Page 1
(1)
أنا الدكتور ا. ب . عبد الله ، دكتوراه في المخ والأعصاب ، أمضيت نصف عمري بين المراجع والكتب وجماجم الموتي أنقب فيها وأبحث وأتامل. أجريت مائة وعشرين عملية جراحية ناجحة غير أنني لم أنجح البتة في إسكات هذا القلق الذي يسري في أوصالي، كما ولو أنّه وخز من إبر صماء تخيط رتق وجودي ...
لا زمن لديّ ولا فراغ، ولكن لا تتردد تلك الوخزات القلقة في إصابة أوصالي كلّما خلوت بنفسي أشاهد الواقع وأفكر في عمق الوجود، أو أرنو إلى ومضات المستقبل الغامضة، ثم أرهف السمع إلى إيقاع سريان الزمن ..
لماذا أنا ودون كل نساء الدنيا أحببت (مشتهي) لماذا خفق قلبي لها وخضع عقلي أمامها وتزوجتها وأنجبت منها خمسة ذكور وثلاث إناث ثم انتهي الخفقان، ما هذه الشعلة التي اتّقدت ثم انطفأت وبقي الهدوء مثل نهر دنا من مصبه، هل ثمة شيء في الكون أم في دماغي أم عصبي كان له مصلحة في إيقاد تلك الشعلة في ذاك الزمان.
كان زملائي في الجامعة ينادونني بـ (دكتور أرسطو) على سبيل التريقة والتنكت، لأنهم كانوا يرونني دائما إمّا في المكتبة وأنا أرتدي نظاراتي السميكة أبحلق في الكتب، أو في المشرحة أتتبع الشرايين والأوردة وأنقب في العضلات ثم أخرج إلى الصالة الخارجية أدخن في شراهة وألقي عليهم وعلى نفسي كوماً من الأسئلة القلقة ..
أما الآن فقد أصبح لي جناح كبير في المستشفى المركزي بالمدينة، وصارت لي عيادة يأتي إليها الناس من كل صوب وصار ذات الزملاء ينادونني بـ (الشيف بوس)، لماذا؟ وما الذي تغير؟ ... لا أدري ، فأسئلتي القلقة لم تتغير والوخزات ما زالت تكتنفني ..
ملامحي لا تكشف عن هذا القلق، بل على العكس من ذلك تماما، أنا مثل ما تناديني أمّي بـ (الحبوب حبيب حشاي) كان قلقي الداخلي يصعد على وجهي مثل الضياء ثم يرسو على عينيّ حنينا يلتقطه البسطاء فقط لأنني فعلا أحبهم .
Page 2
(2)
تزدحم عيادتي الخاصة بالمرضى ، شأنها شأن جناحي بالمستشفى المركزي ، ويزدحم عقلي بالأفكار شأنه شأن مدينة صغيرة مكتظة بالسكان ، وكلما أنتهي من فحص حالة وأصف لها الدواء أعود لأنقب في الكتب وأقضي لحظات في صفحات الويب المتخصصة لأتقصى الجديد في تفاصيل جهازنا العصبي المدهش ..
جهاز يشبه الكون في هول ما يحتويه رغم أنّه يشغل حيزا صغيرا في كتلتنا اللحمية، ففي دماغنا فقط أكثر من مائة مليار خلية، منها سبعون مليار في المخيخ واثنا عشر مليار خلية موجودة في القشرة المخية التي تتشكل على هيئة انثناءات ملتفة للداخل ومندغمة لكي تزيد من مساحة السطح. ولولا هذه التلافيف لكان حجم رأس الإنسان أكبر بثلاث مرات عما هو عليه الآن، هذه الخلايا هي المسؤول الأول عن مقدرتنا الذهنية ، على الكلام وفهمه ، وعلى التفكير والمنطق الحسابي ، وعلى إدراك تفاصيل الواقع ، وإدراك العمق والصور والأشكال، ولكن ورغم كل هذه الحقائق يظل شبح الأسئلة مطلاً بوجه القلق اللانهائي ويظل الواقع يستفز ويتحدى، فترى كثيراً من التفكير العاجز ، والمنطق المختل ، والإدراك القاصر يعلن عن نفسه بشكل سافر في علاقات الناس ببعضها والدول فيما بينها .. لماذا وآلة التفكير والمنطق والإدراك مؤهلة وموجودة ومدهشة بإمكاناتها ...
