Page 1
الفصل الأول
الوسطية: مشـروع للنهضة
( 1 )هل نحن أمة وسط ؟
عندما نسأل عن هوية الأمة العربية والإسلامية، يكون السؤال عن طبيعة هذه الهوية وما يميزها؛ مما يصل بنا إلى معرفة الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، والقواعد الحاكمة لها، والنظام العام الذي يترجم قيمها الحضارية في الحياة. وسؤال الهوية ليس سؤالاً نظريًّا، بل سؤال عن الحاضـر والماضـي والمستقبل؛ لأنه ببساطة سؤال عن الطريق التي يجب أن نسلكها حتى نحقق الحياة التي تناسبنا وترضينا وتحقق ما نتمناه لمستقبلنا. فإذا عرفنا الأسس التي تقوم عليها حياتنا المعاصـرة، والتي قام عليها تاريخنا الحضاري، تمكنا من معرفة أفضل طريق لتحقيق مستقبل ناهض للأمة.
وسؤال الهوية، يظهر في لحظات الضعف والتراجع الحضاري، وفي اللحظات التي تواجه فيها الأمة تحديات خارجية تتمثل في العدوان الخارجي، وتحديات داخلية تتمثل في الاستبداد والفساد والتحلل الداخلي والتفكك والفتن والحروب الأهلية. وعندما تمر الأمة بأزمة، يصبح سؤال الهوية هو محاولة لإعادة تعريف الذات؛ حتى يتم بناء الذات الحضارية للأمة من جديد، وبالتالي تدخل الأمة في مرحلة جديدة من النهوض والتقدم. وعندما يظهر سؤال الهوية في لحظة الضعف، تتميز الإجابات بحالة صـراع داخلي، وصـراع مع القوى المهيمنة والأنظمة الحاكمة، أي تتميز محاولة الإجابة بصـراع مع الوضع القائم؛ لأن محاولة إعادة اكتشاف الهوية، هي محاولة لتغيير الواقع الراهن، مما يجعلها حالة نضال ضد كل القوى التي تسيطر على هذا الواقع، وتحاول الحفاظ عليه، ومنع كل محاولات تغييره.
سؤال الهوية أيضًا، يكون في لحظات القوة مجرد تحصيل حاصل، فالهوية معروفة ومطبقة ومتجسدة في واقع معاش، أما في لحظات الضعف والتراجع الحضاري، فيكون الواقع المعاش ممثلاً لحالة اضطراب واضح في إدراك الأمة لهويتها. يظهر هذا في حالات تفتيت الهوية والتي تظهر لدى بعض الجماعات، وهي محاولات للخروج من الهوية الجامعة، ويظهر هذا في ما تتعرض له الأمة من محاولات للهيمنة الحضارية الخارجية، أي محاولات التغريب؛ مما يؤدي إلى حالة اضطراب في وعي الأمة بذاتها.
وإذا أردنا معرفة هوية الأمة، يكون علينا النظر إلى الأمة نفسها. فمهما كانت درجة التراجع الحضاري، أو الضعف الداخلي، أو اضطراب القيم، فسنجد قيمًا أساسية تمثل المثل الأعلى للأمة، وهي قيم وجدت في الماضي، وما زالت توجد في الحاضـر، رغم عدم الالتزام الكامل بها، ورغم أنها لا تتحقق على أرض الواقع بوصفها قيمًا عليا حاكمة. فنحن لا نبحث عن هوية نستمدها من التاريخ ثم نعيد إنتاجها، ولكن نبحث عن هوية الأمة في وعيها الجمعي، ثم نعيد دورها وتأثيرها، لتصبح المنظم الأساسـي للحياة، وتصبح المحرك الأساسـي لفعل النهضة.
بهذا المعنى نرى أننا، كأي شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، نملك حضارة تميزنا ولها خصائصها الأساسية، والتي نكتسب منها هويتنا، ويتحدد من خلالها تعريفنا. وفي تصورنا يمكن تعريف الحضارات من خلال نظام القيم، أي مجموعة القيم الأساسية التي تمثل الحكم الأعلى المنظِّم لسلوك الناس ولقواعد الاجتماع البشـري، وللنظام السياسي، ولقواعد النهوض والتقدم. وتلك القيم تميز بين حضارة وأخرى، حيث تختلف أولوية كل قيمة ومعناها ودلالتها وكيفية تطبيقها في الحياة، بين الحضارات.
والتصور الذي نطرحه، هو أننا أمة الوسط، وأننا ننتمي لحضارة الوسط. ونعني بهذا أن الحضارة التي ننتمي لها تتميز بعدد من القواعد والقيم تجعلها تمثل نموذجًا حضاريًّا له خصائص تجعله نموذج الوسط الحضاري، عندما يقارن بنماذج حضارية أخرى. فنحن نمثل الوسط الحضاري في التاريخ البشـري للحضارات. وتلك الخاصية، والتي لا نرى أنها تفضيل لنا عن غيرنا، تمثل حجر الزاوية في فهم هويتنا الحضارية، ذلك الفهم الضـروري لتحريك فعل النهضة في حياتنا. قصدْنا من هذا القول إن الحضارة الإسلامية، هي حضارة الوسط، وأن كل المنتمين للأمة الإسلامية ينتمون لتلك الحضارة، وأن كل الثقافات والهويات الفرعية، وكل ما أقامته من حضارات عبر التاريخ، تنتمي في مجملها إلى حضارة الوسط. نقصد من هذا مثلاً، أن الهوية المصـرية وكل تراثها الحضاري، هي جزء من الهوية العربية، والأخيرة جزء من الهوية الإسلامية؛ لأنها كلها قامت على منظومة قيم الوسط، بوصفها واحدة من الاتجاهات الحضارية في التاريخ البشـري.
فهل نحن بالفعل أمة الوسط؟ وهل كنا وما زلنا أمة الوسط؟ هذا هو السؤال. والسؤال له أكثر من جانب، فهو يدور حول مدى صحة اعتبار منظومة القيم الحضارية التي ننتمي لها، بأنها قيم الوسط، وما معنى ذلك. والشق الآخر من السؤال، يدور حول استمرار الأمة في الانتماء لتلك المنظومة من القيم، في الماضـي والحاضـر، لدرجة تجعلها هوية الأمة في مستقبلها القادم.
الوسطية: مشـروع للنهضة
( 1 )هل نحن أمة وسط ؟
عندما نسأل عن هوية الأمة العربية والإسلامية، يكون السؤال عن طبيعة هذه الهوية وما يميزها؛ مما يصل بنا إلى معرفة الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، والقواعد الحاكمة لها، والنظام العام الذي يترجم قيمها الحضارية في الحياة. وسؤال الهوية ليس سؤالاً نظريًّا، بل سؤال عن الحاضـر والماضـي والمستقبل؛ لأنه ببساطة سؤال عن الطريق التي يجب أن نسلكها حتى نحقق الحياة التي تناسبنا وترضينا وتحقق ما نتمناه لمستقبلنا. فإذا عرفنا الأسس التي تقوم عليها حياتنا المعاصـرة، والتي قام عليها تاريخنا الحضاري، تمكنا من معرفة أفضل طريق لتحقيق مستقبل ناهض للأمة.
وسؤال الهوية، يظهر في لحظات الضعف والتراجع الحضاري، وفي اللحظات التي تواجه فيها الأمة تحديات خارجية تتمثل في العدوان الخارجي، وتحديات داخلية تتمثل في الاستبداد والفساد والتحلل الداخلي والتفكك والفتن والحروب الأهلية. وعندما تمر الأمة بأزمة، يصبح سؤال الهوية هو محاولة لإعادة تعريف الذات؛ حتى يتم بناء الذات الحضارية للأمة من جديد، وبالتالي تدخل الأمة في مرحلة جديدة من النهوض والتقدم. وعندما يظهر سؤال الهوية في لحظة الضعف، تتميز الإجابات بحالة صـراع داخلي، وصـراع مع القوى المهيمنة والأنظمة الحاكمة، أي تتميز محاولة الإجابة بصـراع مع الوضع القائم؛ لأن محاولة إعادة اكتشاف الهوية، هي محاولة لتغيير الواقع الراهن، مما يجعلها حالة نضال ضد كل القوى التي تسيطر على هذا الواقع، وتحاول الحفاظ عليه، ومنع كل محاولات تغييره.
سؤال الهوية أيضًا، يكون في لحظات القوة مجرد تحصيل حاصل، فالهوية معروفة ومطبقة ومتجسدة في واقع معاش، أما في لحظات الضعف والتراجع الحضاري، فيكون الواقع المعاش ممثلاً لحالة اضطراب واضح في إدراك الأمة لهويتها. يظهر هذا في حالات تفتيت الهوية والتي تظهر لدى بعض الجماعات، وهي محاولات للخروج من الهوية الجامعة، ويظهر هذا في ما تتعرض له الأمة من محاولات للهيمنة الحضارية الخارجية، أي محاولات التغريب؛ مما يؤدي إلى حالة اضطراب في وعي الأمة بذاتها.
وإذا أردنا معرفة هوية الأمة، يكون علينا النظر إلى الأمة نفسها. فمهما كانت درجة التراجع الحضاري، أو الضعف الداخلي، أو اضطراب القيم، فسنجد قيمًا أساسية تمثل المثل الأعلى للأمة، وهي قيم وجدت في الماضي، وما زالت توجد في الحاضـر، رغم عدم الالتزام الكامل بها، ورغم أنها لا تتحقق على أرض الواقع بوصفها قيمًا عليا حاكمة. فنحن لا نبحث عن هوية نستمدها من التاريخ ثم نعيد إنتاجها، ولكن نبحث عن هوية الأمة في وعيها الجمعي، ثم نعيد دورها وتأثيرها، لتصبح المنظم الأساسـي للحياة، وتصبح المحرك الأساسـي لفعل النهضة.
بهذا المعنى نرى أننا، كأي شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، نملك حضارة تميزنا ولها خصائصها الأساسية، والتي نكتسب منها هويتنا، ويتحدد من خلالها تعريفنا. وفي تصورنا يمكن تعريف الحضارات من خلال نظام القيم، أي مجموعة القيم الأساسية التي تمثل الحكم الأعلى المنظِّم لسلوك الناس ولقواعد الاجتماع البشـري، وللنظام السياسي، ولقواعد النهوض والتقدم. وتلك القيم تميز بين حضارة وأخرى، حيث تختلف أولوية كل قيمة ومعناها ودلالتها وكيفية تطبيقها في الحياة، بين الحضارات.
والتصور الذي نطرحه، هو أننا أمة الوسط، وأننا ننتمي لحضارة الوسط. ونعني بهذا أن الحضارة التي ننتمي لها تتميز بعدد من القواعد والقيم تجعلها تمثل نموذجًا حضاريًّا له خصائص تجعله نموذج الوسط الحضاري، عندما يقارن بنماذج حضارية أخرى. فنحن نمثل الوسط الحضاري في التاريخ البشـري للحضارات. وتلك الخاصية، والتي لا نرى أنها تفضيل لنا عن غيرنا، تمثل حجر الزاوية في فهم هويتنا الحضارية، ذلك الفهم الضـروري لتحريك فعل النهضة في حياتنا. قصدْنا من هذا القول إن الحضارة الإسلامية، هي حضارة الوسط، وأن كل المنتمين للأمة الإسلامية ينتمون لتلك الحضارة، وأن كل الثقافات والهويات الفرعية، وكل ما أقامته من حضارات عبر التاريخ، تنتمي في مجملها إلى حضارة الوسط. نقصد من هذا مثلاً، أن الهوية المصـرية وكل تراثها الحضاري، هي جزء من الهوية العربية، والأخيرة جزء من الهوية الإسلامية؛ لأنها كلها قامت على منظومة قيم الوسط، بوصفها واحدة من الاتجاهات الحضارية في التاريخ البشـري.
فهل نحن بالفعل أمة الوسط؟ وهل كنا وما زلنا أمة الوسط؟ هذا هو السؤال. والسؤال له أكثر من جانب، فهو يدور حول مدى صحة اعتبار منظومة القيم الحضارية التي ننتمي لها، بأنها قيم الوسط، وما معنى ذلك. والشق الآخر من السؤال، يدور حول استمرار الأمة في الانتماء لتلك المنظومة من القيم، في الماضـي والحاضـر، لدرجة تجعلها هوية الأمة في مستقبلها القادم.
Page 2
الوسط الجغرافي
من الجوانب المهمة في فهم الانتماء الحضاري، تلك المتعلقة بخريطة الحضارة عبر تاريخها. والناظر إلى خريطة الأمة الإسلامية، سيجد أنها تواجدت في وسط العالم، ومثلت خطًّا بين شماله وجنوبه، وخطًّا بين غربه وشـرقه. وأنها وجدت في منطقة ذات سمات جغرافية متعددة، ولكن الجزء الأكبر منها، مثل مناطق معتدلة جغرافيًّا. فالحيز الجغرافي للبلاد المنتمية للحضارة الإسلامية، وقع في المنطقة المتوسطة جغرافيًّا، والتي تمثل مركز العالم القديم، والتي تميزت بالصحراء. ثم نجد تمددًا وتنوعًا، بحيث يظهر أن منطقة العالم الإسلامي، تمر بمناطق حارة دون الأكثر حرارة، ومناطق باردة دون الأكثر برودة، ومناطق جبال وهضاب وغابات، ولا تصل إلى أكثر المناطق تميزًا بهذه الخصائص.
نقصد من هذا، أن المنطقة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، لها بعض الخصائص الجغرافية التي تميزها عن غيرها من المناطق التي قامت عليها حضارات أخرى. ولهذا نفترض أن منطقتنا العربية الإسلامية، كانت المنطقة الأنسب لتحقق حضارة الوسط. وأن الطبيعة الجغرافية ساهمت في تأسس تلك الحضارة وتحققها على الأرض. وأن الطبيعة الجغرافية لهذه المنطقة توافقت مع طبيعة حضارة الوسط وقيمها الأساسية، فأصبحت أفضل نطاق جغرافي لنمو حضارة الوسط. ويقوم هذا التصور على تأثر الإنسان بالطبيعة الجغرافية، والتي تؤثر على طبيعة الحياة وكيفية التعامل معها. ولكن هذا الوسط الجغرافي لم يكن كافيًا لقيام حضارة الوسط، فمنطقة الوسط الجغرافي وفي قلبها العالم القديم، كانت المنطقة المؤهلة لقيام حضارة الوسط، والتي لم تقم وتكتمل شـروطها، إلا عندما جاءت الرسالات السماوية لتلك المنطقة، فجعلتها بحق موطن ميلاد حضارة الوسط.
الدين والحضارة
كان للرسالات السماوية التي نزلت في المنطقة العربية أساسًا، ونعني بها اليهودية والمسيحية والإسلام، دور في تشكيل مآل حضارة المنطقة. والرسالات السماوية لم تأت لتشكيل طابع حضاري مناقض للطابع السائد لدى الناس، قدر ما جاءت لتهذيب النمط الحضاري السائد، من خلال تحديد مساحة المسموح والمرفوض، أي الحلال والحرام. ومن خلال التحريم، تم وضع حدود لسلوك الفرد، وبالتالي الجماعة، حتى تحمي الإنسان من نفسه، وتحمي المجتمع من تعدي بعض الأفراد عليه. فكانت فحوى الرسالة السماوية، في مجال الحياة والسلوك، هي منع الإنسان من الشـر وتوجيهه للخير. وبهذا التهذيب للحضارة، تم وضع قواعد تسمح للإنسان أن يحقق كيانه وفطرته التي خلق عليها، وتحميه من تشويه صورته وحياته وحياة الكون نفسه. وبهذا يكون الدين قد مثل الحكم الأعلى المنظم للحضارة، فأصبحت حضارة المنطقة، أي حضارة الوسط، تقوم على قواعد لتحقيق إنسانية الإنسان، أي تحقيق التوازن بين حاجات الإنسان ومتطلباته، وبين عمل الإنسان لتحقيق الأفضل والأكمل. وبهذا توجه إنسان المنطقة نحو مثال يحقق تكامله الإنساني، وتوازنه الداخلي، فتتحقق فطرته السليمة، والتي تقوم على تحقيق مصالحه في الحياة في إطار قيم عليا توجهه نحو المعنى الأعلى والأسمى للإنسانية.
تلك الصورة تقدم لنا كيف يمكن للإنسان تحقيق الحياة الكريمة، وهي الحياة التي يجد فيها تلبية لحاجاته ومتطلباته المادية والنفسية، كما يجد فيها إشباعًا لنزوع الإنسان نحو الخير. فيصبح مثلاً الدافع لتحسين حياة الفرد مرتبطًا بقدر ما يقوم به من خير تجاه المجتمع، ومرتبطًا بقدر حفاظه على المصلحة العامة، وعدم تعديه على حقوق الآخرين، ومرتبطًا أيضًا بقدرته على الالتزام بالقواعد الأخلاقية في عمله وكسبه وكل تصـرفاته. وهنا يصبح التنافس في العمل، مثلاً، لا يقوم على الاستغلال والسيطرة والاحتكار، ولا يقوم على إلحاق الضـرر بالآخرين، بل تصبح شـرعية ما يحققه الفرد لنفسه من حياة أفضل، ترتبط بمدى التزامه بالقيم والقواعد الأخلاقية، التي حددها الدين. وهنا تظهر مفاهيم مثل الكرامة والشـرف والأمانة، لتصبح هي المحدد للإطار المسموح فيه للفرد تحقيق مصالحه الخاصة، ما دام قد التزم بالقواعد العامة المتفق عليها.
بهذا وضع الدين قواعد حكمت حضارة المنطقة العربية والإسلامية، وهي قواعد تهدف لتحقيق التوازن الإنساني الداخلي بين متطلبات الحياة المادية وبين متطلبات الحياة الروحية، أي السمو الإنساني. وهي أيضًا قواعد تحقق للإنسان التكامل الداخلي، بين عقله وروحه ووجدانه وجسده، فيصبح إنسانًا كاملاً يحقق رفاهيته من خلال توجهه نحو الكمال.
