Page 1
إلى ايديا فيلارينيو
كنت أود لو لم أرى من الرجل, في المرة الأولى التي دخل فيها الدكان سوى يديه, بطيئة خائفة ومحرجة, تتحرك دون ثقة, طويلة لم يلفحها الهواء بعد ومعتذراً عن تصرفه اللامبالي. وجّه بعض الاسئلة وتناول زجاجة من الجعة, واقفاً في المكان الأشد عتمة عند منضدة الحانة, ملتفتاً بوجهه ـ بمنظر خلفي على أزواج من صنادل, تقويم ومعلبات ابيضّت مع مرور الزمن ـ نحو الخارج, تجاه شمس الغروب والمرتفعات البنفسجية للجبال, بينما كان ينتظر الحافلة التي ستقله إلى أبواب الفندق القديم.
كنت أود لو لم أرى سوى يديه, كان سيكفيني رؤيتهما عندما أعطيته باقي المئة (بيسو) والأصابع تضغط على الورقة النقدية, محاولة لمّها, لتصبح مكورة على الفور ولتخفها الأصابع بحياء في جيب المعطف. كان يمكن لحركات الأصابع تلك فوق خشب المنضدة الممتلئة بالندبات المشبعة بالشحوم والأوساخ أن تكفيني لأعرف أنه لن يُشفى, وأنه لا يعلم شيئاً عن كيف يستمد القوة ليُشفى.
عموماً, يكفيني رؤيتها ولا أذكر أني اخطأت ذات مرة, كنت دائماً أقوَّم بنبوآتي قبل أن أعرف آراء الطبيبين كاسترو أو غونز اللذان يعيشان في القرية, دون أي بيانات أخرى, دون الحاجة لشيء الإَّ لرؤية الوافدين الجدد إلى المتجر بحقائبهم, مع ما يحملون من جرعات مختلفة من العار والأمل, التكتمية والتحدي.
يعرف الممرض أني لا أخطئ, فعندما يأتي لتناول الطعام أو للعب الورق دائماً ما يلقي عليَّ نفس الأسئلة حول الوجوه الجديدة, ويسخر معي من كاسترو وغونز. ربما أنه يتملقني فحسب, وربما أنه يحترمني لأنني أعيش هنا منذ خمسة عشر عاماً أمضيت اثنا عشر عاماً منها أتدبر استمراري في الحياة بثلاثة أرباع رئة, لا أستطيع القول لماذا أصيب في تنبؤآتي, لكني أعرف أنه ليس لأني كنت مريضاً سابقاً. فيكفي أن أنظر إليهم, لا أكثر, وأحياناً من مجرد سماعهم, لن يستطيع الممرض فهم ذلك, ربما أنا أيضاً لا أفهمه تماماً: أحاول تخمين مدى أهمية ما قالوه لي, أهمية ما جاؤوا للبحث عنه, وأقارن واحدة بأخرى.
عندما وصل هذا في حافلة المدينة, كان الممرض جالساً يتناول طعامه في طاولة بجانب شباك النافذة, أحسست أنه يبحث عني بعينيه ليكتشف تشخيصي. دخل الرجل بحقيبة ومعطف طويل بأكتاف عريضة ومنقبضة, محيياً دون أن يبتسم لأن ابتسامته لم تكن لتصدق ولأنها أصبحت عديمة الفائدة أو ذات نتائج عكسية منذ زمن طويل, سنوات طويلة قبل أن يصبح مريضاً. عاودت النظر إليه بينما كان يتناول الجعة, ميمما وجهه تجاه الطريق والجبل, ونظرت إلى يديه وهو يعالج الورقة النقدية على المنضدة, على مرأى مني. لكنه لم يدفع عند المغادرة, وإنما قطع شرابه وجاء من الزاوية, بطيئاً, دون إشفاق على نفسه, مرتاب, ليدفع لي ويلم الأوراق بتلك الأصابع الشابة المخدرة من استحالة قدرته على إمساك الأشياء. عاد إلى الجعة والوضعية المدروسة المتجهة نحو الطريق, حتى لا يرى شيئاً, كأنه لم يكن يريد شئ آخر سوى أن لا يكون معنا, كما لو كان الرجال بقمصانهم المزركشة, والذين بلا حراك تقريباً في العتمة في نهاية انحسار اليوم الربيعي, يشكّلون رمزاً آخر أكثر وضوحاً لمعاناته, يمكن تفاديه بشكل أخف وطأة من الجبال التي بدأت تختلط بلون السماء.
Page 2
ـ مرتاب ـ هذا ما كنت سأقوله للممرض لو كان قادراً على فهمي.
