Page 1
المقدمة
أولاً : أهمية الموضوع
أشر عام 1989م بدايات مرحلة جديدة على صعيد تفاعلات السودان الخارجية إقليمياً ودولياً ، وشهد تحولاُ واضحاً في إدارة السياسة الخارجية السودانية ، إذ إنتقلت هذه السياسة من النمط الذي كانت قد إستقرت عليه مدة طويلة وإتسم بقدر من التوازن ، إلى نمط آخر جديد قوامه دخول حكومة "الإنقاذ الوطني" في علاقات صراعية مع العديد من الأطراف الخارجية على الصعيدين الإقليمي والدولي ، وتجسد هذا الوصف في تفاعلات السياسة الخارجية للدول المختلفة تجاه السودان ، وتبرز هنا سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان طوال سنوات عقد التسعينيات .
أتت أهمية دراسة سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان 1989- 1999م من إعتبارات متعددة أهمها :
1. بروز الولايات المتحدة في بدايات عقد التسعينيات كقوة عظمى وحيدة على خريطة السياسة الدولية كنتاج لإنهيار الإتحاد السوفيتي وإنتهاء الحرب الباردة الأمر الذي دفع بأمريكا لتبني خطاب سياسي خارجي يدعو إلى قيادتها للعالم .
2. بروز السودان بوصفه أحد الأطراف المثيرة للقلق الأمريكي وتبني حكومته لسياسات بدت في الإدراك الأمريكي أنها تتعارض مع التوجهات والمصالح الأمريكية في المنطقتين العربية والأفريقية ، ولا سيما التوجهات الإسلامية "الأصولية" .
3. صعود الجبهة الإسلامية القومية لسدة الحكم بوصفه أول تجربة لحركات الإسلام السياسي في قطر عربي ، مما جذب الإنتباه ولفت أنظار الأوساط الإقليمية والدولية .
4. تبدل العلاقة شبه التحالفية التي ربطت الولايات المتحدة مع بعض حركات الإسلام السياسي ، فقد كانت هذه العلاقة فاعلة في الماضي وظفتها الولايات المتحدة في مجابهة (الخطر الشيوعي) في أماكن مختلفة .
ثانياً : الغاية من الدراسة :
إن إختيار الموضوع من قبلنا جاء محاولة متواضعة للبحث في مضامين السياسة الأمريكية تجاه هذا البلد ، لمعرفة الأهداف الحقيقية التي حدت بالولايات المتحدة لإنتهاج مثل هذه السياسة ، فضلاً عن بيان المخاطر الحقيقة التي إستهدفت ولا تزال المنطقة العربية وأفريقيا في ظل سيادة العصر الأمريكي ، كما هدف الكاتب للتوثيق لمرحلة مهمة من تاريخ مسيرة العلاقات بين الدولتين .
Page 2
ثالثاً : صعوبة الدراسة :
نال الكاتب بهذه الدراسة درجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2001م ، ودراسة تفاصيل السنوات التي حددتها الدراسة 1989- 1999م كان أمراً بالغ الصعوبة ، لا سيما وأن موضوع البحث كان "مادة ساخنة" وتفاعلاته حينها كانت تتشعب بين لحظة وأخرى ، هذا في ظل ندرة المعلومات وقلة المصادر والمراجع والوثائق التي يمكن الرجوع إليها .
رابعاً : فرضية الدراسة :
تباينت الآراء بشأن الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية - ولاتزال – إلى تبني سياسة عدائية ضد السودان ، فبينما رأت الأوساط السودانية أن السبب الحقيقي يكمن في النهج الحضاري الإسلامي الذي يأخذ بقيم الدين ودوره في الحياة الإنسانية ، ذهبت الأوساط الأمريكية للقول إن الولايات المتحدة لا تعادي الإسلام ، ومضت إلى الركون إلى حجج أخرى من قبيل مواقف الحكومة السودانية من الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين هذه الإختلافات برزت الأهداف الحقيقية ، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق مصالحها التي فرضت عليها مواجهة الإسلام كخطر بديل ترشح بقوة من قبل الغرب ، فالفرضية التي تقوم عليها هذه الدراسة هي :
"إن النهج الإسلامي الأصولي كان سبباً جوهرياً في تحديد طبيعة السياسة الأمريكية تجاه السودان" .