دين ودنيا
لهذا أصبحت الأمة العربية والإسلامية، هي أمة الوسط. وهي ليست أمة وسط بين نقيضين كما يتصور البعض، ولكنها أمة الوسط بمعنى العدل والاعتدال، وبمعنى التكامل والتوازن. فإنسان حضارة الوسط مكلف بالعمران والعمل والسعي للرزق وتحصيل العلم، وفي نفس الوقت مكلف بالحفاظ على حقوق الآخرين، والعمل من أجل مساعدة المحتاجين، ومُطالب بعدم التعدي على حقوق الغير، وعدم تحصيل نفع على حساب الغير. وبهذا يكون طريق العدل والاعتدال إطارًا حاكمًا لحياة الإنسان في حضارة الوسط، وتكون حياته موجهة لتحقيق فطرته، وهي توازنه الداخلي وتكامله وتوجهه نحو الكمال.
هنا أصبح الجسد والروح كيانًا واحدًا، لا تعارض بينهما، أي أصبح الدين والدنيا معًا هما حياة واحدة متكاملة لا تعارض بينها (بين عناصـرها). وأصبحت احتياجات الروح واحتياجات الجسد كلاًّ واحدًا متجانسًا ومتسقًا، وغير متعارض، ومتكامل. لهذا ليس صحيحًا أن حضارة الوسط هي نقطة بين نقطتين، بل هي الأصل الإنساني كما نفهمه من خلال رؤيتنا الحضارية والدينية. فالإنسان كما نفهمه، هو كلٌّ واحد يتوحد ويتكامل على قاعدة الخير والتوجه للأفضل والأكمل؛ لذلك نقول إن حضارة الوسط هي حضارة الإنسان المتكامل، أو حضارة الفطرة، أي حضارة الكل الإنساني، بكل مكوناته الروحية والجسدية، أي المادية والمعنوية. وهذا أهم ما يميز مفهوم الوسط الحضاري، فهو يلغي الثنائيات التي تعرفها حضارات أخرى، ويُحِل بدلاً منها مكونًا واحدًا متكاملاً، بحيث نستطيع القول إن الإنسان هو مركز فكرة الوسط الحضاري. أما في الحضارات الأخرى، فنجد غلبة للجانب المادي أو المعنوي للإنسان، على حساب الجوانب الأخرى. كما نلاحظ الكثير من الثنائيات في النماذج الحضارية الأخرى، والتي تتعامل مع هذه الثنائيات بوصفها متناقضة، وتحاول حسم الخلاف بينها، وفي كثير من الأحيان يتم ذلك بتغليب طرف على آخر.
نخلص من هذا، أن حضارة الوسط تقوم على كل متكامل من الدين والدنيا، حيث الدين يحدد القواعد والأحكام والقيم العليا، والتي من خلالها يحقق الإنسان مصالحه الدنيوية؛ فتحميه قواعد الدين من تدمير نفسه أو مجتمعه أو البيئة أو المخلوقات الأخرى، وتتيح له تحقيق مصالحه الدنيوية، ولكن في نسق متوازن. وهذا هو جوهر حضارة الوسط، وأمة الوسط.
من الجوانب المهمة في فهم الانتماء الحضاري، تلك المتعلقة بخريطة الحضارة عبر تاريخها. والناظر إلى خريطة الأمة الإسلامية، سيجد أنها تواجدت في وسط العالم، ومثلت خطًّا بين شماله وجنوبه، وخطًّا بين غربه وشـرقه. وأنها وجدت في منطقة ذات سمات جغرافية متعددة، ولكن الجزء الأكبر منها، مثل مناطق معتدلة جغرافيًّا. فالحيز الجغرافي للبلاد المنتمية للحضارة الإسلامية، وقع في المنطقة المتوسطة جغرافيًّا، والتي تمثل مركز العالم القديم، والتي تميزت بالصحراء. ثم نجد تمددًا وتنوعًا، بحيث يظهر أن منطقة العالم الإسلامي، تمر بمناطق حارة دون الأكثر حرارة، ومناطق باردة دون الأكثر برودة، ومناطق جبال وهضاب وغابات، ولا تصل إلى أكثر المناطق تميزًا بهذه الخصائص.
نقصد من هذا، أن المنطقة التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، لها بعض الخصائص الجغرافية التي تميزها عن غيرها من المناطق التي قامت عليها حضارات أخرى. ولهذا نفترض أن منطقتنا العربية الإسلامية، كانت المنطقة الأنسب لتحقق حضارة الوسط. وأن الطبيعة الجغرافية ساهمت في تأسس تلك الحضارة وتحققها على الأرض. وأن الطبيعة الجغرافية لهذه المنطقة توافقت مع طبيعة حضارة الوسط وقيمها الأساسية، فأصبحت أفضل نطاق جغرافي لنمو حضارة الوسط. ويقوم هذا التصور على تأثر الإنسان بالطبيعة الجغرافية، والتي تؤثر على طبيعة الحياة وكيفية التعامل معها. ولكن هذا الوسط الجغرافي لم يكن كافيًا لقيام حضارة الوسط، فمنطقة الوسط الجغرافي وفي قلبها العالم القديم، كانت المنطقة المؤهلة لقيام حضارة الوسط، والتي لم تقم وتكتمل شـروطها، إلا عندما جاءت الرسالات السماوية لتلك المنطقة، فجعلتها بحق موطن ميلاد حضارة الوسط.
الدين والحضارة
كان للرسالات السماوية التي نزلت في المنطقة العربية أساسًا، ونعني بها اليهودية والمسيحية والإسلام، دور في تشكيل مآل حضارة المنطقة. والرسالات السماوية لم تأت لتشكيل طابع حضاري مناقض للطابع السائد لدى الناس، قدر ما جاءت لتهذيب النمط الحضاري السائد، من خلال تحديد مساحة المسموح والمرفوض، أي الحلال والحرام. ومن خلال التحريم، تم وضع حدود لسلوك الفرد، وبالتالي الجماعة، حتى تحمي الإنسان من نفسه، وتحمي المجتمع من تعدي بعض الأفراد عليه. فكانت فحوى الرسالة السماوية، في مجال الحياة والسلوك، هي منع الإنسان من الشـر وتوجيهه للخير. وبهذا التهذيب للحضارة، تم وضع قواعد تسمح للإنسان أن يحقق كيانه وفطرته التي خلق عليها، وتحميه من تشويه صورته وحياته وحياة الكون نفسه. وبهذا يكون الدين قد مثل الحكم الأعلى المنظم للحضارة، فأصبحت حضارة المنطقة، أي حضارة الوسط، تقوم على قواعد لتحقيق إنسانية الإنسان، أي تحقيق التوازن بين حاجات الإنسان ومتطلباته، وبين عمل الإنسان لتحقيق الأفضل والأكمل. وبهذا توجه إنسان المنطقة نحو مثال يحقق تكامله الإنساني، وتوازنه الداخلي، فتتحقق فطرته السليمة، والتي تقوم على تحقيق مصالحه في الحياة في إطار قيم عليا توجهه نحو المعنى الأعلى والأسمى للإنسانية.
تلك الصورة تقدم لنا كيف يمكن للإنسان تحقيق الحياة الكريمة، وهي الحياة التي يجد فيها تلبية لحاجاته ومتطلباته المادية والنفسية، كما يجد فيها إشباعًا لنزوع الإنسان نحو الخير. فيصبح مثلاً الدافع لتحسين حياة الفرد مرتبطًا بقدر ما يقوم به من خير تجاه المجتمع، ومرتبطًا بقدر حفاظه على المصلحة العامة، وعدم تعديه على حقوق الآخرين، ومرتبطًا أيضًا بقدرته على الالتزام بالقواعد الأخلاقية في عمله وكسبه وكل تصـرفاته. وهنا يصبح التنافس في العمل، مثلاً، لا يقوم على الاستغلال والسيطرة والاحتكار، ولا يقوم على إلحاق الضـرر بالآخرين، بل تصبح شـرعية ما يحققه الفرد لنفسه من حياة أفضل، ترتبط بمدى التزامه بالقيم والقواعد الأخلاقية، التي حددها الدين. وهنا تظهر مفاهيم مثل الكرامة والشـرف والأمانة، لتصبح هي المحدد للإطار المسموح فيه للفرد تحقيق مصالحه الخاصة، ما دام قد التزم بالقواعد العامة المتفق عليها.
بهذا وضع الدين قواعد حكمت حضارة المنطقة العربية والإسلامية، وهي قواعد تهدف لتحقيق التوازن الإنساني الداخلي بين متطلبات الحياة المادية وبين متطلبات الحياة الروحية، أي السمو الإنساني. وهي أيضًا قواعد تحقق للإنسان التكامل الداخلي، بين عقله وروحه ووجدانه وجسده، فيصبح إنسانًا كاملاً يحقق رفاهيته من خلال توجهه نحو الكمال.
دين ودنيا
لهذا أصبحت الأمة العربية والإسلامية، هي أمة الوسط. وهي ليست أمة وسط بين نقيضين كما يتصور البعض، ولكنها أمة الوسط بمعنى العدل والاعتدال، وبمعنى التكامل والتوازن. فإنسان حضارة الوسط مكلف بالعمران والعمل والسعي للرزق وتحصيل العلم، وفي نفس الوقت مكلف بالحفاظ على حقوق الآخرين، والعمل من أجل مساعدة المحتاجين، ومُطالب بعدم التعدي على حقوق الغير، وعدم تحصيل نفع على حساب الغير. وبهذا يكون طريق العدل والاعتدال إطارًا حاكمًا لحياة الإنسان في حضارة الوسط، وتكون حياته موجهة لتحقيق فطرته، وهي توازنه الداخلي وتكامله وتوجهه نحو الكمال.
هنا أصبح الجسد والروح كيانًا واحدًا، لا تعارض بينهما، أي أصبح الدين والدنيا معًا هما حياة واحدة متكاملة لا تعارض بينها (بين عناصـرها). وأصبحت احتياجات الروح واحتياجات الجسد كلاًّ واحدًا متجانسًا ومتسقًا، وغير متعارض، ومتكامل. لهذا ليس صحيحًا أن حضارة الوسط هي نقطة بين نقطتين، بل هي الأصل الإنساني كما نفهمه من خلال رؤيتنا الحضارية والدينية. فالإنسان كما نفهمه، هو كلٌّ واحد يتوحد ويتكامل على قاعدة الخير والتوجه للأفضل والأكمل؛ لذلك نقول إن حضارة الوسط هي حضارة الإنسان المتكامل، أو حضارة الفطرة، أي حضارة الكل الإنساني، بكل مكوناته الروحية والجسدية، أي المادية والمعنوية. وهذا أهم ما يميز مفهوم الوسط الحضاري، فهو يلغي الثنائيات التي تعرفها حضارات أخرى، ويُحِل بدلاً منها مكونًا واحدًا متكاملاً، بحيث نستطيع القول إن الإنسان هو مركز فكرة الوسط الحضاري. أما في الحضارات الأخرى، فنجد غلبة للجانب المادي أو المعنوي للإنسان، على حساب الجوانب الأخرى. كما نلاحظ الكثير من الثنائيات في النماذج الحضارية الأخرى، والتي تتعامل مع هذه الثنائيات بوصفها متناقضة، وتحاول حسم الخلاف بينها، وفي كثير من الأحيان يتم ذلك بتغليب طرف على آخر.
نخلص من هذا، أن حضارة الوسط تقوم على كل متكامل من الدين والدنيا، حيث الدين يحدد القواعد والأحكام والقيم العليا، والتي من خلالها يحقق الإنسان مصالحه الدنيوية؛ فتحميه قواعد الدين من تدمير نفسه أو مجتمعه أو البيئة أو المخلوقات الأخرى، وتتيح له تحقيق مصالحه الدنيوية، ولكن في نسق متوازن. وهذا هو جوهر حضارة الوسط، وأمة الوسط.
Page 3
هل كنا وما زلنا أمة الوسط؟
نعم كنا أمة الوسط، الأمة التي التزمت بالرسالات السماوية، وأصبحت الحاضن الأساسـي لها. والأمة التي قامت على تحقيق رسالة الدين في الحياة. ولكن ككل أمة أو شعب، مرت أمتنا بمراحل اختلف فيها مدى قدرتها على تحقيق مثلها الأعلى. فالأمة العربية والإسلامية حققت في العديد من المراحل النموذج الذي تسعى له، وهو التكامل بين الدنيا والدين، والتوازن بين الروح والجسد. ولكن الأمة مرت أيضًا بمراحل للإخفاق التاريخي والحضاري، والذي يتمثل في الخروج عن تكاملية الدين والدنيا، والبعد عن التوازن بين الروح والجسد، وهو ما يظهر في نزعة روحية انعزالية، أو بعد عن الإطار الديني في الحياة.
نقصد من هذا، أننا أمة الوسط، الأمة التي تتحقق تاريخيًّا وحضاريًّا، وبالتالي تنهض وتتقدم، من خلال التوازن والتكامل الإنساني، والذي يتيح للإنسان والمجتمع والأمة، إشباع كل الحاجات الإنسانية، دون تغليب جانب على آخر؛ من خلال الالتزام بالقواعد والقيم والأحكام الدينية. لهذا نرى أن وسطية الأمة لم تتحقق في كل لحظة، بل تحققت في لحظات النهوض، وتراجعت نسبيًّا في فترات التراجع أو التردي الحضاري. وفي اللحظة الراهنة، نتصور أن الأمة تحاول استعادة قدرتها على تحقيق نفسها، من خلال عملية الإحياء الديني والحضاري، وإحياء الهوية. ولهذا نصبح في لحظة تدافعٍ نحو الذات الحضارية للأمة، فإذا تحققت ذاتنا الوسطية مرة أخرى، كان ذلك عنوانًا لقدرتنا على النهوض من جديد.
تنوع في الوحدة
حتى نستطيع تحديد بعض الخصائص التي تميز حضارة الوسط عن غيرها من الحضارات، علينا النظر لفكرة الثابت والمتغير في الحضارة، أي الجوانب الثابتة التي تمثل أساس تميز الحضارة، والتي يفترض تواصلها عبر تاريخ تلك الحضارة، والجوانب المتغيرة فيها، والتي تميز مكانًا عن آخر، وتميز زمانًا عن آخر. وفي حضارة الوسط سنجد أن الثابت، هو بالفعل ثابت ومطلق في نفس الوقت، وهو أيضًا مقدس وإلهي. ولهذا تتميز حضارة الوسط بمساحة محددة من الثوابت، ولكنها مقدسة وغير قابلة للتغيير. وهذه الثوابت هي الثوابت الدينية. أما ما عدا ذلك، فيمثل مساحة الاختلاف والتنوع. ونتصور أن مساحة الاختلاف والتنوع كبيرة، ولكنها تقع داخل دائرة الثوابت المقدسة، وبالتالي فهي تمثل تنوعًا في إطار الوحدة. ويضاف للثوابت الدينية الطابع الحضاري المميز للحضارة الإسلامية، والذي يتمثل في بعض الخصائص الحضارية الأساسية، مثل الطابع الجماعي والأسـري، والتي تأكدت واستمرت من خلال تزاوجها وارتباطها مع الثوابت الدينية.
وهذا يختلف عن حضارات أخرى، حيث يكون الثابت فيها بشـريًّا، أي قيم من وضع البشـر، ولذلك يتم تأكيد هذا الثابت من خلال القوانين والنظم، حتى لا يتم الخروج عنها. وهنا تضيق مساحة الاختلاف والتنوع في المجال العام. وهذا النمط يغلب عليه التنميط، والمقصود منه وضع شـروط تفصيلية للمواطن المنتمي لحضارة ما، حتى لا يحدث خروج عنها. أما في حضارة الوسط، فلا حاجة لعملية التنميط؛ لأن إنسان هذه الحضارة يلتزم بالمقدس الديني والحضاري، ويتاح له التنوع والاختلاف داخل إطار هذا المقدس. فتماسك الثابت الحضاري في حضارة الوسط، ينتج من أنه يمثل حكمًا إلهيًّا مفارقًا للبشـر، يسمح بدرجة أكبر من التنوع والاختلاف. ولهذا شملت حضارة الوسط ثقافات وحضارات فرعية، وقوميات مختلفة. وهو أمر مهم؛ لأنه يعني أن المصـري ينتمي لحضارته المصـرية، بجانب انتمائه لحضارة الوسط، أي الحضارة العربية والإسلامية. لأن الحضارة المصـرية تقوم على المقدس الديني بوصفه المنظم الأعلى، والحضارة الإسلامية تقوم على نفس هذا المقدس. والأديان السماوية حددت إطارًا للقيم العليا التي تنظم الحياة، وأصبحت تلك القيم العليا الدينية، بمثابة الإطار الجامع للمسلم والمسيحي واليهودي. وبهذا تكون الحضارة المصـرية، هي فرع وأصل من أصول الحضارة الإسلامية؛ فهي فرع لأنها واحدة من مكونات تلك الحضارة، وهي أصل لأنها تمثل تاريخيًّا واحدة من جذور هذه الحضارة.
وهنا يظهر جوهر حضارة الوسط، فهو يُبنى على القيمة الدينية، والتي تنظم الحياة على قاعدة الخير، وتجعل الإنسان وحدة واحدة، تقوم على الروح والضمير، وتنظم الجانب المادي والجسدي من خلالهما، لتحقق التوازن الإنساني الداخلي، والتكامل الداخلي، للفرد والمجتمع والجماعة والأمة. وبهذه القاعدة تتحدد ثوابت أمة الوسط، وبداخلها وفي إطارها، تتعدد التيارات والقوميات والعقائد.
رسالة الوسط
نفهم من هذا التصور أن حضارة الوسط لها ما يميزها، ولذلك يكون لها رسالتها في التاريخ الإنساني. ورسالة حضارة الوسط تتركز في تحقيق التوازن والتكامل الإنساني من خلال تحكيم الرسالة السماوية بوصفها المنظم والحكم الأعلى. وبهذا تكون رسالة حضارة الوسط، هي دعوة لجعل القيمة الدينية هي الحكم الأساسي. فحضارة الوسط، وأمة الوسط، هي المكلفة بدعوة البشـرية لجعل الدين هو المنظم الأعلى للحياة، وهي المنوط بها مواجهة كل محاولات تحييد الدين، أو العداء له. فعلى أمة الوسط، الوقوف ضد محاولات عزل الدين عن الحياة، وعن السياسة والدولة، وعن النظام العام والمجال العام، أي عليها الوقوف في وجه العلمانية، أي الدنيوية، والتي تقوم على فصل الدين عن المجال العام، وتحكيم العقل البشـري فقط. وعلى أمة الوسط، الوقوف ضد أي حرب على الدين، وضد الأنظمة التي تحارب الدين، من خلال دعوة البشـرية للاحتكام للدين السماوي؛ لأنه المنظم الأعلى المطلق، والوحيد القادر على حفظ التوازن البشـري، وتوازن الخير مع الحاجات المادية، وتهذيب الطبيعة البشـرية، حتى لا تحطم نفسها أو عالمها وبيئتها.
