eKtab
EN ع
الوشق والذئاب
Read free sample

الوشق والذئاب

by أيمن كامل ملكاوي

Page 1
البداية

مما قاله الأقدمون أن حبات المطر التي تبكيها عيون السماء، تحاول أن تغسل الخطايا منذ أن قتل الأخ أخاه. جاء غرابان يعلمانه كيف يدفن أخاه. يبدو أن قابيل لم يكن يعلم أنه جاء إلى الأرض كي يعلم، فبدل أن يعلم بدأ يتعلم. وانقلب الحال منذ بدأ الزمان. عندها وفي ذلك اليوم تغير كل شيء. وكأن الرعد القادم من زمجرة البرق ما هو إلا تجليات الجبروت تطل على الملكوت بالنور والضياء، لعلها تكون إشعاعات نور لتذكر بذلك الزمان. أو محاولات ليبصر بنورها الإنسان. أو أن الصواعق الهادرة التي نتجت عن ذلك كله، ربما تكون تهديداً لكل خائف ممن يفترض أنه يملك شجاعة السباع، أو وعيداً لكل غافل تطبّع بطباع الضباع. نعم، فبعدما ارتكب الإنسان خطيئته الأولى على الأرض تجسّدت صفاته في الكائنات من حوله، وكأنها تقول له: إيه، أبصر بقلبك ولا تنظر بعينك، فما أنا إلا حقيقتك. محاكاة تصويرية لصفاتك. العين لا تريك من الحيوانات إلا أنها تكملة لدورة الكائنات. أما القلب... آه من القلب! ففيه كل شيء. ومنه كل الطباع. من أجمل الخلق مثل البلابل وطيور الحب، مروراً بالغربان أول ما تعلم منها الإنسان، نزولاً إلى القاع وصولاً إلى الضباع.

فلتبدأ حكايتنا إذن مع الضباع التي تجمعت على وليمة كانت قد سرقت بقاياها ... نهشت حشاياها ...أكلت ما لها وما عليها.... كلما برق البرق، ترتعب الضباع، وكلما زمجر الرعد ترتعد، ولكنّ هناك نوراً خاطفاً يخلفه البرق كلما أضاء. برق لا تفهمه الضباع. قهقهتها تسمع من كل مكان... سفسطتها تقرع في كل زمان. وما أن شبعت وتمرغت بما بقي من العظم، وقفت زعيمتها بكل عزم... وقالت لزوجها:

"ترى ماذا حل بزعيمة الذئاب يقظانة... سمعت أن لها عهداً جديداً... وأسلوباً فريداً... ولكننا منذ مدة لم نسمع لها صوتاً... ولم يأتنا منها خبر".

"حقاً من كان يراها ما ضمن عقباها...ما حكّمت الذئاب يوماً أحداً ببأسها ولا قوتها. ولكن يا زوجتي العزيزة أتدرين ما يشغل بالي؟ ...و ما أن أراه حتى يتغير حالي...؟"

"ماذا يشغل بالك؟ وأنت تنفق من غير مالك. فهل يوماً أكلت مما اصطدت؟ أو حصدت مما زرعت؟" قالت مع قهقهة وضحك.

"حقاً، ما يشغل بالي هو الوشق. هذا اللعين يخفي سراً دفيناً، فما رأيته يوماً يأكل، وبرغم ذلك فهو دائماً يكبر."

"الوشق؟ هو مخلوق غريب... وأمره مريب. ولكن دعنا منه الآن، فإني أريد أن أنام."

تحالف الضباع مع الذئاب لا يدوم طويلاً... فالثقة بينها معدومة، صراعاتها دائماً محمومة. وكلما اتفقت اختلفت. فكلها لا تحب إلا الظلام. ولا تصطاد إلا والخلق نيام. فهذا حالها. الغدر والسرقة كانا دائماً زادها. ولكنّ هناك فرقاً واحداً، الذئاب لا تأكل البقايا، أما الضباع فلا تبالي وتأكل كل ما بدا لها وعليها.

فجأة رفعت الزعيمة رأسها وقالت لزوجها:

"أشعر بأمر مريب، فالصمت رهيب والهدوء غريب.."

"أي صمت مع كل هذه العاصفة؟" قال زوجها

"أشعر بشيء ما وما خاب إحساسي يوماً ما... أرسل أحداً ليستطلع الأمر ويأتينا باليقين." قالت بترقب.

"أنت تتوهمين أو أنك تمزحين، فالخطر الوحيد قد يأتينا من الأسد وقد انقرض إلى الأبد. أما الذئاب فبيننا وبينها عهد وحسن مآب. "

وما أن رفعت ميمونة رأسها حتى فوجئت بالذئاب و قد تجمعت حولها لا تدري كم عددها. كلما برق البرق ترى عددها وتعدادها... جيش جرّار من الذئاب. ولكنها لا ترى أحداً من الضباع سوى زوجها. نهضت وقالت:

"أهلاً أهلاً بالأحلاف عسى أن لا يكون هناك خلاف أو اختلاف!"

"نحمل لك رسالة من الزعيمة يقظانة." قال أشرم. وهو ساعد الزعيمة يقظانة الأيمن وشقيق زوجها الأصغر. وهو مشروم الأذن لشدة معاركه وضراوته.

"يقظانة!!! حبيبتي وصديقتي وما فحوى الرسالة حتى تبعث يقظانة بكل هذا الحشد وأنت على رأسها يا أشرم!"

"الرسالة هي أن تغادري من هنا أنت وقطيعك، وقدرك هو حسيبك."

"ماذا؟ أي كلام هذا؟ وأين نذهب؟ أنت حقاً وقح وبلا مبدأ ولا مذهب".قالت وصوت الرعد يتخلل كلامها بغضب اختلط مع غضب العاصفة. العاصفة التي بدأت تشتد، وغيومها تحاور السماء تستجديها الرحمة والعطاء.

"انظري هناك صوب الجبل، أنظري وقد اقترب الأجل، وفرارك هو كل ما بقي لك ".عوى أشرم بصوت عال. وتابعت ميمونة نظراتها بخوف نحو الجبل حيث قطعان الذئاب قد اصطفت. يقظانة قد وحدت الذئاب جميعاً. والرعد يزمجر. والبرق يلمع فوق الذئاب مما زادها رعباً وهيبة. ولكن ميمونة استجمعت شجاعتها وقالت:

"إذن، هذا صراع وجود وليس صراع حدود. هذه جريمة لا يرتكبها إلا الإنسان. فما خطبك أيتها الذئاب! هل يقظانة سحرتك وما تركت لك أي متاب! حسناً فليكن، فلتنازلني يقظانة ولنر من يصرع فهو الأصلح والأسرع."

"نحن لا ننكر أنك تملكين أقوى فك بين الضواري. ولكن لا تغترّي كثيراً وحذار، فنحن من يحكم بالدهاء والافتراء. وإن لم نستطع فبالغدر. وبرغم ذلك فسوف أنازلك أنا، فالزعيمة أشرف من أن تتسخ بجسدك القذر." وما أن أكمل أشرم حتى انقضت عليه ميمونة بفكها بسرعة، ولكنه تمكن من القفز بعيداً لينجو من قضمة ساحقة جاءته من الجهة الثانية ولكنه قفز مرة أخرى وهو يضحك ويقول:

"أهذا كل ما لديك؟ أم تراك نسيت يديك." وما أن أكملها حتى انقضّ هو بدوره على يدها ليقضمها وقفز عن ظهرها فلم يترك لها مجالاً سوى أن تقع على الأرض حيث تجمعت عليها الذئاب ومزقتها بسرعة جنونية.

