما زالوا في بلدان العالم الثالث على وجه التخصيص مهمشين ومستَبعَدين على مستوى الممارسة السياسية، حيث هواة السياسة وتجار السياسة ومستلبو السلطة من العسكر والمغامرين يحتكرون الحياة السياسية، هذا ناهيك عن الممانعة التي تجدها النظرية السياسية من الفكر الغيبي والأسطوري ومن تيارات دينية، ترفض أية مرجعية وضعية لتدبير أمور المجتمع بما فيها الشأن السياسي.
 
قد يتساءل البعض: أيهما أكثر دقة، مصطلح "نظرية سياسية" أو "نظريات سياسية"؟ وهو تساؤل مشروع خصوصاً عندما نرى مؤلفات تتناول موضوعات تحت مسمى (النظرية السياسية)، ومؤلفات أخرى تتناول الموضوعات نفسها تحت مسمى (النظريات السياسية). 
 
إن اختلاف التسمية في نظرنا وإن كان ليس بالأمر الذي يستحق كثير نقاش، إلا أنه في بعض الأحيان يحدث لُبساً، فاستعمال تسمية النظرية السياسية قد يوحي عند البعض وجود نظرية واحدة تستوعب مجمل الشأن السياسي، وقابلة للتطبيق في كل المجتمعات، كما أن تسمية نظرية سياسية يجعل الأمر وكأن المقصود به تاريخ الأفكار السياسية أو مجمل التنظيرات السياسية. أما اعتماد مصطلح النظريات السياسية فيوحي بوجود نظريات- بالمعنى الدقيق للكلمة نسبياً- متعددة كل منها يتناول جانباً من الظاهرة السياسية، فهناك نظرية حول الدولة، وأخرى حول الديمقراطية، وثالثة حول السلطة... الخ، وحيث إن مصطلح النظرية السياسية هو الذي شاع في مجال الدراسات الأكاديمية، فسنستعمل هذا المصطلح.
 
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في محاولتنا هذه لإصدار مؤلف حول النظرية السياسية كنا مترددين ما بين التركيز على الجانب المفاهيمي من النظرية السياسية أو إعطاء الأولوية لمحتوى النظرية السياسية، أي الموضوعات التي تدرسها وتدخل في حقل اهتماماتها، أيضاً كنا مترددين ما بين الاهتمام بالجانب القيمي والأخلاقي من الشأن السياسي أو الاهتمام بواقع الممارسة السياسية. 
 
لا شك أن الطالب الجامعي الذي يدرس لأول مرة النظرية السياسية وربما لا يكون على معرفة كافية بالمقصود بالنظرية السياسية كمفهوم، يحتاج كماً كافياً من المعلومات النظرية والمفاهيم المجردة حول الموضوع، ولكن المفاهيم المجردة وحدها لا تكون كافية إن لم تُصاحب بأمثلة وتطبيقات وتحليل لموضوعات تُقَربُ الطالب من فهم المقصود بالنظرية السياسية. وعلى هذا الأساس حاولنا أن نجمع ما بين الجانب النظري والجانب التطبيقي. ومع ذلك فقد انتابتنا حالة من التردد فيما يتعلق بالجانب التطبيقي، فليس من السهل تناول كل الموضوعات التي تدخل ضمن إطار اهتمام النظرية السياسية، لكثرة هذه الموضوعات وتعدد تفرعاتها، وحتى تباين تطبيقات النظرية الواحدة من نظام سياسي إلى آخر، فالنظرية حول الدولة فيها الجانب التاريخي وفيها التنظيرات التي تخص الدولة الراهنة في العالم الغربي، وتلك التي نظّرت للدولة الاشتراكية والشيوعية زمن وجود المعسكر الاشتراكي، وبعضها يتحدث عن نظرية الدولة في الإسلام... الخ. ولكننا كمجتمعات عربية إسلامية نعيش في دول لها خصوصياتها، وعليه لا يفيد أن ندرس نظرية الدولة في الغرب أو الشرق أو عبر التجارب التاريخية ونتجاهل خصوصية الدولة في العالم العربي والإسلامي. الأمر نفسه بالنسبة إلى الديمقراطية، فدراسة النظرية الديمقراطية كما نشأت في الغرب وتطورت وكما تُمارَس اليوم هناك، مفيدة ولا شك، وتعتبر مرشداً وأنموذجاً يمكن الاسترشاد به أو البناء عليه، ولكن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، هل يمكن الأخذ بالنظرية الديمقراطية الغربية بحذافيرها؟ أم أن الأمر يتطلب عملية تبيئة لمقولات هذه النظرية لتتناسب ومجتمعاتنا؟ أيضاً نظرية الثورة من حيث تعريفها والظروف الدافعة لها ومقارنتها بواقع التحركات الشعبية العربية الراهنة. وغير ذلك من الموضوعات التي تحتاج إلى الجمع ما بين النظرية والتطبيق.
 
