Page 1
تمهيد
يتعرض العالم إلى مجموعة كبيرة من الكوارث: حروب، مجاعات، توترات إثنية وعنصرية وإقليمية وعشائرية وقبلية ودينية، تدمير للطبيعة وموارد الكوكب، اتفاقيات تقنن هذا الخراب، أنانية وفردانية استعراضية، توتر يرافق كل مشاهد الحياة، استهلاك مجنون لاواعي لسلع لا نحتاجها، استلاب لعمل غير مرغوب، تهميش لفئات واسعة من الناس، تساؤلات عديدة مما هو أخلاقي وغير أخلاقي، صراعات وجدل حول الديمقراطية وأخرى حول الحرية، تخدير منقطع النظير للمراكز الحسية للتعاسة والضيق عند البشر في محاولات لتجنب الثورات الإجتماعية، أزمات اقتصادية توصف بأنها مالية لتحتكر شكل الاقتصاد في قالب واحد الرأسمالي،تحويل ممنهج لكل مظاهر الحياة إلى سلع تروج وتباع وتشترى، صالات كبيرة من القمار والنصب والإحتيال تودي بـأحلام الطامحين أن يصبحوا يوماً أثرياء، طموحات لناس بسطاء عاديين لا تنتهي قبل نهايتهم، دروس في البرمجة العصبية تعلم الناس السيطرة على الذات مهما كان الموضوع!، مراكز تصنع وتنتج وأطراف تعيش لتكون أسواقاً وتستهلك، مراكز تحتفظ بالعلوم وتبني علوماً وهمية لغايات التصدير للأطراف، دوائر من الشحن والتفريغ يعيشها الناس دون أدنى فرصة لرفع الرأس عن الدوامة قليلاً، محاولات النظام لإعادة إنتاج الصيغة بمشاهد لا تنتهي·
تختلط الحوارات وتتفرع في البحث عن أسباب هذه المشكلات، من السياسي البسيط غير المرتكز إلى رؤى نظرية متينة، مما يحرفة يميناً هنا ويساراً هناك، إلى نظري طوباوي حالم عاجز عن مقاربة الواقع، إلى الديني إلى الأسطوري إلى القدري،·······إلخ·
لقد واصلت الرأسمالية توسعها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي إلى الحد الذي طمست معه إلى حد كبير جدوى الحديث عن حالات خاصة، لقد ابتدأت معركتها كونياً ولا بد لها أن تحسمها منتصرة أو خاسرة كونياً كذلك، لقد خلقت هي بالأساس أشكال الكوارث كلها على إختلاف شكلها واستعراضها بعيداً عنها، وتظهر المشكلات وكأنها ليست ذات علاقة بالاقتصاد وبالرأسمالية تحديداً، تظهر وكأنها مشاكل تحل بحملات توعية وحوار هادئ ومزيد من الاتفاقيات الدولية والتنمية من الخارج!
إن النظرة الراديكالية Radical للحلول تتمثل في العودة إلى الأصل Root Cause، ومهمتها اليوم الكشف عن كل مشاهد الحياة الكارثية والتي تمثل العديد منها استعراضياً بعيداً عن الرأسمالية بصفتها المسبب الأساسي·
لقد تمكنت الرأسمالية من جعل العالم قرية صغيرة كما طمحت، ولكنها خلقت قرية واحتلتها بأكملها بجيش متعدد الجنسيات، وجنود متعددو اللغات، ومراكز متعددة العملات، وفي سياق ذلك خلقت جموعاً مقهورة متعددة اللغات والجنسيات كذلك، ولكنها موحدة المصلحة والهم دون أن تتوحد بعد·
في هذا العمل محاولة لمقاربة هذه الأنماط الاجتماعية ومجمل الكوارث العالمية مع المنظومة الرأسمالية كمسبب أساسي لها وإن غابت للحظة العلاقة بينها في الوعي الجمعي، وتأتي أهمية هذه المقاربة في الحاجة إلى تأجيج الاضطرابات في كل أركان العالم في سياق القضاء نهائياً وإلى الأبد على هذا النظام، والنظر إلى عالم جديد مختلف تحكمه وسائل وعناصر أخرى تبني نظاماً جديداً ينتج معه بشكل تلقائي في كثير من الأحيان ثقافته الخاصة، لتحل الجماعية بديلاً عن الفردانية، والتكامل والتضامن بديلاً عن المنافسة ووهم التطور من خلالها، والسعادة البشرية المعاشة بديلاً عن سعادة تملك السلع·
بات من المهم اليوم، الحديث عن إنتاج الرأسمالية للاستعراض والدعارة والمافيا والاغتراب والاستلاب والحروب والغزو الممنهج للجنوب سياسياً وثقافياً واقتصادياً ومفاهيم مموهة للحرية والديمقراطية، كل هذا في حزمة واحدة، حزمة الرأسمالية العالمية·
Page 2
مجتمع الاستعراض