ـ مرتاب ـ كررتها تلك الليلة, مع نفسي. هذا هو, بالضبط مرتاب, ارتياب أفرزه هو نفسه, لشناعة القرار بعدم الكذب على نفسه. وداخل الارتياب, هناك يأس مكتوم دون عناء, محدود, بعفوية, بنقاء, عن السبب الذي جعله يُولد ويغذيه, يأس كان قد اعتاد عليه, وصار يعرفه عن ظهر قلب. ليست المسألة أن يعتقد أن الشفاء ضرب من المحال , وإنما لا يؤمن بقيمة الشفاء, لا يؤمن بأهمية الشفاء.
كان نحو الأربعين عاماً, وتصرفاته فيها بعض الإهمال، كانت توحي بعدم النضج. عندما خرج ليستقل الحافلة, توقف الممرض عن النظر إليَّ, ورفع كأس النبيذ وتوجه بنظره نحو النافذة.
ـ وهذا؟ هل سيتماثل للشفاء أم لا؟ إذا ما كان مريضاً وذهب إلى الفندق, فسيستقبله غونز. عليَّ أن اسأله.
كان يقولها على سبيل المزاح أو ربما فكر أن يؤمّن على مريض محتمل لاعطاءه الحقنات. كان بودي أن أجلس وأحتسي النبيذ معه لأقول له شيئاً مما رأيته وتوقعته. كان لدي بعض الوقت: لم تُحضر الحافلة أي مسافر وكانت ساعة تناول الغذاء في بيوت الجبل. كنت أرغب بالتحدث لا سيما أن الممرض كان يدعوني, مبتسماً وهو جالس على الطاولة. لكني لم أخرج من خلف المنضدة, وأخذت أنزع الغبار عن المعلبات, وبالكاد بادرت بالكلام.
ـ نعم, إنه مصاب, دون شك. لكن ليس الأمر بهذه الخطورة, ليس حالة ميؤوساً منها. ومع ذلك, لن يُشفى.
ـ لماذا لن يشفى إذا ما كان ذلك بمقدوره؟ هل لأن غونز سيقتله؟
أنا أيضاً ضحكت, كان من السهل أن أقول له أنه لن يشفى لأنه لم يكن يعنيه الشفاء, أنا والممرض كنا قد عرفنا الكثيرين على هذه الشاكلة.
رفعت كتفي وتابعت تنظيف المعلبات.
ـ أعتقد. قلت.
Page 3
بعد ذلك أخذت أراه آتياً من الفندق في حافلة، منتظراً أمام المتجر الحافلة الأخرى التي تذهب إلى المدينة, لم يكن يدخل أبداً, وما يزال يرتدي نفس الملابس التي أتى بها, دائماً بربطة عنق وقبعة, مختلف, متميز, دون سراويل فضفاضة, دون صنادل, دون القمصان والمناديل الملونة التي كان يرتديها الآخرون. كان يصل بعد الغداء, مع البزة التي كان يرتديها في العاصمة, بعناد, محافظاً على هيئة الوحدة, متجاهلاً دوران الأرض, الحر والبرد, غير آبه بسلامة جسده، متخفياً ومحتمياً خلف ملابسه وقبعته وحذائه المغبّر الدال على قبوله بمرضه ووحدته.
علمت من الممرض أنه يذهب إلى المدينة في اليوم الذي يكون هناك قطار مغادراً إلى العاصمة لإرسال رسالتين, ومن مكتب البريد يذهب ليجلس أمام نافذة في مقهى, مقابل الكاتدرائية لتناول الجعة. كنت أتخيله, وحيداً وكسولاً ينظر إلى الكنيسة كما ينظر إلى الجبال من المتجر, دون أن توحي له بأي معنى, وراغباً بإلغائهم تقريباً, باذلاً قصارى جهده على تشويه الصخور والأعمدة, والأدراج المظلمة. مطبّقاً بمثابرة وعناد قديم على إقناع ورشوة ما كان ينظر إليه, ليصبح كل شئ مجسداً الإحساس الطفيف باليأس الذي يظهره في المتجر, الحزن الذي كان يستعرضه دون أن يعرف ذلك أو دون احتمالية اخفائه في حال معرفته به.
كان يقوم برحلة لما يقارب الساعة إلى المدينة كي لا يرسل رسائله من المتجر, والذي كان أيضاً مكتبأً للبريد, وكان يفعل ذلك بسبب أو نتيجة نفس التصلب, مسكوناً بهاجس عدم القبول, لأن يكون مخلصاً للعبته الساذجة أن لا يكون هنا وإنما هناك, اللعبة ذات القواعد المحددة، أن الآثار هي ذات أهمية أكثر بكثير من الأسباب وأن هذه يمكن استبدالها, تحسينها, أو نسيانها.