وفي الختام، لا بد من الاعتراف بأن عملنا هذا هو محاولة لمقاربة موضوع النظرية السياسية، سواء على مستوى الجانب المفاهيمي أو على مستوى الممارسة في ظل عالم باتت تحكمه المصالح المتضاربة وعودة الأيديولوجية مجدداًن إضافة إلى أفكار أصولية تؤثر في سلوك المجتمعات ونظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم أكثر من تأثير العلم ونظرياته السياسية. ونرجو أن يوفر هذا الكتاب قاعدة لمناقشات مستفيضة حول النظرية السياسية، وخصوصاً أننا حاولنا أن نثير قضايا لها علاقة بواقع النظرية السياسية في عالمنا العربي الذي يشهد أحداثاً عاصفة وتحولات مفتوحة على كل الاحتمالات.
 
 
 
أ- د/إبراهيم أبراش
 
مايو 2012
Page 3
الفصل الأول
 
التعريف والنشأة
 
مقاربة موضوع النظرية السياسية يحتاج كمحاولة تفسيرية إلى تفكيك المصطلح إلى مفردتين: النظرية، والسياسة، ثم القيام ببنائه من جديد، فلا تُفهم النظرية السياسية إلا إذا عرفنا ماذا تعني كلمة نظرية أولاً، ثم ماذا تعني كلمة سياسة ثانياً.
 
ولكن، قبل القيام بعملية التفكيك ثم التركيب، لا بد من الإشارة إلى أن مصطلح النظرية السياسية حمّال أوجه، حاله حال المصطلحات والمفاهيم في العلوم الاجتماعية والسياسية، بمعنى أن الناس، وحتى المختصين في العلوم السياسية، يفهمون المصطلح انطلاقاً من خلفياتهم الفكرية والمذهبية، وأحياناً بما يتوافق مع مصالحهم. على الرغم من الرحلة الطويلة والشاقة التي قطعتها العلوم الاجتماعية- بما في ذلك علم السياسة- في مجال ضبط مفاهيمها ومقولاتها ومحاولتها التشبه بالعلوم الطبيعية، إلا أنها ما زالت بعيدة عن الوصول إلى درجة الدقة والضبط في العلوم الطبيعية. وهذا يعني أن ما يقصده باحث ما بالنظرية السياسية قد لا يكون هو نفسه الذي يعنيه باحث آخر، فما أعتبره أنا نظرية قد لا يعتبره آخرون كذلك، مثلاً كان الماركسيون يطلقون على مذهبهم اسم النظرية العلمية، فيما آخرين كانوا يسمونها الفلسفة الماركسية، وشتان ما بين النظرية العلمية والفلسفة، ومع ذلك فقد توافق علماء السياسة على عناصر يمكن في حالة توفرها في منظومة فكرية ما أن تُنعت هذه المنظومة بـ "نظرية سياسية".
Page 4
المبحث الأول
 
مدخل لتعريف السياسة
 
مصطلح النظرية السياسية مركب من كلمتين تحيل كل كلمة إلى الأخرى، فالنظرية تُحيل إلى السياسة، والسياسة تُحيل إلى النظرية، بمعنى أن الفهم المتكامل للموضوع يتطلب أن نقارب مفاهيمياً مفردتي العنوان: الأولى السياسة؛ وهو مجال العلم الذي إليه تُنسب النظرية التي تَوَسّم علماء السياسة أنها تهديهم إلى إدراك أعمق للظاهرة السياسية، والثانية  النظرية بمفهومها العلمي.
Page 5
المطلب الأول: السياسة من الأسطورة إلى النظرية
 