وقف أشرم ونظر إلى زوجها المذهول لسرعة الذئاب وقوتها وقال له:

"ما رأيك؟ هل حان دورك؟ "

ولكن الزوج هرب واختفى في الظلام.
Page 2
العاصفة

العاصفة المجنونة تتلوى كإعصار كأنه مارد، قد قطع الطريق على كل وارد وشارد. أما بردها فزمهرير، تجمدت معه دموعها لقسوتها فصارت حبات برد كأنه خرز يخز الأبدان. تراكمت الحبات فأصبحت جمالات، فغطت مسافات، اختفت تحتها الأوطان. الثلج الأبيض ران عليها وغلّفها. فصار قلبها أقسى من قلب الإنسان. فهجرته ونسيته بعد أن رضيت بالثلج البارد غطاء لها.

الحيوانات كانت قد تجمعت عند الوشق. هذا المخلوق الجميل، برغم بأسه. واللطيف برغم قسوته. أذناه كبيرتان وطويلتان، ربما ليسمع أكثر مما يتكلم. فيقال إنه يسمع الصمت. فما هو بأسد تعرفه ولا بقط يجبن فتنهره. قد جمع الصفات من أوسطها. الحيوانات تأتيه مرة كل أسبوع لتتعلم. وكانت تصغي إليه كلما تكلم. فهو قليل الكلام، ولكن إن تكلم فكلامه حكمة. يستيقظ والخلائق نيام. والأغرب من ذلك كله أنه دائم الصيام. فالأرانب والدجاجات والطيور لا تخشاه لما ترى منه من حنان. ولكنه إذا غضب، غضبت معه الدنيا. ولذلك تفسر الحيوانات أن العاصفة لم تكن إلا غضب قلبه لفساد كل شيء من حوله. ولكنه لا يصرّح. وإذا سأله أحد فقد يلمح.

"أيها الوشق، لقد سيطرت الذئاب على الغابة، ولم تترك لنا شيئاً نأكله، أو زرعاً نحصده. فلا نجرؤ على الخروج من الجحور. ونأتيك خلسة كأننا لصوص أو أهل فجور." قالت الأرنبة الطيبة.

نظر الوشق إليها مبتسماً، ثم نظر إلى الدبّ الذي استيقظ تواً من سباته الشتوي وكأنه يريد أن يسمع رأيه.

نظر الدب إليها وقال:

"كيف ذلك؟ وما حاجة الذئاب إلى طعامك؟ أنت تأكلين الخضروات والجزر. والذئاب تأكل الأرانب واللحوم حتى الجواميس والبقر."

"نعم. تكلمي كلاماً نفهمه، أو قولاً نعقله. أم تراك فقط تريدين الكلام كي تجلبي الانتباه والاهتمام." قال القندس المهندس.

قفزت الدجاجة البرية بوسط الحلبة وقالت:

"هي تقصد أنها لا تستطيع الخروج، خصوصاً بعد أن غطى الثلج كل المروج."

ضحك الجميع وهم ينظرون إلى الدجاجة البرية وقالوا:

"صمتِ دهراً ونقطتِ كفراً."

أما الدب فقد كان ينظر إليها بنظرة غريزية. فهي وصديقتها الأرنبة طعامه. ولكنه قطع للوشق عهداً بأن لا يفكر بأسنانه، ما دام يأتيه ويتعلم أمامه.

صمت الجميع عندما وقف الوشق ونظر إليهم. ثم نظر إلى الهدهد وقال:

"أيها الهدهد، ما آخر الأخبار؟ أم أن العاصفة حبستك فصرت قليل الأسفار!"

طار الهدهد من زاوية الكهف نحو الوشق ووقف بين يديه وقال:

"لم تعد الأخبار بحاجة إلى هدهد كي يوصلها. فهي في كل مكان من البحار حتى الأنهار. "

"نعم ولكن هل من جديد؟" أجاب الوشق.

فهزَّ الهدهد رأسه مستنكراً وقال:

"ايه، لقد أكل القط الفأر. وافترس أسد الجبال الحمار. وتحالفت الذئاب وطردت الضباع فسيطرت على الغابة حتى البحار. وزعيمتها يقظانة قد سيطرت على القريب والبعيد. هذا هو الجديد."

نظر الوشق نحو الدب وقال:

"ما قولك؟ وما الحل برأيك؟"

نفش الدب فروه وقال:

"ليس أمامنا سوى أسد الجبال. فهو من يستطيع أن يقضي على الذئاب ويصلح الحال والأحوال."
Page 3
أسد الجبال



ربما تكون العزّة هي المطلب الأسمى لكل الخلق حتى الجبال فتراها شامخة تحسبها جامدة وهي في حركة دائمة مادامت السموات والأرض. ولكن ما العمل إذا كان الجميع يطلبها ويتنافس عليها!!!... العزة تحتاج إلى القوة، والقوة لها أعداء كثر ابتداء بالمرض، وانتهاء بالعجز والكبر. للعزةا قدمان أيضاً، فهناك قدم تقف عليها الروح بسبب ما حملته من قيمة ومعنى، فتراها تختار الموت في سبيل المعنى. وقدم تقف عليها القوة كما يعرفها من يُطلق عليهم اسم الواقعيين.!!!!! وللإنصاف فحقيقة أن المعنى أقوى أو أن الملموس أشد وأقوى لتستند إليه القوة بمادياتها هو أمر نسبي وجدلي قد اختلف عليه الأولون والآخرون. وكي لا نتجادل كثيراً بما نفهم أو لا نفهم فلنقف عند القوة الظاهرة والعزة المتجلية بالأسود. الأسد قد حمل في ثناياه معنى العزة بكل مفرداتها حتى نهاياتها، وليثبت هيبته ويخدم هذا المعنى، أطلق لحيته. فازداد مهابة خصوصاً مع زئيره.

ولكن....

كان يترنح، يتأوه لشدة الجوع، يكاد يهوي كلما حاول أن يتحرك لمسافات، ولكنه لا ييأس أبداً، لا يصدق أنه هو نفسه الذي كان يخشاه الجميع، فعندما كان يخرج مع لبؤاته للصيد، كل الوحوش تختبئ، عندما يزمجر ويزأر يدب الرعب في كل الغابة، ولكن الزمن.... آه من الزمن! ارحموا عزيز قوم ذل، عزاؤه أنه لا يزال على شاكلة سبع. فجأة لاحت له في الأفق خطوط متقاطعة لا يكاد يفقه منها شيئاً.... "ما هذا" قال في نفسه، "لا بدّ أنها حُمُرٌ وحشية".... بدأ يتربص لعله يقتنص شيئاً يأكله... منذ مدة طويلة لم يأكل... آخر مرة أكل فيها كانت تلك الأرنبة العجوز.

"هاهاهاها.... هاهاهاهاها.... أقسم أنك لا تدري حتى ما هي هذه الخطوط!!! "... ناداه صوت وقهقهة بين الأعشاب المترنحة مع حركة الريح....جفل الأسد ونهض ينظر صوب القهقهة...

"نعم يا أيها الملك العجوز، أيوه... وأي حسرة،،،" ناداه صوت آخر وكأنه من أسفل الأرض.... ولكن السبع لزم الصمت محاولاً أن يفهم... وفجأة قفز ضبع ضخم كأنه سهم ليستقر أمامه وقال مع ابتسامة خبيثة:

"هذا نحن،،،، معشر الضباع،،، وقد آن الأوان للحساب يا ملك السباع... نعم، أم تراك كنت تظن الدنيا تدوم لك!!!!"