وفي ضوء ما تقدم عمدت الدراسة إلى الإجابة على التساؤلات الآتية :
ما هي المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقتين العربية والأفريقية ومن ضمنهما السودان ؟
وكيف قيّمت الولايات المتحدة مضامين السياسة السودانية ؟
وما هي الوسائل التي وظفتها الولايات المتحدة لتصريف سياستها تجاه السودان ؟
ثم هل تمكنت أمريكا من إستئصال النهج الإسلامي للحكومة السودانية ؟ أم إنتهت إلى الحد من ذلك التوجه وتحجيمه ؟
خامساً : منهج الدراسة :
إن معالجة موضوع الدراسة تطلب الركون إلى المنهج الوصفي / التحليلي للبحث في معطيات الموضوع ، والمضي في تحليلها للخروج بنتائج مرجوة ، من دون إهمال المنهج المقارن .
Page 3
سادساً : هيكلية الدراسة :
تم تقسيم الدراسة فضلاً عن هذه المقدمة إلى خمسة فصول وخاتمة ، إختص الفصل الأول ببيان أهمية منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل في السياسة الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة ذات الإرتباط المباشر بمصالحها الحيوية في الوطن العربي ، ثم تطور السياسة الأمريكية تجاه السودان ، وذلك بتوضيح موقفها من إنقلاب 30 حزيران / يونيو 1989م ، ومن ثم العوامل المؤثرة في تطور ذلك الموقف .
وتناول الفصل الثاني المآخذ الأمريكية على مضامين سياسة السودان الداخلية ، بينما إختص الفصل الثالث ببيان المآخذ الأمريكية على مضامين سياسة السودان الخارجية ، وإنصرف الفصل الرابع إلى تناول الوسائل المباشرة التي وظفتها الولايات المتحدة لتنفيذ سياستها ضد السودان ، والتي تضمنت الوسائل الدبلوماسية والإقتصادية والعسكرية .
وجاء الفصل الخامس لتوضيح الوسائل غير المباشرة التي أسهمت في تنفيذ السياسة الأمريكية تجاه السودان ، إذ جرى تناول نموذج واحد عن دول الجوار وهو أثيوبيا ، إذ تشابهت إلى حد كبير أدوار هذه الدول ، ونموذج آخر عن الأطراف الإقليمية غير المجاورة وهو الكيان الصهيوني ، ونموذج أخير عن الأطراف الدولية المؤثرة على السودان وهو بريطانيا .
وإن كان هناك من كلمة في ختام هذا العرض لموضوع الكتاب ، نقول إنها محاولة متواضعة يأمل الكاتب ان تعين الباحثين والمهتمين لفهم سياسات الدول المختلفة تجاه السودان ، ولا سيما سياسة الولايات المتحدة الامريكية التي لا تزال تتفاعل .
ومن الله التوفيق
Page 4
تمهيد :
كان من نتائج الحرب العالمية الثانية بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تمثل أحد قطبي الصراع إلى جانب الإتحاد السوفيتي في إطار النظام الدولي الذي ساد العالم منذ ذلك التاريخ وحتى إنتهائه في بدايات عقد التسعينيات من القرن العشرين ، وقد فرض الوضع الجديد على الولايات المتحدة تبني سياسة كونية صراعية من أجل كسب مناطق النفوذ والمصالح على إمتداد العالم ، وبما أن المنطقة العربية خضعت إلى قوانين التنافس بين المعسكرين بحسبانها إحدى المناطق المهمة ، فقد كان السودان هدفاً لمحاولات المعسكرين للحصول على موطئ قدم فيه .