النظرية السياسية بما هي نتاج عقل الإنسان العالِم، جزء من الفكر السياسي وجزء من علم السياسة، ولكنها ذلك الجزء الذي يعبر عن مرحلة النضج في التفكير السياسي، وانتقال هذا الأخير من فكر تهيمن عليه الأساطير والخرافات والتأملات الفلسفية البعيدة عن الواقع، إلى فكر ممنهج ومنظم يُستَمَد من الواقع ويحاول أن يكون قريباً منه، قادرٍ على تفسيره وفهمه وتتبع تحولاته. ومن هنا فإن فهم النظرية السياسية لن يكون ممكناً دون مقاربة مفهوم السياسة.
Page 6
أولاً: في تعريف السياسة
 
ليس بالأمر الهين تعريف السياسة، فبقدر البساطة الظاهرة على هذا المصطلح وكثرة تداوله بين الناس العاديين وبين رجال السياسة، فإن التعريف العلمي لهذا المصطلح لا يتفق مع هذا التعويم لاستعمال كلمة سياسة، ومن ناحية أخرى، فإن تعَقُّدَ البناء الاجتماعي، وتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي أو ديني أو إيديولوجي أو قانوني يجعل عملية التمايز بين هذه الأنساق أو المجالات أمراً صعباً، أو كما قال جوليان فروند Julien Freund: 
 
"إن السياسة تشبه "كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء... فيه ما شئت من الصراع، والحيلة، والقوة، والتفاوض، والعنف، والإرهاب، والتخريب، والحرب، والقانون..." (2).
 
حيث إن الشأن السياسي، وكما هو الحال مع المجالات الاجتماعية الأخرى، أُخضِع للمنهج العلمي وأدواته الدقيقة، فقد أصبح من الممكن مقاربة الظواهر السياسية مقاربة علمية، بل إن ظهور علماء وعلوم متخصصة بدراستها، مع ما يصاحب ذلك من محاذير. قام بتوظيف علم الاشتقاق أو الإيتمولوجيا ( Etymology )، لذا فإن كلمة سياسة باللغة العربية تقابل كلمة (Politics) بالإنكليزية، و(Politique) بالفرنسية، والمصطلحان مشتقان من اللفظ اللاتيني (Polis) بمعنى المدينة أو الناحية أو اجتماع المواطنين، ومشتقاتها (Politeia) بمعنى المدينة والدستور والنظام السياسي، و(Politike) بمعنى الفن السياسي، أي أن معناها كان معالجة الأمور التي تخص المدينة. هذا يوحي بأن السياسة أو الحكم بالسياسة اقترن في نشأته بـ (دولة- المدينة)، أي أنه مرتبط بتجاوز المجتمعات الإنسانية مرحلة العلاقات القائمة على انساق القرابة، من أسرية وعشائرية إلى المجتمع المدني المنظم، على أساس المدينة والسكن والمواطنة والوظيفة، أي بشكل آخر انتقال المجتمعات من الحكم عن طريق رئيس القبيلة الذي يستند في حكمه على النفوذ الشخصي الاجتماعي أو الديني، أو على عامل السن، إلى الحكم عن طريق السلطة السياسية القائمة على الإكراه والقسر وعلاقة حاكمين بمحكومين. هذا التعريف للسياسة انطلاقاً من التحليل الإبستومولوجي للمصطلح دفع العديد من الباحثين الغربيين، وانطلاقاً من الأنوية الحضارية الغربية، إلى اعتبار الشأن السياسي أمراً مقتصراً على المجتمعات الأوروبية، ولم تعرفه المجتمعات الأخرى- مجتمعات ما قبل دولة- المدينة اليونانية. وهذا ما قال به مالينوفسكي (Malinowski) الذي نفى وجود جماعات "سياسية" لدى جماعات الفيدا وأهالي أستراليا الأصليين، فهذه المجتمعات تلعب فيها صلة القرابة العامل(3) الرئيس في علاقاتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة تتنافى مع العلاقات السياسية.  إلا أن هذه المقاربة لمصطلح السياسة اعتماداً على أصل الكلمة اليوناني تجد من يعارضها ويأخذ بمقولة أرسطو إن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، فلا يوجد مجتمع بدون سلطة وحكومة. إن الخلاف في الواقع يكمن في اختلاف مفهوم السياسة لدى الأقدمين عنه لدى المجتمعات المنظمة في إطار دولة؛ فالسياسة بمعنى القيادة موجودة في كل المجتمعات بما فيها البدائية، إلا أنها في هذه الأخيرة لم تكن جهازاً منفصلاً عن الأجهزة الأخرى، من اقتصادية واجتماعية ودينية، بل كانت متداخلة معها، وكانت كلها تتركز في يد رجل واحد أو مجلس واحد. أما السياسة في دولة- المدينة وما بعدها من نظم سياسية حديثة، فمختلفة، إنها مؤسسات وأجهزة مستقلة قائمة بذاتها، تتقاطع وتتلاقى مع مؤسسات المجتمع الأخرى ولكنها لا تذوب فيها.
 