وهنا نقول: إن رسالة الأمة الإسلامية لا تتوقف عند الدعوة للإسلام، ولكنها تمتد لدعوة غير المسلم، أي المسيحي واليهودي للالتزام بشـريعته. فإذا كانت الدعوة الدينية الإسلامية، هي دعوة لعقيدة الإسلام، فإن الدعوة الحضارية الإسلامية، هي دعوة لكل أصحاب الأديان السماوية، أي المسلم والمسيحي واليهودي، للتمسك بدينهم وعقيدتهم وشـريعتهم.
نعم كنا أمة الوسط، الأمة التي التزمت بالرسالات السماوية، وأصبحت الحاضن الأساسـي لها. والأمة التي قامت على تحقيق رسالة الدين في الحياة. ولكن ككل أمة أو شعب، مرت أمتنا بمراحل اختلف فيها مدى قدرتها على تحقيق مثلها الأعلى. فالأمة العربية والإسلامية حققت في العديد من المراحل النموذج الذي تسعى له، وهو التكامل بين الدنيا والدين، والتوازن بين الروح والجسد. ولكن الأمة مرت أيضًا بمراحل للإخفاق التاريخي والحضاري، والذي يتمثل في الخروج عن تكاملية الدين والدنيا، والبعد عن التوازن بين الروح والجسد، وهو ما يظهر في نزعة روحية انعزالية، أو بعد عن الإطار الديني في الحياة.
نقصد من هذا، أننا أمة الوسط، الأمة التي تتحقق تاريخيًّا وحضاريًّا، وبالتالي تنهض وتتقدم، من خلال التوازن والتكامل الإنساني، والذي يتيح للإنسان والمجتمع والأمة، إشباع كل الحاجات الإنسانية، دون تغليب جانب على آخر؛ من خلال الالتزام بالقواعد والقيم والأحكام الدينية. لهذا نرى أن وسطية الأمة لم تتحقق في كل لحظة، بل تحققت في لحظات النهوض، وتراجعت نسبيًّا في فترات التراجع أو التردي الحضاري. وفي اللحظة الراهنة، نتصور أن الأمة تحاول استعادة قدرتها على تحقيق نفسها، من خلال عملية الإحياء الديني والحضاري، وإحياء الهوية. ولهذا نصبح في لحظة تدافعٍ نحو الذات الحضارية للأمة، فإذا تحققت ذاتنا الوسطية مرة أخرى، كان ذلك عنوانًا لقدرتنا على النهوض من جديد.
تنوع في الوحدة
حتى نستطيع تحديد بعض الخصائص التي تميز حضارة الوسط عن غيرها من الحضارات، علينا النظر لفكرة الثابت والمتغير في الحضارة، أي الجوانب الثابتة التي تمثل أساس تميز الحضارة، والتي يفترض تواصلها عبر تاريخ تلك الحضارة، والجوانب المتغيرة فيها، والتي تميز مكانًا عن آخر، وتميز زمانًا عن آخر. وفي حضارة الوسط سنجد أن الثابت، هو بالفعل ثابت ومطلق في نفس الوقت، وهو أيضًا مقدس وإلهي. ولهذا تتميز حضارة الوسط بمساحة محددة من الثوابت، ولكنها مقدسة وغير قابلة للتغيير. وهذه الثوابت هي الثوابت الدينية. أما ما عدا ذلك، فيمثل مساحة الاختلاف والتنوع. ونتصور أن مساحة الاختلاف والتنوع كبيرة، ولكنها تقع داخل دائرة الثوابت المقدسة، وبالتالي فهي تمثل تنوعًا في إطار الوحدة. ويضاف للثوابت الدينية الطابع الحضاري المميز للحضارة الإسلامية، والذي يتمثل في بعض الخصائص الحضارية الأساسية، مثل الطابع الجماعي والأسـري، والتي تأكدت واستمرت من خلال تزاوجها وارتباطها مع الثوابت الدينية.
وهذا يختلف عن حضارات أخرى، حيث يكون الثابت فيها بشـريًّا، أي قيم من وضع البشـر، ولذلك يتم تأكيد هذا الثابت من خلال القوانين والنظم، حتى لا يتم الخروج عنها. وهنا تضيق مساحة الاختلاف والتنوع في المجال العام. وهذا النمط يغلب عليه التنميط، والمقصود منه وضع شـروط تفصيلية للمواطن المنتمي لحضارة ما، حتى لا يحدث خروج عنها. أما في حضارة الوسط، فلا حاجة لعملية التنميط؛ لأن إنسان هذه الحضارة يلتزم بالمقدس الديني والحضاري، ويتاح له التنوع والاختلاف داخل إطار هذا المقدس. فتماسك الثابت الحضاري في حضارة الوسط، ينتج من أنه يمثل حكمًا إلهيًّا مفارقًا للبشـر، يسمح بدرجة أكبر من التنوع والاختلاف. ولهذا شملت حضارة الوسط ثقافات وحضارات فرعية، وقوميات مختلفة. وهو أمر مهم؛ لأنه يعني أن المصـري ينتمي لحضارته المصـرية، بجانب انتمائه لحضارة الوسط، أي الحضارة العربية والإسلامية. لأن الحضارة المصـرية تقوم على المقدس الديني بوصفه المنظم الأعلى، والحضارة الإسلامية تقوم على نفس هذا المقدس. والأديان السماوية حددت إطارًا للقيم العليا التي تنظم الحياة، وأصبحت تلك القيم العليا الدينية، بمثابة الإطار الجامع للمسلم والمسيحي واليهودي. وبهذا تكون الحضارة المصـرية، هي فرع وأصل من أصول الحضارة الإسلامية؛ فهي فرع لأنها واحدة من مكونات تلك الحضارة، وهي أصل لأنها تمثل تاريخيًّا واحدة من جذور هذه الحضارة.
وهنا يظهر جوهر حضارة الوسط، فهو يُبنى على القيمة الدينية، والتي تنظم الحياة على قاعدة الخير، وتجعل الإنسان وحدة واحدة، تقوم على الروح والضمير، وتنظم الجانب المادي والجسدي من خلالهما، لتحقق التوازن الإنساني الداخلي، والتكامل الداخلي، للفرد والمجتمع والجماعة والأمة. وبهذه القاعدة تتحدد ثوابت أمة الوسط، وبداخلها وفي إطارها، تتعدد التيارات والقوميات والعقائد.
رسالة الوسط
نفهم من هذا التصور أن حضارة الوسط لها ما يميزها، ولذلك يكون لها رسالتها في التاريخ الإنساني. ورسالة حضارة الوسط تتركز في تحقيق التوازن والتكامل الإنساني من خلال تحكيم الرسالة السماوية بوصفها المنظم والحكم الأعلى. وبهذا تكون رسالة حضارة الوسط، هي دعوة لجعل القيمة الدينية هي الحكم الأساسي. فحضارة الوسط، وأمة الوسط، هي المكلفة بدعوة البشـرية لجعل الدين هو المنظم الأعلى للحياة، وهي المنوط بها مواجهة كل محاولات تحييد الدين، أو العداء له. فعلى أمة الوسط، الوقوف ضد محاولات عزل الدين عن الحياة، وعن السياسة والدولة، وعن النظام العام والمجال العام، أي عليها الوقوف في وجه العلمانية، أي الدنيوية، والتي تقوم على فصل الدين عن المجال العام، وتحكيم العقل البشـري فقط. وعلى أمة الوسط، الوقوف ضد أي حرب على الدين، وضد الأنظمة التي تحارب الدين، من خلال دعوة البشـرية للاحتكام للدين السماوي؛ لأنه المنظم الأعلى المطلق، والوحيد القادر على حفظ التوازن البشـري، وتوازن الخير مع الحاجات المادية، وتهذيب الطبيعة البشـرية، حتى لا تحطم نفسها أو عالمها وبيئتها.
وهنا نقول: إن رسالة الأمة الإسلامية لا تتوقف عند الدعوة للإسلام، ولكنها تمتد لدعوة غير المسلم، أي المسيحي واليهودي للالتزام بشـريعته. فإذا كانت الدعوة الدينية الإسلامية، هي دعوة لعقيدة الإسلام، فإن الدعوة الحضارية الإسلامية، هي دعوة لكل أصحاب الأديان السماوية، أي المسلم والمسيحي واليهودي، للتمسك بدينهم وعقيدتهم وشـريعتهم.
Page 4
( 2 )الوسطية ..مشـروع نهضة حضارية
عندما نعرف الحضارة الإسلامية، بأنها حضارة الوسط، ونقصد من ذلك أنها حضارة التكامل بين الروح والجسد ورفض الثنائية أو التناقض بينهما، عندئذ تصبح الأمة الإسلامية كلها تنتمي لهذه الحضارة الوسطية. ولكن عندما نتكلم عن الوسطية بوصفها مشـروعًا حضاريًّا، فنحن نتكلم عندئذ عن فعل النهضة داخل الحضارة الإسلامية، حضارة الوسط. وبنفس المعنى، فإن كل فرد في الأمة ينتمي للحضارة العربية والإسلامية، والمسلم هو من ينتمي للعقيدة الإسلامية، كما ينتمي للحضارة الإسلامية، والمسيحي من أبناء أمتنا ينتمي للعقيدة المسيحية، كما ينتمي للحضارة العربية والإسلامية. ولكن في المقابل يمكن أن نعرف الإسلامي، بأنه من يتبنى مشـروعًا للإصلاح والتغيير من داخل المنظومة الحضارية الإسلامية، وهو من يؤمن بأهمية تطبيق النموذج الحضاري الإسلامي في المجال العام والنظام السياسـي والاجتماعي. وبهذا يكون الإسلامي هو من يتبنى المشـروع الإصلاحي الحضاري الإسلامي. وكذلك الوسطي، فهو الإسلامي الذي يتبنى الخيار الوسطي في المرجعية الحضارية الإسلامية، ويحوله إلى مشـروع للإصلاح والتغيير والنهضة.
نقصد من هذا، أننا ننتمي جميعًا لحضارة الوسط، ومشاريع التغيير الجذري والعنيف، تنتمي أيضًا لحضارة الوسط. ومشاريع التغيير المتشددة أو التي تميل للتطرف، تنتمي أيضًا إلى حضارة الوسط، أعني الحضارة الإسلامية. ولكن الوسطية هي مشـروع آخر ينتمي أيضًا لحضارة الوسط، فهي مشـروع للنهوض من خلال الحفاظ على ميزان الوسطية في حضارة الوسط. أي إن الوسطية في تصورنا، هي محاولة للنهوض من خلال الحفاظ على السمات الأساسية والجوهرية لحضارة الوسط الإسلامية.
ويحتاج الأمر لبعض التوضيح. فنحن نعرف الحضارة الإسلامية الوسطية، بأنها تقوم على التوازن بين الروح والجسد، وتنظيم العلاقة بينهما بصورة تنفي التعارض، على قاعدة الالتزام بأحكام الدين كوسيلة أساسية ونهائية لإزالة التعارض بين الروح والجسد، وتحويل تلك الثنائية إلى كيان واحد، هو الإنسان الذي يبغي الكمال، أي يتوق للاقتراب من الكمال الذي حددته الرسالات السماوية. بهذا تصبح الحركة الوسطية هي محاولة للحفاظ على هذا التوازن والتكامل خلال عملية الإصلاح المجتمعي والسياسـي وعملية الإحياء الديني.
فالوسطية هي اختيار حركي وفقهي وفكري داخل حضارة الوسط الإسلامية. وهي ليست مجرد حركة، ولكنها في تصورنا الحركة التي تقود للنهضة؛ لأنها محاولة لاكتشاف أهم نقاط القوة في الحضارة الإسلامية. وتحريك نقاط القوة في أي حضارة، هو بداية استعادتها لنهضتها وقوتها وقدرتها على مقاومة الهيمنة الخارجية والتردي والتدهور الداخلي.
الإفراط دفاع.. والتفريط استسلام
حتى نكتشف طريق الوسطية في حضارة الوسط الإسلامية، علينا معرفة بعض الاتجاهات الأخرى، لنعرف من خلالها خيار الوسطية. ففي كل حضارة يظهر التطرف في أكثر من اتجاه. والتطرف في عمومه، يمثل خيارًا وقتيًّا أو مرحليًّا؛ لأن التطرف يعني البعد عن ما هو شائع في الحضارة عبر معظم تاريخها وفي معظم مكانها، أي إن التطرف هو البعد عن ما هو شائع في معظم الزمان ومعظم المكان. وقد يكون التطرف أيضًا، هو استدعاء لموقف في غير زمانه أو غير مكانه، أو تشدد في غير موضعه، أو مرونة في غير موضعها، أي اختلال في تقييم الواقع وتحديد الموقف منه.
والتطرف في النهاية يمثل فعلاً لا يؤدي إلى تحقيق الغايات العظمى لقيم ومبادئ الحضارة، فهو محاولة قد تؤدي إلى الخروج من قيم الحضارة، أو تؤدي إلى تعظيم الجمود والركود الحضاري. فالتطرف في غالبه رد فعل على الواقع، ولكنه رد فعل غير مبادِر، لا يستطيع تغيير الواقع، فيقع أسير الواقع، أو يقع في الانغلاق ليحمي نفسه من الواقع.
لهذا نتصور أن الإفراط هو نوع من حماية الذات، وهو تمادي في التدين أو تزيّد في التدين، يهدف أساسًا لحماية الذات الحضارية من الواقع المحيط بها. ولكن هذا الإفراط والذي قد ينجح في حماية الذات من الأخطار التي تهدد هويتها وقيمها، لا ينجح في الخروج بالأمة من حالة التراجع الحضاري إلى حالة النهضة، بل يضع الأمة داخل إطار من التشدد يحميها، ولكنه في الوقت نفسه يمنعها من الحركة والحراك، وبالتالي يمنعها من فعل النهضة.
وفي المقابل نجد أن التفريط هو نوع من الاستسلام للواقع، بقدر ما. وهذا الاستسلام ينتج من عدم القدرة على مواجهة الواقع، ومن الرغبة في تسيير شئون الحياة، رغم الواقع الصعب. ونجدها توجهات تميل إلى قبول قدر من الواقع الغريب عن هويتنا وحضارتنا، حتى تستطيع من وجهة نظرها الحفاظ على الجوانب الأخرى التي تميز حضارتنا. واتجاهات أخرى تحاول جعل حضارتنا متصالحة مع الأوضاع المفروضة علينا، حتى يمكن التكيف مع الواقع. وهنا تغيب الحضارة بوصفها إطارًا مرجعيًّا، ليصبح الواقع هو الإطار المرجعي، الذي تعرف حضارتنا وفقًا له. وفي كل الحالات، سنجد أن اتجاه التفريط يحقق قدرًا من التكيف الوقتي مع الواقع، ولكنه قد يخرج تدريجيًّا أو نسبيًّا عن القيم والمبادئ العليا لحضارتنا، أي يفشل في تحقيق الغايات النهائية لهويتنا الحضارية.
هنا تصبح الوسطية هي استعادة الهوية الحضارية والدينية للأمة، لا لتحافظ عن نفسها من الواقع المحيط بها، بل لتغير الواقع ليعبر عن قيمها ومبادئها. وتصبح الوسطية هي محاولة للتعايش في الواقع لإصلاحه، وليس للتكيف معه. فالوسطية إذن، هي استعادة هوية الأمة والالتزام بها دون إفراط أو تفريط، وهي موقف لإصلاح الواقع دون إفراط أو تفريط أيضًا. ولهذا نعتبر الوسطية مشـروعًا يقوم على التمييز بين الثوابت والمتغيرات في انتمائنا الحضاري والديني. بحيث لا يتم التمادي في الثوابت، والذي هو نوع من الإفراط، ولا يتم تعظيم المتغير على حساب الثوابت، والذي هو نوع من التفريط.
عندما نعرف الحضارة الإسلامية، بأنها حضارة الوسط، ونقصد من ذلك أنها حضارة التكامل بين الروح والجسد ورفض الثنائية أو التناقض بينهما، عندئذ تصبح الأمة الإسلامية كلها تنتمي لهذه الحضارة الوسطية. ولكن عندما نتكلم عن الوسطية بوصفها مشـروعًا حضاريًّا، فنحن نتكلم عندئذ عن فعل النهضة داخل الحضارة الإسلامية، حضارة الوسط. وبنفس المعنى، فإن كل فرد في الأمة ينتمي للحضارة العربية والإسلامية، والمسلم هو من ينتمي للعقيدة الإسلامية، كما ينتمي للحضارة الإسلامية، والمسيحي من أبناء أمتنا ينتمي للعقيدة المسيحية، كما ينتمي للحضارة العربية والإسلامية. ولكن في المقابل يمكن أن نعرف الإسلامي، بأنه من يتبنى مشـروعًا للإصلاح والتغيير من داخل المنظومة الحضارية الإسلامية، وهو من يؤمن بأهمية تطبيق النموذج الحضاري الإسلامي في المجال العام والنظام السياسـي والاجتماعي. وبهذا يكون الإسلامي هو من يتبنى المشـروع الإصلاحي الحضاري الإسلامي. وكذلك الوسطي، فهو الإسلامي الذي يتبنى الخيار الوسطي في المرجعية الحضارية الإسلامية، ويحوله إلى مشـروع للإصلاح والتغيير والنهضة.
نقصد من هذا، أننا ننتمي جميعًا لحضارة الوسط، ومشاريع التغيير الجذري والعنيف، تنتمي أيضًا لحضارة الوسط. ومشاريع التغيير المتشددة أو التي تميل للتطرف، تنتمي أيضًا إلى حضارة الوسط، أعني الحضارة الإسلامية. ولكن الوسطية هي مشـروع آخر ينتمي أيضًا لحضارة الوسط، فهي مشـروع للنهوض من خلال الحفاظ على ميزان الوسطية في حضارة الوسط. أي إن الوسطية في تصورنا، هي محاولة للنهوض من خلال الحفاظ على السمات الأساسية والجوهرية لحضارة الوسط الإسلامية.