وإن قادت الثوابت المتمثلة في أهمية السودان الستراتيجية بحكم الموقع الجغرافي والتكوين الديمغرافي إلى إستدعاء رغبة المعسكرين ، فإن المتغيرات التي تجسدت في تعاقب الأنظمة السياسية على السودان ، حكمت إلى حد كبير حظوظ الطرفين للتواجد في السودان . (1)
ويشير التاريخ إلى أن الولايات المتحدة لم تكن ذات إهتمام مباشر بالسودان وحتى الإهتمام الذي أبدته به في نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات كان بسبب التوجه الأمريكي نحو ترتيب أوضاع المنطقة لمواجهة متطلبات الصراع الدولي آنذاك . (2) وشهدت السنوات التي سبقت نيل السودان لإستقلاله عام 1956م مخاضاً عسيراً جسدته الخلافات البريطانية – المصرية حول مصير السودان ومستقبله ، وقامت الحكومة الأمريكية آنذاك بممارسة الضغوط على الحكومة البريطانية لإنهاء الملف السوداني وحسم قضيته بما يتوافق وتهيئة الظروف الملائمة أمام تشكيل ما سمي (الدفاع عن الشرق الأوسط) الذي كانت الخلافات البريطانية – المصرية تشكل أحد المعوقات أمام إنجازه . (3) وقد كانت الرؤية المصرية تقضي بأن يظل السودان تحت التاج المصري وذلك بتنصيب الملك فاروق ملكاً على مصر والسودان ، بينما ذهبت الحكومة البريطانية للتمسك بضرورة إن ينال السودان إستقلاله . (4) وفي خضم هذا الصراع نشطت السفارة الأمريكية في القاهرة من أجل إنهاء هذا الصراع ، إذ رأت الحكومة الأمريكية أن لا ضير من إحياء الفكرة القديمة (بروتوكول صدقي – بيفن) الذي يضمن السيادة الرمزية لملك مصر على السودان ، وترجع بعض المصادر بدايات الإهتمام الأمريكي بالسودان إلى أواخر عام 1948م حينما قام أحد أعضاء السفارة الأمريكية في القاهرة بزيارة إلى السودان ، وإلتقى بعدد من الشخصيات السودانية كما قام وفد أمريكي بزيارة مماثلة لإستطلاع آراء السودانيين بشأن مسالة السودان ، وإقناع المعارضين للتاج المصري بضرورة التنازل وقبول ملكية فاروق على السودان نظراً للظروف الملحّة على الساحة الدولية . (1) وفي هذا السياق قامت الولايات المتحدة بإجراء مباحثات جادة مع الحكومة البريطانية في نيسان/أبريل 1951م تناولت جلاء القوات البريطانية من قناة السويس و(مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط) ، والتوتر القائم بين العرب والكيان الصهيوني ، فضلاً عن مسألة السودان . (2) وقد حثت الولايات المتحدة الحكومة البريطانية على ضرورة حل هذه المشكلات بصورة عاجلة سبيلاً للتفرغ لإنشاء (قيادة الشرق الأوسط) .
Page 5
وبعد أن تحقق إستغلال السودان في عام 1956م ، تواصلت السياسة الأمريكية تجاه النظم السياسية التي حكمت البلاد لتعزيز الوجود الأمريكي في المنطقة ، إذ تنوعت هذه السياسات تبعاً لإخلاف النظم السياسية التي تعاقبت على السودان ، وموقف هذه النظم من معطيات الصراع بين الدولي بين القطبين .
أولاً : مرحلة الديمقراطية الأولى 1956 – 1958م .