"إيهات، إيهات." قال ضبع ثالث طوقه من الطرف الثالث.

كان السبع في حيرة وارتباك، فهو معتاد أن يرى الضباع وهي تهرب منه أو تخشاه، هذه أول مرة تتجرأ عليه وتقترب منه بهذه الطريقة، لم يعرف الخوف قط، وكأن الخوف كان مدخراً نفسه طوال عمره حتى هذه اللحظة،،، ثم إنه لم يشاهد أقبح من أشكالها، فهذه أول مرة يراها بهذا القرب.. أما رائحتها!!! كريهة جداً.... نظر حوله وتذكر... أنا سبع الغاب، أنا الملك، وتذكر بطولاته ولكنه تذكر كيف طرد من عائلته بعد أن انقلب عليه ولده. فلم يسكت الخوف الذي ترك كل الدنيا ليسكن قلبه، ثم زمجر لعله يتغلب على خوفه قائلاً:

"كيف تجرؤون!!! وعلى سيدكم تتطاولون!!!! كما وأني ما شاهدت أقبح من وجوهكم من قبل! فكيف يطيق بعضكم بعضاً!!."

تبادلت الضباع النظرات، ثم انفجرت ضحكاً،، وقهقهة،،،، وانقلبت على ظهورها وهي تقهقه لينهض أحدهم بعزم ويعوي:

"اسمع أيها السبع العجوز، أنا أرى خوفك يتسربل بين عيونك كما يتسربل اللعاب بين فكي، وتعرف أننا نستطيع تمزيقك إرباً إرباً ولن تستطيع شيئاً، ولكن لا حاجة لنا لذلك، فحتى لحمك مر ويكفينا ما نحن به من مرارة، لذا سوف نتركك تعيش ولكن بشرط!"

فكر السبع وكأنه أقر بالهزيمة، فهو لا يريد الموت، وأما شعار الملوك ليس بعد العزة إلا القتل، فقد أعفى نفسه منه بعد أن أعفاه ولده من الملك وطرده. ثم بعد صمت هنيهة، قال:

"وما هو الشرط؟"

أحس الضبع بالنصر وبدأ يتبختر أمام السبع، وجلست باقي الضباع منصتة بشماتة:

"سوف نكون أفضل لك من أهلك الذين طردوك، وولدك وعشيرتك الذين باعوك، وسوف نشتريك. ما رأيك؟"

"لم أفهم." قال السبع.

"حسناً، سوف نؤمّن لك الطعام والحماية، وبالمقابل تعمل لدينا."

"وما حاجة الضباع للسباع؟ وماذا أعمل لديكم؟" سأل السبع باستغراب وقلق.

"تعمل كل ما نطلبه منك، ما دام في طاقتك، هذا هو شرطنا، فان قبلت قبلنا وإلا!!! أنت تعرف.."

"آه الآن فهمت، تريدونني خادماً وركوبة تركبونها متى شئتم، ولكن هذا وإن قبلته، فالسباع لن يقبلوه فهو عار عليهم."

"السباع؟؟؟؟" صرخ ضبع آخر. "وأين هي الآن؟! أليست هي من طردك وشردك وأذلك!!! أيها المسكين لم تأكل منذ أسابيع..."

أحس السبع بالحسرة واللوعة تمزق قلبه، فليس الجوع فقط، وليس الذل فقط، بل طعن أقرب الناس، ولده وفلذة كبده! ماذا كان يخسر لو تركه يعيش معهم ما دام صار هو الملك الشاب! لماذا يطرده بعد أن ربّاه ودربه!! أهذا حقاً قدره... ماذا بقي له!!!!

ولكن الأسد قدم الحياة على الموت، أو قل وقع مع الواقعيين، فاختار صحبة الضباع فتركته العزة وكان كمن اختار الموت في الحياة، فحلقوا لحيته، وركبوا ظهره، وساقوه إلى قدره.

يقال إن هذه هي أصل حكاية أسد الجبال فهو صغير الرأس بدون لحية، ويتسلق الجبال حالماً بأن يستعيد مجده وعزّه الغابر.
Page 4
العهد

"هذه قصة أسد الجبال، فلا فائدة من كل حالم ليس همه سوى الترحال. "قال الوشق.

"ولكن ما العمل؟ وما هو الحل؟ إذا كان أسد الجبال لا خير فيه! أو لماذا لا يكون هذا حافزاً يرضيه!" قال الدب وهو يتثاءب.

رفع القندس المهندس يده وقال:

"أنا سوف أدلكم على الحل، خير لكم من قول الدب المختل."

"أنا مختل، أيها المنحل، أيها...." ولكن الوشق قاطعهما: "كفاكما سفاهة، فليس القوي بالصرع ولكن القوي من صبر على غضبه، ما هذا!!!"

"أعتذر منك أيها الوشق ولكن القندس هو من ابتدأ."

"يبدو أنكما لا تدركان حجم المأساة. فهذه أول مرة تتوحد فيها الذئاب ويبدو أنهم لن يتركوا سفينة ولا مرساة" قال الوشق.

نقنقت الدجاجة البرية بسرعة بديهية:

"سفينة! مرساة!! ولكن أين!!!"

ضحك القندس:

"أيها الوشق، صدقني أنني أشفق لحالك، فأنت تنفق مالك، وتشغل بالك، ومن حولك لا ينفع معهم علم ولا تعليم. سفينة ومرساة أيتها الدجاجة يا صاحبة العقل السقيم!!"

تراجعت الدجاجة البرية بانكسار. نظر إليه الوشق، وقال بوقار:

"ما هو الحل برأيك! فلنستمع إلى قولك."

"نبني سداً، وما أن تصل الذئاب إلى أسفل الوادي نكسر السد ويفيض الماء بالمد، فتغرق وننتهي منها إلى الأبد."

نظر إليه الدب ضاحكاً:

"أقسم بأنني كنت أعرف بأن هذه فكرتك، فأنت لا تعرف غير السدود، لقد خنقتنا بفكرك المحدود."

"وماذا في ذلك يا صديقي اللدود!"

نظرت إليه الأرنبة الطيبة وقالت:

"ولكنك نسيت أيها القندس المهندس أن الماء أهون موجود وأعزّ مفقود. فلن يغرق الذئاب وحدها بل سيغرقنا جميعاً ويذهب الماء سدى. وحتى وإن نجونا فلن نجد في الصيف ما يروينا."

قال الوشق:

"سوف أحدثكم اليوم عن العهد، وما علاقته بالمجد. فإن عاهد أحدكم فلينظر على ماذا يعاهد. وإن شدّ على يد أحدكم فلينظر على يد من يعاضد. فاسمعوا وعوا قصة طيور الحب، وما عاهد القلب للقلب، وكيف ينقلب الجمال والحب فيغير الانتقام كل الدرب."
Page 5
طيور الحب



الجمال المبثوث في جميع أركان الأكوان يعكس تجليات الإبداع بلغة المعرفة لمن عرفها ثم صام عن الكلام. ولكن ذلك المزيج الرائع بين الأجساد والأرواح حيث المنطقة الشائكة بالتناقضات يكمن ما تعارفت عليه أسرة البشر بمسمى الخير والشر، فتتمحور الشرور كانعكاسات تعكّر صفاء الجمال للناظر إلى سطوح الأشياء، أما الحقيقة فهي شيء آخر. فلنبق إذن مع الجمال بمظهره المعروف ولنحلق بأنظارنا صوب السماء التي تبدو زرقاء فنشهد اكتمال الروعة بطائرين جميلين يطارد كل منهما الآخر بعهد الإخلاص والمحبة حتى كان اسمهما طيور الحب. هذه الطيور التي جسّدت معنى إخلاص العهد فلا يفارق أحدهما الآخر وإن حصل فليس للمفارق سوى الموت راحة من عذاب الخيانة سواء كانت بقدر موت آخر أو بشكلها المعروف.

