Page 1
المقدمة
دوافع الكتابة ونهج الدراسة وخطتها
الاقتراب من أية ظاهرة ودراستها تقتضي منهجاً متعدد الاقترابات والمداخل لان أية ظاهرة اجتماعية هي بطبيعتها ظاهرة معقدة اذ أنها تتناول الإنسان وتتمحور حوله وهو ذلك الكائن البسيط في شكله العام الكثير التعقيد في مكوناته العضوية والاجتماعية وتزداد هذه الظاهرة تعقيداً كما يزداد الاقتراب منها صعوبات اذا كانت تتعلق بالذات الإنسانية المفردة وكان أستاذنا الدكتور حامد ربيع العلامة المصري قد علمنا إن دراسة أية شخصية لابد لفهمها من دراسة البيئة التي تحيط بها، والظروف التاريخية التي عاشت فيها هذه الشخصية ثم الخصائص الذاتية لها وطبقت ذلك في دراسة لي عن فلسفة التوازن العضوي في الفكر السياسي للفارابي ثم في دراسة أخرى عن الأديب المصري محمد فريد أبو حديد وهي دراسات موجزة كل منها في حدود 15-20 صفحة· وعندما فكرت في الكتابة عن الدكتور محمد جابر الأنصاري وجدت نفسي لا شعورياً أتخلى عن منهج أستاذي د· حامد ربيع واقترب من فكر الدكتور الأنصاري بمنهج اكثر بساطة وهو الاقتراب المباشر من خلال التهام كتبه وتلخيصها للتحاور مع الفكر فهماً وتعليقاً وترك الجوانب الأخرى الخاصة بالظروف التاريخية والمجتمعية والذاتية لكي تظهر في شكل تعليقات قصيرة وأنا أتحاور مع فكر الرجل، وهكذا كان·
وسرت في قراءة مؤلفات د·الأنصاري واحداً أثر الآخر ثم ملخصا له ومعلقاً عليها وبعد إن فرغت من ذلك كله قمت بإعادة ترتيب فصول هذه الدراسة وفقاً لما رأيته مناسباً ومتمشياً مع فكره الذي بلوره في مشروعين، الأول مشروع نقد الفكر العربي وأصدر تلاثة كتب هـي : تحولات الفكر والسياسة في المشرق العربي 1930 - 1970، مساءلة الهزيمة، والفكر العربي وصراع الأضداد· أما المشروع الثاني فقد أطلق عليه نقد الواقع العربي وفي اطاره أصدر د·جابر الأنصاري ثلاثة كتب هي تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام، العرب والسياسة أين الخلل ؟ هذا فضلاً عن عدة مؤلفات أخرى تتناول قضايا الفكر والأدب والدين وفي مقدمتها تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها، انتحار المثقفين العرب، رؤية قرآنية للمتغيـرات الدولية، وهذه تمثل الأغلبية الغالبة من مؤلفات د·جابر الأنصاري فضلاً عن العشرات من المقالات والدراسات والمحاضرات الأخرى التي قدمها الأنصاري في مناسبات متعددة·
وفي إطار البحث في فكر الأنصاري وجدت عدة مؤلفات كتبت عنه ومنها كتاب الدكتور مكي محمد سرحان في سلسلة أعلام الفكر البحريني ومنها مقالات و مقابلات أجريت معه ونشرت في عدة مجلات عربية وبخاصة في الكويت والبحرين والأردن وقد أعطت هذه المؤلفات لي بعداً جديداً لفهم فكر الأنصاري وشخصيته، ثم تحاورت مع عدد من المفكرين في البحرين ومصر حول فكر الرجل واتفق الجميع علي أنه يتسم بالاستقامة والنزاهة وقد أكد لي احتكاكي المباشر هذه الملاحظة وهو ما أثار إعجابي واهتمامي· أما فكر الأنصاري فقد لمست أنه يتسم بالتفاعل الديناميكي والابتكار المستمر البعيد عن الجمود والتقليد ومن ثم يمثل مساهمة رائدة ومتميزة·
Page 2
ولذلك كله قررت إعداد هذه الدراسة ليس عن الأنصاري كشخص ولكن عن فكر محمد جابر الأنصاري· وكان لذلك قصة لابد من تسجيلها وهي أنني قرأت العديد من مقالات للأنصاري كغيره من المفكرين من مشارق الوطن العربي ومغاربه ولكنني لم أقرأ له كتاباً كاملاً حتى أعطاني زميلي محمد المحميد سفير البحرين في الصين كتابهالعرب والسياسة أين الخلل ثم حصلت على كتابه (رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية) وعندما كنت أتسوق في معرض البحرين للكتاب في مارس 2002 مع صديق لي هو المهندس مصطفى غانم المدير بهيئة كهرباء البحرين أشار بان هناك وزيراً ما يتسوق في المعرض واقترح أن يعرفني به وقد تم ذلك بالفعل وكان بجواره محمد جابر الأنصاري وبعد إن صافحت الوزير تركته للتحدث مع الأنصاري لفترة طويلة حول كتبه وأفكاره ثم انصرف كل منا إلى سبيله، أثار ذلك دهشة صديقي المصري البحريني كيف لا ابدي اهتماما بالوزير مثلما أبديته للحديث مع الأنصاري فقلت له هذا وزير له احترامه وقد قمت بتحيته ولكن الآخر هو مفكر ومن ثم له مكانته اكثر رفعة وثباتا واستقراراً و أثره أ بعد غوراً فالمناصب لا تدوم· وبعد فترة التقيت بالدكتور الأنصاري في مناسبة أخرى واتفقنا علي زيارته بجامعة الخليج وفعلاً