على الرغم من موقف الولايات المتحدة من إستغلال السودان الذي حكمته الإعتبارات والنظرة المصلحية كما مرّ علينا ، إلا أن الحكومة الأمريكية آنذاك تعاملت مع حدث إستقلال السودان كحقيقة فرضت نفسها تعاملاً إيجابياً وبسبب المصلحة كذلك ، فبعد إعلان الإستقلال السوداني رسمياً في 1956م ، قامت الحكومة السودانية بخطوات تثبيت الكيان السوداني الجديد ضمن المجتمع الدولي عبر الإنضمام إلى المنظمات الإقليمية والدولية ، فقد تقدم السودان بطلبي إنضمام إلى كل من جامعة الدول العربية وهيأة الأمم المتحدة ، وقد لاقى طلب السودان في مجلس الأمن ترحيباً أمريكياً عبرت عنه كلمة المندوب الأمريكي لدى المنظمة الدولية "... إن السودانيين والأمريكيين شعبان يعشقان السلام" .(3) وكان رئيس مجلس السيادة في السودان قد تلقى برقية تهنئة بمناسبة الإستقلال من الرئيس الأمريكي آيزنهاور أعرب فيها عن الأمل في أن تقوم صلات صداقة بيت حكومة بلاده وحكومة السودان . (4)
ويبدو أن الولايات المتحدة كانت قد أدركت ومنذ وقت مبكر أهمية السودان فإتجهت للتأسيس لعلاقات متينة مع الحكومة السودانية ، وقد تبين ذلك من خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي آنذاك ريتشارد نيكسون للسودان عام 1957م وإعلانه في مؤتمر صحفي أن السودان بحاجة للمعونة الإقتصادية ، وتطوير مشارع الري والزراعة ، وأوضح (أن المعونات الإقتصادية التي تقدمها الولايات المتحدة ترمي لمساعدة الدول على تطوير إقتصادها سبيلاً لحماية إستقلالها) وتحدث نيكسون كذلك عن مشروع الرئيس آيزنهاور (النقطة الرابعة) لمساعدة بلدان الشرق الأوسط * ويبدو أن ذلك جاء بسبب التيار السوداني المعارض لتلقي مثل هذه المعونات ، ولا سيما أو وزير خارجية السودان آنذاك مبارك زروق كان قد حدد توجهات حكومة بلاده الخارجية التي قامت على هدى مبادئ مؤتمر باندونغ 1955م في الإستقلالية وعدم الإنحياز .(1) وقد اثارموضوع المعونة الأمريكية للسودان جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية السودانية . (2) فقد حدث شرخ كبير في علاقات الحزبين الكبيرين المؤتلفين في الحكومة ، حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي بسبب قبول الحكومة الإئتلافية برئاسة عبد الله خليل (حزب الأمة) للمعونة الأمريكية على الرغم من معارضة حزب الشعب الديمقراطي لها . وفي غمرة هذا الخلاف نقلت السفارة الأمريكية في القاهرة إلى مثيلتها في الخرطوم نبأ إجتماع وفدين من حزبي الشعب الديمقراطي والوطني الإتحادي في القاهرة برعاية الرئيس جمال عبد الناصر ، للتنسيق مع الحكومة المصرية لأجل إسقاط الحكومة القائمة في السودان ،
Page 6
وتكوين حكومة إئتلافية أخرى من الحزبين المذكورين تعمل على تحقيق الوحدة مع مصر . (3) وقد قام السفير الأمريكي في الخرطوم بإبلاغ رئيس الوزراء عبد الله خليل بهذا الأمر ، إذ قام الأخير بدوره بالإجتماع مع قيادات حزب الأمة الذين قرروا تسليم السلطة للجيش في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1958م . (4) وبذلك بدأت صفحة جديدة في التعامل الأمريكي مع السودان .
ثانياً : مرحلة الحكم العسكري الأول 1958 – 1964م .