لم يكن في الفندق, لم يكن يعيش في القرية. لم ينصحه غونز بالذهاب إلى المصحة, كل هذا كان يمكن أن يُمحى لو لم يكن يدخل المتجر ليترك رسائله, كلما كان يتركها على المنضدة المطاطية لنافذة مكتب البريد في المدينة. كان الانقطاع سيصبح ملغياً لو كان بدلاً من إعطائي رسائله مثلما يفعل كل الذين يعيشون في القرية, ليشهد وقع الطابع, تديره يد رتيبة ومجهولة, يد متغيرة لا تتبع لأي وجه, ولا لأي زوج من العيون موعزة أنها تمارس منصباً ما. كان يمكنه تلافي الحاضر إذا ما رأى الختم يضرب رسائله, طابعاً عليها, بجانب الكلمتين أو الثلاث كلمات لإسم, لعاصمة في مقاطعة, لمدينة يمكن زيارتها لأعمال تجارية.
Page 4
لكن في بعض المرات, كان يدخل المتجر عند العودة من المدينة لتناول جعة أخرى. كان هذا يحصل في مساءات فاشلة, عندما يكون اسم المرأة الذي كان قد رسمه غير مفهوم, فجأة, وفي اللحظة الحاسمة عندما كان الختم يرتفع ليقع بضجيج ليّن ونابض. عندها يكون الاسم غير موجه لأحد, إنما إسماً عنيداً وشريراً يواجهه من صفيحة المطاط, ليوعز له أنه لربما كان الانفصال الذي يعانيه حقيقياً, وبأن الحمى التي تصيبه حقيقية.
رأيته يملئ الكأس ويفرغه بصمت, ناظراً إليه بشكل جانبي, متكئاً على المنضدة, مصارعاً فكرة أن الماضي لا يمكن الحفاظ عليه بدون أن يتغير, أن الأُذن الأكثر غباءاً عليها أن تستمع لضجيج الماضي الذي يطلقه الماضي, لينحدر, ليبتعد, ليتغير, وليبقى على قيد الحياة. كان يغادر قبل أن يثمل ويأخذ بالسير نحو الفندق.
لكن الرسائل التي كانت تصله من العاصمة كنت استلمها أنا في المتجر وكنت أرسلها له مع الصبي ليفي, والذي كان يقوم بدور ساعي البريد رغم أنه لم يكن يتقاضى شيئاً مقابل هذا من مصلحة البريد، وإنما بعض المال الذي كنا ندفعه له في الفندق, المصحة وأنا.
ربما ظن الرجل أنني مهتم بما فيه الكفاية بالأشخاص والحالات, لدرجة فتح الرسائل مدفوعاً بالفضول بالأوضاع المختلفة التي لدى الناس. ربما من أجل هذا أيضاً كان يذهب إلى المدينة ليرسل رسائله, وربما لم يكن فقط لنفاد صبره والتي بعد أسابيع قليلة بدأ بالحضور إلى المتجر بحلول منتصف الظهر, بعد أن يكون سائق الحافلة قد رمى لي حقيبة نحيلة ومجعدة محتوية على الرسائل.
كان عليه أن يحضر, فقد فضّل أن يخرج من زاوية اللحم المقدد والتقويم وإجباري على الكلام, دون محاولة اقناعي, دون أن يخفي عدم اهتمامه بتعدد تهجئة الألقاب, مبيناً بأدب أن الشيء الوحيد الذي كان يسعى إليه هو جعلي أتذكر اسمه لتجنب سؤالي, كل مرة, إذا ما كانت قد وصلت رسالة له.
كانت ترده في البداية أربع أو خمس رسائل في الأسبوع, لكني سرعان ما استطعت, إلغاء الظروف التي كانت عبارة عن رسائل صداقة أو أعمال تجارية, مهتماً فقط بالرسائل التي كانت تصل بانتظام مكتوبة من قبل نفس الأيدي. كان هناك نوعان من الظروف. أحدهما بحبر أزرق, الآخر مكتوب بواسطة آلة كاتبة, كان يحاول أن يفصلهما بنظرة متزنة وسريعة, قبل أن يضعها في جيبه, و يعود إلى الزاوية المظلمة, مستعيداً وقفته الجانبية مقابل التقويم الفلكلوري المهترئ من الذباب والدخان, ليعاود تناول جعته, تماماً بذات هدوء الأيام التي كنت أعطيه رسائله.