ويحتاج الأمر لبعض التوضيح. فنحن نعرف الحضارة الإسلامية الوسطية، بأنها تقوم على التوازن بين الروح والجسد، وتنظيم العلاقة بينهما بصورة تنفي التعارض، على قاعدة الالتزام بأحكام الدين كوسيلة أساسية ونهائية لإزالة التعارض بين الروح والجسد، وتحويل تلك الثنائية إلى كيان واحد، هو الإنسان الذي يبغي الكمال، أي يتوق للاقتراب من الكمال الذي حددته الرسالات السماوية. بهذا تصبح الحركة الوسطية هي محاولة للحفاظ على هذا التوازن والتكامل خلال عملية الإصلاح المجتمعي والسياسـي وعملية الإحياء الديني.
فالوسطية هي اختيار حركي وفقهي وفكري داخل حضارة الوسط الإسلامية. وهي ليست مجرد حركة، ولكنها في تصورنا الحركة التي تقود للنهضة؛ لأنها محاولة لاكتشاف أهم نقاط القوة في الحضارة الإسلامية. وتحريك نقاط القوة في أي حضارة، هو بداية استعادتها لنهضتها وقوتها وقدرتها على مقاومة الهيمنة الخارجية والتردي والتدهور الداخلي.
الإفراط دفاع.. والتفريط استسلام
حتى نكتشف طريق الوسطية في حضارة الوسط الإسلامية، علينا معرفة بعض الاتجاهات الأخرى، لنعرف من خلالها خيار الوسطية. ففي كل حضارة يظهر التطرف في أكثر من اتجاه. والتطرف في عمومه، يمثل خيارًا وقتيًّا أو مرحليًّا؛ لأن التطرف يعني البعد عن ما هو شائع في الحضارة عبر معظم تاريخها وفي معظم مكانها، أي إن التطرف هو البعد عن ما هو شائع في معظم الزمان ومعظم المكان. وقد يكون التطرف أيضًا، هو استدعاء لموقف في غير زمانه أو غير مكانه، أو تشدد في غير موضعه، أو مرونة في غير موضعها، أي اختلال في تقييم الواقع وتحديد الموقف منه.
والتطرف في النهاية يمثل فعلاً لا يؤدي إلى تحقيق الغايات العظمى لقيم ومبادئ الحضارة، فهو محاولة قد تؤدي إلى الخروج من قيم الحضارة، أو تؤدي إلى تعظيم الجمود والركود الحضاري. فالتطرف في غالبه رد فعل على الواقع، ولكنه رد فعل غير مبادِر، لا يستطيع تغيير الواقع، فيقع أسير الواقع، أو يقع في الانغلاق ليحمي نفسه من الواقع.
لهذا نتصور أن الإفراط هو نوع من حماية الذات، وهو تمادي في التدين أو تزيّد في التدين، يهدف أساسًا لحماية الذات الحضارية من الواقع المحيط بها. ولكن هذا الإفراط والذي قد ينجح في حماية الذات من الأخطار التي تهدد هويتها وقيمها، لا ينجح في الخروج بالأمة من حالة التراجع الحضاري إلى حالة النهضة، بل يضع الأمة داخل إطار من التشدد يحميها، ولكنه في الوقت نفسه يمنعها من الحركة والحراك، وبالتالي يمنعها من فعل النهضة.
وفي المقابل نجد أن التفريط هو نوع من الاستسلام للواقع، بقدر ما. وهذا الاستسلام ينتج من عدم القدرة على مواجهة الواقع، ومن الرغبة في تسيير شئون الحياة، رغم الواقع الصعب. ونجدها توجهات تميل إلى قبول قدر من الواقع الغريب عن هويتنا وحضارتنا، حتى تستطيع من وجهة نظرها الحفاظ على الجوانب الأخرى التي تميز حضارتنا. واتجاهات أخرى تحاول جعل حضارتنا متصالحة مع الأوضاع المفروضة علينا، حتى يمكن التكيف مع الواقع. وهنا تغيب الحضارة بوصفها إطارًا مرجعيًّا، ليصبح الواقع هو الإطار المرجعي، الذي تعرف حضارتنا وفقًا له. وفي كل الحالات، سنجد أن اتجاه التفريط يحقق قدرًا من التكيف الوقتي مع الواقع، ولكنه قد يخرج تدريجيًّا أو نسبيًّا عن القيم والمبادئ العليا لحضارتنا، أي يفشل في تحقيق الغايات النهائية لهويتنا الحضارية.
هنا تصبح الوسطية هي استعادة الهوية الحضارية والدينية للأمة، لا لتحافظ عن نفسها من الواقع المحيط بها، بل لتغير الواقع ليعبر عن قيمها ومبادئها. وتصبح الوسطية هي محاولة للتعايش في الواقع لإصلاحه، وليس للتكيف معه. فالوسطية إذن، هي استعادة هوية الأمة والالتزام بها دون إفراط أو تفريط، وهي موقف لإصلاح الواقع دون إفراط أو تفريط أيضًا. ولهذا نعتبر الوسطية مشـروعًا يقوم على التمييز بين الثوابت والمتغيرات في انتمائنا الحضاري والديني. بحيث لا يتم التمادي في الثوابت، والذي هو نوع من الإفراط، ولا يتم تعظيم المتغير على حساب الثوابت، والذي هو نوع من التفريط.
Page 5
الوسطية بين الثابت والمتغير
نتصور أن الثوابت هي القيم العليا والغايات النهائية، والمتغيرات هي الوسائل والأدوات والأنظمة والقواعد التي تستخدم لتحقيق الغايات النهائية. والقواعد التي لا تقبل التغيير، هي الأحكام الدينية الجزئية، والتي جاءت بنصوص قطعية الدلالة والثبوت. فإذ قلنا إن حضارة الوسط الإسلامية تقوم على قيمة العدل، بوصفها القيمة المركزية المنظمة للحياة، وبوصفها قيمة مطلقة، بهذا تصبح غاية النهضة الإسلامية هي تحقيق النظام العادل. فإذا مال اتجاه لتحقيق هذا النظام بصورة مستمدة من التاريخ كما هي، كان ذلك تثبيتًا لجانب متغير، وإذا رأى البعض أن العدل بمفهومه المطلق لا يمكن تحقيقه واستبدله بالعدالة النسبية، كان ذلك تغييرًا لثابت من ثوابت الحضارة.
لهذا نقول إن الوسطية هي عملية جهاد مع النفس، ومع العقل، ومع الواقع. لأنها محاولة مستمرة للإصلاح، ومحاولة مستمرة للتمسك بطريق الوسطية، ومحاولة مستمرة للتمييز بين الثابت والمتغير. وعبر تجربة الإصلاح، والتي يقوم بها من ينتمي للوسطية كمشـروع للإصلاح والنهضة، سوف نجد المسار يصحح نفسه تدريجيًّا، باكتشاف ما اعتبر ثابتًا وهو من الجوانب المتغيرة. وسنلاحظ في الحضارة الإسلامية خاصة، أن الاتجاهات الوسطية تتحرك في موجات تميل هنا أو هناك أحيانًا، وهي في الواقع تحاول تحقيق توازنها الداخلي، والتوازن بين الثابت والمتغير، والتوازن بين التعايش في الواقع وإصلاحه.
التقليد والتجديد
نتصور أن الوسطية بوصفها مشـروعًا لنهضة الحضارة العربية الإسلامية، تواجه العديد من التحديات. ففعل النهضة هو فعل تطوير وإصلاح وتغيير، لمختلف جوانب الحياة، من أجل بناء واقع جديد. وفعل النهضة هو بناء جديد لانتماء أصيل. فإذا كانت الحضارة الإسلامية كغيرها من الحضارات، تقوم على منظومة قيم أساسية، تمثل جوهر الحضارة، فالنهضة الحضارية هي بناء جديد يعبر عن تلك القيم. هنا تظهر ضـرورة التجديد الحضاري، بوصفها العملية الأساسية لتحقيق النهضة. وفي المقابل نجد أن الاتجاه التقليدي، ونعني به تقليد السوابق الحضارية، يعرقل فعل النهضة. وأحيانًا كثيرة يكون تقليد السوابق الماضية هو نوع من الحفاظ على القيم الأصيلة، ولكن هذا التقليد يدخلنا في عملية استعادة الهوية والحفاظ عليها، أي الدفاع عن الهوية في قالب جامد.
والاتجاه التقليدي، أي تقليد السلف، يمثل مرحلة من مراحل الجمود الحضاري، وقد يمثل مرحلة بداية استعادة الهوية، أو مرحلة الدفاع عن النفس تجاه الغزو الثقافي والحضاري الخارجي. ولكن الاتجاه التقليدي لا يستطيع تحقيق النهضة. لذا تصبح عملية التجديد هي المحرك الفاعل لفعل النهضة، والمحك الأساسـي لنجاح عملية التجديد الحضاري، يتمثل في القدرة على تحقيق القيم الحضارية الأصيلة بطرق جديدة، تكون أفضل وأنجح من أي طرق استخدمت في الماضي.
ونتصور مثلاً، أن التوصل إلى تصور عن النظام السياسـي الذي يحقق العدل بوصفه القيمة العليا في المنظومة العربية الإسلامية، ويحقق الشورى بوصفها القيمة المهمة التي غابت عن جزء كبير من التاريخ العربي الإسلامي، يعد خطوة مهمة لتحقيق نموذج سياسـي جديد، يقدر على تحقيق تطلعات الأمة، ويحقق لها التقدم في مختلف الميادين.
وهنا يصبح من الضـروري التنبيه على خطورة نوع آخر من التقليد، وهو تقليد الآخر، خاصة تقليد الآخر المتقدم. فلا يمكن أن نحقق مشـروعًا للنهضة يعتمد على تقليد الغرب في مشـروعه السياسي، أو في نظمه وقوانينه. والتقليد هنا يختلف عن التعلم والاقتباس، فالأدوات الديمقراطية مثلاً، تمثل عناصـر مهمة يمكن أن تحقق لنا أنسب وسيلة لاختيار الحاكم ومساءلته، وأنسب وسيلة للتداول السلمي للسلطة. ولكن علينا التنبه أن فكرة استيراد أدوات العمل الديمقراطي كما هي ثم تطبيقها، دون النظر في كيفية تطويرها لتناسب طبيعة مجتمعاتنا، قد يؤدي إلى عدم فاعلية النظام الديمقراطي في تحقيق الهدف منه.
بهذا يصبح التجديد ضـروريًّا، والبعد عن تقليد الآخر أو السلف مهمًّا. فعملية التجديد هي حركة نحو المستقبل، تقوم أساسًا على القدرة على الابتكار والبحث عن طرق وأساليب جديدة؛ مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق إنجاز جديد. فأي حضارة تنهض، كما حدث في كل تاريخ البشـرية، تكون مصدرًا لرؤى وتطبيقات وإنجازات جديدة، ولم تنهض حضارة بأن قلدت غيرها، ولكن لم تنهض حضارة أيضًا دون أن تستفيد من الحضارات الأخرى. لهذا نرى أن الوسطية، هي الميزان الذي يجعلنا نستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين، وفي نفس الوقت نجدد دنيانا، من خلال مرجعيتنا العليا، الدينية والحضارية.
المعركة المزدوجة
تلك هي معركة مشـروع الوسطية: مواجهة التردي الحضاري الداخلي، ومواجهة الاستبداد السياسي، ومقاومة العدوان الخارجي، ومواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، ومشاريع التغريب والعلمنة. لهذا نرى أن مشـروع الوسطية، هو معركة من أجل النهضة. وسنلاحظ حجم العداء لهذا المشـروع، من كل القوى التي تريد الحفاظ على الواقع الحالي؛ لأنه ببساطة يملك بديلاً آخر للمستقبل.
واتجاه الوسطية في حضارتنا يقوم على إنهاض جوهر حضارة الوسط، أي إنه مشـروع يقوم على الإحياء الحضاري والديني، وهو بهذا مشـروع تكاملي، يربط بين إحياء الدين وإصلاح السياسة والمجتمع. وتلك خاصية مهمة؛ لأن بعض الحضارات تنهض من خلال تطوير الجانب المادي فقط، وتحقق نهضة مادية متقدمة. والبعض قد يتصور إمكانية تحقيق النهضة العربية الإسلامية من خلال الإحياء الديني فقط، ولكن الوسطية والتي تقوم على الحفاظ على التوازن الداخلي لحضارة الوسط الإسلامية بوصفها حضارة الدين والدنيا، تمثل مشـروعًا متكاملاً للنهوض الروحي والمادي معًا. ولهذا ستظل الوسطية هي مشـروع للمستقبل والنهضة، وستظل تواجه أشد التحديات.
نتصور أن الثوابت هي القيم العليا والغايات النهائية، والمتغيرات هي الوسائل والأدوات والأنظمة والقواعد التي تستخدم لتحقيق الغايات النهائية. والقواعد التي لا تقبل التغيير، هي الأحكام الدينية الجزئية، والتي جاءت بنصوص قطعية الدلالة والثبوت. فإذ قلنا إن حضارة الوسط الإسلامية تقوم على قيمة العدل، بوصفها القيمة المركزية المنظمة للحياة، وبوصفها قيمة مطلقة، بهذا تصبح غاية النهضة الإسلامية هي تحقيق النظام العادل. فإذا مال اتجاه لتحقيق هذا النظام بصورة مستمدة من التاريخ كما هي، كان ذلك تثبيتًا لجانب متغير، وإذا رأى البعض أن العدل بمفهومه المطلق لا يمكن تحقيقه واستبدله بالعدالة النسبية، كان ذلك تغييرًا لثابت من ثوابت الحضارة.
لهذا نقول إن الوسطية هي عملية جهاد مع النفس، ومع العقل، ومع الواقع. لأنها محاولة مستمرة للإصلاح، ومحاولة مستمرة للتمسك بطريق الوسطية، ومحاولة مستمرة للتمييز بين الثابت والمتغير. وعبر تجربة الإصلاح، والتي يقوم بها من ينتمي للوسطية كمشـروع للإصلاح والنهضة، سوف نجد المسار يصحح نفسه تدريجيًّا، باكتشاف ما اعتبر ثابتًا وهو من الجوانب المتغيرة. وسنلاحظ في الحضارة الإسلامية خاصة، أن الاتجاهات الوسطية تتحرك في موجات تميل هنا أو هناك أحيانًا، وهي في الواقع تحاول تحقيق توازنها الداخلي، والتوازن بين الثابت والمتغير، والتوازن بين التعايش في الواقع وإصلاحه.
التقليد والتجديد
نتصور أن الوسطية بوصفها مشـروعًا لنهضة الحضارة العربية الإسلامية، تواجه العديد من التحديات. ففعل النهضة هو فعل تطوير وإصلاح وتغيير، لمختلف جوانب الحياة، من أجل بناء واقع جديد. وفعل النهضة هو بناء جديد لانتماء أصيل. فإذا كانت الحضارة الإسلامية كغيرها من الحضارات، تقوم على منظومة قيم أساسية، تمثل جوهر الحضارة، فالنهضة الحضارية هي بناء جديد يعبر عن تلك القيم. هنا تظهر ضـرورة التجديد الحضاري، بوصفها العملية الأساسية لتحقيق النهضة. وفي المقابل نجد أن الاتجاه التقليدي، ونعني به تقليد السوابق الحضارية، يعرقل فعل النهضة. وأحيانًا كثيرة يكون تقليد السوابق الماضية هو نوع من الحفاظ على القيم الأصيلة، ولكن هذا التقليد يدخلنا في عملية استعادة الهوية والحفاظ عليها، أي الدفاع عن الهوية في قالب جامد.
والاتجاه التقليدي، أي تقليد السلف، يمثل مرحلة من مراحل الجمود الحضاري، وقد يمثل مرحلة بداية استعادة الهوية، أو مرحلة الدفاع عن النفس تجاه الغزو الثقافي والحضاري الخارجي. ولكن الاتجاه التقليدي لا يستطيع تحقيق النهضة. لذا تصبح عملية التجديد هي المحرك الفاعل لفعل النهضة، والمحك الأساسـي لنجاح عملية التجديد الحضاري، يتمثل في القدرة على تحقيق القيم الحضارية الأصيلة بطرق جديدة، تكون أفضل وأنجح من أي طرق استخدمت في الماضي.
ونتصور مثلاً، أن التوصل إلى تصور عن النظام السياسـي الذي يحقق العدل بوصفه القيمة العليا في المنظومة العربية الإسلامية، ويحقق الشورى بوصفها القيمة المهمة التي غابت عن جزء كبير من التاريخ العربي الإسلامي، يعد خطوة مهمة لتحقيق نموذج سياسـي جديد، يقدر على تحقيق تطلعات الأمة، ويحقق لها التقدم في مختلف الميادين.
وهنا يصبح من الضـروري التنبيه على خطورة نوع آخر من التقليد، وهو تقليد الآخر، خاصة تقليد الآخر المتقدم. فلا يمكن أن نحقق مشـروعًا للنهضة يعتمد على تقليد الغرب في مشـروعه السياسي، أو في نظمه وقوانينه. والتقليد هنا يختلف عن التعلم والاقتباس، فالأدوات الديمقراطية مثلاً، تمثل عناصـر مهمة يمكن أن تحقق لنا أنسب وسيلة لاختيار الحاكم ومساءلته، وأنسب وسيلة للتداول السلمي للسلطة. ولكن علينا التنبه أن فكرة استيراد أدوات العمل الديمقراطي كما هي ثم تطبيقها، دون النظر في كيفية تطويرها لتناسب طبيعة مجتمعاتنا، قد يؤدي إلى عدم فاعلية النظام الديمقراطي في تحقيق الهدف منه.