كان اول ما قام به مجلس وزراء الفريق إبراهيم عبود * هو النظر في إتفاقية المعونة الأمريكية وإجازتها في نهايات تشرين الثاني/نوفمبر 1958م ، على اساس أن المعونة ستساعد على تنفيذ عدد من المشروعات المهمة التي يستحيل تنفيذها من موارد السودان نسبة لوقف البلاد المالي ، وتقول بعض المصادر – إن المعونة الأمريكية كانت أولى الخطوات على طريق توثيق الإرتباط بالإمبريالية الأمريكية ، إذ توصف تلك المرحلة بأنها مرحلة إخضاع الإقتصاد السوداني لهيمنة الإقتصاد الأمريكي . (5)
لقد سعت الحكومة الأمريكية لسحب السودان إلى فلك مبدأ آيزنهاور عبر إخضاعه بالمعونة الإقتصادية والفنية ذات الشروط المجحفة التي تضمنتها إتفاقية هذه المعونة ، وإحكام السيطرة على البلاد من أجل توجيه سياستها بما يخدم المصالح الأمريكية ، وقامت السفارة الأمريكية في الخرطوم بالتنسيق مع السفارة البريطانية بدور كبير في الصراعات السياسية بين الأحزاب السودانية لمحاولة إقصاء التيار المعارض للمعونة الأمريكية ، وتمكين القوى المستجيبة وعلى رأسها حزب الأمة من قبولها . وقد كان السفير الأمريكي في الخرطوم وقتذاك (جيمس موس) ، والملحق العسكري الأمريكي في دمشق الذي كان متواجداً في الخرطوم قبيل الإنقلاب ، من الذين تآمروا ضد حركة التحرر السودانية .(1)
وقد هدفت الولايات المتحدة لتحل محل إنكلترا في الشرق الأوسط ، وتحقيق نظرية آيزنهاور بملء الفراغ ، كما حرصت على السودان من واقع ما أصابها والدول الغربية من تأميم قناة السويس ، والصراع بين العرب والكيان الصهيوني فضلاً عن معطيات الصراع الدولي في المنطقة آنذاك . وقد سعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى جر السودان لحلف بغداد لتوسيع دائرة الطوق ضد الرئيس جمال عبد الناصر . وهكذا لم تختلف السياسة الأمريكية تجاه السودان في هذا العهد في مضامينها عن التوجهات الأمريكية المعروفة في الهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية عموماً .
ثالثاً : مرحلة الديمقراطية الثانية 1964- 1969م .
Page 7
وصف محمد أحمد محجوب * رئيس الوزراء في الحكومة الديمقراطية التي جاءت عقب إسقاط حكومة عبود في تشرين الأول/أكتوبر1964م الحكومات السابقة بأنها بأنها كانت تتطلع نحو بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والغرب بعامة . (2) وعلى الرغم من الإستياء الذي أبدته حكومة المحجوب تجاه كلا من بريطانيا وأمريكا بسبب دعمهما لحكم عبود العسكري إلا أن هذه الحكومة أقامت علاقات تقليدية مع الدولتين المذكورتين . بيد أن وقوع حرب حزيران/يونيو 1967م التي شنها الكيان الصهيوني ضد مصر مثلت منعطفاً في علاقات السودان بالولايات المتحدة ووصيفتها بريطانيا ، فقد قامت الحكومة السودانية على أثر ذلك الإعتداء بقطع علاقات السودان مع كلا الدولتين ، وكان الرد الأمريكي هو القيام بنقض عقود تزويد السودان بالقمح والذرة ، فضلاً عن قيامها بقطع المنح الدراسية عن الطلاب السودانيين الذين كانوا يحصلون على التعليم العالي في الجامعات الأمريكية . (3) وكانت الحكومة السودانية قد فاتحت الحكومة الأمريكية عام 1966م لتزويد السودان بطائرات مقاتلة (هليوكبتر) ، بيد أن الطلب السوداني لم يلق إستجابة أمريكية ، بل أومأت الحكومة الأمريكية للسودان بالبحث عن حاجته في مكان آخر . وقد دفع التصرف الأمريكي بحكومة المحجوب لسد إحتياجاتها من الإتحاد السوفيتي آنذاك ، إذ لم تتردد حكومته في تزويد