قمت بذلك وتبادلنا الكتب والمؤلفات حيث أعطيته بعضاً من مؤلفاتي وأهداني معظم مؤلفاته· ثم جاء الاحتفال بالذكرى الخمسين لثورة 23 يوليو و اصدر الأنصاري كتابهالناصرية بمنظور نقدي وكتبت لها عرضا في جريدة الأهرام وفي مجلة السياسة الدولية· وهكذا تواصل الحوار الفكري بيننا وزاد اهتمامي بدراسة فكر الأنصاري وعندما اقترحت عليه إعداد كتاب عن ذلك الفكر رحب بالأمر و أبدى إعجابه بمنهجي في الكتابة واتفقنا على أن أتحاور مع الفكر بالمنهج والأسلوب الذي أراه محللاً او ناقداً بلا تحفظ ولا قيود·وهكذا كان هذا الكتاب الذي سعيت من خلاله لتقديم هذا الفكر لجابر الأنصاري ولكن لفت نظري كتاباته عن مصر والتي جاءت في ثنايا جميع كتبه تقريبا ولذلك خصصت لها فصلا مستقلا ظهرت إحدى أجزائه في مقال بجريدة الأهرام بمناسبة تكريم الرئيس محمد حسني مبارك له في معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير 2003 ويرجع اهتمامي بهذا الفصل إلى عدة اعتبارات :
الأول : إنني استهدفت منه إزالة الشكوك التي أثارها بعض الأصدقاء حول موقف جابر الأنصاري من مصر ومن الفكر القومي بصفة عامة حيث وجدت من واقع قراءاتي المباشرة لمؤلفاته صورة مختلفة عما ذكرها لي بعض الأصدقاء من الناصريين والقوميين الوحدويين واليساريين·
الثاني: إبراز موقف كاتب عربي هام من منطقة عربية هامة تجاه مصر ودورها ومكانتها في مرحلة هامة اختلفت فيها موازين القوى على الساحة العربية وتغيرت أقدار الدول وأوزانها ونسى او تناسى البعض دور مصر التاريخي ومكانتها وهو دور لم ينته ولكنه أحيانا يتوارى ويحتجب مثلما تغطى السحب ضوء الشمس او نور القمر·
Page 3
الثالث: إن مؤلفات الأنصاري كغيره من الكتاب والمفكرين العرب و الأجانب تكاد تتغذى على الفكر المصري والسياسة المصرية، فتاريخ العرب معظمه يبرز دور مصر في ذلك التاريخ وتطور الفكر العربي يظهر دور المفكرين المصرين وأي دراسة محايدة تدل على ذلك بوضوح وسبق إن كتبت في دراستي للتيارات الفكرية في مصر المعاصرة إن تلك التيارات انعكست في المنطقة العربية تماما من الناصرية والقومية واليسار و الإسلاميات تجد كلها مراجعها الرئيسية في مصر وبروزها في مصر و ركيزتها في مصر سواء في الفن او الفكر او الثقافة او السياسة وليس ذلك مفاخرة او فضلا ولكن ذلك تعيير عن واقع حقيقي يعكس ثقل مصر تاريخياً ودورها في المنطقة· ولهذا اعددت الفصل الثاني بعنوان تفاعل الفكر المصري والعربي المعاصر فمصر دولة عربية ولكن لها فكرها المتميز وسلوكها المتميز·
الرابع: إن هذا الكتاب كان هدفه ان يصدر في مصر اولاً ويقدم المفكر جابر الأنصاري للرأي العام المصري ومن ثم لابد من تجميع فكره الخاص بمصر في فصل مستقل لتسهيل الرجوع إليه·
الخامس: يرجع إلى حالة اللاشعور في داخلي لكوني عشت احمل اسم مصر في المحافل الدولية لأكثر من 37 عاماً في مجالات العمل الدبلوماسي المختلفة ولذلك فإنه بحكم العادة تكونت لدي بوصلة مغناطيسية تجتذب إليها بطريقة لا شعورية كل كلمة وكل فقرة يرد فيها اسم مصر واتعامل معها تعاملاً خاصاً·
كما انني خصصت فصلاً لفلسفة جديدة ومصطلح جديد للانصاري وهو ما اسماه الظاهرة العربية وهو مصطلح قام الانصاري بصكه ليعبر فيه عن امرين:
الأول : إنه تعبير عن الواقعية والطابع العلمي في الدراسة المتجرد ازاء الظاهرة·
والثاني: انه يدافع عن الفكر القومي من منظور جديد لم يسبق لاحد ان تطرق إليه·
اما دوافع إعداد هذا الكتاب بوجه عام فهي تتمثل في عدة أمور :
الأول: إنه إعادة قراءة لي مجددة للواقع العربي من منظور مفكر غير مصري ينظر لهذا الواقع ولدور مصر ودور عبد الناصر و الفكر المصري من زاوية وموقع مختلف عن موقع المفكرين المصريين·
الثاني: إعادة قراءة لي للفكر السياسي العربي والإسلامي من منظور حديث وعبر مفكر عربي خليجي بما يحمله اسم الخليج من دلالات في السياسة العربية والدولية·
الثالث: إنني وجدت معظم مؤلفات الدكتور جابر الأنصاري صدرت في خارج مصر وهذا على خلاف كثير من المفكرين العرب ومن ثم اصبح كثير من المثقفين المصريين فضلا عن عامة الشعب اقل معرفة بهذا المفكر العربي البارز ونظراً لاهتماماتي الثقافية والفكرية وجدت هذا إحدى واجباتي
Page 4
الرابع: إنني وجدت في فكر الأنصاري ومنهجه في العرض والدراسة والتحليل أسلوبا متميزاً ومختلفاً عن الكثير من المفكرين المصريين والعرب وان لديه شجاعة في النقد ودقة في التحليل وتفرداً في الشخصية فهو يقترب من السلطة دون أن ينافقها ودون أن يعاديها ولكن لديه شجاعة في نقدها·