بهذا يصبح التجديد ضـروريًّا، والبعد عن تقليد الآخر أو السلف مهمًّا. فعملية التجديد هي حركة نحو المستقبل، تقوم أساسًا على القدرة على الابتكار والبحث عن طرق وأساليب جديدة؛ مما يؤدي في النهاية إلى تحقيق إنجاز جديد. فأي حضارة تنهض، كما حدث في كل تاريخ البشـرية، تكون مصدرًا لرؤى وتطبيقات وإنجازات جديدة، ولم تنهض حضارة بأن قلدت غيرها، ولكن لم تنهض حضارة أيضًا دون أن تستفيد من الحضارات الأخرى. لهذا نرى أن الوسطية، هي الميزان الذي يجعلنا نستفيد من تجاربنا وتجارب الآخرين، وفي نفس الوقت نجدد دنيانا، من خلال مرجعيتنا العليا، الدينية والحضارية.
المعركة المزدوجة
تلك هي معركة مشـروع الوسطية: مواجهة التردي الحضاري الداخلي، ومواجهة الاستبداد السياسي، ومقاومة العدوان الخارجي، ومواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية، ومشاريع التغريب والعلمنة. لهذا نرى أن مشـروع الوسطية، هو معركة من أجل النهضة. وسنلاحظ حجم العداء لهذا المشـروع، من كل القوى التي تريد الحفاظ على الواقع الحالي؛ لأنه ببساطة يملك بديلاً آخر للمستقبل.
واتجاه الوسطية في حضارتنا يقوم على إنهاض جوهر حضارة الوسط، أي إنه مشـروع يقوم على الإحياء الحضاري والديني، وهو بهذا مشـروع تكاملي، يربط بين إحياء الدين وإصلاح السياسة والمجتمع. وتلك خاصية مهمة؛ لأن بعض الحضارات تنهض من خلال تطوير الجانب المادي فقط، وتحقق نهضة مادية متقدمة. والبعض قد يتصور إمكانية تحقيق النهضة العربية الإسلامية من خلال الإحياء الديني فقط، ولكن الوسطية والتي تقوم على الحفاظ على التوازن الداخلي لحضارة الوسط الإسلامية بوصفها حضارة الدين والدنيا، تمثل مشـروعًا متكاملاً للنهوض الروحي والمادي معًا. ولهذا ستظل الوسطية هي مشـروع للمستقبل والنهضة، وستظل تواجه أشد التحديات.
Page 6
( 3 )هل تنتصـر الوسـطية ؟
يمثل تيار الوسطية الإسلامية عنوانا مهمًّا في الحركة الثقافية والفكرية والدينية والسياسية، وله العديد من الرموز والحركات المنتمية له. وتلك بادرة تؤكد على نمو تيار الوسطية من داخل المنظومة الإسلامية، ليقدم نفسه بوصفه مشـروعًا للإصلاح والنهضة. ولكن مصير هذا التيار وما حققه وسيحققه، يرتبط بالمناخ المحيط به، وكيفية تعامل المنتمين لتيار الوسطية مع التحديات التي تواجه مشـروع النهضة الإسلامية.
فإذا عرفنا تيار الوسطية بما يتميز به من اعتدال في المنهج، يتأكد من خلال التركيز على منهج الإصلاح السلمي، فسنعرف بداية أهم التحديات التي تواجه مشـروع النهوض الوسطي؛ لأنه يواجه في الواقع قوى مسلحة تتمثل في أنظمة الحكم الاستبدادي في الدول العربية والإسلامية، كما يواجه قوى عدوانية مسلحة تتمثل في قوى الهيمنة الخارجية المتمثلة في المشـروع الأمريكي الصهيوني للهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، وتلك أول التحديات.
وإذا عرفنا تيار الوسطية بأنه التيار الذي يحاول الحفاظ على تكاملية المشـروع الإسلامي، من حيث ما يمثله من مرجعية شاملة للحياة، وما يتطلبه ذلك من العمل على تحقيق الإصلاح الشامل، نكون بصدد تحدٍّ آخر يواجه تيار الوسطية.
وإذا عرفنا تيار الوسطية بأنه محاولة للتوازن بين الأصالة والتجديد، وبين الثابت والمتغير، وبين القديم والجديد، وبين المحافظة والتغيير، فنكون قد عرفنا سببًا آخر يجعل التحديات التي تواجه تيار الوسطية، تمثل في الحقيقة تحديات الخروج من التردي الحضاري إلى النهضة الحضارية. ففعل النهضة، يمثل عملاً يتجاوز الواقع لواقع أفضل؛ ولذا فهو تحدٍّ لكل واقع التردي والانهيار والاستعمار، من أجل التقدم والنهضة والاستقلال.
ولكن إذا أضفنا لكل هذا، العديد من المؤشـرات التي تؤكد على استهداف تيار الوسطية من قبل القوى الخارجية التي تريد الهيمنة على المنطقة، ومن قبل القوى الحاكمة في معظم البلاد العربية والإسلامية، لما يمثله من قدرة على حشد الأمة داخل مشـروع واحد للنهضة، سندرك حجم ما يواجهه تيار الوسطية. والحقيقة أنه يواجه تحديات أكبر من تلك التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية المسلحة، والتي تستخدم السلاح بدلاً من السياسة والعمل المجتمعي والدعوي في عملية التغيير، أي التي تستخدم السلاح في مواجهة الأنظمة الحاكمة، وتستخدمه ضد أعداء الأمة، ولكن خارج ميدان المواجهة العسكرية، أي خارج الأرض الواقعة تحت الاحتلال العسكري. فالمواجهة المسلحة للقوى التي تعترض طريق استعادة الأمة لهويتها وحضارتها ومرجعيتها الدينية، تمثل حرب استنزاف بين طرفين. وتتصور القوى الخارجية المهيمنة، أي الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، والقوى المستبدة الداخلية، أي الأنظمة الحاكمة، أن تلك الحرب هي فرصتها في شن عملية تدمير شامل لكل المشـروع الحضاري الإسلامي؛ لأنها تملك قوة عسكرية ضخمة، إذا قورنت بالقوة التي تملكها الحركات المسلحة. كما أن الحركات المسلحة التي تنخرط في صـراعات داخلية بين أبناء الأمة، وتستخدم السلاح في معارك داخلية، تفقد التأييد الشعبي لها وتنزلق إلى الحروب والنزاعات الأهلية، والتي ترى فيها قوى الهيمنة الخارجية وقوى الاستبداد الداخلي، فرصة لتعميق النزاعات الداخلية لتحمي نفسها من أي مواجهة معها.
أما تيار الوسطية، والذي يتبنى الإصلاح السلمي داخليًّا، والمقاومة المسلحة في وجه العدو على الأرض المحتلة، فيحقق قدرًا واضحًا من التأييد الجماهيري؛ مما يجعله تيارًا شعبيًّا. وهنا تبرز مشكلة تيار الوسطية، في عين أعدائه؛ لأنه تيار قادر على الوصول للحكم من خلال الديمقراطية وعبر صناديق الانتخاب؛ لذلك يصبح هذا التيار هو البديل الشعبي الذي ينمو يومًا بعد يوم، مما يؤهله لقيادة الأمة في نهاية المطاف، ويؤهله بهذا لتحقيق مشـروع النهضة، والذي سيكون نهاية للاستبداد والفساد الداخلي، ونهاية لمشاريع الهيمنة الخارجية، ونهاية للمشـروع الصهيوني على أرض فلسطين.
مأزق المنهج السلمي
أول مأزق لتيار الوسطية، والذي يواجه كل هذه التحديات، قد يأتي من منهجه. فهذا التيار يقوم على النهج السلمي، ولكن حدود سلمية العمل قد تقيّد حركة تيار الوسطية، وتحرمه من القدرة على الدفاع عن الأمة وعن مشـروع النهضة. فالنهج السلمي، لا يجب إلا أن يكون نهجًا نضاليًّا وكفاحيًّا، يعمل على مواجهة الواقع، وصد سلبياته، والدفع نحو تغييره. والنهج السلمي النضالي، يحتاج لأدوات وأساليب تجعله فاعلاً في مواجهة الحصار الذي يتعرض له تيار الوسطية. وتأسيس إستراتيجية للنضال السلمي أمر ضـروري، لجعل سلمية المنهج ليست على حساب قدرته على التأثير.
ويتبع ذلك ضـرورة الربط بين المنهج الإصلاحي المتدرج، وبين القدرة على تحقيق إنجازات على أرض الواقع. فمنهج تيار الوسطية يعتمد على التدرج، وهي سمة لعملية بناء النهضة من داخل الأمة، وهي سمة ضـرورية؛ لأن فعل النهضة يبدأ من القاعدة للقمة، أي يتأسس على قاعدة الأمة أساسًا. ولكن التدرج يضع تيار الوسطية في تحدٍّ؛ لأن القوى المعادية للأمة والتي تسيطر على مقدراتها، تحاول هدم كل ما يتحقق على أرض الواقع من وعي بالهوية ورغبة في النهوض الحضاري. ولهذا يواجه التدرجَ في عملية الإصلاح، عمليةُ تدرج أيضًا معاكسة، تحاول هدم كل ما يحدث من تغيير على أرض الواقع.
مأزق غلبة التجديد
لأن تيار الوسطية يقوم من أجل تحقيق النهضة، والنهضة فعل يقوم على التجديد، فإن أحد مشكلات التجديد الحضاري، هي تجاوز أصول الحضارة بعملية تجديد تخرج عن إطارها. فالتجديد الذي يتجاوز قيمة أساسية من قيم الحضارة العربية الإسلامية، يخرج عن منظومة قيم الحضارة، ويخل بتوازنها الداخلي، ويفقدها اتساقها الداخلي. وعملية التجديد في حد ذاتها، هي نوع من المغامرة الفكرية والثقافية والحركية، ولذا فهي عملية تحتاج للمراجعة كما تحتاج للعمق الحضاري، حتى تتأسس على أسس قوية مستمدة من منظومة القيم الحضارية.
وعلى سبيل المثال، من يرفض فكرة حقوق الإنسان؟ ولكن مسألة قبول نظريات حقوق الإنسان الغربية كما هي، كنوع من تأكيد التجديد الحضاري والمعاصـرة، يصل بنا في النهاية إلى ترويج نظرية عن حقوق الإنسان، غير مستمدة من قيم الحضارة العربية الإسلامية، بل مستمدة من قيم الحضارة الغربية، وبهذا نصل إلى فكرة هي ليست تجديدًا بل تقليد، وإذا كنا نرى أن التقليد النمطي لنماذج من تاريخنا يتعارض مع فعل النهضة، فإن تقليد الحضارات الأخرى يتعارض مع فكرة التجديد الحضاري. فالتجديد الحضاري هو نوع من تكوين نظم ومفاهيم وأنظمة جديدة ومناسبة للعصـر، ولكنها في نفس الوقت تمثل أدوات لتحقيق قيمنا.
فالقول بأن شكل الدولة يتغير عبر الزمن، قول صحيح، ولكن إذا وصلنا للمرحلة التي نتصور فيها أن كل أشكال النظم السياسية تصلح لنا، وأن كل نماذج الدولة يصلح لنا، وأنه يمكننا استيراد نموذج دولة من الخارج لنستخدمه، دون إدراك لمنظومة القيم الحاكمة لحضارتنا، والتي تحدد نظامًا للواجبات والحقوق، ينبع منه تصور محدد لتوزيع الأدوار والمسئوليات بين الأمة وبين والدولة، نكون بذلك قد جعلنا من عملية التجديد عملية تقليد أيضًا.
معيار عملية الاقتباس والتعلم
من الضـروري التأكيد على أهمية امتلاك معيار لكل عمليات الاقتباس والتعلم من الآخر؛ لأن هذا أحد مآزق علمية التكيف مع الواقع، أو عملية التطوير التي تهدف للتكيف مع العصـر، فإذ بها تتكيف مع معايير الحضارات الأخرى. والعصـر ليس هو الغرب، بل هو الزمن الراهن بكل متغيراته وعناصـره، وبكل متطلباته واحتياجاته ولوازمه. وعندما نستفيد من الحضارات الأخرى، وخاصة الحضارة الغربية المتقدمة، نحاول التوصل لخلاصة ما وصل له الإنسان من معرفة وتجارب، نستطيع أن نبني عليها مستقبل نهضتنا المنشودة. ولكن إذا تحولت معايير النظام الغربي، إلى معايير نقيس عليها تقدمنا، سقطنا مرة أخرى أسـرى لعملية تقليد الحضارة المتقدمة.
والبعض يجعل من النموذج السياسـي الغربي، أي الدولة القومية الديمقراطية العلمانية، معيارًا لأي فكر أو تصور سياسي. وتختلط عناصـر النموذج الذي نتعلم منه؛ فنخلط بين القيم والأدوات، ونحاول تقليد النموذج كاملاً، وبهذا نعيد إنتاج حضارة الآخر. وكل عملية لتقليد حضارة الآخر، وإعادة إنتاجها، هي نوع من التقليد، والتقليد فعل مضاد لفعل النهضة.
يمثل تيار الوسطية الإسلامية عنوانا مهمًّا في الحركة الثقافية والفكرية والدينية والسياسية، وله العديد من الرموز والحركات المنتمية له. وتلك بادرة تؤكد على نمو تيار الوسطية من داخل المنظومة الإسلامية، ليقدم نفسه بوصفه مشـروعًا للإصلاح والنهضة. ولكن مصير هذا التيار وما حققه وسيحققه، يرتبط بالمناخ المحيط به، وكيفية تعامل المنتمين لتيار الوسطية مع التحديات التي تواجه مشـروع النهضة الإسلامية.
فإذا عرفنا تيار الوسطية بما يتميز به من اعتدال في المنهج، يتأكد من خلال التركيز على منهج الإصلاح السلمي، فسنعرف بداية أهم التحديات التي تواجه مشـروع النهوض الوسطي؛ لأنه يواجه في الواقع قوى مسلحة تتمثل في أنظمة الحكم الاستبدادي في الدول العربية والإسلامية، كما يواجه قوى عدوانية مسلحة تتمثل في قوى الهيمنة الخارجية المتمثلة في المشـروع الأمريكي الصهيوني للهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية، وتلك أول التحديات.
وإذا عرفنا تيار الوسطية بأنه التيار الذي يحاول الحفاظ على تكاملية المشـروع الإسلامي، من حيث ما يمثله من مرجعية شاملة للحياة، وما يتطلبه ذلك من العمل على تحقيق الإصلاح الشامل، نكون بصدد تحدٍّ آخر يواجه تيار الوسطية.
وإذا عرفنا تيار الوسطية بأنه محاولة للتوازن بين الأصالة والتجديد، وبين الثابت والمتغير، وبين القديم والجديد، وبين المحافظة والتغيير، فنكون قد عرفنا سببًا آخر يجعل التحديات التي تواجه تيار الوسطية، تمثل في الحقيقة تحديات الخروج من التردي الحضاري إلى النهضة الحضارية. ففعل النهضة، يمثل عملاً يتجاوز الواقع لواقع أفضل؛ ولذا فهو تحدٍّ لكل واقع التردي والانهيار والاستعمار، من أجل التقدم والنهضة والاستقلال.
ولكن إذا أضفنا لكل هذا، العديد من المؤشـرات التي تؤكد على استهداف تيار الوسطية من قبل القوى الخارجية التي تريد الهيمنة على المنطقة، ومن قبل القوى الحاكمة في معظم البلاد العربية والإسلامية، لما يمثله من قدرة على حشد الأمة داخل مشـروع واحد للنهضة، سندرك حجم ما يواجهه تيار الوسطية. والحقيقة أنه يواجه تحديات أكبر من تلك التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية المسلحة، والتي تستخدم السلاح بدلاً من السياسة والعمل المجتمعي والدعوي في عملية التغيير، أي التي تستخدم السلاح في مواجهة الأنظمة الحاكمة، وتستخدمه ضد أعداء الأمة، ولكن خارج ميدان المواجهة العسكرية، أي خارج الأرض الواقعة تحت الاحتلال العسكري. فالمواجهة المسلحة للقوى التي تعترض طريق استعادة الأمة لهويتها وحضارتها ومرجعيتها الدينية، تمثل حرب استنزاف بين طرفين. وتتصور القوى الخارجية المهيمنة، أي الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، والقوى المستبدة الداخلية، أي الأنظمة الحاكمة، أن تلك الحرب هي فرصتها في شن عملية تدمير شامل لكل المشـروع الحضاري الإسلامي؛ لأنها تملك قوة عسكرية ضخمة، إذا قورنت بالقوة التي تملكها الحركات المسلحة. كما أن الحركات المسلحة التي تنخرط في صـراعات داخلية بين أبناء الأمة، وتستخدم السلاح في معارك داخلية، تفقد التأييد الشعبي لها وتنزلق إلى الحروب والنزاعات الأهلية، والتي ترى فيها قوى الهيمنة الخارجية وقوى الاستبداد الداخلي، فرصة لتعميق النزاعات الداخلية لتحمي نفسها من أي مواجهة معها.
أما تيار الوسطية، والذي يتبنى الإصلاح السلمي داخليًّا، والمقاومة المسلحة في وجه العدو على الأرض المحتلة، فيحقق قدرًا واضحًا من التأييد الجماهيري؛ مما يجعله تيارًا شعبيًّا. وهنا تبرز مشكلة تيار الوسطية، في عين أعدائه؛ لأنه تيار قادر على الوصول للحكم من خلال الديمقراطية وعبر صناديق الانتخاب؛ لذلك يصبح هذا التيار هو البديل الشعبي الذي ينمو يومًا بعد يوم، مما يؤهله لقيادة الأمة في نهاية المطاف، ويؤهله بهذا لتحقيق مشـروع النهضة، والذي سيكون نهاية للاستبداد والفساد الداخلي، ونهاية لمشاريع الهيمنة الخارجية، ونهاية للمشـروع الصهيوني على أرض فلسطين.
مأزق المنهج السلمي
أول مأزق لتيار الوسطية، والذي يواجه كل هذه التحديات، قد يأتي من منهجه. فهذا التيار يقوم على النهج السلمي، ولكن حدود سلمية العمل قد تقيّد حركة تيار الوسطية، وتحرمه من القدرة على الدفاع عن الأمة وعن مشـروع النهضة. فالنهج السلمي، لا يجب إلا أن يكون نهجًا نضاليًّا وكفاحيًّا، يعمل على مواجهة الواقع، وصد سلبياته، والدفع نحو تغييره. والنهج السلمي النضالي، يحتاج لأدوات وأساليب تجعله فاعلاً في مواجهة الحصار الذي يتعرض له تيار الوسطية. وتأسيس إستراتيجية للنضال السلمي أمر ضـروري، لجعل سلمية المنهج ليست على حساب قدرته على التأثير.