هذا الرأي الذي يميّز ما بين السياسة في مجتمعات ما قبل دولة المدينة اليونانية والسياسة في المجتمعات الحديثة أو المدينية، تطرق إليه بتوسع الانتربولوجي الفرنسي بيار كلاستر في كتابه "مجتمع اللا دولة"، حيث يقول إن المجتمعات البدائية- أي تلك المنظمة على أساس غير ما هو معروف في المجتمعات الأوروبية- لم تعرف السلطة السياسية كجهاز قائم بذاته، بل كانت مندمجة مع بقية المؤسسات الأخرى، ويميز بين السلطة السياسية، وبين نفوذ الزعيم في المجتمعات الأولى، فالزعيم يحظى بالاحترام والتقدير، ويمثل الجماعة لدى الجماعات الأخرى، ويفض النزاعات الداخلية، ولكنه لا يمتلك أي سلطة قسرية، وغياب عنصر القسرية أو الإكراه هو ما ينفي صفة السياسة عن سلطة الزعيم. إن الزعيم بما أنه المعمم لنشاطات الجماعة الاقتصادية والطبقية، لا يحوز على أي سلطة تقريرية، إنه غير متأكد على الإطلاق من أن أوامره سوف تنفذ". (4)
Page 7
أما في اللغة العربية، فإن كلمة سياسة وكما ورد في "لسان العرب" أتت من السَّوْس بمعنى: الرياسة، حيث يقال:ساسوهم سوساً، وإذا رأَّسوه قيل سوسوه، والسياسة أيضاً بمعنى القيام على الشيء بما يصلحه.وقيل إن أقدم استعمال لكلمة السياسة في الأدب العربي، يرجع إلى عهد الخنساء، حيث قالت في إحدى أبياتها الشعرية:
 
"ومعاصم للهالكين              وساسة قوم محاشد" (5)
 
لا شك أن علم الاشتقاق، وإن كان يقربنا من دلالة الكلمات ومعانيها الأولية، فإنه لا يكشف عن الأبعاد العلمية والفكرية التي تأخذها المصطلحات عندما تتحول إلى جزء من النظام الفكري والقيمي لمجتمع ما وفي ظروف مختلفة، وخصوصاً المصطلح في العلوم الاجتماعية، حيث هو ذو دلالة إيديولوجية كبيرة. ومن هنا تأتي أهمية المعنى الاصطلاحي لكلمة سياسة.
 
تذهب غالبية التعريفات الاصطلاحية التي أعطيت لكلمة سياسة إلى ربطها بنظام الحكم أو بعلاقة الحاكمين بالمحكومين، فالسياسة لا تكون إلا في المجتمعات الكلية التي تقاد عن طريق هيئة سياسية تصدر قوانين ملزمة للأفراد، وتمارس عليهم الضغط والإكراه، فلا يمكن تصور سياسة دون وجود سلطة سياسية، وحيث لا يمكن تصور سلطة سياسية دون ممارسة التسلط- بدرجاته المتباينة- فإن وجود السياسة يستدعي وجود السلطة.
 