هبطا معاً برقة ولطف على غصن الشجرة قرب العش وقال الحبيب:

"ليست اللباقة أن أسبق حبيبتي فتفضلي يا أنيستي."

ضحكت الحبيبة وقالت:

"أين أمك لتسمع قولك؟ إنها تلح في طلبك فلمَ لا تذهب إليها؟"

"أتدرين يا حبيبتي! برغم كل الحب وكل الجمال، ما زلت أحلم بصفاء القلب فلن يصفو حتى أعرف قاتل أبي فآخذ بثأره وثأري."

"يا حبيبي أعرف كم تتعذب ولن أطلب منك أن تسامح لأني أخشى أن أنتقص رجولتك بالتخلّي عن عهدك."

هذا كان حوار المحبين. تلك الطيور الغارقة في بحر المحبة تتكلم عن الثأر والانتقام. طار الحبيب إلى أمه العجوز، هذه أول مرة يطير بعيداً عن حبيبته، هذه أول مرة يطير وحيداً من دون حبيبته.

"مرحباً يا أمي."

"أهلاً يا ولدي، كم كنت أحلم بأن أراك كبيراً، وصنت أباك بك وآن الأوان كي أريح وأستريح."

"ما هذا الكلام يا أمي!!"

"يا ولدي إن أردت الرضا، فعن ثأر أبيك لا تتخلّ. حتى وإن كان أقرب الناس إليك."

"أمي... ما هذا الكلام؟ أرجوك أفصحي." أجابها والشكوك بدأت تتسلل بين جناحيه حيث قلبه.

"قاتل أبيك هو... هو..."

"تكلمي يا أمي أرجوك!!!!!"

"هو أبو الحبيبة. "قالتها وكأن جبلاً ثقيلاً أزيل عن كاهلها وألقته على كاهل ولدها.

"ماذا!!! أي كلام هذا!!! لاشك أنك تمزحين يا أمي." صرخ والدهشة أسقطته بين قدمي أمه. حبست في عينه دمعة. رفع رأسه صوب أمه.

"لا... إنها الحقيقة يا ولدي."

أجاب مع حشرجة الكلمات في جوفه:

"أتدرين ماذا فعلت بي يا أمي!!! لقد قتلتني ألف مرة وليتك لم تنجبيني."

زغردت الأم زغرودة النهاية للسر المدفون في صدرها وحلقت بعينيها حيث البداية، حيث الأزل وبلحظة اخترقت عالم الأبد المعلوم لأهل المعارف والمجهول لأهل السطوح والزخارف والتحقت بزوجها لإتمام العهد وفارقت الدنيا.

كانت كلمة ألقتها على قلب ولدها فأصبحت مأساة. صرخ الحبيب على أثرها صرخة دَوّت لها الغابة. طارت الصرخة حتى وصلت إلى أذني البوم الذي كان ينهش فطوره مع اقتراب الليل وبداية نهاره فأنهضته فقال:

"هذه صرخة تقطر ألماً وثأراً."

حلق مسرعاً لينشر الخبر الذي ما لبث أن انتشر، فوصل إلى أذني الحبيبة. ما كانت إلا كلمة حولت النعيم إلى جحيم حلقت الحبيبة فوق أوديته، لا تصدق ذلك الذهول المجهول المتسلل عبر الجبال والأودية. فلطمها الخبر بصيحة الحبيب. آه من صرخة الحبيب على قلب الحبيبة، وعجباً من كلمة تسقط صاحبها من النعيم إلى الجحيم.

بحثت عن حبيبها في كل الأرجاء، تمنت لو تصل إليه قبل أن يقتل أباها فينقطع الرجاء. فهي تسمع حوارهما ولكنها مازالت بعيدة... حلقت... طارت... ارتفعت...وصلت هناك حيث البعيد القريب...

هبط الحبيب أمام الأب والصمت خيم على أغصان الغابة حيث تجمعت الطيور من كل مكان. أولها البوم وآخرها الهدهد. صمت مريب قاطعه الحبيب بصرخة أجابها الأب:

"أخيراً أخبرتك أمك!!!! ما كان ينبغي لها قتل ولدها. ولكنها صانت عهد المحبة لأبيك وهذا قدرنا نحن طيور الحب."

"لماذا قتلته؟؟؟"

"وما الفائدة من سر لا تنبغي معرفته. ابحث عن السر في الحب وأرحني واسترح." أجاب الأب كأنه كان ينتظر هذه الساعة.... كانت كلمات كأنها استصراخات من عجوز ملهوف للالتحاق بعالم العهد الأول وما أن دقت أجراسها أغمد الحبيب مخلبه في صدر الأب حيث التحم القلب بالقلب فانكشفت الأسرار أمام الأب الذي شهق.... ثم زغرد زغرودة الأم نفسها عندما قدمت ولدها شهيداً في سبيل العهد فسقط الأب ومات. أخرج الحبيب مخلبه الملطخ بالدماء ونظر إلى حبيبته التي وصلت في النهاية وهي تتأرجح بمهبطها ومدرجها وصرخت،،،، ثم صرخت.

وقف الحبيب أمامها ونظر في عينيها الغارقتين في الأسى والأحزان ويوشك أن يغيب ونفسه تأبى حتى صام عن كل الكلام. التقت العيون. عيون المحبين تتكلم عندما تلتقي فأخبرها بأنه سيصون عهدها ويأخذ بثأرها وكانت نهايته بأن قتل نفسه بنفسه، فلحق بأمه وأبيها.

أما هي فألقت بنفسها فوق جثته الهامدة وصرخت. ثم صرخت صرخة أفزعت كل الطيور التي بكت.... ثم تراجعت ومرغت وجهها بالتراب. ثم رفعت رأسها صوب العهد الأول لعلها تجد الجواب هناك. فمن يأخذ بثأر حبيبها من قاتله سواها؟ وعندها صلت... بكت... واستغرقت في الدموع حتى غابت عن نفسها فوق حبيبها لتلتحق به هناك حيث لا ثأر ولا انتقام. حيث الحب والوجد والهيام.
Page 6
الوشق والزعيمة


عندما ترتدي الأرض حلّتها البيضاء المكسوّة بالثلج يبدو معها الصمت بعد العاصفة أعلى صوتاً وأعدل شاهد على صدق النبوءة. ذلك السرّ السرمدي المبثوث في كل مكان ينطق باللغة المبعثرة نفسها على أوراق النواميس المقدسة لمن يعرف القراءة.

انتظرت الذئاب طويلاًً حتى خمدت العاصفة لتخرج من أوكارها، قطعان مرعبة تعربد هنا وهناك على السجاد الأبيض بارد الملمس، يخيل إلى الناظر كأنه ثوب طاهر يطوي قلب ذئب غادر وقف على تل أقرع ثم عوى وعوى فعوت خلفه الذئاب جميعاً عواءً ألقى الرعب في القلوب.

ثم صمت الجميع لتتكلم الزعيمة يقظانة بصوت علا أصوات الجميع:

"من قال إن الإناث صاحبات الحلي والنعومة لا تسود الدنيا ولا تسجل البطولة؟؟"

"ثم من قال أن السر أحق أن يكتم في الصدور، خير من أن تعوي به الذئاب على أصحاب القبور...

نحن الذئاب بكل العزة والفخر....

نسير على نور الحرية والبدر...