Page 5
كان قد منعه الدكتور غونز من المشي كثيراً, لكنه كان يستخدم الحافلة فقط عائداً إلى الفندق عندما كان يحمل في جيبه أحد الظروف المكتوبة على الآلة الكاتبة. وليس للرغبة الملحة لقراءة الرسالة, وإنما للرغبة في أن ينعزل بنفسه في غرفته, راقداً في السرير بعينين محدقتين في السقف, أو يروح ذهاباً وإياباً من النافذة إلى الباب, لوحده مع حدّته, مع هاجسه, مع خوفه من الأمل, والرسالة ما تزال في جيبه أو ضاغطاً عليها بيده أو فوق الطاولة, بجانب الكتب الثلاثة وزجاجة الماء التي لم تُستخدم أبداً.
كان هناك نوعين من الظروف التي تعنيه. أحدهما كان يأتي مكتوباً بخط نسائي, عريض, مستدير, مع الحرف الكبير الذي يشبه علامة موسيقية, وأحرف الزاي مثل الرقم ثلاثة. الظروف, التي كانت تجعله يطيع غونز ويلتقط الحافلة, كانت أيضاً, واضح أنها من إمرأة, بأحرف متطاولة وبلون خشبي, دائماً بتحديد غامق في الوسط, مكتوبة بآلة قديمة من نوع متسخ وغير متكافئ.
كنا في منتصف الربيع, مشوشين من شمس خفية, بليال رطبة, وبأمطار عديمة الجدوى. كان الممرض يصعد يومياً إلى الفندق, بابتسامته الحماسية المحسّنة, نكاته وحقيبته الملأى بالأنابيب. كانت الخادمات تهبطن باستمرار إلى المتجر لطلب لوازم مؤونة الفندق أو لشراء شرائط أو عطور لهن, أو أي شئ لا يمكن انتظار تأخره من أجل خروجهن في نهايات الأسبوع . كن يتكلمن عن الرجل لأنه ولأسابيع كثيرة, رغم وصول نزلاء آخرين, كان ما زال هو "الجديد", أيضاً الممرض كان يتكلم, لأنه كان بحاجة لأن يتملقني وكان قد فهم أن الرجل يهمني أمره. كان يعيش في كراج المتجر, لم يكن يفعل سوى إعطاء الحقن وإيداع المال في بنك المدينة, كان وحيداً, وعندما تعنينا الوحدة فإننا قادرون على أن نقترف كل الدناءات المناسبة لضمان صحبة, آذان وعيون تلبينا. أتكلم عنهم, عن الآخرين, وليس عني.
كانوا يأتون ويتبادلون الحديث, وشيئاً فشيئاً بدأت برؤيته, طويل, منكمش, مع اتساع مفاجئ لهيكله العظمي, في الكتفين, بطئ لكن دون حرص, موازناً بين الشكلين الخاصين للخجل والكبرياء, متناولاً طعامه منزوياً في صالة الفندق, دائماً بجانب نافذة, دائماً متوجهاً برأسه نحو اللامبالاة, نحو الجبل والساعات, هارباً من حالته, ومن الوجوه والمحادثات.
بدأت أراه في الصالة على الطاولات الملتفة للبار, ناظراً لكتاب أو صحيفة, شاعراً بالملل وصاغراً قابلاً, معتقداً, أنه يكفي أن يستعرض ذاته وبدون ذاكرة, لساعتين أو أربع ساعات في اليوم أمام نزلاء الفندق, ليبقى مُستثنى, منفصلاً عنهم وعن قضاياهم. وهكذا, مسترخ في مقعد القش, بالساقين ممدتين, فارضاً على شفتيه الحفاظ على ابتسامة يعلوها الود والحنين, غير آبه بالسرعات المختلفة وأطوال خطوات الآخرين, لأصواتهم المتملقة, لرائحة العطور القوية التي كانوا يبدوا أنهم اغتسلوا بها, مقتنعين أن هيجان الروائح كان قادر على المحافظة, لكل منهم, على السر الذي يجمعهم بالآخرين, الذي يجمعهم كما إلى قبيلة.
يجلس بينهم, لساعتين أو أربعة يومياً, متظاهراً بالاعتقاد, أنه حوّل الارتياب إلى عادة وإلى حليف لا لبس فيه, أن كوميديا صارمة من الإهمال كانت كافية لتحافظ عليه متعلقاً بكل ما هو موجود قبل تاريخ التشخيص.
