eKtab
EN ع
الوجه البلاغي وأثره في السياق الشعري الأندلسي
Read free sample

الوجه البلاغي وأثره في السياق الشعري الأندلسي

by محمد عبيد السبهاني

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

" وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ  "

الأحقاف: من الآية15

Page 2

الإهداء

إلى الرحمة المهداة للعالمين سيدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلى مَن ربّيَاني صغيرا أمي وأبي براً وإحساناً.

إلى سَنَدي وأملي ومَن أشْدُدُ بهم أزري إخوتي حفظهم الله.

إلى قرّة عينيَّ أخواتي صلة وعرفاناً.

Page 3

المقدمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، عليه أتوكل وبه أستعين، الهادي العليم، سبحانك ربنا لا علم لنا إلّا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، والصلاة والسلام على سيد الأنام محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

فيعدُّ الوجه البلاغي ثمرة ناضجة لقيمة جمالية أثبت تواجده عبر عصور طويلة فجسده الدارسون واختاروا له تقسيماته المعروفة، وغدت هذه التقسيمات من ثمرات الأمة التي تعلم الناشئة وتسهم في تكوين أذواقهم.

وقد حاولت جاهداً في هذه الكتاب أنْ أبحث عن مدى التأثير الذي يحدثه الوجه البلاغي في السياق الشعري من خلال البنيات الدلالية؛ لأنَّ قراءة الوجه البلاغي من خلال فضاء الدلالة يمنح ذلك المنتج الصياغي فرصة الإفصاح عنه ببنيته الظاهرة والعميقة، بغية تشخيص القيم الجمالية والفنية في المنتج الإبداعي، والكيفية التي ولد فيها والخيوط التي نسج منها.

إنّها محاولة والتقصي عن الأثر الذي يتركه الوجه البلاغي في السياق الشعري بغية الخروج بنتاج بلاغي واضح المعالم، وقد سعيت جاهداً إلى أنْ تكون هذه الدراسة ذات لمسات فنية، وآثار دلالية، معتمداً منهج التحليل الأدبي، محاولاً توظيف الأوجه البلاغية وقيمها الأدبية لاستقراء اللمسات الفنية من دون التوغل في تقسيمات البلاغة العربية وتفرعاتها الواسعة النطاق.

وقد بني الكتاب على تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة تتضمن أهم النتائج التي توصلت إليها.

فكان التمهيد يمثل انطلاقة الكتاب في استقراء الوجه البلاغي لكونه يمثل وسيلة من وسائل الإيحاء بالمعنى والبحث عن أثره في إدراك المعنى والأخذ بأهمية السياق والأثر الذي يلعبه في كشف الدلالة المعنوية.

وتناول التمهيد أيضاً أهمية الربط بين السياق الشعري والوجه البلاغي للخروج بالنص الشعري على وجهه الأمثل، وتضمن إشارة إلى اهتمام الدراسات اللغوية الحديثة إلى هذا الأمر والتي وجدنا جذورها عند الشيخ الناقد والبلاغي عبد القاهر الجرجاني (471 أو474 هـ) وغيره من البلاغيين.

وقد جاء الفصل الأول متناولاً أثر الصورة البيانية في السياق الحالي (الموقف)،والتأثير الذي يحدثه السياق الحالي على الوجه البلاغي؛ لكون الصورة البيانية تستمد وجودها وكينونتها من سياق الحال، فكان لابد من تناول هذه الروابط بين الصورة والسياق والمؤثرات التي أثرت النص الشعري بمزيد من الانسجام والوضوح.

Page 4

وتناول هذا الفصل أيضاً بعض التأصيل النظري لسياق الحال وأهمية المقام ساعة أداء المقال، فقد أصبحت فكرة المقام هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة.

وقد تناول هذا الفصل أبرز عناصر الصورة البيانية من خلال ثلاثة مباحث: تضمن المبحث الأول: الصورة التشبيهية، أمّا المبحث الثاني: فكان الحديث فيه عن الصورة الإستعارية، ثم جاء المبحث الأخير للبحث عن الصورة الكنائية.

ويكمن أثر هذه الصور الثلاثة مجتمعة بقدرتها الإبداعية داخل منظومة السياق الشعري، تلك المنظومة التي تعمل جاهدة على إيضاح الوجه البلاغي.

وأمّا الفصل الثاني: فقد تناول المستوى التركيبي والسياق اللغوي، وضمّن بين ثناياه مهاداً نظرياً تناول تراكيب الخطاب الشعري وما بين عناصره من أواصر ترابطية وعلاقات تركيبية، والأخذ بالحسبان أهمية السياق اللغوي لكونه يمثل الإطار الداخلي للغة وما يحتويه من قرائن تساعد على كشف مزايا الوجه البلاغي.