السودان بإحتياجاته من الطائرات والدبابات ، وتواصل الإستعداد السوفيتي لتلبية كافة إحتياجات السودان . وهكذا كانت الإحتياجات السودانية تلبى من الإتحاد وتشيكوسلوفاكيا ، الأمر الذي جعل مقولة – إن حظ السوفيت في السودان آنذاك كان كبيراً- تنطوي على قدر عال من الصحة . (4) ويبدو أن الولايات المتحدة وعلى غرار مثيلتها بريطانيا لم تكن راضية عن التغيير الذي قادته القوى الوطنية الديمقراطية ضد الحكم العسكري ، فقد ذكرت بعض المصادر – أن الولايات المتحدة وبريطانيا حولتا تعكير صفو الحياة السياسية في السودان عبر خلق المتاعب ، وإثارة الفتن الطائفية والعنصرية . (1)
إن الدور القومي الملحوظ الذي قام به السودان في تلك المرحلة تجله لبعديد من القضايا العربية سواء فيما تعلق بقضية فلسطين أو العدوان الصهيوني والإمبريالي ضد مصر عام 1967م ، ومحاولات الحكومة السودانية تصفية الخلافات العربية – العربية لمواجهة آثار العدوان ، والإستعداد لمراحل قادمة كل ذلك ألقى بظلاله على سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان في تلك المرحلة ولنتذكر هنا وقوف السودان إلى جانب مصر والأردن ضد الكيان الصهيوني ومحاولة لم الشمل العربي بإلتئام مؤتمر القمة العربي بالخرطوم الذي عرف بمؤتمر (اللاءات الثلاث) لا صلح ،لا إعتراف ،لا تفاوض مع الكيان الصهيوني (2) وهكذا كانت السياسة الأمريكية تجاه الحكومة التي جاءت إلى الحكم عبر الديمقراطية التي تبدي الولايات المتحدة حرصاً زائفاً عليها ، وتنادي بها وبضرورتها للإنسانية ، إذ وقفت الحكومة الأمريكية إلى جانب الحكم العسكري ودعمته في حين لم تتخذ أي خطوة إيجابية تجاه الحكومة المنتخبة ، وبذلك تتبيّن مصلحية هذه السياسة .
رابعاً : مرحلة الحكم العسكري الثاني 1969- 1985م .
Page 8
كان عهد الرئيس جعفرنميري * من أكثر العهود السياسية التي شهدت تغلغلاُ أمريكياً في الشأن السوداني ، وذلك بعد أن تبدلت التوجهات السياسية لنظام الرئيس نميري التي أعلنها حين مجيئه إلى الحكم في 25 أيار/مايو 1969م . فقد قاد نميري إنقلاباً ضد الحكومة الديمقراطية بمساندة بعض الشيوعين والقوميين العرب ، لذا جاء متأثراً بالأفكار التحررية السائدة آنذاك ومعبئاً ضد الغرب الإستعماري ، وقال النميري في البيان الذي أذاعه في ذلك اليوم معللاً للإنقلاب ، إن السودان لم يشهد الإستقرار منذ الإستقلال ، وأنحى بلائمة النكسات في البلاد على الفساد الذي إنتشر خلال حكم الأحزاب وقال : "إن الحكومات المتعاقبة عجزت عن مواجهة الإمبريالية ووقف التسلل الصهيوني إلى أفريقيا وحماية حدود السودان" .(3) وقام النميري بإلغاء الأحزاب السياسية بحجة أنها تدور في فلك الإمبريالية ، كما تم في عهده تأميم الصناعات الرئيسة ، وجرت السيطرة على الإقتصاد في البلاد . (4) وقد عدّت هذه الإجراءات الإقتصادية خطوات في طريق التحول الإشتراكي الذي أثار حفيظة المعسكر الغربي الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة . وفي المقابل قدم الإتحاد السوفيتي دعمه لحكومة الخرطوم ، ولا سيما في المجالين الإقتصادي والعسكري ، إذ تسلم النميري السلاح ، فضلاً عن المستشارين والطيارين المختصين لمقاومة التمرد في جنوبي السودان . في حين قامت الحكومة الأمريكية بتقديم العون إلى عناصر التمرد ، وشجعت كلاً من أثيوبيا والكيان الصهيوني على تقديم المساعدات للمتمردين ، وظل الدعم الأمريكي ممتداً حتى بدايات السبعينيات .(1)