كنت، وبعد كل حالة تمر عليَّ في عيادتي، أتأمل أسباب العطب والخلل ثم يسعدني ذلك البريق الذي ألمحه في عيني المريض عقب الشفاء وكم من بريق أتمنى أن أراه في جميع ملامح حياتنا وتفكيرنا وحواراتنا وأجندة مصالحنا أيضا .
ثمة إحساس يتوارد إلى ذهني في بعض الأحايين بأنّ هناك يداً أخرى تشاركني نجاحاتي الطبية، يداً قد يسميها المتدينون البركة، وقد يسميها المسيحيون يد الله ، وقد أسميها أنا شعاع القلق النبيل، ذلك الذي يدفعني في كل مرة لأن أقف بصدق عند باب الإحساس بالآخر والخروج من جبتي.
Page 3
(3)
واليوم..
لم تكن حالة (سعاد) كسائر كل الحالات التي تأتيني في عيادتي الخاصة.. لم يكن في تاريخها الإكلينيكي ما هو غريب، بل على العكس من ذلك تماما لا ضغط ولا سكر ولا اشتباهات سابقة بأورام أو جلطات دماغية، بل هي فتاة تتدفق حيوية، وثمة بريق في عينيها يزداد سطوعا كلما تحدثت، ولكنها ورغم ذلك تشكو من صداع وزغللة في النظر وأعراضٍ لدوخة على فترات متقطعة، حاولت أن أستبعد احتمال إصابتها بجلطة دماغية في الجزء الأمامي من الدماع، أو كما نسميه نحن الأطباء بـ (الفرونتال استروك) Frontal stroke فأرسلتها إلى المعمل التشخيصي الملحق بعيادتي وطلبت أن يجروا لها فحصا تشخيصيا بالأشعة المقطعية (س تي اسكان)، وكذلك تخطيطا للقلب، بالإضافة إلى التحليلات الروتينية للدم، والبول، والوظائف الحيوية وأنْ يتم وضع النتائج فور ظهورها على مكتبي.
وانصرفت ذلك اليوم من عيادتي ولكن ما انصرفت صورة (سعاد) من ذهني، بل صرت أتوهم بهاء صورتها النبيلة في ملامح كل فتاة أصادفها، لن أخفي عليكم، أن (سعاد) مثل نسمة ملائكية معطرة بالصفاء غشيت فؤادي الهرم والمثقل بالسنين، ثم بقيت بذاكرتي نضارة كتلك التي تعترينا عند الوضوء أو عندما نتمكن من الانفلات من حاجز الأنا، ولكنني كنت وفي كل مرة أعود فأتوقف بقلقي المعهود عند حاجز ذلك البريق الذي يسطع بعينيها، لم يكن بريقا عاديا ، بل كنت أحسّ بأن فيه قوة نافذة وكأنّما هناك طاقة من جمال تريد أنْ تعبر العينين إلى الخارج.
في صباح اليوم التالي كانت نتائج الفحص أمامي ، وكنت أتطلع أنا إلى الأشعة المقطعية بدقة والدهشة تتملكني، فقد كانت كل خلايا الدماغ في الفص الأمامي من المخ تبدو على حالتها الطبيعية وألوانها بيضاء معتدلة لا يوجد من بينها ما هو أسود داكن كإشارة إلى موت بعض الخلايا الدماغية نتيجة لنزيف، ولا من بينها ما هو أبيض فاتح قطني للدلالة على موت الخلايا نتيجة لانقطاع الدم عنها.. نعم كل شيء طبيعي في نتائج الفحص حتى الدم والبول والوظائف الحيوية للأجهزة.
وقد احترت ... فهي إذاً لا تشكو من (فرونتال استروك) ..
Page 4
(4)
ذهبت إلى جناحي بالمستشفى المركزي، ولكني لم أستطع البقاء فيه طويلا، فثمة ما يدفعني ويحملني كي ألقي نظرة أخرى على نتائج الفحوصات الخاصة بـ (سعاد)..
ولكن ...
نفس النتيجة،
ولا خطأ.