برجوعنا إلى كلمة سياسة كما توردها القواميس المتخصصة، سنجد تعدداً خصباً في التعريفات، فقد عرفها معجم "روبير" 1962 بأنها "فن إدارة المجتمعات الإنسانية"، أما معجم كاسل ((Casslle فيقول: إن السياسة ترتبط بالحكم والإدارة في المجتمع المدني"، وبالنسبة لقاموس ليتره Littre)) الفرنسي 1870 فقد قدم ثمانية تعريفات لكلمة سياسة منها: "فن حكم الدولة"، "السياسة علم حكم الدول وإدارة العلاقات مع الدول الأخرى"، وفي قاموس العلوم الاجتماعية عُرفت السياسة بأنها: "تلك العمليات الصادرة عن السلوك الإنساني التي يتجلى فيها الصراع بين الخير العام من جهة، ومصالح الجماعات من جهة أخرى، ويظهر فيها استخدام القوة بصورة أو بأخرى لإنهاء هذا الصراع أو التخفيف منه أو استمراريته".
 
وإذا انتقلنا من التعريف القاموسي لكلمة سياسة إلى التعريفات التي أعطاها المختصون لهذه الكلمة، سنجد التنوع نفسه، فستانلي هوفمان أعطى مائة تعريف لمفهوم السياسة، حتى يمكن أن يقال إن لكل عالم سياسة تعريفه الخاص لها، فقد عرفها جوليان فروند Julien Freund بأنها: "الفعالية الاجتماعية التي تأخذ على عاتقها- عن طريق القوة المرتكزة إجمالاً على القانون، تأمين السلامة الخارجية، والوفاق الداخلي لوحدة سياسية خاصة، وصيانة النظام وسط الصراعات الناجمة عن تنوع واختلاف الآراء والمصالح". ومع ذلك، فإن الكاتب هو ذاته غير مقتنع بدقة ووضوح تعريفه، حيث يقول في موضع آخر من كتابه، إن السياسة تشبه كيس سفر يحتوي على الأشياء المتنوعة، ففيه ما شئت من الصراع، ومن الحيلة، والقوة، والتفاوض، والعنف، والإرهاب، والتخريب، والحرب، والقانون... (6)
Page 8
أما ماكس فيبر (Max Weber) فقد عرف السياسة "بأنها الفعالية التي تطالب بحق السيطرة من أجل السلطة القائمة على أرض ما، مع إمكان استخدام القوة أو العنف في حالة الحاجة، سواء من أجل النظام الداخلي أو الفرص التي تنتج عنه، أو من أجل الدفاع عن الجماعة في وجه التهديدات الخارجية". ويقترب من هذا التعريف للسياسة ما جاء به غبرييل الموند (Almond) الذي عرف السياسة أو المنتظم السياسي، الذي هو مجال اهتمام، أو حقل عمل علم السياسة بأنها: "نظام التفاعلات الذي يوجد في جميع المجتمعات المستقلة، والذي يقوم بوظائف التوحيد والتكيف، ويؤديها في الداخل وتجاه المجتمعات الأخرى، ويمارس هذه الوظائف باستخدام القسر المادي أو بالتهديد باستخدامه، سواء أكان استخدامه شرعياً شرعية تامة أو بعض الشيء، فالنظام "أو المنتظم" السياسي هو القيّم الشرعي على أمن المجتمع والصانع الشرعي لما يحدث فيه من تغيير" (7)  أما عند المفكرين المسلمين، فقد تم التعامل مع الموضوع بشيء من الحذر والغموض حتى لا يحدث تضارب بين المنظور الإسلامي للحياة كدين ودنيا، والسياسة كأمر دنيوي محض يعود للناس أمر التصرف فيه. وهذا الغموض مازال سائداً إلى اليوم، حيث يعود نصيب كبير من الصراع بين التيارات الأصولية وبين الأنظمة الحاكمة ومؤيديها إلى مفهوم السياسة والحكم ومن أين يستمد الحكام سلطتهم، وما هي مرجعيتهم؟وقد استشرى هذا الاختلاف منذ اللحظة التي تحولت فيها الخلافة إلى "مُلك عضوض" على حد تعبير ابن خلدون. 
 