ويتبع ذلك ضـرورة الربط بين المنهج الإصلاحي المتدرج، وبين القدرة على تحقيق إنجازات على أرض الواقع. فمنهج تيار الوسطية يعتمد على التدرج، وهي سمة لعملية بناء النهضة من داخل الأمة، وهي سمة ضـرورية؛ لأن فعل النهضة يبدأ من القاعدة للقمة، أي يتأسس على قاعدة الأمة أساسًا. ولكن التدرج يضع تيار الوسطية في تحدٍّ؛ لأن القوى المعادية للأمة والتي تسيطر على مقدراتها، تحاول هدم كل ما يتحقق على أرض الواقع من وعي بالهوية ورغبة في النهوض الحضاري. ولهذا يواجه التدرجَ في عملية الإصلاح، عمليةُ تدرج أيضًا معاكسة، تحاول هدم كل ما يحدث من تغيير على أرض الواقع.
مأزق غلبة التجديد
لأن تيار الوسطية يقوم من أجل تحقيق النهضة، والنهضة فعل يقوم على التجديد، فإن أحد مشكلات التجديد الحضاري، هي تجاوز أصول الحضارة بعملية تجديد تخرج عن إطارها. فالتجديد الذي يتجاوز قيمة أساسية من قيم الحضارة العربية الإسلامية، يخرج عن منظومة قيم الحضارة، ويخل بتوازنها الداخلي، ويفقدها اتساقها الداخلي. وعملية التجديد في حد ذاتها، هي نوع من المغامرة الفكرية والثقافية والحركية، ولذا فهي عملية تحتاج للمراجعة كما تحتاج للعمق الحضاري، حتى تتأسس على أسس قوية مستمدة من منظومة القيم الحضارية.
وعلى سبيل المثال، من يرفض فكرة حقوق الإنسان؟ ولكن مسألة قبول نظريات حقوق الإنسان الغربية كما هي، كنوع من تأكيد التجديد الحضاري والمعاصـرة، يصل بنا في النهاية إلى ترويج نظرية عن حقوق الإنسان، غير مستمدة من قيم الحضارة العربية الإسلامية، بل مستمدة من قيم الحضارة الغربية، وبهذا نصل إلى فكرة هي ليست تجديدًا بل تقليد، وإذا كنا نرى أن التقليد النمطي لنماذج من تاريخنا يتعارض مع فعل النهضة، فإن تقليد الحضارات الأخرى يتعارض مع فكرة التجديد الحضاري. فالتجديد الحضاري هو نوع من تكوين نظم ومفاهيم وأنظمة جديدة ومناسبة للعصـر، ولكنها في نفس الوقت تمثل أدوات لتحقيق قيمنا.
فالقول بأن شكل الدولة يتغير عبر الزمن، قول صحيح، ولكن إذا وصلنا للمرحلة التي نتصور فيها أن كل أشكال النظم السياسية تصلح لنا، وأن كل نماذج الدولة يصلح لنا، وأنه يمكننا استيراد نموذج دولة من الخارج لنستخدمه، دون إدراك لمنظومة القيم الحاكمة لحضارتنا، والتي تحدد نظامًا للواجبات والحقوق، ينبع منه تصور محدد لتوزيع الأدوار والمسئوليات بين الأمة وبين والدولة، نكون بذلك قد جعلنا من عملية التجديد عملية تقليد أيضًا.
معيار عملية الاقتباس والتعلم
من الضـروري التأكيد على أهمية امتلاك معيار لكل عمليات الاقتباس والتعلم من الآخر؛ لأن هذا أحد مآزق علمية التكيف مع الواقع، أو عملية التطوير التي تهدف للتكيف مع العصـر، فإذ بها تتكيف مع معايير الحضارات الأخرى. والعصـر ليس هو الغرب، بل هو الزمن الراهن بكل متغيراته وعناصـره، وبكل متطلباته واحتياجاته ولوازمه. وعندما نستفيد من الحضارات الأخرى، وخاصة الحضارة الغربية المتقدمة، نحاول التوصل لخلاصة ما وصل له الإنسان من معرفة وتجارب، نستطيع أن نبني عليها مستقبل نهضتنا المنشودة. ولكن إذا تحولت معايير النظام الغربي، إلى معايير نقيس عليها تقدمنا، سقطنا مرة أخرى أسـرى لعملية تقليد الحضارة المتقدمة.
والبعض يجعل من النموذج السياسـي الغربي، أي الدولة القومية الديمقراطية العلمانية، معيارًا لأي فكر أو تصور سياسي. وتختلط عناصـر النموذج الذي نتعلم منه؛ فنخلط بين القيم والأدوات، ونحاول تقليد النموذج كاملاً، وبهذا نعيد إنتاج حضارة الآخر. وكل عملية لتقليد حضارة الآخر، وإعادة إنتاجها، هي نوع من التقليد، والتقليد فعل مضاد لفعل النهضة.
Page 7
إلا القيم
القيم تميز الحضارات عن بعضها البعض، وهي صلب بناء الحضارة. والحضارة العربية الإسلامية، أي حضارة الوسط، تمثل نموذجًا متميزًا من القيم، يختلف عن قيم الحضارة الغربية، وغيرها من الحضارات. وأي عملية تجديد، تستفيد من التجارب الأخرى، ولكنها تتمادى فتنقل لنا قيمًا من حضارة مغايرة، هي عملية تقليد وليست تجديدًا، وهي عملية تساهم من حيث لا تدري في علمية التغريب. وإذا اختُرق الفكر الوسطي من قبل عملية التغريب، فأصبح قناة تسهل وصول ونشـر بعض القيم الغربية في مجتمعاتنا، سوف تتحول المنظومة الوسطية إلى كيان غير متسق مع نفسه، بدرجة تجعلها تفشل في تحقيق الإصلاح والنهضة المنشودة.
فالديمقراطية التي نحتاجها مثلاً، هي تلك التي تحل مشكلة اختيار الحاكم وتحقق مبدأ أن الأمة مصدر السلطات، وهي المشكلة التي تكررت كثيرًا في التاريخ العربي الإسلامي. وبهذا تصبح الديمقراطية وسيلة لاختيار الأمة للحاكم. والدولة التي نحتاجها، هي التي تحل قضية المؤسسية بصورة تجعل الحكم عملية جماعية في الأساس، ويخضع للمساءلة والمحاسبة من الأمة. وبهذا تكون الدولة أداة لتحقيق النظام المؤسسـي القائم على الدستور والقانون. ولكن الديمقراطية في الغرب، وأيضًا الدولة، لها وظائف تحققها من أجل الوصول إلى قيم بعينها. فنجد النظام الليبرالي العلماني يقوم من أجل تحرير المجال العام من سلطة الدين، أو تحريره من وجود الدين. ولكن المنظومة الحضارية الإسلامية، تقوم على تنظيم المجال العام من خلال أحكام الدين، وهذا فرق جوهري، إذا ضاع منا في عملية التجديد الحضاري، ضاعت القيمة الأساسية لحضارة الوسط الإسلامية.
الوسطية التكاملية
أي مرجعية حضارية هي مرجعية شاملة. والقول بأن الحضارة الإسلامية هي حضارة شاملة لكل شئون الدين والدنيا، هو أمر مفهوم؛ لأن الحضارة الغربية تمثل أيضًا رؤية شاملة، والمنظومة الليبرالية تمثل رؤية شاملة. ولكن الذي يميز الحضارة الإسلامية، ليست شموليتها، ولكن تكاملها؛ لأنها منظومة تقوم على التكامل بين الدين والدنيا، وبين الروح والجسد. وهذا المنحى الحضاري التكاملي، يمثل صلب قوة الحضارة العربية الإسلامية، أي حضارة الوسط ، وحضارة العالم القديم.
وتيار الوسطية الإسلامية، يواجه تحدي الانزلاق إلى قدر من الفصل بين المجال السياسـي والديني، بسبب محاولات البعد عن بعض الإشكاليات التي يثيرها نموذج الدولة القومية الديمقراطية العلمانية. ومن تلك الإشكاليات، قضية التمييز بين المختلفين في الدين، فالنظرة العلمانية ترى أن أي وجود للدين في المجال العام، يمثل تمييزًا ضد أي مختلف في الدين. مما يؤدي أحيانًا إلى محاولة الحد من مرجعية الدين في النظام السياسي، كنوع من التوفيق بين المرجعية الإسلامية، وقواعد المساواة في الفكر الغربي العلماني.
وتلك في الحقيقة مجازفة كبرى، أولاً لأنها تؤكد من حيث لا تريد، أن وجود الدين في المجال العام يؤدي إلى التمييز، بما يعني أهمية جعل النظام السياسي، ومن ثم الدولة، محايدة دينية. وثانيًّا، تمثل تلك الأفكار، ضـربًا لفكرة المساواة في منظومة تقوم على المرجعية الدينية، وكأن تحييد الدين يؤدي إلى المساواة الكاملة، أو أن الدين ضد المساواة. والحقيقة أن المنظومة الإسلامية الحضارية، تقوم على المساواة بين الناس، والحفاظ على تميز عقائدهم في الوقت نفسه. فهي منظومة تحافظ على التوازن بين الاختلاف في العقيدة، والاشتراك في الحياة. والمطلوب من عملية التجديد الحضاري، هو تحقيق أفضل النماذج التي تحقق تمسك كل جماعة دينية بمرجعية عقيدتها، وتمسك الأمة كلها في المجال العام بقيمها المشتركة، والتي تعبر عن المشترك الديني للمسلمين، والمشترك الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين.
انتصار الوسطية
تنتصـر الوسطية بوصفها بديلاً حضاريًّا لتحقيق النهضة، بقدر ما تحمي نفسها من التفريط، أي محاولات التعايش مع الواقع، والتي تمس جوهر خصوصية الحضارة الإسلامية. وبقدر ما تحمي نفسها من الإفراط، والذي يجعلها تتقوقع للدفاع عن هوية الأمة، وتخشـى التجديد.
وتنتصـر الوسطية كمشـروع للنهضة، بقدر ما تجعل من الإصلاح السلمي نضالاً سياسيًّا ومجتمعيًّا، يستطيع التصدي لكل ما يعادي الأمة وهويتها وحضارتها. وتنتصـر الوسطية أيضًا، بقدر ما تكون مشـروعًا للمقاومة ضد كل محتل لأراضـي الأمة العربية والإسلامية.
فالوسطية هي تيار يعمل من أجل النهضة، ويواجه أشد التحديات، ولكن فشل هذا التيار هو فشل للأمة كلها، فالوسطية تحمي الأمة من تطرف يحميها ولا ينهض بها، ومن تجديد يخرجها من هويتها ولا ينهض بها أيضًا.
القيم تميز الحضارات عن بعضها البعض، وهي صلب بناء الحضارة. والحضارة العربية الإسلامية، أي حضارة الوسط، تمثل نموذجًا متميزًا من القيم، يختلف عن قيم الحضارة الغربية، وغيرها من الحضارات. وأي عملية تجديد، تستفيد من التجارب الأخرى، ولكنها تتمادى فتنقل لنا قيمًا من حضارة مغايرة، هي عملية تقليد وليست تجديدًا، وهي عملية تساهم من حيث لا تدري في علمية التغريب. وإذا اختُرق الفكر الوسطي من قبل عملية التغريب، فأصبح قناة تسهل وصول ونشـر بعض القيم الغربية في مجتمعاتنا، سوف تتحول المنظومة الوسطية إلى كيان غير متسق مع نفسه، بدرجة تجعلها تفشل في تحقيق الإصلاح والنهضة المنشودة.
فالديمقراطية التي نحتاجها مثلاً، هي تلك التي تحل مشكلة اختيار الحاكم وتحقق مبدأ أن الأمة مصدر السلطات، وهي المشكلة التي تكررت كثيرًا في التاريخ العربي الإسلامي. وبهذا تصبح الديمقراطية وسيلة لاختيار الأمة للحاكم. والدولة التي نحتاجها، هي التي تحل قضية المؤسسية بصورة تجعل الحكم عملية جماعية في الأساس، ويخضع للمساءلة والمحاسبة من الأمة. وبهذا تكون الدولة أداة لتحقيق النظام المؤسسـي القائم على الدستور والقانون. ولكن الديمقراطية في الغرب، وأيضًا الدولة، لها وظائف تحققها من أجل الوصول إلى قيم بعينها. فنجد النظام الليبرالي العلماني يقوم من أجل تحرير المجال العام من سلطة الدين، أو تحريره من وجود الدين. ولكن المنظومة الحضارية الإسلامية، تقوم على تنظيم المجال العام من خلال أحكام الدين، وهذا فرق جوهري، إذا ضاع منا في عملية التجديد الحضاري، ضاعت القيمة الأساسية لحضارة الوسط الإسلامية.
الوسطية التكاملية
أي مرجعية حضارية هي مرجعية شاملة. والقول بأن الحضارة الإسلامية هي حضارة شاملة لكل شئون الدين والدنيا، هو أمر مفهوم؛ لأن الحضارة الغربية تمثل أيضًا رؤية شاملة، والمنظومة الليبرالية تمثل رؤية شاملة. ولكن الذي يميز الحضارة الإسلامية، ليست شموليتها، ولكن تكاملها؛ لأنها منظومة تقوم على التكامل بين الدين والدنيا، وبين الروح والجسد. وهذا المنحى الحضاري التكاملي، يمثل صلب قوة الحضارة العربية الإسلامية، أي حضارة الوسط ، وحضارة العالم القديم.
وتيار الوسطية الإسلامية، يواجه تحدي الانزلاق إلى قدر من الفصل بين المجال السياسـي والديني، بسبب محاولات البعد عن بعض الإشكاليات التي يثيرها نموذج الدولة القومية الديمقراطية العلمانية. ومن تلك الإشكاليات، قضية التمييز بين المختلفين في الدين، فالنظرة العلمانية ترى أن أي وجود للدين في المجال العام، يمثل تمييزًا ضد أي مختلف في الدين. مما يؤدي أحيانًا إلى محاولة الحد من مرجعية الدين في النظام السياسي، كنوع من التوفيق بين المرجعية الإسلامية، وقواعد المساواة في الفكر الغربي العلماني.
وتلك في الحقيقة مجازفة كبرى، أولاً لأنها تؤكد من حيث لا تريد، أن وجود الدين في المجال العام يؤدي إلى التمييز، بما يعني أهمية جعل النظام السياسي، ومن ثم الدولة، محايدة دينية. وثانيًّا، تمثل تلك الأفكار، ضـربًا لفكرة المساواة في منظومة تقوم على المرجعية الدينية، وكأن تحييد الدين يؤدي إلى المساواة الكاملة، أو أن الدين ضد المساواة. والحقيقة أن المنظومة الإسلامية الحضارية، تقوم على المساواة بين الناس، والحفاظ على تميز عقائدهم في الوقت نفسه. فهي منظومة تحافظ على التوازن بين الاختلاف في العقيدة، والاشتراك في الحياة. والمطلوب من عملية التجديد الحضاري، هو تحقيق أفضل النماذج التي تحقق تمسك كل جماعة دينية بمرجعية عقيدتها، وتمسك الأمة كلها في المجال العام بقيمها المشتركة، والتي تعبر عن المشترك الديني للمسلمين، والمشترك الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين.
انتصار الوسطية
تنتصـر الوسطية بوصفها بديلاً حضاريًّا لتحقيق النهضة، بقدر ما تحمي نفسها من التفريط، أي محاولات التعايش مع الواقع، والتي تمس جوهر خصوصية الحضارة الإسلامية. وبقدر ما تحمي نفسها من الإفراط، والذي يجعلها تتقوقع للدفاع عن هوية الأمة، وتخشـى التجديد.
وتنتصـر الوسطية كمشـروع للنهضة، بقدر ما تجعل من الإصلاح السلمي نضالاً سياسيًّا ومجتمعيًّا، يستطيع التصدي لكل ما يعادي الأمة وهويتها وحضارتها. وتنتصـر الوسطية أيضًا، بقدر ما تكون مشـروعًا للمقاومة ضد كل محتل لأراضـي الأمة العربية والإسلامية.
فالوسطية هي تيار يعمل من أجل النهضة، ويواجه أشد التحديات، ولكن فشل هذا التيار هو فشل للأمة كلها، فالوسطية تحمي الأمة من تطرف يحميها ولا ينهض بها، ومن تجديد يخرجها من هويتها ولا ينهض بها أيضًا.
Page 8
( 4 )العلمانية والإسلامية..اللقاء المستحيل
دار الكثير من الجدل حول العلمانية والمشـروع الإسلامي، وهل هناك علاقة بينهما أو منطقة تقابل، أم أنهما متعارضان تمامًا. وفي هذا الجدل استخدمت أحيانًا بعض مهارات اللعب بالكلمات، فنجد أنفسنا أمام العديد من المفاهيم للعلمانية، والتي لا يحدد لها تعريف محدد. ثم نجد أنفسنا أمام بدائل من الكلمات، كأن تستخدم كلمة المدنية بدلاً من العلمانية. ثم نجد معالجات أخرى، تعتمد على التفرقة بين المسيحية والإسلام، وتخلص بأن العلمانية جاءت تحل مشكلة لدى المسيحية، وبما أن المشكلة ليست موجودة في الإسلام، فلا توجد مشكلة إذن بين الإسلام والعلمانية. وكل تلك المناقشات يغيب عنها وضع تعريف محدد للمقصود بالعلمانية، وكأن غموض الكلمة أصبح أحد أهم وسائل تمريرها في مجتمعاتنا.
زاد على ذلك بعض المحاولات التي تريد ربط العلمانية بالإسلامية، لتصل إلى نوع من العلمانية الإسلامية، وهي غالبًا إسلامية علمانية، والهدف منها حل المشكلة بين التيارات الإسلامية والاتجاهات العلمانية. فأصبحنا نواجه نوعًا من التوفيق بين العلمانية والإسلامية، يهدف لإحداث مصالحة بين النظم العلمانية الحاكمة والنخب العلمانية من جانب، وبين المنتمين للحركة الإسلامية من جانب آخر. وكأن المطلوب من هذا، هو الوصول إلى قبول النخب الحاكمة والنخب العلمانية المتحالفة معها والقوى الغربية المؤيدة لهذه النظم، للعمل السياسـي للحركات الإسلامية. والمصالحة في حد ذاتها ليست هي القضية، ولكن القضية تتمثل في ما يبقى من المشـروع الإسلامي، بعد التوفيق بينه وبين العلمانية كمشـروع سياسي، ولا نقول كمشـروع حضاري.