Page 6
لم أستطع أن أعرف أبداً إذا ما قد بتّ أحبه, أحياناً, كان يجذب انتباهي بفكرة أني لن أستطيع فهمه أبداً. هناك في بار الفندق, كان غير معروفاً, مديراً ظهره للميزان المتواضع المنزوي بعكس اتجاه الدرج, أكيد أنه لم يكن هناك حاجة لاستخدامها أبداً, غير مبال بالشائعات والتعليقات التي كان يطلقها الآخرون, وهم يصعدون ليسألوا عن موعد الحقنة. هناك كان, في محيط الفندق قبل وبعد الغذاء ـ مباشرة قبل وبعد أن يصل إلى المتجر ويسألني دون كلمات عن الرسالة التي ينتظرها ـ سائراً حتى يصل إلى النهر, ليقترب من الحصى المدورة البيضاء لقعر النهر والشريط البائس المضيئ للماء المجعّد بينها, , ناظراً ومتذكراً الأعمدة الخمسة للجسر, هابطاً إلى الحقل ليدوس مكب قمامة الفندق, محركاً بحذائه الورق المقوّى, الزجاجات, بقايا الخضار, القطن والأوراق الصفراء.
كنت أتابع مشاهدته منتصف كل يوم, وهو يدخل المتجر, ببدلته الرمادية المدنية, القبعة للخلف, مؤدياً لي تحية قصيرة وصمّاء. وعندما كان ينزوي ليتناول جعته, برسائل أو بدونها في جيبه, كنت أصر على تفحص عينيه, في تقييم نوعية وقوة الاستياء التي يمكنني اكتشافها في العمق: استياء مدجّن, معتاد على الصبر, مضاف بحزم. كان هو يميل برأسه ليلغيني, ناظراً الحقول وممرات الجبل, ذروة البياض للبيوت تحت الشمس العمودية.
حضر الممرض في مطلع تشرين الثاني ذات ليلة إلى المتجر وجلس ليتحداني بابتسامته. سكبت له النبيذ وأطباق الجبن والسلامي, ولم أعطه بالاً, فأدرت له ظهري وأنا أصفّر.
ـ أظن أنك لا تعرف ؟
بدأ أخيراً الممرض بالكلام. إنه شئ لا يصدق. هل تذكر ذلك الشخص؟ يبدو أنه سيغادر الفندق, يبدو أنه أحس بالتعب من تبادل الحديث, أو أنه لم يعد هنالك ما يقوله لأنه تقاطع ذات مساء في الشرفة مع الشقراوات غوميزا وكان عليه أن يحييهما, عن طريق الخطأ, بالطبع, لأنه حريص على أن لا يصيب أبداً وأن يضع دائماً المساءات في النهار أو النهار في المساء. حتى يعلم الجميع بأنه منشغل, دون أن يصحح ذلك, لأنه يفعل ذلك عن قصد, حتى يصبح معروفاً أنه لا يفكر لماذا يحيا ولا يعرف في أية لحظة يعيش.
كان يقاطع نفسه أحياناً ليمضع الخليط من السلامي والجبن, وكان أحياناً يمضغ وهو يتكلم, تخيل لي أن حقد الممرض, بالكاد دافئ و عنيد, لم يكن ليولد من سلبية الآخر تجاه الحقن التي اقترحها عليه غونز, والتي كان لها في الأصل إذلال غير مفهوم, جرم سري.
ـ سيغادر الفندق. يبدو أن اللعاب قد نفذ منه، لأنه تكلم ذات مرة عن المطر مع نادل المطعم أو سأل الخادمة عن ساعة وجود الماء الساخن. لم يغادر بعد, لم يستجمع قواه ليطلب الفاتورة أو لإعطاء شروحات, هذا إذا ما كان هناك ثمة من يهمه سماعها. لم يعد هناك من يكلمه, أو إذا ما كلمه أحد فسيكون بداعي المزاح, لتخمين إذا ما كان سيقول نعم أو لا برأسه, بذلك الوجه الجامد, وبعيون سمكة نائمة.
ضحكت قليلاً, لأرضيه, لأظهر له أنني أسمعه, تابعت الضرب بالعصا, ولم اسأل أي سؤال.
Page 7
ـ حول عيون سمكة نائمة ـ قالت ريينا, الخادمة الطويلة ـ اعترف الممرض ـ لم يقل وداعاً بعد. لكنه ذات قيلولة, بدلاً من أن يذهب للتحري في القمامة, صعد إلى الجبل ليتكلم مع اندرادي واستأجر شاليه البرتغاليات. يبدو أنه لا يعرف ما حصل في الشاليه. إنه لا يتكلم مع أحد, فمن سيحذّره؟
ـ ليس لهذا أهمية ـ قلت ـ فهو مريض في الأصل.