الخامس: إن الأنصاري هو من أولئك المفكرين العرب الذين حرصوا على أربعة أمور ليست من السهل الحفاظ عليها معاً:
أولها: ارتباط الفكر بالواقع فهو لا يعيش في برج عاجي و إنما ينطلق في تحليله من الواقع المعاش ويرفض الانبغائيات دون أن يتخلى عن المثاليات·
ثانيها: إنه عاش في بلاده دون أن يهجرها او يهاجر منها مثل بعض المفكرين العرب الذين يعيشون ويكتبون من بلاد المهجر ومن ثم يفلسفون الأمور بلغة غير لغة الضاد وبفكر غير فكر أصحاب الضاد وينطلقون أحيانا من مفاهيم وخلفيات ثقافية مختلفة ومن ثم يعجزون عن فهم الواقع ويستعملون عبارات ومصطلحات غائمة أحيانا·
ثالثها: إن أسلوبه يتسم بالبلاغة الأدبية والسلاسة اللغوية والبساطة اللفظية حتى عندما يتناول بعض الاطروحات في الفلسفة الإسلامية او في تاريخ الفلسفة بوجه عام فأجادته للغة العربية مكنته من الكتابة بسلاسة وصك مصطلحات جديدة وان كانت سهلة العبارة فهي عميقة المعنى والدلالة·
رابعها: توجيه النقد الدائم والتساؤل الدائم ليس يهدف الهدم او التشكيك و إنما سعيا لتطوير الذات من خلال نقدها، وسعيا للوصول لليقين من خلال الشك والتساؤل، وهذا المنهج الجدلي ليس فكرياً فحسب و إنما طبقه على الواقع واخذ في حسبانه الاعتبارات الاقتصادية والجغرافية والتاريخية والثقافية فهو ينتقد العروبة والوحدة القومية والذات والعمالقة والفكر الديني التقليدي والعقل العربي والناصرية والتراث والخليج و النفط، هذا النقد دافعه الرئيسي هو البحث عن الحقيقة وعن المعرفة بهدف تطوير الذات وتجديد النهضة وتحقيق التقدم·
السادس: إنني، انتمي إلى ذلك الفريق من المثقفين الحريصين على بحث أغوار المعضلة او الإشكالية المرتبطة بالعجز العربي عن تحقيق النهضة او التقدم وعن تحقيق الوحدة والاستمرار في حالة مراوحة مكانية او قل هي الدورة الخلد ونية ما بين ازدهار وتراجع او انتصار وانحسار ووجدت في مؤلفات د·جابر الأنصاري بعض التفسير لهذه الظاهرة وان كنت اختلف إزاء بعض دلالاتها كما سوف أشير في فصول هذه الدراسة·
Page 5
ولقد حرصت جهدي أن ألخص بدقة تلك المؤلفات التي عرضت لها لمفكرنا البحريني العربي وإنني آمل أن يحقق هذا الكتاب مزيداً من التلاحم الفكري بين أبناء العروبة واهتماما من مصر ومثقفيها بالمثقفين والمفكرين في أرجاء الوطن العربي من أقصى مشرقه إلى أقصى مغربه حتى يزداد هذا التلاحم وثوقا وتزول حساسيات مصطعنة تبرز بين الحين والآخر وتتهم مثقفي مصر بتجاهل مثقفي المناطق والدول العربية الأخرى·
ويرتبط بعملية التفاعل هذه الدور الحيوي والهام الذي يؤديه احد اصحاب دور النشر العربية الدكتور ماهر الكيالي الذي حرص على اصدار هذه الطبعة العربية في وقت قياسي تقديراً منه لمسؤولية الناشر في البحث عن الفكر الأصيل ونشره اكثر من اهتمامه بالربح المادي·
ولا شك أن التفاعل الفكري بين المثقفين العرب ضرورة من ضرورات النهضة العربية التي نتطلع إليها، ذلك لان المثقفين عليهم دوراً كبيراً لابد من الاضطلاع به، وان التقاعس عن ذلك هو أحد مسببات الأزمة التي تعيشها امتنا العربية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها·
ومشكلة الفكر العربي المعاصر ربما تتمثل في قلة التفاعل بين المفكرين و الباحثين بعضهم البعض، وبينهم وبين رجال السياسة العملية، و بالنظر لأهمية هاتين النقطتين فقد خصصت الفصل الأول من هذه الدراسة للتفاعل بين الثقافة والسياسة، والفصل الثاني للتفاعل بين الفكر المصري والفكر العربي باعتبار أن هذين الفصلين يمثلان المدخل المنطقي لدراسة فكر الأنصاري في مشروعيه البحثيين عن نقد الفكر ونقد الواقع·
وبناء على ذلك فقد قسمت هذه الدراسة للفصول التالية:
1· العلاقة بين الثقافة والسياسة
2· تفاعل الفكر المصري والعربي المعاصر
3· فكر الأنصاري والهوية البحرينية·
4· دور مصر ومكانتها في فكر جابر الأنصاري
5· الناصرية بمنظور نقدي
6· رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية
7. تكوين العرب الحديث ومغزى الدولة القطرية
8.التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام
9.تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها
10.الفكر العربي وصراع الاضداد
11.التفاعل الثقافيبين المغرب والمشرق