إن كان هناك سر فنحن هو السر...

وليس لمن عادانا إلا القبر...

من ذا الذي يجرؤ على مخالفتي؟؟؟ من؟؟؟؟ تكلموا أو إلى الأبد اصمتوا"

"ألست أنا الزعيمة؟؟؟ألست أنا الحكيمة...؟؟"

"بلى" عوت الذئاب بصوت واحد عدا صوت مكتوم ظهر بين الأصوات كنغمة نشاز في ملحمة ذئاب شرسة قائلاً: "الوشق."

عندها صمت الجميع ونظروا إلى مصدر الصوت فإذا به الذئب العجوز. بادلهم نظرات خائفة،،، مترقبة،،، وأتبع كلامه:

"الوشق يا مولاتي يعرف السر ويقرأ الصمت وهو كثير التأمل فظاهره وشق وباطنه شرُ أمر. ولا تنسي يا مولاتي بأنه من سلالة الأسود فحتى وإن انقرضت واندثرت فالسر يسري فيه."

"آه أيها العجوز الخرف قد ولّت أيامك، وبزعامتي انتهت أحلامك، وأعرف أنك حاسد لي بعد أن فقدت كل شيء أمامي وبرغم ذلك فسوف أريك من أنا ومن هو الوشق."

في الجانب الآخر من الوادي الرمادي بلون الذئاب لولا أن غطاه الثلج يسكن الوشق. رابض على باب كهفه بعد أن أنهى درسه بصمت كعادته.

"إيه أيها الوشق الذئاب تسعى في طلبك فاهرب اهرب ألا تسمع الذئاب قادمة." ناداه الدب من بعيد ولكن الوشق لم يجب، حتى جاءه ووقف أمامه ونظر إليه.

"لا منجى منه إلا إليه." أجاب الوشق بعد طول انتظار.

"ماذا...؟؟ ولكن ما المنجى من الذئاب؟؟؟ إيه، سوف يقطعونك إرباً إرباً وأنت تجلس بانتظارهم، عجباً لك يا صديقي."

ولكن الوشق لم يجب وغرق بصمته مرة ثانية فتركه الدبّ ورحل.

ما كانت إلا سويعات حتى وصلته الذئاب فأحاطت به من كل مكان. تعوي وتزمجر، ولعابها يشرشر. وبرغم ذلك لم ينظر إليهم. وقفت أمامه الزعيمة يقظانة قرب زوجها أبتر وقالت:

"سمعت بأنك تعرف السر. أخبرني به وسأسمح لك بأن تعيش بمحاذاة البحر."

نظر إليها وقال:

لا يأمن الذئاب إلا لعوب كذاب أو أحمق مرتاب."

"تأدب عندما تكلم سيدتك وملوك الغاب." صرخ بوجهه أبتر زوج الزعيمة.

قفز ذئب آخر قربه وقال:

"فلتأذن لي مولاتي بقتله. وسيعرف عندها قدره."

وبدأت الذئاب تقترب منه شيئاً فشيئاً وهو لا يبالي بهم بل حتى لا ينظر باتجاههم حتى صرخت الزعيمة بغيظ وغضب:

"توقفوا جميعاً.... كفى." ثم تقدمت خطوات نحوه لتتبع كلامها " حقاً أمرك عجيب أيها الوشق. أحقاً لا تخشانا!!!! ما الذي تستند إليه حتى تتصرف وكأنك لا ترانا!!!"

نظر إليها الوشق مجيباً:

"بل أراكم يا زعيمتهم. ولكني أبصر بقلبي ولا أنظر بعيني. فأرى حقيقتكم لأعرف ما لا تعرفينه عنكم."

"وما هي حقيقتنا وما الذي لا أعرفه؟؟؟" سألت مع بدء نفاد صبرها.

"ألم تقولي بأنني أعرف السر!!! حسناً إليك ما أعرفه عن السر وعنك." أجابها ثم عدل جلسته وأتبع كلامه:

"ما أنت إلا ذئبة ترتدي فروة نهايتها هدية على كتفي إحدى النساء من بنات آدم وحواء."

وما أن أكمل كلامه حتى انطلق صوت رصاصة دوت في آذان السامعين ليدب الرعب في قلوب الذئاب التي ذهلت لرؤية يقظانة الزعيمة تتلوى من ألم الرصاصة التي اخترقت صدرها فأردتها ممدّدة بلا حراك، نظرت إلى الوشق بصمت رهيب ونظر إليها وقال:

"هل عرفت السر الآن؟" عندها وعندما ذهلت الذئاب لهول المفاجأة هربت تعوي وتبكي على حالها فلا طاقة لها بالإنسان الصياد.
Page 7
الخُفّاش


الأنوار التي تشرق بها جبال الحكمة، لم تكن لتضيء لولا أن رآها الإنسان، ذلك المخلوق الفتان. والأمانة التي حملها بعد أن نأت عنها الجبال، لم يكن ليحملها لولا أن ظن بنفسه الكمال. أما الأنوار فقد خفتت إن لم تكن غابت، وأما الجبال فقد نامت إن لم تكن ماتت. فكثر الظلام... وقطع الأرحام.... وقلّ من يطعم الطعام. الخلق جاعوا ولم يعودوا يبالون بالظلم ولا بالظلام، فخرجوا بأشكال غريبة...عجيبة. منها من يسبح في أعماق البحار، ومنها من يطير بجناحين مثل الخفاش. هذا المخلوق الرهيب... أمره عجيب... فقد جمع بين الثدييات والطيور. خلط فظيع.. فهو لا يرى ومنامه معكوس كحاله، يستيقظ في الليل وينام في النهار. وما أن استيقظ حتى غادر كهفه وطار..

في المزرعة القريبة من الكهف هناك خيول كثيرة، مصطفة في الليل وعادية في النهار. ولكنها هزيلة، كان قد تعوّد أن يمتص دمها. وما شعر يوماً بأي ندم نحوها. يبدو أنها هي أيضاً قد استمرأته وأحبته، فإن غاب عنها ليلة سأل بعضها بعضاً عنه. ها قد وصل حتى هبط مقلوباً في سقف الإسطبل. وقال:

"أيتها الخيول الجميلة، يا من اشتقت إليكن وما باليد حيلة، من منكن الليلة تطفئ ظمئي؟ من منكن الليلة تروي عطشي؟"

"أنا يا أنيسي وجليسي، قد انتظرت قدومك صباح مساء"... قالت الشقراء.

ولكن البيضاء نظرت إليه وقالت:

"بل أنا يا فارس الليل وحبيب كل الخيل. ما أن تفارق حتى قلبي لك يعانق."

ولكن الفرس الشقراء قفزت وقالت:

"أنظر جمالي، والمح دلالي، فلن يروي ظمأك أحد مثلي، فكل الخيول تعرفني، وما إن ترني إحداهن حتى تحسدني."

وبدأت الخيل تناديه من كل مكان، وتتجمع أسفل منه وكل تبرز جمالها ومفاتنها حتى علا صهيل الفرس الحمراء السمينة فوق صهيل الجميع وقالت:

"أيتها الخيول الحمقاء، هذا مصّاص دماء، هذا أصل كل داء. عجيب أمركن... غريب حالكن. ثم أنت أيتها الشقراء، ألا ترين بأنه أعمى! حقاً ما أنت إلا خرقاء."

نظرت إليه الشقراء وقالت:

"ألم أقل لك إنهن يحسدنني..." فقاطعها الخفاش قائلاً:

"للأسف كثيرون يظنونني أعمى لا أرى، ولكن أقسم بأنني بصير، وإلا كيف يمكنني أن أطير!!!"