ـ لا داعي لأن تقوله لي. لا أقصد العدوى. لكن على أية حال, ففي بيت تموت فيه ثلاث شقيقات وابنة عمهمن ليصبحوا أربعة.... جميعهن وهن في الخامسة والعشرين. فهو أمر يثير الريبة.
ـ لم تكن ابنة عمهن ـ قلت متثائباً ـ. بالإضافة, إلى أنه لن يعود أبداً ليكون ذو خمسة وعشرين عاماً.
أخذ الممرض بالضحك كما ولو أني كنت أسخر من أحد. بينما كنت أرتب الستائر, تخيلت الرجل وهو يصعد الجبل ليقطع على اندرادي قيلولته, دافعاً جسده الطويل والكسول ـ كمخالف, كانتهاك حرمة تقريباً ـ في ظل (البزنس) للتنزيلات والعمولات, مظهراً اهتمامه بالعروض, أسعار وتفاصيل البناء بصوت منخفض وغير مرن, تاركاً المجال لأن يُغش, ممرراً عيناه عبر الخريطة الكبيرة للجبل المعلقة في الحائط, والتي تخترقها, في محاولة عبثية لوضع نظام ما, خطوط عريضة بيضاء تتعلق بشوارع وجادات لا يمر بها أحد, متعرجة, تتخللها خطوط زرقاء وحمراء منبئة بجولات الحافلات حيث لم يكن هناك داع لاهتراء دواليبها متسلقة وهابطة التسميات الرائعة. كان الرجل ينظر لرؤوس الألوان, للدبابيس التي وضعها اندرادي في الخريطة مشيراً إلى المواقع التقريبية للبيوت التي كُلف بتأجيرها أو بيعها, محاولاً اكتشاف بصيص انذار ما, لوعد ما, مرتشح عبر الغبار الذي خيّم عليها.
واندرادي, الذي تفوح منه رائحة العرق, مبتسماً, عارضاً عليه بحذر في البدء, متحمساً ملحاً فيما بعد, الغرف الأربعة لمنزل البرتغاليات, بأثاثهم الملفوف بقماش فاتح, باللمسات الأنثوية الغابرة, قامت بها فتيات لتعطين رفقة للمكان.
كان من الغريب أن يكون الرجل قد قرر استئجار بيت الفيرييرا والغريب أنه لم يكن يحوي ثلاث غرف تزيد عن حاجته ولا أنه كان مضطراً من الصالون لمشاهدة نفس المنظر تقريباً الذي كان يطوفه في المساءات: الجسر فوق الحجارة للنهر الجاف, ومكب نفايات الفندق.
ـ هل كنت ستقول أن الرجل لديه المال لاستئجار هذا المنزل؟
سأل الممرض قبل أن يذهب إلى النوم ـ. دون أن يذكر أنه لا بد أن اندرادي قد استغل الموقف.
لكنه سرعان ما اقنعنا أن بإمكانه انفاق المزيد من المال, لأنه مضت أسابيع بعد ذلك ما زال يقيم في الفندق, ذاهباً كل ظهيرة, من الغذاء حتى المساء, ليختلي بنفسه في بيت الجبل أو للاسترخاء في الشرفة, موجهاً رأسه تجاه البقعة التي يقطعها النهر والجسر المنخفض.
ـ من قال لك أنه ليس عاشقاً لواحدة من البرتغاليات؟
Page 8
علق الممرض ـ. ربما يكون عاشقاً للثانية, والتي كانت ثرثارة كثيراً مثله. اشترى في ذلك اليوم نصف دزينة من قوارير الشراب من الفندق وحملها معه إلى الشاليه. الآن نعرف لماذا ينعزل. إضافة إلى أنه كان حرياً به أن يشتريها منك.
إلى أن وصل ذات يوم إلى المتجر قبل أن تقوم الحافلة بتوزيع البريد ولم يقترب من أوراق التقويم أو يطلب جعة. اتكأ على الشجرة, في الخارج, ويديه في جيبي بنطاله, بقدمين مفتوحتين, وللمرة الأولى بدون ربطة عنق أو قبعة.