12.تحولات الفكر والسياسة في المشرق العربي
13.مساءلة الهزيمة
14· العرب والسياسة أين الخلل
15· الظاهرة العربية في فكر جابر الأنصاري
16· فكر الأنصاري والواقعية الجديدة في الفكر العربي
17· نظرة تحليلية
18· خاتمة :
19· الملاحق :
1- رسالة جلالة الملك حمد بن عيسىوالرد عليها·
2- نبذة عن المفكر·
3- نبذة عن المؤلف·
Page 6
العلاقة بين الثقافة والسياسة
العلاقة بين الثقافة والسياسة من القضايا الجوهرية التي تبحثها العلوم السياسية وذلك منذ عهد بعيد ولكن رد الفعل إزاءها في الفكر السياسي العالمي اختلف باختلاف المدارس الفكرية· ففي حين ذهب الفكر الفردي لإبراز دور الفرد ومبادراته وبخاصة في المجال الاقتصادي والمشروعات بحثاً عما أسماه البعض مبدأ المنفعة، وما أسماه البعض الآخر البحث عن اللذة أو السعادة، فقد ذهب الفكر الماركسي التقليدي لاعتبار العامل الثقافي عاملاً تابعاً وخاضعاً للعامل الاقتصادي الذي هو جوهر الحياة وأساسها وركيزتها أو بعبارة أخرى اعتبار العامل الثقافي جزءاً من البنيان الفوقي الذي يتشكل وفقاً للبنيان التحتي الذي يتمحور في العامل الاقتصادي· ولكن ثلة من المفكرين حاولوا إبراز دور الفكرة التي هي نتاج الإبداع الثقافي، ومن هؤلاء هيجل الذي تحدث عن التطور البشري بأنه محصلة تطور الفكرة ونقيضها والتأليف الناجم عن ذلك، كما ذهب مفكرون آخرون إلى أن جوهر الوجود الإنساني هو التفكير أو الشــك ولـذلك أطلقـوا المقولة أنا أفكر إذن أنا موجود أو أنا أشك إذن أنا موجود والحقيقة أنه ليس ثمة فارق بين التعبيرين فالوصول إلى اليقين يبدأ من الشك كما ذهب لذلك المفكر الإسلامي الكبير حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي، وكما عبر عن ذلك بعده بعدة قرون الفيلسوف ديكارت وغيره· ولماذا نذهب بعيداً وأمامنا أكبر وأهم دعوة للتفكير متكررة في القرآن الكريم وصادرة من الله سبحانه وتعالى بقوله أفلا يتدبرون، أفلا يعقلون، أفلا يتفكرون، أفلا يبصرون، أفلا ينظرون· ·· هذه دعوة واضحة أشد الوضوح بتعبيرات مختلفة ولكن جوهرها واحد وهو الدعوة لأعمال الفكر والعقل بمنطق علمي يقوم على الشك والافتراض والمحاجة والمجادلة سعياً للوصول للحقيقة·
من هذا كله نبدأ رحلتنا في عقل مفكر بحريني عربي مسلم ينتمي لجيل الآمال والطموحات القومية العربية ويصدم أو يصطدم بإخفاق هذه الطموحات، ومن ثم يبدأ رحلة البحث عن الحقيقة وفرزها بعيداً عن الأوهام، يغربل التراث ليلقى الزبد جفاء ويحتفظ بما ينفع الناس والمجتمع، يتحدى الثقافة التقليدية والحكمة التقليدية فيرفض السير مع الاتجاه العام معتمداً على أن الحكمة ضآلة المؤمن ينشدها، ويصل إليها بالشك في كل شيء حوله أليست هذه هي رحلة كبار المفكرين أمثال أبي حامد الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال ومن المفكرين المحدثين مصطفى محمود بل أبعد من ذلك أليست هي رحلة سيدنا إبراهيم الخليل أبي الأنبياء في مناجاته لله العلــي القدير ربي أرني كيف تحي الموتى· ·· قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي· هل هناك عظمة في التحاور وأدب في الحوار وتسامح في مواجهة الآخر بعد هذا الحديث العظيم بين الله جلت قدرته وبين عبد من عباده حتى ولو كان هذا العبد هو أبو الأنبياء
Page 7
الفكر السياسي يقوم على دراسة الواقع والوصول لبعض النتائج أو الخلاصات وإعادة طرحها من جديد على هذا الواقع للتأكد من مدى صحتها، إنها عملية تفاعل متبادل بين الفكر والحياة، بين النظرية والتطبيق، وهكذا قام منهج مفكرنا د· محمد جابر الأنصاري في مؤلفاته المتعددة بدءاً من تحولات الفكر والسياسة في المشرق العربي حتى الناصرية بمنظور نقدي مروراً بمساءلة الهزيمة، العرب والسياسة أين الخلل، التأزم السياسي عند العربوسوسيولوجيا الإسلام، وعبوراً على الفكر العربي وصراع الأضداد، رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية، تجديد النهضة باكتشاف الذات، وتعريجاً على التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، والنزاعات الأهلية العربية، وتكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية وغيرها، ولم ينس أو يتناسى مفكرنا القضايا الأدبية البحتة إذ كان أول إصداراته عن المجموعة الكاملة لآثار الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة ولمحات من الخليج العربي .