ولكن الحمراء نظرت إليه وقالت:

"هذا لأنك مسخ عجيب، وأمرك مريب، وإذا لم تنصرف من هنا، أيقظت بصهيلي كل بعيد وقريب."

خيم الصمت على الجميع، ونظرت كل الخيول إليه وهو يتأوه، وكأن سهماً قد أصابه، وأخذ يلطم بجناحيه يوشك أن يفلت من رجليه، ثم قال بحزن:

"أنت على حق أيتها الحمراء... حقاً أنا أصل كل داء...وليس لمن مثلي الا الموت خير دواء."

وبدأ يبكي بحزن وحرقة، وتابع كلماته بعد أن سقط على الأرض ليلتقط أنفاسه:

"ولكن ما بيدي إن كان هذا قدري!!! مسخ عجيب وأمري مريب!!!" ثم رفع رأسه صوب السماء وهو يصرخ ويستجدي فارداً يديه كمن يصلي ويدعو:

"أيتها السماء فلتبك دموعي دماً... ويا أرض فلتشهد جروحي ألماً... أرجوكم اقتلوني وأريحوني..."

أسدل الحزن ستوره على كل الخيول، والدموع ترغرغ في عيونها فسالت أنهاراً حتى أقدامها، وأخذوا يختلسون النظرات إلى الفرس الحمراء التي ذهلت. بدأ الندم يتسلل إلى قلبها. الجميع يخطو نحوها بخطوات متثاقلة، وهي نادمة، خائفة،،، حائرة.

ترى! هل هو صادق! أم كاذب منافق!!! لقد خطف القلوب، وغيب عقول الخيول.

فجأة بدأ يتعالى تصفيق من زاوية الإسطبل حيث يقف البوم. لم يشاهد أحد البوم عندما جاء. وبدأ تصفيقه وتصفيره بل قل نعيقه يعلو شيئاً فشيئاً، ثم قال وهو يضحك:

"أقسم بمن رفع السماء بلا عمد، والأرض أرساها بجبال كالوتد، ورزقني دون حول مني ولا سند، أني ما رأيت ممثلاً مثلك، ولا مراوغاً في قدرتك."

تنفست الفرس الحمراء الصعداء، فقد جاءها الفرج من السماء. لقد أنقذها البوم، الجميع ينظر إليه، الخيول حمقاء، بعضها ينظر إليه باستغراب وبعضها ينظر بازدراء. الخفاش بدوره ينظر أو يحاول باتجاه الصوت، والخوف بدأ يتسلل إليه، والارتباك باد عليه. وقال:

"وحق الليالي السوداء، وروحي الرمداء، وحياتي الغبراء، بأني صادق، وما أنا بآثم مارق، لقد قلت الحق، وما يجبرني أحد على أن أقول ما لا أعني أو أعني ما لا أقول."

ارتفع صوت الخيول مرة ثانية، فقد انقسمت إلى قسمين هذه المرة، والهرج والهمس يتصاعدان، فقد أصبحت في حيرة. هل تصدق البوم أم الخفاش!!! فكلاهما من أبناء الليل. وكلاهما يحب الظلام. ولكن الفرس الشقراء قاطعت الهمس قائلة:

"أيها الخفاش المسكين نحن جميعاً نصدقك، وأنت أيها البوم اللئيم ما هو دليلك وحجتك!"

"دليلي هو الفرس الحمراء." قال البوم.

"ماذا وكيف ذلك؟" قالت أكثر من فرس بحيرة وارتباك.

"بسيطة، تقف الفرس الحمراء في الوسط، خارج الإسطبل وأنا سوف أفتح الباب لكم أيها الأحباب. فإن عرفها الخفاش فهذا دليل على أنه بصير، وبقلبه ينظر ويطير. ولها الحق بأن تعدو وتهرب. وعندها سوف أعترف للخفاش بالصدق والحق وأشيع الخبر في كل الفصول من الحر إلى المطر."

وفعلاً وافقت الخيول من الصفراء حتى الحمراء، وفتح البوم الباب، فخرجت جميعاً والحمراء تنظر بكل تحد وازدراء. هذه المرة هي متأكدة من كشف الخفاش وأكاذيبه للجميع. هذا المخلوق الفظيع، لقد أوشكت أن تصدقه.

طار الخفاش بدوره باتجاه الخيول التي اصطفت... طار... حتى وصل إلى الشقراء، لا ليست هي، فلم يهبط عندها ولا عليها. فجأة انحرف بقوة باتجاه الحمراء، كأنه سهم خارق حارق. وهبط عليها وهو يصرخ:

- "أنت يا حبيبتي، لقد وجدتك وأنت من سوف يطفئ لهيبي."

ولكن البوم بدأ ينعق بصوت عال:

"أهربي من هذا اللعين، ما هو إلا مخلوق من الجحيم."

صعقت الخيول، جفلت، ارتعبت، وأكثرهن الحمراء التي صهلت، ثم قفزت.... وركضت، ركضت بسرعة والبوم خلفها، فالظلام دامس وهي لا ترى في الظلام فكان البوم يطير فوقها ويرشدها:

"احترسي هناك حفرة، اقفزي هناك صخرة."

والخفاش خلفهما. حتى سقطت الحمراء في وادٍ سحيق فكسرت رقبتها. فانقضّ الخفاش على رقبتها وبدأ يمتص دمها. والبوم هجم عليها وبدأ ينهش لحمها. وما أن أنهيا وليمتهما حتى تصافحا وقال الخفاش:

"يا أخي في الظلام أنت حقاً أمير الظلام."

فأجابه البوم وهو يضحك:

"بهذا أكون وفيت بعهدي لكل ذئاب الليل، بأن وليمتهم عندي هي حمراء الخيل."
Page 8
الوليمة

"أهلاً، أهلاً بالأحباب، أهلاً بملوك الذئاب، تفضلوا كما وعدتكم على العشاء، فحمراء الخيل هي أقل عزاء" قال البوم بعد أن طار وهبط فاستقر على غصن الشجرة. وتبعه الخفاش الذي طار ودار حول الذئاب، والذي احتار كيف يبدأ الخطاب:

"ليس الميت من فارقت روحه الجسد... ولكن الميت من فارقت ذكراه إلى الأبد... هي حية في قلوبنا ما دام الدم يجري في عروقنا... وحمراء الخيل هي ما يليق بمقامكم يا ملوك الليل."

تجمعت الذئاب. من كل صوب تقدمت، لبت دعوة البوم على العشاء، فهذا اقل واجب يكون به العزاء. اقترب أبتر زوج الزعيمة والدمع يترقرق في عينه الحزينة:

"لقد قلتما فأحسنتما، ومني لكما العهد وأهديكما كل المجد." قال بعد أن اقترب من الوليمة، وبدأ ينهش بطريقة لئيمة. من الجهة الثانية اقترب أخوه أشرم وهو ينظر بطرف خفي إلى البوم وبدأ يتكلم:

"أيها البوم... حسبناك مشؤوماً... ولكنك لم تكن إلا محروماً... تحتاج إلى المجد، فتتقرب إلينا كما يفعل أي وغد."

"أنا وغد! أنا أبحث عن المجد! سامحك الله يا مولاي، أنا خادمكم المطيع وموت الزعيمة مصاب فظيع، مسّ وجداني، وفجّر أحزاني." قال البوم بنبرة حزينة، قاطعها الخفاش بابتسامة لئيمة. لحسن الحظ لم يلحظها أحد إلا الثعلب الذي كان يجلس بعيداً ويترقب. لاحت له فرصه وبدأ يتقرب.... أكثر وأكثر والذئاب تنهش الوليمة... يقترب بحذر ولعاب الذئاب يشرشر، وكأنها لم تأكل منذ سنة أو أكثر، ثم صرخ:

"يا معشر الذئاب لا تثقوا بالبوم، فصدقوني أن لحم الفرس مسموم، فهذان عميلان للوشق. لقد رأيتهما عنده ساعة الغسق."