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، كانت السياسة محل خلاف وصراع ما بين تفسيرات النصوص الدينية واستحقاقات الواقع ومتغيراته، ومن هنا لم تكن لفظة السياسة منضبطة كما هو عليه الحال اليوم. عليه، رأى المفكرون المسلمون أن السياسة هي القيام على أمور المسلمين بأحسن وجه. وإن كان الفارابي مثلاً يعمم مفهوم السياسة لتصبح معرفة قواعد التصرف الأنسب في مجالات المنزل والحياة الفردية عموماً والسلوكات الاجتماعية، فإن الفخر الرازي يربط السياسة بالرياسة، فالسياسة أو علم السياسة هو علم الرياسة.
 
أما ابن سينا (8) ، فقد تأثر بالتقسيم الأرسطي- نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو- الذي ميز بين المعرفة لذاتها أي المعرفة النظرية، وبين المعرفة الهادفة إلى تفضيل سلوك معين، أي المعرفة العملية، ومن هنا ميز ابن سينا بين الأخلاق، وسياسة المنزل، وسياسة المدينة. 
 
أما إخوان الصفا (9) ، فقد ميزوا بين خمسة أنواع من السياسات وهي:
 
1- السياسة النبوية التي يضطلع بها الأنبياء والرسل، إذ يضعون النواميس والسنن الذكية، ويداوون النفوس المريضة من الديانات الفاسدة.
 
2- السياسة الملوكية التي يقوم بها خلفاء الأنبياء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
Page 9
3- السياسة العامة، وهي الرياسة على الجماعات.
 
4- السياسة الخاصة وهي معرفة الإنسان بكيفية تدبير أمر المنزل.
 
5- السياسة الذاتية وهي معرفة الإنسان لنفسه وأخلاقه ومراجعة أقواله وأفعاله.
 
بالنسبة لابن خلدون (10) ، فقد اعتبر أن السياسة ضرورة بشرية، فنظر لما في طبائع البشر من الاستعصاء فلابد من وجود وازع يزع بعضهم عن بعض (11)، ولكنه ميز بين المُلك والرئاسة، فالمُلك هو السياسة بمفهومها الحديث، والمُلك لا يكون إلا بالغلبة والقهر، أما الرئاسة فصاحبها متبوع، ولكن ليس له على متبعيه قهر أو سلطة نافذة، ويقول في ذلك: "إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلابد أن يكون متغلباً عليهم، وإلا لا تتم قدرته، وهذا التغلب هو الملك، وهو أمر زائد على الرئاسة، لأن الرئاسة إنما هي سؤدد، وصاحبها متبوع، وليس عليهم قهر في أحكامه، وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر(12)"  ، ثم يحلل ابن خلدون السياسة التي هي نتيجة طبيعية للاجتماع البشري ويقسمها إلى ثلاثة أنواع:
 
1- السياسة الطبيعية التي يقصد بها حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة.
 
2- السياسة العقلية، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، وبالتالي يحصل نفعها في الدنيا فقط، وهي على وجهين: أحدهما يراعى فيه المصالح العامة ومصلحة الحاكم في استقامة ملكه بصفة خاصة، ثانيهما يراعى فيه مصلحة السلطان، وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة، وتكون المصالح العامة في هذه تابعة لمصلحة الحاكم. هذه السياسة العقلية هي سياسة سائر الحكام سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وإن كان المسلمون يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهودهم.
 
3- السياسة الشرعية، وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها، هذه السياسة يحصل نفعها في الدنيا والآخرة، لعلم الشارع بالمصالح الدنيوية والأخروية.
 
ومن الإسهامات السياسية المتميزة لعلماء المسلمين، ما جاء به ابن قيم الجوزية (13)، فقد تبنى ابن الجوزية تعريف ابن عقيل للسياسة بأنها "ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد "، كما تبنى قول الشافعي "لا سياسة إلا ما وافق الشرع". إلا أن ابن الجوزية فسر هذا القول بانه يعني، لا سياسة إلا ما وافق الشرع ولم يعارضه، وليس أن لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فهذا الفهم الأخير غلط وتغليط للصحابة  (14). وهذا التمييز بين ما نطق به الشرع وما وافق الشرع يفتح باب الاجتهاد وإعمال العقل أمام العلماء ليشرعوا بما يتوافق مع الظروف المتغيرة.
Page 10
ثانياً: هل علم السياسة علم الدولة أم علم السلطة؟
 
في بداية ظهور علم السياسة كعلم مستقل قائم بذاته في منتصف القرن التاسع عشر، كان يُنظر إليه كعلم الدولة، وهذا ما يتضح من خلال التعريف الذي أعطاه معجم ليتره للسياسة عام 1870 "السياسة علم حكم الدولة"، وهو تعريف كان متأثراً أو سائراً على هدى الدراسات والمفاهيم السابقة منذ دولة اليونان القديمة التي نحتت كلمة Polis)) بمعنى دولة المدينة.
 