ولا يمكن الحديث عن مفكر لا يبحث قضايا مجتمعه أو قضايا إقليمه أو قضايا منطقته ذلك لأن المفكر الحق هو ذلك الذي يعبر عن ثلاثة توجهات أو يرتكز على ثلاث ركائز هي :
الأولى: المجتمع الذي ينتمي إليه سواء كان دولة أو وطن أو أمة
الثانية: العصر الذي يعيش فيه من حيث قضاياه ومشاكله
الثالثة: الفكر الإنساني والثقافة الإنسانية باعتبارها محور تفاعل البشرية وركيزة تراث المجتمع
من هنا نتساءل هل استطاع مفكرنا د محمد جابر الأنصاري التعبير عن هذه الحقائق الثلاث وإلى أي حد
ونعرض باختصار لهذه الركائز الثلاث لتحديد المفاهيم ثم نعالج ذلك تفصيلا في فصول هذه الدراسة
فالإقليم أو جغرافية المكان حيث مسقط رأس المفكر تؤثر فيه بيئة البحرين كجزيرة تتفاعل فيها التيارات المتنوعة وتتزاحم فيها القوى السياسية من هنا برزت كتابات الأنصاري حول علاقة الخليج بإيران، وعلاقة العرب بالعالم، وتراث الخليج وتاريخه وآدابه ووضع الفكر العربي في مراحله المختلفة
والتاريخ هو العصر أو هو الزمن المضطرب الذي عاشه المفكر حيث قومية عربية صاعدة تتصارع مع تيارات السياسة العالمية فتصرعها في أكبر كارثة عام 1967 وما تلاها من كوارث بل وما سبقها من نكبة 1948 ويعجز العرب عن المواجهة الفكرية قبل عجزهم عن المواجهة العسكرية ويسميها الأنصاري التأزم السياسي، العرب والسياسة أين الخلل، صراع الأضداد
Page 8
ولكن المفكر هو أيضاً نتاج تراثه ومن هنـا برزت فكرة كتاب رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية وكأن مفكرنا يتفاعل مع التيارات الأصولية ليس في المنطقة العربية فحسب بل في السياسة الدولية من خلال هذا العنوان الذي يضفي مفهوم الأسلمة على العلوم والآداب والفلسفة والطب والفلك ونحو ذلك، ولكن تفاجأ بالتحليل العلمي في الدراسة مما يجعلك تستخلص أنه ابن التراث الإسلامي، ولكنه لا يعبر عن التيار الأصولي المسمى بالإسلام السياسي· ولا ينس مفكرنا انقسام العالم العربي إلى كتلتين رئيسيتين هما مشرق العرب ومغر بهم في كتابه التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، هذا يجعلنا نستخلص بأن الدكتور محمد جابر الأنصاري يعبر عن ثلاثة منطلقات هامة : -
الأول: المنطلق الأدبي في فلسفة الأدب واللغة والشعر والقصة والآثار وأدب الرحلات اتصالا بالقاعدة الخليجية العربية
الثاني: المنطلق السياسي الواقعي بدراسة الواقع والتعايش معه تعايشاً ديناميكياً من خلال ما يمكن أن نسميه النقد البناء بمعنى أنه يعيش الحياة ويرتقي في سلمها الوظيفي وفي نفس الوقت ينتقد ويفكر ويحلل، وهذا يذكرنا بارتقاء الأديب العربي المصري العالمي نجيب محفوظ من موظف صغير حتى أعلى الدرجات الوظيفية ثم الانطلاق إلى عالم الفكر وما بعد الوظيفة وأعلى منها· ولكن محمد جابر الأنصاري مثل نجيب محفوظ لم يتعرض - وربما هذا من حسن حظهما - لما واجهه مفكر عربي عملاق هو أبن خلدون الذي عاش الوظيفة الرسمية بكل بريقها وكل مؤامراتها، وكذلك حالة ابن رشد بصعوده وهبوطه ذلك جعل هؤلاء يواجهون ظروفاً أكثر قسوة وأشد إرهاقاً من تلك التي واجهها نجيب محفوظ أو محمد جابر الأنصاري
الثالث: المنطلق الوطني· فالأنصاري يختلف عن مفكرين عرب آخرين هاجروا أو هجروا بلادهم، وعاشوا في جامعات أوربا أو أمريكا حيث بحبوحة الحياة ورفاهيتها يفلسفون السياسة والفكر بمفاهيم غربية ومن منطلقات بعيدة عن الواقع والحياة اليومية، يتحدثون عن الدين بمفاهيم برزت في أوربا، ويتحدثون عن السياسة من أبراج عاجية، فإذا ذكرت أسماءهم في بلادهم لا يكاد المثقفون فضلا عن عامة أبناء شعوبهم يعرفونهم ماعدا ربما فقط ثلة من المثقفين أو قلة من المتخصصين في مجال المعرفة أو الفلسفة أو السياسة·
هذه المنطلقات الثلاثة هي التي حفزتني لدراسة فكر هذه الشخصية الفذة بعد أن أثارت انتباهي كتاباتها وبخاصة ثلاثـة كتب هي العرب والسياسة أين الخلل ؟ والناصرية بمنظور نقدي، ورؤية قرآنية للمتغيرات الدولية والواقع أنه في تقديري أن هذه الكتب الثلاث هي تعبير عن المحاور الثلاث التي أشرت إليها