فضلاً عن ذلك تضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث: أمّا الأول: فقد تناول الأساليب التعبيرية وما تتركه من أثر على السياق اللغوي كون الأساليب التعبيرية هي التي تجعل من السياق اللغوي سياقاً مترابطاً، وكان من جملة هذه الأساليب الاستفهام والأمر والنهي والنداء.

وتضمن المبحث الثاني البنى النحوية والعلاقات الدلالية في النص الشعري الأندلسي من تقديم وتأخير وبنية الحذف وبنية الفعل بحسب وحدة الزمن، باعتبار هذه البنيات إحدى مكونات السياق اللغوي.

في حين جاء المبحث الأخير ليتكلم عن التوافق اللفظي وأثره في السياق اللغوي، على أساس أنَّ لكلِّ نصٍّ أدبي خطوطاً أساسيةً تمثل هذه الخطوط بالمعجم اللغوي والذي بدوره يكون انطلاقة الشاعر في تكوين مادته اللغوية.

وجاء الفصل الثالث ليضع علم البديع بين السياق العاطفي والسياق الثقافي (الاجتماعي)، في محاولة جادة للكتاب عن ظلال هذا العلم وما يحمله من دلالات فنية وإيقاعات موسيقية تنتظم عبر ما يعرف بالسياق العاطفي والسياق الثقافي، ولا يخفى الأثر الذي يتركه هذا العلم على النص الشعري؛ إذ يضفي عليه بهاءً ورونقاً وجمالاً، ولكن يتمّ هذا الأثر متى ما كان توظيفه في النصّ الشعري توظيفاً دقيقاً.

وتناول هذا الفصل مبحثين أساسيين: مثّل الأول المستوى الصوتي والذي تضمن بين ثناياه المحسنات اللفظية، لكون كلّ أداء شعري متكامل أساسه الدقة في اختيار الألفاظ ذات المستوى الصوتي المتجانس، فكان الجناس والترصيع والتصريع ولزوم ما لا يلزم والاقتباس مكونات هذا الكتاب.

وأمّا المبحث الآخر: فقد تناول المستوى الدلالي (المعنوي)، كون المعنى يشكل أحد البني التكوينية لجوهر المضمون، بل ويجعلنا هذا المستوى على صلة مباشرة بعبقرية اللغة الشعرية كونه ينبثق منها، فكان التضاد ومراعاة النظير وحسن التعليل وحسن الابتداء من العناوين الأساسية لهذا المستوى.

ثم جاءت خاتمة هذه الدراسة التي تضمنت جملة من النتائج التي توصل إليها الكاتب، وملحق بالمصادر والمراجع التي استقى منها الكتاب مادته العلمية، والتي كان من أهمّها كتب البلاغة العربية المتمثلة بدلائل الإعجاز والإيضاح ومفتاح العلوم، ولم تكن الدراسات الحديثة أقل شأناً فكانت البلاغة العربية قراءة أخرى والبلاغة والأسلوبية للدكتور محمد عبد المطلب وغيرها من الكتب الحديثة التي أثرت الأطروحة بمزيد من العلمية، ثم جاء ملخص باللغة الانكليزية.

وإنْ كان ثمة فضل يوجب الشكر بعد فضل الله، فهو الفضل الذي أسبغه عليَّ أستاذي الدكتور محمد فتاح الجباوي الذي كان لي نعم الأب والأستاذ الذي ذلَّلَ أمامي كل الصعوبات التي اعترضت مسيرة هذا الكتاب منذ البدء وحتى خروجه ثمرة ناضجة.

كما أتقدم بكلِّ مشاعر التقدير والاعتراف بالجميل لأستاذي الفاضل الدكتور إنقاذ عطا الله العاني الذي كان عوناً لي في اختيار هذا الموضوع.

كما أشكر الدكتور محمد عويد الساير الذي كان لنا نعم الأخ الصادق الذي أغدقَ عليَّ بالمصادر والمراجع التي أمدت هذا الكتاب بمزيد من العلمية الرصينة، وأشكر أيضاً أخي الدكتور محمود السبهاني الذي كان لي نعم المعين.

هذه حصيلة جهدي ولا أدعي أنّي قد ابتدعت جديداً أو جئت بالكمال، فإنّ الكمال لله وحده، فإن أكن اهتديت إلى قولٍ صائب فلله الحمد والمنَة، وإن أكن قد زلّت بي القدم فإني استغفر الله وأتوب إليه، وأملي أن أجد في توصيات أساتذتي ما يعيد خطأي إلى جادة الصواب، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.