جفلت الذئاب، وأدارت رؤوسها نحو الصوت ونظرت. وبصوت واحد عوت " ماذا! أي كلام هذا!" ثم نهض أبتر وأخوه أشرم ونظرا صوب البوم والخفاش:

"أصحيح هذا أيها البوم المشؤوم؟"

"لا يا سيدي، وألف لا،،، حاشا وكلا، أقسم.... " ولكن أشرم قاطعه بغضب قائلاً:

"لا تقسم أيها الأثيم، أثبت لنا أن الطعام نظيف وإلا فأنا من يقسم بأن أريك الجحيم."

طار الخفاش حول الذئاب والارتباك باد عليه من رأسه حتى رجليه:

"أيها الذئاب،،، أيها الأحباب، لو انتبهتم جيداً لعرفتم أننا أكلنا من الوليمة قبل أن تأتوا وقبل أن يظهر الثعلب فيتهمنا بهذه الجريمة، فإن كان اللحم مسموماً لكنا الآن متنا وإلى الجحيم ذهبنا."

ضحك الثعلب ونظر إلى الخفاش وهو يدور واقترب:

"ولكنك لا تأكل اللحم يا طائر الجحيم، وهذا دليل كذبك أيها اللئيم، وأنت أيها البوم، لقد أكلت ثم زرعت السموم."

طار البوم، حلق،،، اقترب،،، ولا يدري ماذا يفعل. وقال: "أقسم يا سادة...." ولكن أبتر قاطعه هو الآخر:

"لا تقسم، كفى،،، اقتربا إلى هنا وكلا من اللحم..هيا."

"ولكني لا أجرؤ أن أقترب منكم يا مولاي." قال البوم. وأيده في ذلك الخفاش. وفي الوقت نفسه وقع أحد الذئاب على الأرض يتأوه، فنظرت الذئاب إليه، ونظر بعضهم إلى بعض، المرض باد عليه، ثم نظر أشرم وتبعه أبتر نحو البوم والخفاش، تدور أعينهم خلفهما وهما يدوران فوق الذئاب. قفز أبتر محاولاً أن يمسك بأحدهما وهو يزمجر. ولكنه لم يفلح فهما بعيدان عن يديه وفكيه. نظر البوم إلى الخفاش ونظر الخفاش أو حاول إلى البوم وهربا واختفيا في الظلام. تجمعت الذئاب حول الذئب الذي وقع، لقد ابتلعت الطعم وأكلت السم ولا تدري ماذا تفعل. نظر أشرم إلى الثعلب وقال:

"أيها الثعلب، لقد تناولنا جميعاً الطعام، أوصيك بأن تفضح البوم والخفاش ابني اللئام، وأن تأخذ حقنا ممن ظلمنا."

"لا يا سيدي، لا تقل هذا فأنتم أبناء عمي، من فصيلتي نفسها ودمي. لديّ الترياق، وعيني تدمع حزناً وإشفاقاً. فما من داء إلا وله دواء."

"حقاً أيها الثعلب! دلنا على هذا الترياق، وسوف نحميك من كل أفاق."

"هل تعدونني بأن تساعدوني!."

"بالطبع، فلا تخش الغدر حتى وإن قيل إنه فينا طبع. فنحن لا نبخس أعواننا وأقرباءنا حقوقهم. أرجوك أسرع قبل أن نموت ونفجع."

أجابه أبتر وكأنه بدأ يشعر بالألم.

"الترياق بسيط، كل واحد يأخذ حبة من هذا التمر، ثم يسرع نحو النهر، فيغرف غرفة واحدة فقط. ويقول:

"شفيت، شفيت، شفيت."

وبالفعل قفزت الذئاب على حبات التمر وأكل كل واحد منهم حبة وركضوا جميعاً إلى النهر. نظر الثعلب إليهم وهم يبتعدون، ثم نظر إلى الذئب المحتضر، ثم نظر إلى الوليمة ثم هجم عليها وأكل. الذئب المحتضر نظر إليه وقال:

"أيها الكاذب، أيها المارق، أيها الآبق أيها الأثيم المنافق."

توقف الثعلب عن طعامه، ونظر إلى الذئب الممدد أمامه، انقض عليه، وجره من رجليه، ثم خنقه بفكيه. وعاد وأكمل طعامه.
Page 9
القائد المعلم

جاءت جميع الحيوانات ما عدا الدجاجة البرية إلى الوشق مهنئة بموت الزعيمة، لم يكن يتوقع أحد أن تنتهي هذه النهاية الأليمة. التفوا حول الوشق ليكون القرد أول من يبدأ:

"بعد هذا النصر وانتهاء الذئاب على هذا الأمر، لا بد أنها تفرقت، وتفتت شملها وتشتتت."

أكمل الدب:

"أيها الوشق العظيم، أنت لست معلمنا فقط، بل قائدنا ورائدنا، أنت حقاً السر، والسر يسري فيك."

قال الغزال:

"حيوا الوشق على كل طريق، نبايعه على المجد حتى في الضيق، أنت الأمل فينا، وسرك يسري فينا."

ولكن الوشق صرخ:

"كفاكم وحسبكم. يؤسفني أن أخبركم.... الآن ابتدأت معركتكم. فهل حسبتم أن الذئاب لن تنتقم!!! من ظن ذلك مسكين منهزم. فأعدوا عدتكم فهذا صراعكم وهذه أرضكم. وقبل أن تنظروا إلى السر وما يسري فيه. أعدوا أنفسكم وغيروا ما أنتم فيه."

نظر الغزال إلى الوشق باستغراب وقال:

"ولكن ما الذي نحن فيه! أطال الله عمرك وأمد أجلك"

نظر الوشق إلى الدب وقال:

"أيها الدب، أولم نتكلم عن العهد! أين الدجاجة البرية!"

"ماذا... أنا... أنا...."

"لقد خنت العهد، وقتلت الود، فلم تستطع أن تتحكم في شهوتك، فأكلتها بلحظة ما إن خرجتم من عندي ورأيتها."

"ولكن العهد أن لا أفكر بأسناني ولا بطعامي ما داموا عندك وبرغم ذلك أنا... " ولكن الوشق قاطعه وهو يصرخ:

"أو تخدعني!!! من تحسبني!!! هيا اغرب عن وجهي الآن وإياكم أن تكلموه حتى أنظر بأمره قبل فوات الأوان."

تراجع الدب خطوات والجميع ينظر إليه وقد نكس رأسه بين رجليه. يحاول أن ينظر بأسف ولكن الجميع تراجعوا وكأنهم نبذوه.