ولكنني سوف أتبع منهاجاً تاريخيا إلى حد ما في الاقتراب من فكر د محمد جابر الأنصاري حتى يمكن أن نصل في مرحلة ما إلى سبر غور عقله وعقلانيته والتعرف على مشروعه الفكري وهو مشروع قد يبدو متكاملاً أو شبه متكامل اليوم 2003 ولكنه بكل تأكيد لم يكن كذلك في الستينات عندما بدأ الأنصاري في نشر فكره وبلورة مساهماته، في شكل مقالات وبحوث ومناظرات، أثارت ضده البعض، وجذبت البعض الآخر، وفي كلتا الحالتين عبر مفكرنا عن قناعاته المتطورة مع تطور الزمن فلم يتمسك بالشكليات، ولم يتجمد بالأفكار والعقائد، وهذه خاصية المفكر الذي ينتمي لإقليم ويعبر عن قضاياه ومشاكله وينطلق من تراثه· ويشير الأنصاري في هذا الصدد إلى تشخيصه للبحرين فيما يطلق عليه المتصل والمنفصل في دنيا العرب إنها البلد العربي الوحيد كجزيرة يحيطها البحر من جميع الجهات، هي متصلة بالمصير العربي وجداناً وثقافة ورابطة، لكنها منفصلة عن البر العربي بمنطق الجغرافياً وهو منطق منحها استراحة حضارية سعيدة (الدكتور محمد حسين هيكل قال عن مصر إنها تمتعت في وادي النيل بعزلة سعيدة بين صحراوين) والفارق إن البحرين كأرخبيل منفصل عن اليابسة تمتعت ببعض الاستقرار في وجه الغزوات الرعوية البرية (عربية أو غير عربية)التي لم تترك حاضرة عربية إلا ودمرتها بين فترة وأخرى، وهذا ساعد البحرين على تطوير مجتمع أهلي ودولة مستقرة نسبياً وتسامح إنساني وانفتاح فكري واجتماعي على معطيات حضارية متنوعة (من مقابلة مع د· الأنصاري - مجلة التربية- تصدرها وزارة التربية والتعليم البحرينية - عدد يناير 2003)·
الأول: المنطلق الأدبي في فلسفة الأدب واللغة والشعر والقصة والآثار وأدب الرحلات اتصالا بالقاعدة الخليجية العربية
الثاني: المنطلق السياسي الواقعي بدراسة الواقع والتعايش معه تعايشاً ديناميكياً من خلال ما يمكن أن نسميه النقد البناء بمعنى أنه يعيش الحياة ويرتقي في سلمها الوظيفي وفي نفس الوقت ينتقد ويفكر ويحلل، وهذا يذكرنا بارتقاء الأديب العربي المصري العالمي نجيب محفوظ من موظف صغير حتى أعلى الدرجات الوظيفية ثم الانطلاق إلى عالم الفكر وما بعد الوظيفة وأعلى منها· ولكن محمد جابر الأنصاري مثل نجيب محفوظ لم يتعرض - وربما هذا من حسن حظهما - لما واجهه مفكر عربي عملاق هو أبن خلدون الذي عاش الوظيفة الرسمية بكل بريقها وكل مؤامراتها، وكذلك حالة ابن رشد بصعوده وهبوطه ذلك جعل هؤلاء يواجهون ظروفاً أكثر قسوة وأشد إرهاقاً من تلك التي واجهها نجيب محفوظ أو محمد جابر الأنصاري
الثالث: المنطلق الوطني· فالأنصاري يختلف عن مفكرين عرب آخرين هاجروا أو هجروا بلادهم، وعاشوا في جامعات أوربا أو أمريكا حيث بحبوحة الحياة ورفاهيتها يفلسفون السياسة والفكر بمفاهيم غربية ومن منطلقات بعيدة عن الواقع والحياة اليومية، يتحدثون عن الدين بمفاهيم برزت في أوربا، ويتحدثون عن السياسة من أبراج عاجية، فإذا ذكرت أسماءهم في بلادهم لا يكاد المثقفون فضلا عن عامة أبناء شعوبهم يعرفونهم ماعدا ربما فقط ثلة من المثقفين أو قلة من المتخصصين في مجال المعرفة أو الفلسفة أو السياسة·
هذه المنطلقات الثلاثة هي التي حفزتني لدراسة فكر هذه الشخصية الفذة بعد أن أثارت انتباهي كتاباتها وبخاصة ثلاثـة كتب هي العرب والسياسة أين الخلل ؟ والناصرية بمنظور نقدي، ورؤية قرآنية للمتغيرات الدولية والواقع أنه في تقديري أن هذه الكتب الثلاث هي تعبير عن المحاور الثلاث التي أشرت إليها
ولكنني سوف أتبع منهاجاً تاريخيا إلى حد ما في الاقتراب من فكر د محمد جابر الأنصاري حتى يمكن أن نصل في مرحلة ما إلى سبر غور عقله وعقلانيته والتعرف على مشروعه الفكري وهو مشروع قد يبدو متكاملاً أو شبه متكامل اليوم 2003 ولكنه بكل تأكيد لم يكن كذلك في الستينات عندما بدأ الأنصاري في نشر فكره وبلورة مساهماته، في شكل مقالات وبحوث ومناظرات، أثارت ضده البعض، وجذبت البعض الآخر، وفي كلتا الحالتين عبر مفكرنا عن قناعاته المتطورة مع تطور الزمن فلم يتمسك بالشكليات، ولم يتجمد بالأفكار والعقائد، وهذه خاصية المفكر الذي ينتمي لإقليم ويعبر عن قضاياه ومشاكله وينطلق من تراثه· ويشير