Page 5

بين الوجه البلاغي والسياق الشعري (دراسة نظرية)

إنّ النقاد القدامى والمُحْدَثين غالباً ما كانوا يتناولون الوجوه البلاغية بالنقد عن طريق الاستقراء والتتبع لكلام العرب، ثم الرجوع بعد ذلك إلى طبع صقلته التجارب والدراية، فكانوا ينقدون كل وجه بلاغي بحسب طبيعة الخيال الذي أوحى به، فكان النقد الجاهلي قائماً على نقد الألفاظ لا من حيث سلامتها أو من حيث عيوبها حسب، إنما من حيث التوافق بين الألفاظ والمعاني ودلالة المعنى على اللفظ، وإخضاع هذا المعنى للعرف والتقاليد المعروفة. ([1])

وهذه الوجوه البلاغية المختلفة إنّما هي من وسائل الإيحاء بالحقيقة عن طريق الخيال: فهي نوع من البراهين التي تلقى قبولاً عاماً، لاسيما لدى من يعتمدون مشاعرهم أكثر مما يعتمدون عقولهم ((ولهذا تكثر صنوف المجاز في الكلام حين يوجه إلى الجماهير، ويقتصد فيها حين يوجه الحديث إلى الصفوة))([2]).

وبما أنَّ الخيال المصور، يدرك ما في المعاني من عمق، وما يتصل بها من أسرار الجمال، فان الأديب هو الذي يختار أصفى العبارات وأنقاها وأليقها بالخيال الجميل، ليؤلف منها هذا الفن الهادف.

ولابد من الإشارة إلى أن هذه الوجوه البلاغية ((تنشأ - طبيعية - في كل لغة، وإنما يتناولها الناقد بالدرس ليبين مدى الاستفادة منها في تدعيم الحجة، وتقوية المعنى، وتحريك المشاعر للعمل عن اقتناع، فهي من متعلقات الخيال، ولكن الخيال هنا سبيل جلاء الحقيقة والبرهنة عليها على نحو ما)) ([3])

ومن النقاد من وضع مقاييس عامة لجودة الأخيلة الشعرية، ومن هؤلاء شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني (ت 471ـ 474 هـ)، إِذ أشار إلى أهمية المقابلة في التشبيه، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، وأحسن التشبيه ما اشترك فيه المشبه والمشبه به في صفات كثيرة، ومعيار الاستعارة تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به كي يُكتفَى ـ بعد ـ بالاسم المستعار، لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له.([4])

وهناك – فظلاً عن هذه المقاييس - أسس لجودة الكلام والخيال الشعري، علَّ أهم هذه الأسس هي استعمال الكلمات التي تربط الكلام بعضه ببعض بشكل جيد، يمكن من خلالها توضيح الدلالة الشعرية.

وبما أنّ نبع البلاغة وحسن الكلام يتمثل في اجتماع الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة، فإنّ تحقيق هذه الأوجه البلاغية يبقى مرهوناً ((بإطار إضافي، يلزم فيه مطابقة الكلام لمقتضى الحال، بعد توافر مواصفات الفصاحة، وهنا يتم استدعاء المتلقي ليكون شريكاً في العملية الكلامية، لأنّ مطابقة الحال لا يمكن تحققها إلا بالنظر إلى المتلقي وحالاته الإدراكية المختلفة، كما إنها ـ في الوقت نفسه ـ تستحضر المتكلم في حالةٍ خاصة، هي حالة (الوعي والقصد) لأن غيابهما يتنافى مع مراعاة الحال والمقام))([5])

Page 6

وتمتد فكرة المقام لتشمل علاقة المجاورة بين كلمتين متتابعتين، وبهذه الخاصية تمثل اللغة عند البلاغيين نظاماً يتصل بالنسق الخاص المرتبط بها، وتخضع لمقاصد عدّة تتحكم في علاقاتها، ومن ضمنها قضية الفصاحة والمتلقي والمتكلم والمقام والمقال، ولكي يكون ((دخول البلاغيين إلى رحاب الخطاب الأدبي صحيحاً وشرعياً، فبدءوا بتحديد مصطلحين أساسيين هما (الفصاحة والبلاغة)، ومن خلالهما تم استدعاء عملية (التواصل) لتكون ركيزتهم في حركتهم التحليلية، حتى وجدنا عندهم دوراً واضحاً للمبدع والمتلقي على سواء))([6])

إنَّ هذا التحديد لمفهوم الفصاحة والبلاغة، والاهتمام بهما ((يستدعي في المواجه منطقة الإفراد التي ترتبط بعملية (الاختيار) حيث أحاط البلاغيون هذه العملية بمجموعة مواصفات، أو لنقل مجموعة محاذير لها طبيعة شرطية، فلا اختيار إلا بعد تجنب هذه المحاذير، فليس للمبدع حرية مطلقة في التعامل مع مخزونه اللغوي باختيار احتياجاته الصياغيَّة، وإنما عليه إنْ يراعي مجموعة المواصفات التي تجعل المفردة صالحة للدخول إلى السياق، وليست المسألة على هذا النحو بعيدة عمّا نعانيه في الخطاب الإبداعي الحديث، حيث أعطى المبدعون لأنفسهم حرية مطلقة في التعامل مع المفردات دون النظر إلى تلك المحاذير البلاغية، ومن هنا ازدحم الخطاب الحداثي بكم غير قليل من النتُّوءات التعبيرية التي تقف حائلاً بين المتلقي والناتج الدلالي)).([7])