بيد أن الأمور سارت بعد ذلك على نحو مغاير وذلك حينما قاد الشيوعيون السودانيون في 19 تموز/يوليو 1971م إنقلاباً (حركة هاشم العطا) ضد الرئيس النميري لكن محاولتهم إنتهت إلى الفشل ، إذ تمكن النميري من إستعادة الأمور لصالحه ، وقاد حملات شرسة ضد أعضاء الحزب الشيوعي . (2) وترتب على تصفية النشاط الشيوعي وركائزه تراجع موقف السوفيت في السودان ، فعلى الرغم من تغيير السفير السوفيتي في الخرطوم والذي عدّ أحد أسباب توتر العلاقة بين الشيوعيين السودانيين ونظام الرئيس نميري ، إلا أن الأمور ظلت على حالها حتى عام 1976م ، إذ تمت تصفية الوجود السوفيتي نهائياً بعد محاولة إنقلابية أخرى ضد النميري في العام المذكور ، وقد وجه الإتهام حينها إلى كل من ليبيا والإتحاد السوفيتي بدعم المحاولة . وقرر نميري على اثر ذلك طرد السوفيت من السودان ، إذ تم إبعاد 90 مستشاراً عسكرياً و31 دبلوماسياً من السفارة السوفيتية في الخرطوم . (3) وبدأ التحول السوداني نحو الغرب عبر التحالف السعودي – المصري المناهض للسوفيت آنذاك ، وقد تقدمت الولايات المتحدة المريكية في تموز/يوليو 1977م بعرض إلى السودان من أجل مدّه بالمعدات العسكرية ، وقامت المملكة العربية السعودية بتمويل جزء من مبيعات الأسلحة الأمريكية للسودان بقيمة 500 مليون دولار .
Page 9
وطورت الولايات المتحدة مواقفها تجاه السودان إلى درجة أن أصبح في عداد إثنتي عشرة دولة عربية كانت تتلقى مساعدات أمنية من الولايات المتحدة الأمريكية وتعمق الوجود الأمريكي في السودان بأن تم السماح بإستخدام الأراضي السودانية عند الحاجة لتسهيل مهمة وعمل قولت الإنتشار السريع التي شكلت آنذاك لحماية المصالح الأمريكية في الخليج ، وقد إرتبط نظام الرئيس نميري بسياسات مصر في عهد الرئيس أنور السادات ، إذ تلقى البلدان مساعدات عسكرية وإقتصادية بشكل مستمر . كما نسقا سياساتهما لصالح الولايات المتحدة ، وإتفقا على جعل أراضي البلدين في خدمة الولايات المتحدة للإستخدام ضد التحرك السوفيتي والأنظمة التي تعارض التوجهات الأمريكية في المنطقة . (5) وإتساقاً مع مجمل هذه السياسات فقد أيّد الرئيس نميري إتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر والكيان الصهيوني ، ورفض المشاركة في مؤتمر بغداد الشهير الذي عقد بعد الخطوة الإستسلامية التي قام بها الرئيس أنور السادات ، ونقلت بعض المصادر إعترافات للنميري مفادها إنه كان على إتصال سري بالكيان الصهيوني .(6) ولنتذكر هنا عملية ترحيل اليهود الأثيوبيين الفلاشا التي أسهمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بدور كبير . وظلت العلاقات السودانية – الأمريكية وثيقة حتى عام 1983م ، إذ قام الرئيس نميري بخطوات ألقت بظلالها على هذه العلاقات ، فقد تحالف النميري مع الجبهة الإسلامية القومية ليعلن البدء في تطبيق قوانين جديدة صدرت في أيلول/سبتمبر من العام المذكور أسماها قوانين الشريعة الإسلامية ، ومن أجل إحكام قبضته على البلاد قام بإلغاء الحكم الذاتي الإقليمي لجنوبي السودان في خطوة عدّت تخلياً منه عن إتفاقية أديس أبابا 1972م التي أقرت بوضع الجنوب الخاص . (1) وهكذا أسهمت التوجهات الجديدة للرئيس نميري في تراجع العلاقات مع الولايات المتحدة ، إذ إتهم الأمريكيون نميري بأنه "ديكتاتور يضطهد شعبه" ، وسارت العلاقات على هذا النحو حتى سقوط نظام النميري في نيسان/أبريل 1985م .
خامساً : مرحلة الديمقراطية الثالثة 1986- 1989م .