هبطت المرأة من الحافلة, بظهرها, بطيئة, عريضة, لكنها لم تكن بدينة, مادة ساقاً قوية وهادئة إلى أن وطأت الأرض, تعانقا بينما هو تنحى جانباً ليساعد الحارس الذي كان يحرك الحقائب في سقف الحافلة. ابتسما وعادا للقبلات, دخلا المتجر وبما أنها لم تكن ترغب بالجلوس, طلبا مرطبات في القسم الواضح من المنضدة, باحثين عن تلاقي العين بالعين. كان الرجل يتكلم بدوار مستمر, مداعباً في الوقفات القصيرة ساعد المرأة, مطلقاً ثرثرات, معتقداً أن غزارة الكلمات ستعدّل من شكل وجهه الهزيل, وأنه يمكن إنقاذ شئ ما, طالما هي لا تقوم بتوجيه الأسئلة المتوقعة.
تحت النظارات الشمسية, كان فم المرأة يفتح بسهولة, في كل جملة يتلفظ بها الرجل تقريباً, مكررة دائماً نفس الطريقة في الفرح. ابتسم لي مرتين بينما كنت أخدمهما, شاكراً خدمات لم أقم بها, مبالغاً في قيمة الصداقة بيننا أو تعاطفي معه.
ـ لا ـ قال هو. ليس ضرورياً, ليس هناك ميزة في هذا. ليس من أجل المال, رغم أني أفضل ألاَّ استخدم هذا المال. لدي في الفندق أيضاً طبيب, وكل ما هو ضروري.
أصرت هي لفترة من الوقت, هامسة دون اقتناع, كان يبدو أنها واثقة من قدرتها على إلغاء أي مشروع للرجل, وبالنسبة لها بدا مستحيلاً التغلب على ابتعاداته السلبية, وانفصاله. وقف جانباً عن المنضدة وذهب تجاه ظل الشجرة ليقنع ليفا أن تقلهما معها في سيارتها إلى الفندق, كانت ليفا تنتظر حافلة المشفى لاصطحاب امرأتين كانتا ذاهبتين إلى المدينة. انتهى الأمر بأن قالت نعم, ربما عرض الرجل مالاً أكثر من ثمن الرحلة, ربما فكر أن النساء كن مضطرات أن لا يتحركا من المتجر حتى يعود هو.
ـ كيف تراه؟ ـ سألت.
Page 9
فكرت أنه لربما كان قد كلمها عني في رسائله, لا بد أنه كذب بشأن محادثات وصداقة ما بيننا.
كان لديها الوقت لتقول لي, بصوت جديد ومبتهج, كما لو أن التقرير سيتحسن شيئاً ما.
ـ لا بد أنك رأيت الاسم في الصحف, ربما تتذكر. لقد كان أفضل لاعب كرة سلة, كما يقول الجميع, لاعب دولي. لعب ضد الأمريكيين, وذهب إلى تشيلي مع الفريق الوطني, في العام الأخير.
العام الأخير الذي على ما يبدو أنه العام الذي انتبهوا إلى أن الوضع قد بدأ يسوء. دون فرح, إنما مُثاراً, استطعت أن أفسر لنفسي سبب عرض الكتفين, والإهانة المفرطة التي يطوي كتفيه بها, ذلك الحقد الدفين الذي يحمله في عينيه والذي كان قد وُلد, ليس فقط بسبب فقدانه لصحته, لنوع من الحياة, لإمرأة, وإنما, قبل كل شئ, بسبب فقدانه للقناعة, بحقه في الكبرياء. لقد عاش معتمداً على جسده, لقد كان جسده بشكل ما، كل شيء بالنسبة له.
قبلتُ بشكل جديد من الشفقة, فكنت أعتقد أنه أضعف من هذا, أكثر حرماناً, وأصغر سناً. بدأت برؤيته في صور مكبرة في مجلة "المصور", بسروال قصير وقميص أبيض بحروف أولى, محاطاً برجال آخرين يلبسون مثله, مبتسماً أو حارفاً عينيه, بنفس الوقت, مع التعب والتواضع الذي يليق بالآلهة والأبطال. شاب بين شبّان, برأس لامع وشعر مسرّح للتو, بل مظهراً في الاصدارات الكبيرة من المجلة , اللمعان المتوهج الصحي للجلد, البريق الدهني بسبب الطاقة, رجولي, وطاقة لا تنضب. رأيته يجلس القرفصاء, برأسه الذي يميل ليعرض ثلاثة أرباع جانبه على ضوء المصباح, والأصابع الخمس ليد كأنها تبدو متكئة على كرة ما أو لحمايتها, وأيضاً في غرفة مظلمة, متفحصاً لوحده دون أن يستوعب, الصفائح المرنة للصورة الشعاعية الأولى, محاطاً بالجوائز والذكريات, والكوؤس, والأعلام, صور فوتوغرافية لصفوف أمامية في ولائم. كان بإمكاني رؤيته راكضاً, قافزاً ومنحنياً, تفوح منه رائحة العرق, ساذج وسعيد, في سلات للكرة ابيضت نتيجة الأضواء العنيفة, بالتأكيد إنه ذلك الجسد الطويل ونصف العاري, مقتنعاً بخلود كل وقت من عشرين دقيقة وأن الإسم الذي كانت تهتف له الحشود معبرة عن التقدير وملحة على ترداده, كان يظن, أنها تذكر شئ حقيقي ودائم.