أي إن قيام أي مبدع في تكوين جملة لغوية يعتمد على عمليتين أساسيتين هما اختيار اللفظة المفردة ثم تنظيم للمختار بما يتناسب مع النسق الذي يدور فيه الكلام، وهذا ما أدركه البلاغيون في عبارتهم (لكل مقام مقال) ومن ثم التفتوا إلى ربط الصياغة بالسياق، وأصبح مقياس الكلام حسناً وقبولاً مرتبطاً بمناسبته لمقتضى الحال ويرتبط ذلك بالبعدين الزماني والمكاني للكلام، ذلك إنَّ الأمر الذي يدعو المتكلم إلى تقديم صياغته على وجه معين، إما أن يتصل بزمن هذه الصياغة فيسمى (الحال) وإما أن يتصل بمحلها فيسمى (المقام)؛ لأنَّ كل كلام لابد له من بعد زماني وبعد مكاني يقع فيه، ومن هنا ارتبطت فكرة الحال والمقام بالمقال، واختلاف صور هذا المقال تعود بالضرورة إلى اختلاف الحال والمقام([8])

وهنا يأتي دور السياق في تحديد الأثر الذي يتركه على اختيار الوجه البلاغي الأفضل مقالاً ((وينبغي التنبيه على أن عامل السياق له دور كبير فيما يطلق عليه بالمشترك، فدلالة الكلمة على أكثر من معنى واحد تبوب عادة في علم المعجم أو كما جرت تسميته (بالمعنى المعجمي) في اللغويات الحديثة، وهو معنى متعدد، والذي يعنينا هو ما يطلق عليه (بالمعنى السياقي))).([9])

فما هو السياق؟ وما هو المعنى السياقي وما دلالته؟

السياق لغة من ساقَ، يسوقُ، وَمساقاً سائقُ، وسواقُ مَسوقُ ـ حثَّه على السير، وتساوق الشيئان: تسايرا، تقارنا، إنساقَ يتساوقُ إنسياقاً، إنقادَ، قال تعالى: "إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ " ([10])والجمع سياقات، وسياقُ الشيء مجراه، وتتابعه، وسياق الكلام، والأمر، والأفكار، المقامات التي يقع فيها، أو الظروف، وتتابعاتها الأسلوبية([11]).

أما اصطلاحاً: فهو((نموذج لساني مقطوع بواسطة عنصر غير مُتوقع))([12])، فمدلول الكلمة المفردة يتغير بتغير السياق، أو بعبارة أخرى إنها تكتسب مدلولها من السياق، أي إن ((السياق هو الذي يحدد قيمة الكلمة، فقد تطرح الكلمة وهي تحمل معاني معجمية متعددة، وحين توضع في سياق معين نجد أن السياق هو الذي يحتم هذا المعنى دون ذاك)). ([13])

Page 7

وهذا ما ذهب إليه أكثر أهل اللغة المحدثون، بأن لا معنى للكلمة المفردة من غير أن تكون داخل السياق، وفي هذا يقول راسل: ((الاستعمال يأتي أولاً وحينئذٍ يتقطر المعنى)) ([14])؛ ذلك لأنَّ المعنى المعجمي الذي يدور حول الكلمة المفردة متعدد ومحتمل، وهو قابل للدخول في سياق معين،ولا يحدّد هذا المعنى إلا السياق، الذي لا يقبل التعدد أو الاحتمال، فهناك الكثير من الألفاظ والصور الشعرية التي لا يمكن تحديد دلالتها ما لم تتشح بوشاح السياق، ولاسيما الألفاظ التي تشترك في المعاني، فمثل هذه الألفاظ لا يُعرَف المراد منها بدقة ولا يتم تحديدها إلا بقرينة، وهذه القرينة قد تكون لفظية: سياقية أو غير سياقية، والقرينة السياقية هي الأهم؛ لأنها تؤلف مع اللفظة وضوح الدلالة والقصد.([15])

والاهتمام بظاهرة السياق ليست جديدة العهد وإنما هي وليدة قرون ماضية، فقد لاحظ البلاغيون منذ القدم هذه الظاهرة - السياق - من خلال مقولاتهم الخالدة (لكل مقام مقال)، (ولكل كلمة مع صاحبتها مقام).([16])

واللافت للنظر إن البلاغيين ((لم يحصروا المقام في الإطار الخارجي المصاحب، بل إنهم تحركوا به إلى داخل التركيب عن طريق مقولتهم الدقيقة: إنَّ لكلِّ كلمة مع صاحبتها مقام، وهذه المقولة تجعل المقام الداخلي كائناً متحركاً، لا يعرف الثبات الذي كان له في الحالة الأولى المصاحبة، ذلك إن احتمالات التوالد التركيبي غير نهائية، وكل احتمال يخلق مقامه الذي يربط بين الكلمتين عن طريق التجاور، وكل تغير في علاقة المجاورة يصاحبه تغير في المقام، فحضور المقام حضور وهمي يتدخل في خفاء حال التركيب ليمارس فاعليته في إنتاج المعنى، أي إننا صرنا بين عمليتي (حضور وغياب) دائمتين، يحضر المقام بحضور الكلمة المجاورة، وتغيب مجموعة المقامات التي يمكن أن تحل في الصياغة، لغياب مفرداتها التي تستدعيها))([17]).