ثم وقف الوشق على الصخرة أمام جميع الحيوانات المهنئة:

"ما أقوله لكم ليس أن لا تأكلوا، أو لا تشربوا، ولكن إن عاهدتم فصونوا العهد، وان تكلمتم فاصدقوا القول، وهذا كان دائماً شرطي لمن أراد أن يدخل بيتي. ولكن أن يقتل بعضكم بعضاً!!! ويأكل بعضكم بعضاً!!! وتتباغضوا وتتحاسدوا!!! ثم تريدون أن تنتصروا!!! حاشا وكلا.... ليس النصر بالقتل ولكنه بالمعرفة والصبر، وليس السر شيئاً أخفيه ولكنه ظاهر في كل ما يبديه." ثم قفز بينهم وبدأ يجول ويتحدث:

"فأردتم معجزة من السماء فظهرت لكم، فلا يبحث عن المعجزات إلا شاكٌّ لا يبصر الآيات. فلا عجب إذن أن الذئاب قد سيطرت، وأحكمت قبضتها وتمكنت، فقد كنت أتوقع هذا الحال منذ تحول الإنسان وساءت الأحوال. اذهبوا من هنا ولا تأتوني إلا بعد أن تخلصوا، وبعهدكم توافوني."

وفعلاً ذهبت الحيوانات كلها مكسورة الخاطر إلا الغراب الذي قال:

"يا سيد وشق، أنا من علّم الإنسان منذ زمن الشفق، وأعرف بأن الجميع يظنونني محضر شر وشؤم ولكنني أقسم أنني طيب وأريد الطيب، فكيف يمكنني أن أساعد! فأريد تعلم السر وأكون لك بمثابة الساعد."

ولكن الوشق وبعد أن ضمن ذهاب كل الحيوانات،،،، وفجأة.... قفز على الغراب وأمسكه بأنيابه ومخالبه وأدخله بسرعة إلى كهفه.
Page 10
الشك والحل

"هل حقاً أنت من وضع السم! أي سوء هذا وأي شؤم!! ولكن ما هي مصلحتك! وماذا هدفك!!! قال الخفاش بعد أن هبط هو والبوم على شجرة بعيدة.

"ما هذا الكلام!! الثعلب ابن اللئام. لست أدري كيف أقنعهم بعد أن حسبت أني تمكنت منهم!!!

"هيا بربك أخبرني، ولن أخبر أحداً صدقني. هل أنت حقاً عميل للوشق؟ أم أنك جندي مرتزق؟"

"كفى أيها الخفاش، يكفيني شكلك الذي يحبس الأنفاس. أما كفاك بأنني قد حققت لك حلمك ومكّنتك من حمراء الخيل بعد أن أوشكت أن تنجح وتحرمك؟"

"نعم بهذا أصبت، فلولاك ربما كنت اليوم قتلت. ولكنني لست أفهم كيف وقع الذئب وتسمم!"

حكّ البوم رأسه وأردف قائلاً:

"ومن أين جاء الثعلب!!! فهذه أول مرة أراه. فما أعرفه أنه يعيش في العراء وهذه الأرض ليست مرعاه، فما الذي جاء به! وما الذي يريده!"

بعد صمت هنيهة، والجو قد غلفته الحيرة.... صرخ الخفاش:

"لقد وجدت الحل، وسوف نقلب السحر على الساحر ونسود الكل" وطار الخفاش وهو لا يزال يصرخ "تعال معي أيها البوم، أيها الصديق المشؤوم."

في ذلك الوقت وبعد أن شربت الذئاب من النهر، وبدا لها أنها شفيت بعد أن أكلت حبات التمر، عادوا إلى وكرهم وصحبوا معهم الثعلب ابن عمهم. نظر إليه أبتر بامتنان وقال:

"أخبرني أيها الثعلب، كيف نساعدك بعد أن أنقذتنا من السم وسوء المنقلب؟"

"يا سيدي ما سوف أطلبه ليس لي فقط ولكن لمصلحة الجميع. فهذا حالنا نحن الثعالب نفكر في مصالح الكل حتى الصغير الرضيع."

"لقد أنقذتنا من موت محقّق، فاطلب ما شئت وأضمنه لك حتى يتحقق."

"أطلب، أطلب.... أطلب...." أجاب الثعلب بتردد.

وقف أشرم وبدأ صبره ينفد، فهو لم يحب الثعلب برغم ما فعله وصرخ " تكلم."

جفل الثعلب مرعوباً وقال:

"أريد قطعة الأرض على الساحل، لأسكنها أنا وعائلتي بعد انتظار قاتل."

"ماذا!!! ولكن أين مصلحتنا في هذا!" قال أبتر مستغرباً.

"هي منطقة حيوية، والخيرات فيها أزلية، ولكن الطامعين فيها كثر، وعليه نكون لكم فيها عيونكم وأيديكم الحديدية." أجابه الثعلب.

تقدم أشرم بخطوات نحو أخيه وقال بصوت منخفض:

"أنا لا أوافق، فأنا لا أثق بالثعالب، وهذا يبدو أنه مخادع منافق."

تقدم أبتر بخطوات بين باقي الذئاب نحو الثعلب وقال:

"حتى وان كان ما تطلبه كثيراً، فإنقاذك لنا اليوم يعني شيئاً كثيراً. لك ما شئت والأرض ما دمت هذا ما تمنيت. ولكنها أرض الأيل، وحقهم فيها حتى يوضع الميزان والكيل. والجواميس البرية قريبة منها، وكثيراً ما ترعى فيها، وهي ليست معركتنا ولن نحاربها أو تحاربنا، فهي من يقف بطريقك وهي من سوف يعيقك."

تراجع الثعلب خطوات وقال:

"نعم يا سيدي، ما قلته حق، فهي أرض الأيل ما دمتم تقولون إن هذه هي الحقيقة، ولكن الحقيقة هي ما يكتبه التاريخ، والتاريخ يكتبه المنتصر، والمنتصر هو القوي صاحب الحيلة وليس المهزوم المنكسر. والقوي هو من يخطط ويدبر. وهذا هو الفارق بين الحق والحقيقة."

تقدم أشرم بخطوات نحو الثعلب وقال بغضب:

"ماذا تقصد!! هل تصدق أننا حقاً هزمنا!!! حتى وان قتلت زعيمتنا فما هي إلا بداية معركتنا."

ولكن أبتر شدّ على يد أخيه وقال:

"حسناً أيها الثعلب إن مكنتنا منها، كانت أرضك وكانت ملكك."

وأضاف أشرم:

"أضف إلى ذلك، أنك إن عرفت سر الوشق وما يخفيه، حميناك إلى الأبد من الأقدار وما تخفيه."

في تلك الأثناء هبط الخفاش على الشجرة قرب مزرعة الخيول وخلفه البوم ويبدو أنه يريد أن يعيد الكرّة.

"لا.... لا، لا تخبرني أنك تريد أن تعيد الكرة! أنا غبي لأنني تبعتك حتى هذه الشجرة." قال البوم.

"صدقني أن الخيول غبية وسوف نقتل الشقراء هذه المرة." أجابه الخفاش.

"اصمت وكفاك حماقة، أنا من سوف ينقذ الأمر بمنتهى اللباقة." قال البوم وهو يمسك بجناح الخفاش "إسمع: سوف أضربك على وجهك، ولكني لن أشوهك."

"ماذا!!!!! هل أنت جاد بهذا؟؟؟؟" صرخ الخفاش... وما أن أكمل صراخه حتى لطمه البوم بكل قوته على وجهه فأوقعه على الأرض.

"لقد فقأت عيني أيها البوم المشؤوم، ألم تقل بأنك لن تشوهني!!!" وأخذ يتأوه لشدة الألم " ولكن لماذا؟؟؟ وما الفائدة في هذا!!! ولماذا لست أنا من يضربك على عينك؟"

"ستعرف كل شيء في وقته، والشرح ليس هذا وقته... أما أنا فبحاجة إلى عيني، أما أنت فلا تحتاجها كما تعرف، أم تراك نسيت بأنك بصير وبقلبك تنظر وتطير، فلا تحتاج إلى العون ولا إلى العيون!!!" أجاب البوم وهو يضحك.