أسندت ظهري إلى مقعد الكرسي في مكتبي، وأرخيت رأسي المتعبة، وشريط من ذكريات الحالات التي مرت عليَّ بعيادتي يتراقص أمامي.. نعم بعضها كان بسيطا، وبعضها مركبا، ولكن دوما كان هناك خيطٌ للحل، وتفسيرٌ للمشهد، وتبريرٌ للحالات، والآن ولأول مرة أشعر بخيبة التوقع، فلا جدوى أن أحيلها إلى الفحص التشخيصي مرة أخرى لإجراء النوع الثاني من الأشعة المقطعية وهو ما يعرف عندنا بـ (أم آر أي) فنتيجة الـ (سى تي سكان) طبيعية، كما أن مريضتي لا تشكو من أية أعراض لشلل نصفي، أو صعوبة في حركة أحد الأطراف، بل هي تدب حيوية وطاقة. عيناها تشعان صحة، وهذه هي المشكلة فلا يمكن أن تكون هذه الزغللة التي تعتريها في نظرها والصداع الذي يكتنفها ناتجاً عن عدم انتظام ضربات القلب، أو مشكلة في الشريان المغذي للدماغ، أو حتى اختلال في الأيونات الخاصة بالجسم أو انكشاف وتعري الأغشية المبطنة للأعصاب، فالنتائج جميعها طبيعية وثقتي في تقييم الحالة التي أمامي طبيعية أيضا فباستبعادي للفرونتال استروك بالسيتي اسكان صرت أمام معضلة وسؤال حقيقي يضاف إلى أسئلتي الألف.
وفي استرخائي ذاته.. عدت أتذكر تفاصيل جهازنا العصبي.. شكل الخلية الدائري.. العصبونات.. المستقبلات والمعالجات.. والمرسلات.. إنَّ هذا الجهاز هو الذي يميزني عن النملة ، نعم هو موجود في سائر الكائنات الحية حتى تلك التي تتكون من خلية واحدة، ولكنه عندي أنا الإنسان يبلغ أقصى درجات تعقيداته..
Page 5
نظرت إلى ساعتي وكان الزمن ينساب مسترخيا فما زال الوقت مبكرا، الثانية عشرة ظهراً والشمس بدأت تلهبني من خلف زجاج نافذتي.. تلهبني بحرارتها وبوضاءتها وتضيء وجداني مثل هذا اللحن الشجي الذي يذكرني بقصة الحب الخالدة تلك التي ولدت على سطح الأمواج ثم اغتالها جبل الثلج وهو يصطدم بـ (تايتنك) مثلما أصطدم أنا الآن بهذه الحالة والأسئلة التي تدور في رأسي
فتحت بريدي الإلكتروني..
كانت هناك رسالة من ابني الأكبر (سامي) كان يقول لي في رسالته:
(أبي لا أدري من أين أبدأ وماذا أقول، فأنا الآن أجلس إلى كمبيوتري يدفعني إليك شوق شديد.. مثل شخص يلجئه برد المطر إلى ركن دفيء.. الغربة أكثر برودة من المطر يا أبي.. أنت تعلم أنني قد جئت إلى هذه المنطقة من العالم وأنا أحمل قدراً لا بأس به من محبة الناس مثلما علمتنا ونحن صغار، ولكن رغم نجاحي المهني كمهندس مدني إلا أنني فشلت في فهم الأسباب التي تجعل الناس يكذبون ويكيدون ويخدعون، كل العالم موجود هنا ولكن بطريقة تؤكد أن العالم لا يحب بعضه بما يكفي، أهل البلاد طيبون، ومجتهدون، ويحبون النجاح.. وحكامهم يخدمونهم، فالعلاج مجاني، والتعليم متاح، والعناية بالبيئة في قمتها. جلست بينهم أكثر من ستة أعوام، فلم تزعجني ذبابة واحدة ولم (تبنشر) سيارتي في الطريق العام بسبب مسمار صدئ، ولكن نفوس الذين من حولي في العمل صدئة (تبنشر) محبتي لهم كل يوم وعلى الدوام..
سامحنى أبي فلا أدري لماذا أشاركك هذا القلق.. وليسامحني بعض من صادفتهم هنا فلا أدري لماذا لم أستطع أن أحبهم.. ابنك / سامي)
اللحظات التي طالعت فيها رسالة ابني (سامي) كانت مثل الحلم، فهي صغيرة في مقدارها الزمني، ولكنها مشحونة بعدد هائل من الرؤى، والأحداث، والذكريات...