وبقي مقياس الكلام في باب الحسن والقبول مرهوناً بمطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته ((والمطابقة تعني فيما تعنيه: الانسجام والوئام والتواشج والتشاكل، والكلام: هو المنطوق في لغة سليمة ومعنى سليم ثم يؤدي إلى وظيفة فنية جمالية، ودينية أخروية إعجازية وحدثية.

ومقتضى الحال السبب الداعي أو المناسبة، ويرتبط هذا بالغاية أو المقصدية، أو الوظيفة أو الهدف)).([18])

ولعلَّ هذا المنهج أوضح ما وجدناه في كتابات الجرجاني من خلال كتابه دلائل الإعجاز، الذي أشار فيه إلى أن الكلمة لا تُؤخَذُ بمعزل عن السياق، ولم يهتم بالمعنى وحده بل يرجع إلى ائتلاف اللفظ والمعنى ودخولهما في تعبير لغوي واحد مرتبط بمقامه، فيستعمل كثيراً من المصطلحات التي تبين اهتمامه بهذا الجانب مثل (النظم، الترتيب، البناء، التعليق، مقام الاستعمال، مقتضى الحال) وهذه المصطلحات كثيراً ما ترد في ملاحظاته حول اللغة وعلاقة استخدام المفردة.

فهو القائل ((ينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي بها يكون الكلِمُ إخباراً وأمراً ونهياً واستخباراً وتعجباً، وتُؤدّىَ في الجملة معنىً من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلا بضمِّ كلمة إلى كلمةٍ، وبناء لفظة على لفظةٍ... وهل يقع في وهمٍ وإن جَهَدَ، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن ينظر إلى مكانٍ تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبةً وحشية، أو أن تكون حروف هذه اخفَّ، وامتزاجها أحسن، ومما يكد اللسان أبعَدَ؟)).([19])

ويظهر اتجاه عبد القاهر السياقي من خلال ربطه بفكرة النظم فهو القائل ((إن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمٌ مفردةٌ، وان الفضيلةَ وخَلاََفها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلُّق له بصريح اللفظ … ومما يَشهد على ذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتُؤنِسك في موضع، ثم تراها بعينها تَثقُل عليك وتُوحِشك في موضع آخر)).([20])

وعبد القاهر الجرجاني هنا لا ينظر إلى الكلمة المفردة فحسب، بل ينظر إلى التركيب الكلي للكلام، أي ينظر إلى الكلمة من خلال السياق الذي ترد فيه.

ومعنى هذا إن اللفظة تأخذ دلالتها من علاقتها بالكلمات التي تسبقها والتي تلحقها، فيكون لها من المعاني بقدر ما لها من الاستعمالات، وتؤدي معنى محدداً إذا استخدمت في سياق؛ لأن ((السياق هو الذي يفرض دلالة واحدة بعينها على الكلمة، هي الدلالة المختارة، على الرغم من تعدد المعاني التي يمكن أن تدل عليها)).([21])

Page 8

وقد تنبَّه أهل اللغة من العرب القدماء إلى ظاهرة السياق وأثرها في كشف الدلالة، إذ أدركوا بحكم ذوقهم الفني، أثر مدلول الكلمة أو الحدث اللغوي في المتلقي أو السامع مع ملاحظات تؤكد معرفتهم بدلالة السياق، وهي نظرة توافق النظرة الحديثة القائلة بأن اللفظة لا تكسب معناها المحدَّد إلا من خلال السياق.

وخير شاهد يعزز معرفة القدماء بأهمية السياق موقف المرزباني من بيت الأعشى الذي يقول فيه:

فرميتُ غَفْلَة عَيْنِهِ عن شاتهِ اصفـرارٌ

فأصبتُ حبَّةَ قلبِها وطِحالِها ([22])

فقد علق المرزباني على استخدام الشاعر لكلمة طحال في هذا السياق قائلاً:

((وقد عابه قوم بذلك لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردد كثيراً في الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق وما يجده المغرم في هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل في هذه الحال إذ لا صُنع له فيها ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة في حزن ولا عشق ولا برداً و سكونا في فرح أو ظفر فاستهجنوا ذكره))([23])

إذ استخدمت لفظة (الطحال) في غير مقامها؛ لأن المقام في هذا البيت مقام غزل، ويتناسب مع هذا المقام كما ذكر المرزباني ذكر القلب والفؤاد والكبد، فلما ذكر الشاعر غير هذه الالفاظ استهجنوا هذا اللفظ لعدم تناسب المقال مع المقام.