وصفت الولايات المتحدة الأمريكية علاقاتها بالسودان في هذه المرحلة بأنها علاقات ضعيفة ، ولم تكن على مستوى الطموح الأمريكي ، وفسّر ذلك أنها كانت علاقات تقليدية لم ترق لمستوى التحالف أو التعاون الأمني والإستراتيجي كما هي علاقات واشنطن مع مصر أو بلدان الخليج العربي ويبدو أن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن تماماً عن إدارة الصادق المهدي لدفة الأمور ، وعبّر مسؤول أمريكي عن ذلك بالقول : "... الصادق المهدي خيّب آمال الجميع" .(2) وكان الصادق المهدي قد أعلن عن إنتهاج سياسة خارجية قوامها عدم الإنحياز وعدم المحورية " إننا غير منحازين لحلف ناتو ولكننا منحازون للديمقراطية ، وغير منحازين للإستراتيجية الأمريكية لكننا منحازون لتنمية مواردنا ، وتنميتها تخلق بيننا وبينهم مصالح مشتركة" (3) وتقول أراء – إن الصادق المهدي حاول إعادة التوازن في علاقات السودان مع إيران ،وأدّى هذا التطور مع تحسن العلاقات مع ليبيا – إلى إمتعاض دول الخليج العربي ، كما أثّر سلباً على علاقات السودان مع الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية (4) إن التقارب السوداني مع كل من إيران وليبيا ، وتردد الصادق المهدي في إلغاء القوانين التي صدرت عام 1983م "الشريعة الإسلامية" فضلاً عن عدم الإسراع في الإستجابة لمطالب الجنوب * كل ذلك إستدعى عدم رضا الولايات المتحدة والغرب ، إذ عانى السودان جرّاء ذلك ، وجفت منابع الدعم الإقتصادي والعسكري الأمريكي . (5) بيد أن الحكومة السودانية تمكنت من إيجاد مصادر بديلة للتسلح تمثلت في بعض الأقطار العربية والأجنبية ، وكان العراق مثلاً مصدر الدعم الأكبر للسودان في حربه ضد التمرد في جنوبي البلاد .(6) وعلى الرغم من ذلك حرصت الولايات التحدة على علاقات واهنة بالسودان لتتبيّن السياسة الأمريكية وتعبر في كل مرحلة عن المصلحة الأمريكية التي حكمها توافق الحكومات السودانية مع التوجهات والمصالح الأمريكية .
Page 10
الفصل الأول
السياسة الأمريكية تجاه السودان 1989- 1999م
تبنت الولايات المتحدة الأمريكية إتباع إستراتيجية كونية ذات مضمون جديد لتعزيز موقعها في قمة هرم السياسة الدولية منذ بدايات العقد الأخير من القرن العشرين ، وقد سعت الإستراتيجية الأمريكية إلى تحقيق الوجود الأمريكي حول العالم ، لذا فقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تكريس وجودها في مناطق نفوذها التقليدية ، ومحاولة ملء الفراغ الناشئ عن غياب الإتحاد السوفيتي ، فضلا عن اكتساب مناطق نفوذ جديدة .
وقد كان هناك اهتمام واضح بالقارة الأفريقية في العموم ، ذلك الاهتمام الذي كان غائبا في الماضي والذي لفت الانتباه إلى حد كبير ، إذ جاءت منطقة شرق القارة الأفريقية على رأس الاهتمامات الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية ، ولعل الاهتمام الأمريكي بهذه المنطقة يفسر- إلى جانب عوامل أخرى – سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان الذي يقع ضمن هذه المنطقة .
وقد حاول المبحث الأول من هذا الفصل تبيان أهمية المنطقة المذكورة في السياسة الأمريكية لعالم اليوم ، وخصص المبحث الثاني منه لتناول تطور السياسة الأمريكية تجاه السودان ، إذ جاء المطلب الأول متناولا الموقف الأمريكي من انقلاب 30 حزيران/ يونيو 1989م ، وعني المطلب الثاني بدراسة العوامل المؤثرة في تطور الموقف الأمريكي تجاه السودان .