كل هذا اللغط يجعلنا نبحث عن معاني محددة لمفردات هذا الصـراع الفكري والسياسي، حتى يمكن الوصول لخلاصة تشـرح فكرة العلمانية، وتحدد موقعها، ليس فقط من المشـروع الإسلامي، ولكن من حضارة المنطقة العربية الإسلامية، وطبيعة مجتمعاتنا وهويتها الثقافية والحضارية. فالقضية لا تخص الحركة الإسلامية فقط، بل تخص في الأساس أمتنا ومجتمعاتنا، والتي يراد نشـر العلمانية فيها، والبعض يريد علمنة المجال السياسي، والبعض الآخر يريد علمنة المجتمع. لذا نحن بصدد عملية علمنة، تقوم بها النخب الحاكمة ومعها النخب العلمانية المتحالفة معها، ويقف من ورائهم الحلف الغربي، بقيادة أمريكية. ولذلك فإن القضية لا تخص فقط العلاقة بين الأطروحة الإسلامية والعلمانية، بل تخص واقعنا المجتمعي والثقافي والحضاري.
وعليه نرى أن قضية التكيف مع العلمنة لا تؤثر فقط على دور الإسلام في المنطقة العربية والإسلامية، بل تؤثر أيضًا وبالتالي على دور القيم الأصيلة لهذه المنطقة، وتؤثر كذلك على دور المسيحية لدى المسيحيين العرب. ويضاف لذلك، أن قضية العلمنة ترتبط بالعديد من القضايا الأخرى؛ لأنها تؤسس لبناء سياسـي خاص، له قيمه السياسية الخاصة به. وعليه نرى أن قضية علمنة النظام السياسي، ومنها مسألة علمنة بعض المشاريع أو الاتجاهات الإسلامية، ترتبط بموقف العالم العربي والإسلامي بقضاياه المصيرية، ومنا قضية فلسطين. فقد تكون العلمنة بابًا من أبواب التقارب السياسـي مع المشـروع الأمريكي في المنطقة، ومنها تدخل أفكار أو تصورات لتنهي الخلاف مع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وهو مشـروع يتضمن تصورًا خاصًّا عن وضع إسـرائيل في المنطقة.
وعلينا ملاحظة الفرق المهم بين قضية العلاقة بين العلمانية والإسلامية، كقضية محورية في مستقبل الأمة، وبين قضية وضع حزب العدالة والتنمية التركي. فهذا الحزب، والذي جاء قادته من خلفية إسلامية، رفع شعار العلمانية المعتدلة في مواجهة العلمانية المتطرفة، وأراد أن يغير العلمانية التركية من حالة إلى أخرى. ولكن نجاح الحزب في ما سعى إليه، سوف يضعه أمام امتحان صعب، فقد يقبل الحزب تلك العلمانية المعتدلة، ويصير بهذا مشـروعًا علمانيًّا، أو يحاول الانتقال من العلمانية المعتدلة إلى المشـروع الإسلامي. وفي كل الحالات، فإن هذا لا يعني أن العلمانية المعتدلة هي مرحلة تسبق المشـروع الإسلامي، فهذا وضع خاص بتركيا، حيث هناك ديمقراطية ومعها علمانية متطرفة. وتلك العلمانية المعتدلة التي يريدها حزب العدالة والتنمية تعتبر درجة عالية من العلمنة إذا قيست بالأوضاع في البلاد العربية والإسلامية، والتي تمثل أوضاعها في المجمل حالة غزو علماني لم تكتمل بعد. وبالتالي نرى أن البلاد العربية والإسلامية، هي بلاد إسلامية تغزوها العلمانية، ولم تنجح بعد عملية الغزو إلا جزئيًّا. وعليه فإذا نادى البعض بالعلمانية المعتدلة مثل حزب العدالة والتنمية، في البلاد العربية والإسلامية، فهو في الواقع ينادي بدرجة أعلى من العلمنة عن الواقع الموجود حاليًّا.
فما هي العلمانية؟
البعض يتصور أن العلمانية قامت لفصل الكنيسة عن الدولة، ويرى البعض أن تلك المشكلة لا توجد في الإسلام؛ لأنه لا توجد كنيسة في الإسلام، وعليه لا حاجة للعلمانية في المجتمعات الإسلامية. والبعض الآخر يتصور الأمر على نحو مخالف، فيرى أن قضية العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة. وما دام الإسلام ليس فيه كنيسة، إذن لا مشكلة في التوافق بين العلمانية والإسلام. وكلا التصورين خطأ. فالعلمانية لم تكن في أي من مراحلها أو أنواعها، مشـروعًا لفصل الكنيسة عن الدولة فقط، بل كان هذا الفصل جزءًا من المشـروع العلماني، وليس أهم جزء فيه أو حتى أساسه.
دار الكثير من الجدل حول العلمانية والمشـروع الإسلامي، وهل هناك علاقة بينهما أو منطقة تقابل، أم أنهما متعارضان تمامًا. وفي هذا الجدل استخدمت أحيانًا بعض مهارات اللعب بالكلمات، فنجد أنفسنا أمام العديد من المفاهيم للعلمانية، والتي لا يحدد لها تعريف محدد. ثم نجد أنفسنا أمام بدائل من الكلمات، كأن تستخدم كلمة المدنية بدلاً من العلمانية. ثم نجد معالجات أخرى، تعتمد على التفرقة بين المسيحية والإسلام، وتخلص بأن العلمانية جاءت تحل مشكلة لدى المسيحية، وبما أن المشكلة ليست موجودة في الإسلام، فلا توجد مشكلة إذن بين الإسلام والعلمانية. وكل تلك المناقشات يغيب عنها وضع تعريف محدد للمقصود بالعلمانية، وكأن غموض الكلمة أصبح أحد أهم وسائل تمريرها في مجتمعاتنا.
زاد على ذلك بعض المحاولات التي تريد ربط العلمانية بالإسلامية، لتصل إلى نوع من العلمانية الإسلامية، وهي غالبًا إسلامية علمانية، والهدف منها حل المشكلة بين التيارات الإسلامية والاتجاهات العلمانية. فأصبحنا نواجه نوعًا من التوفيق بين العلمانية والإسلامية، يهدف لإحداث مصالحة بين النظم العلمانية الحاكمة والنخب العلمانية من جانب، وبين المنتمين للحركة الإسلامية من جانب آخر. وكأن المطلوب من هذا، هو الوصول إلى قبول النخب الحاكمة والنخب العلمانية المتحالفة معها والقوى الغربية المؤيدة لهذه النظم، للعمل السياسـي للحركات الإسلامية. والمصالحة في حد ذاتها ليست هي القضية، ولكن القضية تتمثل في ما يبقى من المشـروع الإسلامي، بعد التوفيق بينه وبين العلمانية كمشـروع سياسي، ولا نقول كمشـروع حضاري.
كل هذا اللغط يجعلنا نبحث عن معاني محددة لمفردات هذا الصـراع الفكري والسياسي، حتى يمكن الوصول لخلاصة تشـرح فكرة العلمانية، وتحدد موقعها، ليس فقط من المشـروع الإسلامي، ولكن من حضارة المنطقة العربية الإسلامية، وطبيعة مجتمعاتنا وهويتها الثقافية والحضارية. فالقضية لا تخص الحركة الإسلامية فقط، بل تخص في الأساس أمتنا ومجتمعاتنا، والتي يراد نشـر العلمانية فيها، والبعض يريد علمنة المجال السياسي، والبعض الآخر يريد علمنة المجتمع. لذا نحن بصدد عملية علمنة، تقوم بها النخب الحاكمة ومعها النخب العلمانية المتحالفة معها، ويقف من ورائهم الحلف الغربي، بقيادة أمريكية. ولذلك فإن القضية لا تخص فقط العلاقة بين الأطروحة الإسلامية والعلمانية، بل تخص واقعنا المجتمعي والثقافي والحضاري.
وعليه نرى أن قضية التكيف مع العلمنة لا تؤثر فقط على دور الإسلام في المنطقة العربية والإسلامية، بل تؤثر أيضًا وبالتالي على دور القيم الأصيلة لهذه المنطقة، وتؤثر كذلك على دور المسيحية لدى المسيحيين العرب. ويضاف لذلك، أن قضية العلمنة ترتبط بالعديد من القضايا الأخرى؛ لأنها تؤسس لبناء سياسـي خاص، له قيمه السياسية الخاصة به. وعليه نرى أن قضية علمنة النظام السياسي، ومنها مسألة علمنة بعض المشاريع أو الاتجاهات الإسلامية، ترتبط بموقف العالم العربي والإسلامي بقضاياه المصيرية، ومنا قضية فلسطين. فقد تكون العلمنة بابًا من أبواب التقارب السياسـي مع المشـروع الأمريكي في المنطقة، ومنها تدخل أفكار أو تصورات لتنهي الخلاف مع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وهو مشـروع يتضمن تصورًا خاصًّا عن وضع إسـرائيل في المنطقة.
وعلينا ملاحظة الفرق المهم بين قضية العلاقة بين العلمانية والإسلامية، كقضية محورية في مستقبل الأمة، وبين قضية وضع حزب العدالة والتنمية التركي. فهذا الحزب، والذي جاء قادته من خلفية إسلامية، رفع شعار العلمانية المعتدلة في مواجهة العلمانية المتطرفة، وأراد أن يغير العلمانية التركية من حالة إلى أخرى. ولكن نجاح الحزب في ما سعى إليه، سوف يضعه أمام امتحان صعب، فقد يقبل الحزب تلك العلمانية المعتدلة، ويصير بهذا مشـروعًا علمانيًّا، أو يحاول الانتقال من العلمانية المعتدلة إلى المشـروع الإسلامي. وفي كل الحالات، فإن هذا لا يعني أن العلمانية المعتدلة هي مرحلة تسبق المشـروع الإسلامي، فهذا وضع خاص بتركيا، حيث هناك ديمقراطية ومعها علمانية متطرفة. وتلك العلمانية المعتدلة التي يريدها حزب العدالة والتنمية تعتبر درجة عالية من العلمنة إذا قيست بالأوضاع في البلاد العربية والإسلامية، والتي تمثل أوضاعها في المجمل حالة غزو علماني لم تكتمل بعد. وبالتالي نرى أن البلاد العربية والإسلامية، هي بلاد إسلامية تغزوها العلمانية، ولم تنجح بعد عملية الغزو إلا جزئيًّا. وعليه فإذا نادى البعض بالعلمانية المعتدلة مثل حزب العدالة والتنمية، في البلاد العربية والإسلامية، فهو في الواقع ينادي بدرجة أعلى من العلمنة عن الواقع الموجود حاليًّا.
فما هي العلمانية؟
البعض يتصور أن العلمانية قامت لفصل الكنيسة عن الدولة، ويرى البعض أن تلك المشكلة لا توجد في الإسلام؛ لأنه لا توجد كنيسة في الإسلام، وعليه لا حاجة للعلمانية في المجتمعات الإسلامية. والبعض الآخر يتصور الأمر على نحو مخالف، فيرى أن قضية العلمانية هي فصل الكنيسة عن الدولة. وما دام الإسلام ليس فيه كنيسة، إذن لا مشكلة في التوافق بين العلمانية والإسلام. وكلا التصورين خطأ. فالعلمانية لم تكن في أي من مراحلها أو أنواعها، مشـروعًا لفصل الكنيسة عن الدولة فقط، بل كان هذا الفصل جزءًا من المشـروع العلماني، وليس أهم جزء فيه أو حتى أساسه.
Page 9
وحتى تتضح الصورة أكثر نسأل: هل العلمانية قامت لفصل الدولة عن الكنيسة وإقامة دولة مسيحية لا سلطان سياسـي للكنيسة فيها؟ خاصة أن العلمانية قامت في زمن كانت كل الدول الأوروبية تعتبر دولاً مسيحية. والوقائع تشير بوضوح، أن المشـروع العلماني بكل روافده الليبرالية واليسارية، لم يهدف في أي لحظة من اللحظات لإقامة دولة مسيحية، أو دولة ذات مرجعية مسيحية. أي إنه لم يهدف لإنهاء السلطة الدينية، أي سلطة الحكم بالحق الإلهي، من الدول الغربية المسيحية، ليقيم دولاً مسيحية ليست فيها سلطة حكم مطلقة. ويضاف لهذا أن فكرة فصل الكنيسة عن الدولة، كانت في ذلك الوقت مشـروعًا بروتستنتيًّا، قضت عليه العلمانية. وكان المشـروع البروتستنتي، والذي قام به تلاميذ مارتن لوثر، خاصة جون كلفن، يقوم على تفكيك السلطة الدينية من الكنيسة كليًّا؛ وذلك بإلغاء نظام الكهنوت بكل سلطاته، ثم إقامة دولة مسيحية، تكون السلطة فيها سياسية، ولا يكون للكنيسة سلطة عليها. ولكن المد العلماني قضى على هذه التجربة في مهدها، ولم تؤسس دولة على هذا النظام إلا سويسـرا، ولفترة زمنية قصيرة.
لهذا، ليس صحيحًا أن نقول إن العلمانية في أيٍّ من أشكالها هدفت إلى إقامة دولة مسيحية بدون سلطة كنسية، وبدون سلطة الحكم بالحق الإلهي. فالعلمانية لم تكن حركة لإصلاح نظام الحكم المسيحي، بل كانت في الواقع وفي التعريف، محاولة للقضاء على أي شكل من أشكال الحكم المسيحي.
لذلك نقول إن العلمانية لم تكن محاولة للفصل بين الدولة والكنيسة، بل عملية فصل بين الدين والدولة، أي بين الدين والنظام السياسي، أي بين الدين والنظام العام. والعلمانية في الواقع ليست كملة مستخرجة من العلم، ولكنها كلمة مستخرجة من الدنيا أو العالم. وتقوم العلمانية على تأسيس النظام العام على القيم التي يصل لها العقل البشـري، والتي يتوافق عليها المجتمع من خلال نظامه السياسي. والعلمانية تتأسس على أن العقل البشـري هو مصدر الحقيقة والحق، وأن ما يصل إليه العقل البشـري هو ما ينفع. وبهذا تكون القيم العليا للنظام السياسي، هي قيم يضعها العقل البشـري، ولا يستمدها من أي مصدر خارجه؛ لأن العقل البشـري يمثل نهاية الحكمة في حياة البشـر.
إذن العلمانية قامت أساسًا على فرضية أن الدين أفسد حياة البشـر، وأن التقدم لن يتحقق إلا من خلال تحييد دور الدين في النظام العام، وتأسيس الحياة العامة على قواعد يضعها العقل البشـري، بعيدًا عن قواعد الدين. والمقصود هنا بالنظام العام، أي الدستور والقانون والنظام السياسـي والنظام الاجتماعي. ولهذا عندما قامت العلمانية وطُبقت عبر عقود في الدول الغربية ظهر فيها اتجاهات متنوعة، والفرق بينها يرتبط بموضع الدين. فالعلمانية ترى أهمية تنحية الدين من المجال العام، والعلمانية المعتدلة ترى أن الدين مكانه المجال الخاص، أما العلمانية المتطرفة فترى أهمية تنحية الدين حتى عن المجال الخاص. ولهذا نقول إن بعض العلمانية لا تعادي الدين، والصحيح أنها لا تعادي وجود الدين في المجال الخاص أي الشخصـي والفردي، وبعض العلمانية تعادي الدين، أي تحاول تنحية أي دور للدين حتى في المجال الخاص، أي الشخصـي والفردي. ولكن كل العلمانية ترفض أي دور للدين في المجال العام. أما العلمانية المحايدة، والمقصود بها العلمانية المحايدة تجاه الأديان، فهي التي تنحي الدين من المجال العام، وتسمح به في المجال الخاص، ولا تفرق بين أي دين وآخر.
وهنا نذكر ملاحظة مهمة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية علمانية معتدلة، تقف على الحياد بين الأديان، حيث يُنحى الدين من المجال العام تمامًا، ولكن يسمح به في المجال الخاص بكل حرية. وهذا الوضع نتج عنه تمدد للدين متمثلاً في حركة اليمين المسيحي، حتى أصبح ظاهرًا في المجال العام ومؤثرًا على المجال السياسي، ووصل ممثلون عن هذا التيار إلى البيت الأبيض، وهم جيمي كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش الابن. وهذا الأمر يعتبر بالنسبة للعلمانيين في أمريكا تهديدًا للعلمانية، ويعتبر بالنسبة للمنتمين للتيار اليميني المسيحي، خطوة مهمة للقضاء على العلمانية. فالعلمانية بالنسبة للتيارات المسيحية، مثل اليمين المسيحي في أمريكا، والكنيسة الكاثوليكية، تمثل خطرًا على المسيحية.
العلمنة ليست للسياسة فقط
ما حدث في أوروبا يمثل التجربة الأهم للعلمانية، حيث إن العلمانية لم تكن عميقة بالقدر نفسه في المجتمع الأمريكي. ولذلك متابعة التجربة الأوروبية مهم. والعلمنة في الدول الأوروبية أقامت نظامًا سياسيًّا علمانيًّا، ولكنها في الوقت نفسه أقامت نظامًا اجتماعيًّا علمانيًّا. فكل قضايا الأسـرة والزواج والطلاق، وكل الممارسات الاجتماعية العامة المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية، تحكمها القيم العلمانية الغربية. لذلك من المهم والضـروري التأكيد على أن العلمانية ليست عملية علمنة للسياسة، بل لكل المجال العام بما فيه النظام السياسـي والنظام الاجتماعي.