طالما بقيت المرأة ذات النظارة الشمسية، انقطعت ظروف الرسائل المكتوبة بخط اليد أو بالورق الخشبي. نزلا في الفندق, ولم يعد الرجل إلى مكب النفايات ولا إلى بيت البرتغاليات, كانا يتمشيان جنباً إلى جنب ممسكين بيدي بعضهما, كانا يستأجران خيول وعربات, يصعدان ويهبطان الجبل, يبتسمان بتناوب متشددين, حول خلفيات رائعة, ليلتقطا الصور بكاميرا "اللايكا" التي كانت أحضرتها معلقة بكتفها.
Page 10
ـ كما ولو كان شهر عسل ـ قال الممرض, مسترضياً ـ ما كان ينقص الرجل هو المرأة, من الواضح أنه لا يحتمل العيش دون إمرأة. إنه الآن رجل آخر, لقد دعواني لتناول كأس معهما في الفندق وأخذ الرجل بطرح أسئلة حول كل شيء في القرية. وأن المرض لا يقلقه, لا يمكنهما البقاء دون أن يلمسا يدي بعضهما, ويقبلا بعضهما رغم وجود الناس. لو كان بإمكانها البقاء (ستذهب في نهاية الأسبوع), عندها لكنت راهنت على أي شيء أن الرجل سيشفى. ألا تراهما عندما يأتيان في الظهيرة لتناول المقبلات؟
لقد كان الممرض محقاً ولم يكن بإمكاني أن أقول شئ ضده, ومع ذلك, لم استطع أن أصدق ولا كنت أعرف حتى أي نوع من الاعتقادات كان على المحك, أي حيلة سأضيف أنا إلى ما رأيته, يا للأمل السخيف, الكريه الذي منعني من أن أتأثر, قبول السعادة التي كانا يشيدانها يومياً أمام عيناي, بإصرار الأيدي بين الكؤوس, بالأصوات التي كانت تطرح وتعلق على مشاريع.
عندما غادرت هي, عاد الرجل ليزور المنزل الذي كان قد استأجره, أحياناً منذ الصباح, حاملاً بحزمة من الأشياء لتناول الغذاء, ولا يظهر حتى المساء, منزوياً مقابل طاولته في الفندق, شارداً ومقتضباً, مستعجلاً على بناء جدران العزلة التي كان قد دمرها قبل أربعة عشر يوماً,
مبيداً كل جذع للخصوصية بنظرته الرمادية, الثكلى بهدوء. لتعود الرسائل أيضاً, بعد يومين من مغادرة المرأة, متقابلة الظروف بالأحرف الواسعة المخلصة والمكتوبة على الآلة الكاتبة بحبر بال.
وهكذا بقينا, الرجل وأنا, فعلياً مجهول كُلٌ للآخر مثل البداية, وبعد كل ظهيرة, كان يضطجع في زاوية المنضدة ليكرر جلسته الجانبية أمام زجاجة الجعة ـ من جديد ببزته الصارمة كإبن للمدينة, ربطة العنق والقبعة ـ, ليتصارع معي في النزاع الاعتيادي غير المعلن أبداً: يقاتل ليجعلني أختفي, ليمحو شاهد الفشل والبؤس الذي كنت أمثله بغيظ, وكنت أصارع من أجل الفوز المشكوك به بإقناعه أن كل هذا هو حقيقة, مرض, انفصال, انتهاء. كان يدخل ناظراً إليَّ، في عيني مباشرة, بتلميح, بابتسامة كانت توفر عليه التحية, وليترك النظر إليَّ على الفور بمجرد استلام الرسائل, كان يضعها في جيب المعطف, متظاهراً بعدم التسرع والتعثر, الرأس والجسد دون حركة, متظاهراً أن لا علاقة لهما بالأصابع الخمسة التي كانت تناور الظروف.
كان يطلب الجعة أحياناً, أحياناً أخرى كان يوجه الشكر ويغادر, عندها نعم كان يصل إلى الضحك فعلاً, وبهذه الإبتسامة وبصوت شاكر باحثاً فقط عن تهدتئتي, والقول بأنني لست مسؤولاً عما تقوله الرسائل.