ثم جاءت انطلاقة الدراسات اللغوية الحديثة، والمتمثلة بعلم الدلالة، فكان بروز نظرية السياق كإحدى ثمار هذه الدراسات، التي تعد اليوم من النظريات المهمة في دراسة المعنى والكشف عنه، حيث ((يرى أتباع هذا المنحى إن تحديد دلالة المفردة يحتاج إلى تحديد مجموع السياقات التي ترد فيها، ونادوا أيضا باستبعاد الدلالة المعجمية من دراسة الصيغة اللغوية، وهم يرون أنَّ الكلمة لا تتوافر على معنى خارج السياق))([24])

أما عن رائد هذه النظرية، والذي يذهب إلى ذلك اغلب الباحثين هو ((اللساني الانجليزي j.firth وآخرون من أمثال halliday ، Lyons ، حيث أكدوا بُعد نظريتهم التي ترى إن الوحدة اللغوية (الكلمة) لا يمكن لها أن تظهر دلاليا بوضوحِ رؤيةٍ إلَّا من خلال الوحدات المجاورة لها))([25]).

وقد قامت هذه النظرية على الأسس التي اكتشفها العالم الانثروبولوجي (مالينوفسكي) الذي جرت معظم أبحاثه في جنوب المحيط الهادي، بين سكان جـــــــــزر (تروبرياند)، وهناك ظهر اهتمامه بالمشكلات اللغوية ([26]).

وقد رأى مالينوفسكي أنَّ اللغة وفقا لممارساتها بين أصحابها، إنما هي نوع من السلوك، وضرب من ضروب العمل وليست وسيلة من وسائل توصيل الأفكار أو الانفعالات أو التعبير عنها أو نقلها ([27]).

وأدرك مالينوفسكي هذا الشيء عندما حاول ترجمة بعض النصوص التي سجلها لسكان جزر (تروبرياند) وتبين له انه من المستحيل أن يترجم عددا كبيراً من الأنماط اللغوية المستعملة في لغتهم إلى اللغة الانجليزية كلمة كلمة، ولا سيما العبارات المتعلقة بمعتقداتهم الدينية، أو العبارات ذات الأهمية الخاصة في ثقافتهم، ولما حاول أن يحل هذه الإشكالية، وجد نفسه يصوغ نظريته في اللغة من غير قصد ([28]).

وتظهر من هذا قيمة سياق الحال وسياق اللفظ في الوصول إلى المعنى المقصود؛ لأن الكلمة إذا كانت خارج السياقين اللفظي والحالي فأنها تحتمل صنوفاً من المعاني لا تتضح ولا تتعين إلا في السياق.

وهنا تأتي أهمية السياق الذي يجري فيه الحدث الكلامي إذ ((إننا لا نقول الكلام في فراغ بل نقولُهُ في سياق هو جزء منه لغوي (الأشياء التي قيلت مسبقا) وفي جزء آخر غير لغوي (ظروف المتحدثين مثل معرفتهم للعالم من حولهم وخبراتهم وتوقعاتهم)))([29]).

هذه النظرة إلى أهمية السياق وأثرهُ في تبيان المعنى دفعت أهل اللغة إلى تقسيم معنى الكلمة إلى قسمين:

1 ـ المعنى المعجمي: أي معنى الكلمة خارج نطاق النص، وهنا يمكن أن تُعطى الكلمة أكثر من معنى([30]).

2ـ المعنى السياقي: ويُظهر هذا المعنى السياق، ولم ـ َتعدُّ للكلمة هنا دلالة واحدة، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين:

أ ـ وجود القرائن التي تعين على تحديد المعنى.


ب ـ ارتباط كل سياق بمقام معين([31])

وبناءً على هذا الأساس تتطلب ((دراسة معاني الكلمات تحليلاً للسياقات والمواقف التي ترد فيها، حتى ما كان منها غير لغوي، ومعنى الكلمة - على هذا - يتعدد تبعاً لتعدد السياقات التي تقع فيها، أو بعبارة أخرى تبعاً لتوزعها اللغوي))([32]).

والأمر كذلك ينطبق على الأوجه البلاغية بصورة عامة فلا بد من تحليل السياقات والمواقف التي ترد فيها هذه الأوجه لبيان المناسبة بين الوجه البلاغي والسياق الشعري، فضلا عن ذلك بيان الأثر الذي يتركه الوجه البلاغي في السياق الشعري من حيث الترابط والانسجام، لذلك يمكن القول بأن السياق أهم خطوة للباحث في سبيل دراسة المعنى والكشف عن أسرار البلاغة العربية.