تلك القضية واضحة في النموذج الأمريكي. فأمريكا قامت أساسًا على يد المتدينين الهاربين من دول أوروبا، وهي لذلك قامت على أسس دينية. ولكن النظام العلماني هو الذي سيطر عليها، بعد الحرب الأهلية الأمريكية، حيث انتصـر الجناح العلماني وأسس الدولة. ولكن الدولة الأمريكية تعطي مساحات كبيرة من الحرية لكل الأطراف؛ لأنها دولة متعددة الجذور أو ليس لها جذر واحد. وهذا أدى إلى قيام تيار مسيحي عريض، وهذا التيار أصبح لديه مشكلة بسبب علمنة المجتمع الأمريكي، فأصبح يبني مجتمعًا موازيًّا من المؤسسات الدينية الخاصة حتى يحمي أبناءه من علمانية المجتمع. وحتى يصل في النهاية لتحقيق مشـروعه لإقامة دولة مسيحية في أمريكا.
لهذا، ليس صحيحًا أن نقول إن العلمانية في أيٍّ من أشكالها هدفت إلى إقامة دولة مسيحية بدون سلطة كنسية، وبدون سلطة الحكم بالحق الإلهي. فالعلمانية لم تكن حركة لإصلاح نظام الحكم المسيحي، بل كانت في الواقع وفي التعريف، محاولة للقضاء على أي شكل من أشكال الحكم المسيحي.
لذلك نقول إن العلمانية لم تكن محاولة للفصل بين الدولة والكنيسة، بل عملية فصل بين الدين والدولة، أي بين الدين والنظام السياسي، أي بين الدين والنظام العام. والعلمانية في الواقع ليست كملة مستخرجة من العلم، ولكنها كلمة مستخرجة من الدنيا أو العالم. وتقوم العلمانية على تأسيس النظام العام على القيم التي يصل لها العقل البشـري، والتي يتوافق عليها المجتمع من خلال نظامه السياسي. والعلمانية تتأسس على أن العقل البشـري هو مصدر الحقيقة والحق، وأن ما يصل إليه العقل البشـري هو ما ينفع. وبهذا تكون القيم العليا للنظام السياسي، هي قيم يضعها العقل البشـري، ولا يستمدها من أي مصدر خارجه؛ لأن العقل البشـري يمثل نهاية الحكمة في حياة البشـر.
إذن العلمانية قامت أساسًا على فرضية أن الدين أفسد حياة البشـر، وأن التقدم لن يتحقق إلا من خلال تحييد دور الدين في النظام العام، وتأسيس الحياة العامة على قواعد يضعها العقل البشـري، بعيدًا عن قواعد الدين. والمقصود هنا بالنظام العام، أي الدستور والقانون والنظام السياسـي والنظام الاجتماعي. ولهذا عندما قامت العلمانية وطُبقت عبر عقود في الدول الغربية ظهر فيها اتجاهات متنوعة، والفرق بينها يرتبط بموضع الدين. فالعلمانية ترى أهمية تنحية الدين من المجال العام، والعلمانية المعتدلة ترى أن الدين مكانه المجال الخاص، أما العلمانية المتطرفة فترى أهمية تنحية الدين حتى عن المجال الخاص. ولهذا نقول إن بعض العلمانية لا تعادي الدين، والصحيح أنها لا تعادي وجود الدين في المجال الخاص أي الشخصـي والفردي، وبعض العلمانية تعادي الدين، أي تحاول تنحية أي دور للدين حتى في المجال الخاص، أي الشخصـي والفردي. ولكن كل العلمانية ترفض أي دور للدين في المجال العام. أما العلمانية المحايدة، والمقصود بها العلمانية المحايدة تجاه الأديان، فهي التي تنحي الدين من المجال العام، وتسمح به في المجال الخاص، ولا تفرق بين أي دين وآخر.
وهنا نذكر ملاحظة مهمة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية علمانية معتدلة، تقف على الحياد بين الأديان، حيث يُنحى الدين من المجال العام تمامًا، ولكن يسمح به في المجال الخاص بكل حرية. وهذا الوضع نتج عنه تمدد للدين متمثلاً في حركة اليمين المسيحي، حتى أصبح ظاهرًا في المجال العام ومؤثرًا على المجال السياسي، ووصل ممثلون عن هذا التيار إلى البيت الأبيض، وهم جيمي كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش الابن. وهذا الأمر يعتبر بالنسبة للعلمانيين في أمريكا تهديدًا للعلمانية، ويعتبر بالنسبة للمنتمين للتيار اليميني المسيحي، خطوة مهمة للقضاء على العلمانية. فالعلمانية بالنسبة للتيارات المسيحية، مثل اليمين المسيحي في أمريكا، والكنيسة الكاثوليكية، تمثل خطرًا على المسيحية.
العلمنة ليست للسياسة فقط
ما حدث في أوروبا يمثل التجربة الأهم للعلمانية، حيث إن العلمانية لم تكن عميقة بالقدر نفسه في المجتمع الأمريكي. ولذلك متابعة التجربة الأوروبية مهم. والعلمنة في الدول الأوروبية أقامت نظامًا سياسيًّا علمانيًّا، ولكنها في الوقت نفسه أقامت نظامًا اجتماعيًّا علمانيًّا. فكل قضايا الأسـرة والزواج والطلاق، وكل الممارسات الاجتماعية العامة المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية، تحكمها القيم العلمانية الغربية. لذلك من المهم والضـروري التأكيد على أن العلمانية ليست عملية علمنة للسياسة، بل لكل المجال العام بما فيه النظام السياسـي والنظام الاجتماعي.
تلك القضية واضحة في النموذج الأمريكي. فأمريكا قامت أساسًا على يد المتدينين الهاربين من دول أوروبا، وهي لذلك قامت على أسس دينية. ولكن النظام العلماني هو الذي سيطر عليها، بعد الحرب الأهلية الأمريكية، حيث انتصـر الجناح العلماني وأسس الدولة. ولكن الدولة الأمريكية تعطي مساحات كبيرة من الحرية لكل الأطراف؛ لأنها دولة متعددة الجذور أو ليس لها جذر واحد. وهذا أدى إلى قيام تيار مسيحي عريض، وهذا التيار أصبح لديه مشكلة بسبب علمنة المجتمع الأمريكي، فأصبح يبني مجتمعًا موازيًّا من المؤسسات الدينية الخاصة حتى يحمي أبناءه من علمانية المجتمع. وحتى يصل في النهاية لتحقيق مشـروعه لإقامة دولة مسيحية في أمريكا.
Page 10
فما هي الدينية؟
ليست الدينية هي الحكم بالحق الإلهي، ولكن تلك كانت التجربة السلبية أو التجربة التي قامت على الاستبداد، في التجارب الدينية المتنوعة. والمقصود بالدينية، هو عكس المقصود بالعلمانية. فإذا كانت العلمانية هي تنحية دور الدين عن المجال العام، فإن الدينية هي تأسيس المجال العام على الدين. وتلك هي الخلاصة المهمة. ففي المشـروع الديني، يقوم الدين بوصفه حجر الزاوية في النظام العام، وبهذا يتأسس النظام السياسـي والنظام الاجتماعي على القيمة الدينية. ويصبح المجال العام محفزًا على تعظيم دور الدين في المجال الخاص، وغير مشجع لأي تنحية لدور الدين في المجال الخاص. وهنا تبرز أهمية الفرق بين العلمانية من جانب والدينية من الجانب الآخر، ففي الأولى يتم تنحية دور الدين عن المجال العام، وفي الثانية يتم تأسيس المجال العام على القيمة الدينية.
علمنة الإسلام
البعض يقول بأن الإسلام ليس دينًا ودولة، وعليه تُقبَل العلمانية كنظام سياسـي واجتماعي. والبعض يتصور المسيحية وكأنها دين روحي، وأنها ليست دينًا ودولة، بل دين فقط. ولكن السؤال يحتاج لمدخل آخر، فهل المقصود منه ما إذا كان الدين قد حدد نظامًا سياسيًّا معينًا؟ أم المقصود منه علاقة الدين بالمجال السياسي؟ وإذا عدنا للتجربة الأوروبية، سنجد أن العلمانية كانت ضد المسيحية، وأدت إلى انحسار المسيحية ودورها في أوروبا. وإذا تابعنا معظم التيارات المسيحية الغربية، والتي لم تذُب في العلمانية، وهي تمثل أغلبية مسيحيي العالم، سنجد أنها تعادي العلمانية وتعتبرها خطرًا على المسيحية. والسبب في ذلك بسيط، فإذا تم حصار الدين في الحياة الفردية والخاصة، فإن المجال العام سوف يتجه نحو مسارات لا توافق الدين، ويصبح مجالاً مستقلاً عن الدين. ومن هنا تبدأ القيم العلمانية في الانتشار داخل الأفراد أنفسهم، حتى يتم علمنة المجتمع بالكامل. لهذا نجد معظم الحركات المسيحية تحاول تحصين نفسها في مواجهة العلمانية، حتى تستعيدَ المسيحيةَ مرة أخرى للغرب، وخاصة أوروبا.
وفي المقابل، لا نتصور دولة أغلبيتها تنتمي لدين ما، ويسود فيها الدين، ويقام فيها المجال السياسـي بمنأى عن القيم الدينية. فإذا ساد الدين أصبحت قيمه هي العليا؛ ولهذا يصبح من الضـروري بناء النظام السياسـي والنظام الاجتماعي على هذه القيم، ما دامت هي القيم السائدة لدى الأغلبية. نعني من هذا أن كل دين هو دين ودولة. وعلمنة الإسلام، مثل علمنة المسيحية من قبله، هي محاولة لإخراج الإسلام من المجال العام وحصـره في المجال الخاص، حتى يتآكل دوره تدريجيًّا، ويتم تنحيته حتى عن المجال الخاص. فعلمنة الدين، هي محاولة للقضاء عليه.
إما العلمانية أو الإسلامية
العلمانية إذن، معنية أساسًا بدور الدين في الحياة، وهي تقوم على الفصل بين الدين والمجال العام، وتلك هي العلمانية المعتدلة أو الجزئية، والتي تجعل الدين شأنًا خاصًا وشخصيًّا وفرديًّا. والعلمانية الشاملة أو المتطرفة، هي التي ترفض أن يكون للدين دور حتى في المجال الخاص، فتعمل على علمنة الحياة الخاصة والشخصية والفردية. والعلمانية بهذا تقوم على تأسيس النظام العام، أي الدستور والقوانين والنظام السياسـي والاجتماعي، على قيم مصدرها العقل البشـري، وليس لها أي إسناد في الدين، ولا يجوز تبريرها أو تفسيرها أو تحديدها من أي مصدر ديني.
والدينية في المقابل، هي جعل القيم الدينية أساسًا للنظام العام، من الدستور إلى القوانين والنظام السياسـي والاجتماعي. وبهذا فالإسلامية، هي مشـروع حضاري مقاوم للعلمانية، لجعل القيم الإسلامية أساسًا للنظام العام. أما وجهات النظر التي تريد جعل العلمانية مصدرًا لقيم النظام السياسـي والإسلامية مصدرًا لقيم النظام الاجتماعي، فهي رؤى متعارضة أساسًا. فإذا قام الدستور والقوانين والنظام السياسي، على القيم العلمانية، واقتصـرت المرجعية الإسلامية على النظام الاجتماعي والأسـري، فإن هذا سيؤدي مع الوقت إلى توغل القيم العلمانية إلى النظام الاجتماعي، ليتم تحييد الدين في النطاق الخاص الشخصي.
والمتابع للتجربة الأوروبية والأمريكية، يكتشف أن العلمانية المعتدلة لم تؤدِّ إلى الحفاظ على دور الدين في الحياة الخاصة، بل تسـربت العلمانية إلى الحياة الخاصة، وتراجع دور المسيحية في معظم أنحاء أوروبا، لذلك قامت حركات مسيحية، خاصة في أمريكا، تحارب العلمانية حفاظًا على المسيحية.
لهذا نقول إن العلمانية تبدأ معتدلة وتنتهي متطرفة، وتبدأ غير معادية للدين ولكن تحصـره في المجال الخاص فقط، وتمنعه من التأثير على المجال العام، وتنتهي بمعاداة الدين؛ لأن تعمق التدين في الحياة الخاصة للأفراد يؤثر على المجال العام بصورة أو أخرى، كما أن العلمنة المادية الشديدة للحياة العامة تتعارض مع الدين، وبالتالي تؤثر سلبًا على التدين الشخصـي حتى تقضـي عليه.
لهذا فبين المشـروع العلماني والمشـروع الإسلامي، تعارض يمنع اللقاء أو التوفيق.
ليست الدينية هي الحكم بالحق الإلهي، ولكن تلك كانت التجربة السلبية أو التجربة التي قامت على الاستبداد، في التجارب الدينية المتنوعة. والمقصود بالدينية، هو عكس المقصود بالعلمانية. فإذا كانت العلمانية هي تنحية دور الدين عن المجال العام، فإن الدينية هي تأسيس المجال العام على الدين. وتلك هي الخلاصة المهمة. ففي المشـروع الديني، يقوم الدين بوصفه حجر الزاوية في النظام العام، وبهذا يتأسس النظام السياسـي والنظام الاجتماعي على القيمة الدينية. ويصبح المجال العام محفزًا على تعظيم دور الدين في المجال الخاص، وغير مشجع لأي تنحية لدور الدين في المجال الخاص. وهنا تبرز أهمية الفرق بين العلمانية من جانب والدينية من الجانب الآخر، ففي الأولى يتم تنحية دور الدين عن المجال العام، وفي الثانية يتم تأسيس المجال العام على القيمة الدينية.
علمنة الإسلام
البعض يقول بأن الإسلام ليس دينًا ودولة، وعليه تُقبَل العلمانية كنظام سياسـي واجتماعي. والبعض يتصور المسيحية وكأنها دين روحي، وأنها ليست دينًا ودولة، بل دين فقط. ولكن السؤال يحتاج لمدخل آخر، فهل المقصود منه ما إذا كان الدين قد حدد نظامًا سياسيًّا معينًا؟ أم المقصود منه علاقة الدين بالمجال السياسي؟ وإذا عدنا للتجربة الأوروبية، سنجد أن العلمانية كانت ضد المسيحية، وأدت إلى انحسار المسيحية ودورها في أوروبا. وإذا تابعنا معظم التيارات المسيحية الغربية، والتي لم تذُب في العلمانية، وهي تمثل أغلبية مسيحيي العالم، سنجد أنها تعادي العلمانية وتعتبرها خطرًا على المسيحية. والسبب في ذلك بسيط، فإذا تم حصار الدين في الحياة الفردية والخاصة، فإن المجال العام سوف يتجه نحو مسارات لا توافق الدين، ويصبح مجالاً مستقلاً عن الدين. ومن هنا تبدأ القيم العلمانية في الانتشار داخل الأفراد أنفسهم، حتى يتم علمنة المجتمع بالكامل. لهذا نجد معظم الحركات المسيحية تحاول تحصين نفسها في مواجهة العلمانية، حتى تستعيدَ المسيحيةَ مرة أخرى للغرب، وخاصة أوروبا.
وفي المقابل، لا نتصور دولة أغلبيتها تنتمي لدين ما، ويسود فيها الدين، ويقام فيها المجال السياسـي بمنأى عن القيم الدينية. فإذا ساد الدين أصبحت قيمه هي العليا؛ ولهذا يصبح من الضـروري بناء النظام السياسـي والنظام الاجتماعي على هذه القيم، ما دامت هي القيم السائدة لدى الأغلبية. نعني من هذا أن كل دين هو دين ودولة. وعلمنة الإسلام، مثل علمنة المسيحية من قبله، هي محاولة لإخراج الإسلام من المجال العام وحصـره في المجال الخاص، حتى يتآكل دوره تدريجيًّا، ويتم تنحيته حتى عن المجال الخاص. فعلمنة الدين، هي محاولة للقضاء عليه.
إما العلمانية أو الإسلامية
العلمانية إذن، معنية أساسًا بدور الدين في الحياة، وهي تقوم على الفصل بين الدين والمجال العام، وتلك هي العلمانية المعتدلة أو الجزئية، والتي تجعل الدين شأنًا خاصًا وشخصيًّا وفرديًّا. والعلمانية الشاملة أو المتطرفة، هي التي ترفض أن يكون للدين دور حتى في المجال الخاص، فتعمل على علمنة الحياة الخاصة والشخصية والفردية. والعلمانية بهذا تقوم على تأسيس النظام العام، أي الدستور والقوانين والنظام السياسـي والاجتماعي، على قيم مصدرها العقل البشـري، وليس لها أي إسناد في الدين، ولا يجوز تبريرها أو تفسيرها أو تحديدها من أي مصدر ديني.
والدينية في المقابل، هي جعل القيم الدينية أساسًا للنظام العام، من الدستور إلى القوانين والنظام السياسـي والاجتماعي. وبهذا فالإسلامية، هي مشـروع حضاري مقاوم للعلمانية، لجعل القيم الإسلامية أساسًا للنظام العام. أما وجهات النظر التي تريد جعل العلمانية مصدرًا لقيم النظام السياسـي والإسلامية مصدرًا لقيم النظام الاجتماعي، فهي رؤى متعارضة أساسًا. فإذا قام الدستور والقوانين والنظام السياسي، على القيم العلمانية، واقتصـرت المرجعية الإسلامية على النظام الاجتماعي والأسـري، فإن هذا سيؤدي مع الوقت إلى توغل القيم العلمانية إلى النظام الاجتماعي، ليتم تحييد الدين في النطاق الخاص الشخصي.
والمتابع للتجربة الأوروبية والأمريكية، يكتشف أن العلمانية المعتدلة لم تؤدِّ إلى الحفاظ على دور الدين في الحياة الخاصة، بل تسـربت العلمانية إلى الحياة الخاصة، وتراجع دور المسيحية في معظم أنحاء أوروبا، لذلك قامت حركات مسيحية، خاصة في أمريكا، تحارب العلمانية حفاظًا على المسيحية.
لهذا نقول إن العلمانية تبدأ معتدلة وتنتهي متطرفة، وتبدأ غير معادية للدين ولكن تحصـره في المجال الخاص فقط، وتمنعه من التأثير على المجال العام، وتنتهي بمعاداة الدين؛ لأن تعمق التدين في الحياة الخاصة للأفراد يؤثر على المجال العام بصورة أو أخرى، كما أن العلمنة المادية الشديدة للحياة العامة تتعارض مع الدين، وبالتالي تؤثر سلبًا على التدين الشخصـي حتى تقضـي عليه.
لهذا فبين المشـروع العلماني والمشـروع الإسلامي، تعارض يمنع اللقاء أو التوفيق.