فعلم السياسة كعلم الدولة يهتم فقط بالدولة كمؤسسة قائمة محكومة بالقانون ومسيرة بسلطة سياسية، أي إنه يهتم أساساً بالدولة والحكومة والقانون، وأنصار هذا الرأي لا يرون الظاهرة السياسية إلا حيث تكون دولة ذات وجود قانوني- وقد سبق أن أوضحنا ذلك-.
 
وقد تعززت هذه النظرة مع أنصار وكُتاب نظرية السيادة وهي النظرية التي تجعل الدولة التجسيد الكامل لسيادة الأمة، أي لمجموعة فعالياتها السياسية الداخلية والخارجية، ودراستها هي دراسة هذه الفعاليات، كما تبنى هذه النظرة لعلم السياسة كعلم الدولة بعض المفكرين المعاصرين من أمثال روجيه سولتو Roger Soltau) ) وجان دابن (Jean Dabin) ومارسيل بريلو ( Marcel Perelló)، ويعجب هؤلاء من التفكير بأي موضوع رئيس لعلم السياسة غير الدولة، ويتساءل دابن عما يمكن أن يكون علم السياسة إن لم يكن علم الدولة؟  (15)
 
إلا أنه مع تطور علم السياسة، بدأ هجر هذا المفهوم لعلم السياسة كعلم الدولة إلى النظر إليه كعلم القوة، أو السلطة. فمع أن الدولة مؤسسة اجتماعية أو "مؤسسة المؤسسات" كما توصف، إلا أنها ليست خارج المجتمع، بل إفراز له وتعبير عن مكوناته وعلاقات القوة التي تحكم وحداته، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حصر علم السياسة كعلم للدولة يثير تساؤلات حول: ماذا نعني بالدولة؟ وما هي صورها؟ وما هو موقف علم السياسة من المجتمع المدني بتنظيماته وأنشطته وعلاقاته؟ وإذا كان علم السياسة هو علم الدولة فقط، فما هو الشأن بالنسبة لمجتمعات وُجِدَت قبل وجود الدولة ومجتمعات موجودة اليوم وغير ممأسسة على شاكلة الدولة الغربية المعاصرة؟ وضمن أي علم ندرس التنظيمات والجماعات كالنقابات والأحزاب وجماعات الضغط والحركات الاجتماعية والدينية؟
 
وهكذا، فإن التوجه الحديث يتعامل مع علم السياسة كعلم القوة والسلطة، وهو توجه يتجاوز النظرة القانونية والمؤسساتية التي كانت تحكم علم السياسة إلى نظرة جديدة تبحث في كل أشكال علاقات القوة التي تحكم المجتمع، سواء كعلاقة قوة بين أفراده بعضهم ببعض، أو كعلاقة قوة بين وحدات المجتمع والدولة كجهاز سياسي، والتعامل مع علم السياسة كعلم القوة، أي كعلم يهتم بالسلطة وبكيفية الاستيلاء والمحافظة عليها وممارستها ومقاومته. هذا التعريف لعلم السياسة هو الذي يميزه عن العلوم الأخرى، ومن هذا المنطلق يرى مارسيل بريلو (Marcel Prelot) أن فكرة السلطة هي الموضوع الخاص بعلم السياسة: "ولجميع فروع هذا العلم موضوع مشترك هو دراسة السلطة في المجتمع من مختلف وجوهها... فموضوع هذا العلم ليس الدولة فقط، وإنما أيضاً الجمعيات المحلية والنقابات والمؤسسات والكنائس، "فكل تجمع يعود لعلم السياسة فور حيازته سلطة".(16)