Page 9

أثر الصورة البيانية في السياق الحالي (الموقف)

مهاد نظري:

تأثرتْ الصورة البيانية في الشعر الأندلسي بشكل خاص بسياق التجربة والحياة السائدة آنذاك، وكشفت عن رغبة الشاعر الملحة في خلع ثوب مثالي يسهم دائما في نضج هذا الفن البلاغي، والبحث عن الشكل الأفضل للصورة البيانية بما يوائم الواقع الاجتماعي والحضاري آنذاك.

واليوم إذ نطرق أبواب هذا الفن البلاغي ونبحث فيه وفي وسائل تشكيله، وبنظرة جديدة تكشف عن خباياه، فلعلمنا أنَّ لا مناص من سبر أغوار الصورة؛ لأهميتها في الكشف عن كل ذلك، فقد ظلّ مصطلح الصورة منذ مطلع القرن العشرين((يستمد دلالته من السياق الشعري، فأصبحت تعني الاستعمال الفني للغة المجازية أو الاستعارية في الشعر وعدّت - أي الصورة - عنصراً مهماً من عناصر بناء القصيدة))([33]).

هذا الاستعمال الفني للغة الشعرية له آثاره الإيجابية على الصورة البيانية كونه يمدّها بمزيد من الدلالة الإيحائية وعن طريق هذا الاستعمال الفني يتم تفجير اللغة بمعان جديدة ومقاصد صريحة الدلالة.

إنَّ الشاعر المبدع ((الذي يصوغ انفعاله في صوره، فإنّه لا يعبّر عن ذاته فقط، فليس هذا هو الواقع من وراء هذا الفن، وإنما عليه أنْ يعرف كيف ينقل انفعاله للآخرين؛ ليثير في نفوسهم مثل ما أثارته التجربة في نفسه))([34]).

والشاعر الذي يجيد النظم في صوره لا يقف عند المحسوسات فحسب إنما يجسد المجردات، فإذا كانت العلاقة بين الشاعر ومحيطه الخارجي مجرد علاقة تتصل بالعناصر المادية، فإنَّ الصورة تصبح خالية من العاطفة وبعيدة عن الخيال الشعري([35]).

وينطوي مفهوم الصورة في مجال النقد الأدبي الحديث على إنّها((الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ أو العبارات بعد أنْ ينظمَها الشاعر في سياق بياني خاص؛ ليعبّر عن جانب من جوانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة، مستخدماً طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز والترادف والتضاد والمقابلة وغيرها من وسائل التعبير الفني))([36]).

وعلى هذا الأساس وهذه الثوابت تتشكل ((القيمة الجمالية للصورة بوصفها جوهر التجربة الشعرية، تتشكل وفق منطق اللغة المجازية المبدعة لا وفق معايير الصدق والكذب، كما تستقي ثراءها وخصبها من ائتلافها داخل السياق الشعري)).([37])

إنَّ هذا الائتلاف بين الصورة البيانية والسياق الشعري يترك أثره الإيجابي في وضوح قصد الشاعر في أخيلته ومجازاته.

ومن هنا لابدَّ من تناول هذه الروابط والمؤثرات التي أَثْرَتِ النص بمزيد من الانسجام والوضوح بين الصورة البيانية والسياق الشعري، وعلَّ أهم هذه المؤثرات هي ما عرف بسياق الحال أو الموقف ([38])، أو السياق الخارج عن النص([39]) أو السياق الاجتماعي([40]). فما هو هذا السياق وما هي دلالته الإيحائية؟

يُعرَّف سياق الحال بأنَّه ((مجموعة الظروف التي تحيط بالحدث الكلامي، ابتداء من المرسل، والوسط حتى المرسل إليه، بمواصفاتهم، وتفصيلاتهم المتناهية في الصغر))([41]) إنّه العالم الخارج عن محيط اللغة، بما ليس له من صلة بالحدث اللغوي، متمثلاً بالظروف الاجتماعية والبيئية والنفسية والثقافية والتاريخية المحيطة بالحدث الكلامي([42]).

وهذا ما ذهب إليه أكثر أهل اللغة، من حيث كونها ظاهرة اجتماعية، شديدة الارتباط بثقافة المجتمع الذي يتكلّمها، هذه اللغة يمكن تحليلها وبيان قصد قائلها من خلال استقراء المواقف الاجتماعية المختلفة، التي كثيراً ما أطلق عليها اللغويون قديماً وحديثاً مصطلح (المقام)، فمقام الفخر غير مقام المدح وهما يختلفان عن مقام الدعاء أو الاستعطاف وغيره من المقامات الأخرى.([43])

إنَّ الحديث عن السياق بشكلٍ عامٍ قد دفع أهل اللغة والبلاغة إلى الحديث عن المقام أو الموقف الذي يقال فيه النص، فمعرفة المقام أو الموقف أو الحدث الذي تزامن مع ساعة أداء المقال، له أثر كبير في كشف أوجه الدلالة لكلمة مفردة، أو جملة غامضة أو صورة بيانية رافقت الحدث الكلامي.