الأنصاري في هذا الصدد إلى تشخيصه للبحرين فيما يطلق عليه المتصل والمنفصل في دنيا العرب إنها البلد العربي الوحيد كجزيرة يحيطها البحر من جميع الجهات، هي متصلة بالمصير العربي وجداناً وثقافة ورابطة، لكنها منفصلة عن البر العربي بمنطق الجغرافياً وهو منطق منحها استراحة حضارية سعيدة (الدكتور محمد حسين هيكل قال عن مصر إنها تمتعت في وادي النيل بعزلة سعيدة بين صحراوين) والفارق إن البحرين كأرخبيل منفصل عن اليابسة تمتعت ببعض الاستقرار في وجه الغزوات الرعوية البرية (عربية أو غير عربية)التي لم تترك حاضرة عربية إلا ودمرتها بين فترة وأخرى، وهذا ساعد البحرين على تطوير مجتمع أهلي ودولة مستقرة نسبياً وتسامح إنساني وانفتاح فكري واجتماعي على معطيات حضارية متنوعة (من مقابلة مع د· الأنصاري - مجلة التربية- تصدرها وزارة التربية والتعليم البحرينية - عدد يناير 2003)·
Page 9
السـؤال الذي نطرحه في هذه المقدمة ما هي العلاقة بين عالم السياسة ورجل السياسة· والإجابة عن ذلك لاشك تختلف باختلاف المنظور أو المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها الباحث وقد ظهر ذلك منذ فلسفة أفلاطون وأر سطو حتى يومنا هذا· فمنهم من يدعو لنظرية الحكماء أي الحكم على أساس أن الحكمة هي أساس السياسة كما ذهب لذلك أفلاطون ومنهم من يدعو لارتباط السياسة بالفضيلة والأخلاق كما ذهب لذلك الفارابي وعدد من فلاسفة المسلمين وذهب لذلك كونفوشيوس في الصين الذي ربط السياسة بالمعرفة، ومنهم من ربط السياسة بالدين كما في نظرية ولاية الفقيه ولها جذورها في الفكر الإسلامي منذ رفض الخليفة الثالث عثمان بن عفـان التخلي عن السلطة عندما ثار ضده عـدد من أهالي الأمصار· وفي نظريات الأصولية الإسلامية المعاصرة بمدارسها المتعددة ومنهم - أي من المفكرين - من دعا للطـلاق البائن بينونة كبرى بين السياسة والأخلاق وفي مقدمتهم مكيافيللي، وقبله بعدة قرون فيلسوف السياسة الهندي الأكبر كوتيليو وفيلسوف السياسة العربية ابن أبي الربيع في كتابه سلوك المالك والذي ألفه في القرن الرابع الهجري وحققه وعلق عليه أستاذ العلوم السياسية د0 حامد ربيع· وفي العصر الحديث نلمس نفس الشيء في مواقف وتوجهات الإمام محمد عبده في التعوذ من السياسة ولكن الأهم من ذلك كله ما هي السياسة الواقعية الحقيقية التي برزت في التراث الإسلامي أو بعبارة أدق في الحضارة الإسلامية المتمثلة في الدولة الأموية والدولة العباسية أو في التراث الأوربي في عصر النهضة وفصل الدين عن الدولة أو في العصر الحديث باسم العلمانية
هذه القضايا جميعاً عالجها مفكرنا دجابر الأنصاري من حيث الجوهر وإن لم يستخدم نفس العبارات أو الإشارات على النحو الوارد في الفقرة السابقة·كما إن الأنصاري عاشها ومازال يعيشها بصفته مستشاراً لملك البحرين ويوضح الأنصاري موقفه هذا بقوله إذا كانت القطيعة بين السلطة والمثقف في تاريخنا العربي هي القاعدة فانه قد حان الوقت لتجسير الفجوة بينهما على أسـاس جديد إذا أردنا تجديداً لحياتنا ولحياتنا السياسية على وجه الخصوص، إن التخوف الشائع بان يصبح المثقف تابعا للسلطة وهو أمر وارد يجب ألا يجهض احتمالات التعاون بين السلطة (المستنيرة والمُصلحة) وبين المثقف من اجل المصلحة العامة وتطوير المجتمع إذا كانت ثمة فرصة تاريخية وان هذا ما يجمع عليه الرأي في البحرين بعد أن شاهد الجميع المبادرات التاريخية لقائد البلاد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة والأبعاد الرحبة لمشروعه الوطني الإصلاحي وان الملك يستمع لكافة الآراء ويحرص على توفير الحرية لها والتعامل معها تعاملاً دستورياً وقانونياً حتى في حالات الخطأ و إن هذه هي الديمقراطية (نفس المقابلة السابقة) ويذكر الأنصاري أمرين هامين في تلك المقابلة:
الأول: علاقة المثقف بالكتابة الصحفية وما يثيره البعض من الخوف من التبسيط وفي رأيه انه من الضروري ارتفاع الصحافة إلى المستوى الجاد في الكتابة وفي نفس الوقت هبوط المثقف من برجه العاجي ليعيش الواقع ويلامسه وينقل فكره للناس لان التغيير لا تحدثه الأفكار إلا عندما تصل إلى القوى والكتل الفاعلة في الواقع وفي المجتمع، وإلا فان المفكر سيظل فرداً منعزلاً· · ويقول إن التصور بان المفكرين يغيرون التاريخ تصور ساذج ومغرق في تعظيم الذات· يتغير التاريخ عندما تتحول الأفكار إلى قوى مجتمعية وسياسية فاعلة وماعدا ذلك فحرث في البحر·
Page 10
الثاني: إن الحضارات لا تتصارع· فالصراع في التاريخ هو صـراع مصالح بالدرجة الأولى· وقد تحول الصراع الآن من صراع قوى داخل الحضارة الغربية وحدها إلى صراع قوى من حضارات مختلفة· أما الحضارات ذاتها فلا تتصادم إستراتيجيا أو سياسيا و إنما هي قصة تفاعل تاريخي طويل الأمد بآليات لا تخضع لمنطق الصراع السياسي· والبشر لا يتقاتلون لأسباب حضارية و إنما لأسباب مصلحية وسيكولوجية كما في إيرلنده مثل ا· ويستطرد الأنصاري موضحا الفارق بين الثقافة والحضارة فيذكر إن للثقافة تستمر على السنة الناطقين بلغاتها وان اللغة وعاء ثقافة وليست مجرد وسيلة تعبير· أما الحضارات في نسيجها المتكامل فإنها تفقد وحدتها العضوية إذا تجاوزها التقدم الحضاري في العالم· وباكتمال ونضج الحضارة الحديثة فان تقنيات وعلوم الحضارات القديمة مثل الحضارة الصينية أو الإسلامية لم تعد عنصراً حضارياً حيا في مواد العلوم الطبيعية أو الرياضيات وتخرج من ثقافة العصر لتدخل في تاريخ العلوم· والإسلام والثقافة العربية فهي قوى حية لكن من منظور الدين والثقافة وليس من منظور الحضارة، فلا حضارة حية وقائمة بشكل متكامل اليوم إلا الحضارة الحديثة و التي هي ليست غريبة فالصين واليابان تندرج فيها وعلى العالم الإسلامي أن يستوعب ذلك·
وبناء على ما يذكره الأنصاري هنا، وأنا اتفق تماما مع هذا التوجه فانه يمكن القول بان المدارس الفكرية السياسية في العالم العربي المعاصر تأثرت بالتيارات السياسية العالمية وبردود الفعل العربية والإسلامية تجاه التحديث السياسي، والذي يواجه أشد المواقف تحدياً في وقتنا الحاضر بالدعوة لتنقية التراث الإسلامي ومناهج الدراسة الإسلامية والعربية مما يطلق عليه البعض في الدول الغربية بفلسفة وفكر الكراهية ومعاداة الآخر ورفضه، بل وإرهابه ومحاربته استناداً لفكرة طرحها بعض المفكرين المسلمين في مرحلة ما في التاريخ القديم بتقسيم العالم إلى دار الحرب ودار الإسلام وهي فكرة فلسفية أكثر منها واقع سياسي، ولا تستند لحقيقة الحضارة الإسلامية التي قامت على استيعاب الحضارات السابقة عليها من ناحية، وساهم فيها مفكرون وعلماء من غير العرب ومن غير المسلمين، بصفتهم أبناء وطن ونتاج حضارة مشتركة من ناحية أخرى، ولذلك فانه لا يمكن إنكار مساهمة الحضارة الإسلامية في بناء الحضارة الحديثة ولهذا فلا تثريب في الأخذ من هذه الحضارة الحديثة بل من الضروري استيعابها من ناحية وتجديد وتعزيز مساهماتنا فيها من ناحية أخرى، من هنا يمكن إدراك مغزى وأهمية كتاب د.محمد جابر الأنصاري المعنون تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها والذي صدرت طبعته الثانية عام 1998 أي قبل دعوة الرئيس بوش وغيره بعدة ســنوات، كذلك كتابه المعنون انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية· والسؤال الذي نطرحه في هذه اللحظة الدقيقة هل لو استجاب العالم العربي فكرياً وقام بمراجعة شاملة للتراث بدافع ذاتي تمشياً مع فكر ورأي قادة ومفكرين مثل محمد جابر الأنصاري وغيره، بل بدءاً بفكــر رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ومحمود شلتوت وحتى د.محمد سيد طنطاوي، ألم يكن وضعنا أفضل الآن، ومبادراتنا أحسن، مما لو فرض العالم علينا هذا التغيير، بعد أن تم دمغنا بالإرهاب وتشويه صورتنا وبعث الرعب في نفوسنا بل وإدخال الوهن في عقولنا وقلوبنا فأصبحت مصادر قوتنا من بترول ومعادن وأموال رهينة لدى غيرنا، وأسلحتنا أصبحت بلا فعالية فضلاً عن كونها غير مصنعة بأيدينا، وفرض علينا حظر المتقدم منها والاكتفاء بالعتاد القليل الذي لا يحقق جوهر الأمن، حتى يمكننا الاعتماد على الآخرين لتحقيق أمننا ضد الآخرين أو ضد بعضنا البعض· إن هذه هي معضلة السياسة العربية الراهنة