وأصبحت فكرة المقام هذه ((هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة الوصفية في الوقت الحاضر، وهو الأساس الذي يبنى عليه الشقّ أو الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى الثلاثة، وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية ساعة أداء المقال))([44]).

Page 10

إنَّ افتقاد المقام ساعة أداء المقال يؤدي إلى ورود العديد من التأويلات لبيان قصد القائل، وتصبح وكأنّها مفردات متناثرة لا تمثل مقالاً بالمعنى اللغوي، أو بالمعنى البلاغي؛ لأنّها لم توضع في نسق واحد يربط بين أجزائها أو في سياق عام لها، ولا صورة واضحة لدلالتها قد تؤدي بالباحث أو الناقد إلى معنىً بعيد كل البعد عن قصد القائل، ومن هنا جاءت أهمية سياق الموقف في بيان أثر الصورة البيانية على المقال وإيضاح شكلها.

وأصبح سياق الموقف أحد الأسلحة التي يتسلح بها الناقد الأدبي في فكِّ رموز النص الأدبي؛ لأنَّ النص الأدبي في جوهر القول((ليس سوى تعبير يشكل جزءاً من عملية اجتماعية معقدة، مما يجعل من الضروري استحضار الملابسات الشخصية والاجتماعية واللغوية والأدبية والأيديولوجية التي كتب فيها النص، ما دُمنا نريد أنْ نجري عليها اختباراً جاداً في نطاق تحليل أدبي مكتمل))([45]).

لذلك سوف ألجأ إلى إعطاء بعض الإشارات والإضاءات البسيطة لحياة بعض الشعراء والحقب الزمنية التي مرت بهم، وليس القصد من هذه الإضاءات الحديث عن السيرة الذاتية للشاعر بل من أجل تقصي الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط به، وغيرها من قرائن الحال المصاحبة له؛ لأنَّ كلَّ ذلك له أثرٌ وتأثر كبير في تشكيل الخطاب الأدبي بشكلٍ عام، وبالصورة البيانية بشكلٍ خاص.

إنَّ هذه الدراسة التي سلّطت عليها الأضواء، ورأيت فيها من المناسبة بين ما قيل من شعر والأحداث المحيطة به، لاسيما هذه الحقبة (عصري الطوائف والمرابطين)، التي فيها الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية التي أثرت بشكل كبير في حياة الشاعر الأندلسي؛ لأنَّ الشاعر يصور انعكاس المنولوج الداخلي لنفسه.

فقد شهدت الأندلس إبان عصر الطوائف الكثير من الانقسامات والويلات بعد سقوط المدن الواحدة تلو الأخرى، فأخذ المصاب الجلل بضياع تلك المدن يغرس صورته الكالحة في كل الأذهان، فأرسلته النفوس الشاعرة نفثات حب وتعلق لا نظير لها بالأندلس ومظاهرها الخلابة، أو نبضات حنين وشوق إليها، أو أنات ندب ورثاء على الإنسان الضائع والوطن المفقود.([46])

أما عصر المرابطين فيمكن القول عنه بأنَّه شهد استقراراً نسبياً، بعد الانقلابات السياسية وعودة الأندلس إلى الوحدة، وانهيار دول وملوك الطوائف، فاستقرت البلاد وتحسنت الظروف الاجتماعية والثقافية، وتبوء القضاة والفقهاء مكانة رفيعة في المجتمع مما كان له أثر كبير في تسيير دفة الحكم.([47])

لقد نشطت الحركة الثقافية وتميز النشاط الأدبي بالازدهار من خلال أعلام الشعر الأندلسي، أمثال ابن زيدون، وابن عمار، وأبي إسحاق الألبيري، والأعمى التُطيلي، وابن سارة الشنتريني، وابن عبدون، وابن خفاجة، وولّادة بنت المستكفي، وغيرهم الكثير الذين سوف نذكرهم لاحقاً، فكان حظّ الأدب الأكثر إسهاماً في هذا العصر، على الرغم من تضييق المرابطين في بداية حكمهم على الأدباء والشعراء بل وإهمال هذه الطبقة المثقفة من المجتمع بسب انشغالهم بالحروب الداخلية.([48])

كلّ هذه الأحداث والظروف الاجتماعية والسياسية قد تركت أثراً كبيراً على الشاعر الأندلسي؛ لذلك سوف نأخذ بالحسبان أثر هذه الظروف في تشكيل الصورة البيانية، وفي السياق ذاته تضمين دراسة الصورة البيانية من حيث أثرها ومناسبتها للحدث الكلامي.

وعلَّ من أبرز عناصر تشكيل الصورة البيانية هي: التشبيه، والاستعارة، والكناية والرمز، وسوف يقف الكاتب عند كل وجه من هذه الأوجه البلاغية، لبيان اللمسات الفنية التي تتركها هذه الأوجه البلاغية على النص الأدبي، من خلال استقراء السياق الحالي(الموقف).