مجموعة منوعة من السلع تغزو العالم بمولاته وأسواقه مشكلة دوامة من الأشياء يقف المستهلكون في قلبها، ولا يملكون سوى سلطة الاختيار الخارجية وسلطة تحديد القيمة، ويعبر المجتمع عن نفسه أنه مجتمع الوفرة القادر على إشباع كل الاحتياجات وقادر على تلبية كل الرغبات ، ويتعرض الناس لقصف مستمر من الصور ليصبح الواقع شيئاً مستعملاً تحت سلطة التسويق الزائفة، وينكسر سحر واجهات المتاجر وتنكشف الأشياء على ما هي عليه فعلاً في علاقتها بالتملك الذاتي، فما يتم تملكه يفقد القيمة الغرائبية التي كان يتحلى بها ويظهر التفكير في وظائف الأشياء بعد الإستعمالات الأولى، ويتحول الاستعمال بحد ذاته أيضاً إلى سلعة تستهلك· لم يكن غريباً في مظاهرات ضريبة الرأس في لندن الهجوم على أغلى المتاجر، وعلى ألمع لافتات الدعاية وعلى أفخر السيارات، فقد كان ذلك هجوماً مقصوداً على مظاهر الاستعراض والاستهلاك الصارخ، كان هجوماً على نمط يجعل كل شيء في مكان الحاجة، وعلى مجتمع همه الأساسي الاستهلاك أكثر وأكثر، مجتمع يربط الاستهلاك بالسعادة، ويربطه كذلك بالقيمة الاجتماعية للفرد·
قد يقول قائل: ومالمشكلة في ذلك؟ هل المطلوب منا العودة للوراء؟ وهل المطلوب منا أن لا نستمتع بكل هذا؟ إن الاستمتاع بالسلعة، هو الحاجب الاستعراضي للمتعة الإنسانية الحقيقية، وذلك ما حجب لردح طويل من الزمن المتعة الحقيقية عن الناس، متعة استعراض الأداة شاشة LCD، IPHONE، الحاسوب، البدلة الأنيقة،···· بديلاً عن حاجة الإستفادة منها·
يقول عامل فرنسي منذ عام 1936 وأنا أحارب من أجل أجور أعلى، وقد حارب أبي من قبلي من أجل أجور أعلى كذلك، وقد حصلت على ثلاجة، وتلفزيون، وسيارة فولكس فاجن، ولو سألتني لقلت لك إنها حياة كلب من البداية حتى النهاية (1: راية التمرد) (1)
للسلعة أو البضاعة قيمتان، استعمالية وتبادلية (2: رأس المال )· (2) القيمة الاستعمالية هي المرتبطة بحاجات البشر على اختلاف شكل الشهوة، شهوة المعدة أو شهوة الذهن· والقيمة التبادلية هي في عصرنا الحالي النقد· القيمة الاستعمالية للأشياء ملازمة للحاجة وغير متأثرة بعامل الزمن إلا إذا انتهت الحاجة نفسها! ستبقى القيمة الاستعمالية لتقنيات الاتصال ثابتة إلا إذا إنتهت حاجة البشرية للاتصال نفسه·
أما القيمة التبادلية فلها منحنيات اقترانية أعقد من ذلك في المنظومة الاقتصادية الرأسمالية، ويعود السبب في ذلك إلى تأثرها في العديد من العوامل الأخرى: العرض والطلب، آليات التسويق، والزمن· تنخفض القيمة التبادلية للسلع عادةً عند إنخفاض الطلب عليها، طبعاً لا يجوز التوقف عند هذا الحد في التوصيف وإلا سيكون التوصيف مبتوراً، فهناك ما هو أبعد من التفاصيل التكتيكية الساذجة التي رسمتها الرأسمالية نفسها، فمن يزيد العرض؟ ومن يزيد الطلب؟ بمعنى آخر من يزيد الحاجة؟ إن آليات التسويق الزائفة تلامس شهوة الذهن مباشرة، وتجعل من كل السلع ذات حاجة مباشرة، وتهجر هذه السلع بعد الإستعمالات الأولى! لذلك تتراجع قيمتها التبادلية مع مرور الزمن ليحل الجديد بديلاً عن القديم! وكأننا أمام تطبيق قانون نفي النفي على مستوى السلعة كذلك·
لقد توسعت السلع وظيفياً بمنحى عمودي في كثير من الأحيان لجني الأرباح، وبدعم آليات التسويق تمكنت من غزو رغبات الناس وقلقهم، وهذا المنحى العمودي يتجلى في فقدان الأشياء قيمتها بعد الإستعمال الأول، ويتجلى في إنكسار سحرها بعد التملك الذاتي الذي تعمق كثيراً في الوعي، تعمق بتأثير المنظومة الاقتصادية الرأسمالية غير القادرة على الاستمرار لولاه، لو عجزت الرأسمالية عن خلق هذا الوعي لولى عصرها منذ زمن، ولكن هذا العامل شكل أساساً في استمرارها حتى اللحظة· ولتوضيح الفكرة، تعرض في الأسواق الهواتف النقالة بأشكال وألوان مختلفة مع إضافة ميزات جديدة، ويتم توزيع هذه الميزات بشكل مبعثر بين نسخ المنتج، وبذلك يصبح مجتمع الوفرة متنوعاً كذلك·
Page 3
في استهلاك السلع واستعراضها، همشت وقفة البحث في وظائف الأشياء والحاجة إليها لصالح الاستعراض وهوس التملك الذاتي، والمتشكل أساساً بموجب تأثيرات النظام المادية بالدرجة الأولى!
توسع استعراض السلع ليتوسط علاقات الأفراد، وتتملك السلعة البشرية بأكملها، فما يحاول الناس أن يتملكوه اليوم قد تملكهم، وبات صاحب السيارة مملوكاً لها، وصاحب الثوب الأنيق مملوكاً له، وصاحب الحذاء الجديد، وصاحب الهاتف الذكي، وصاحب النظارات الواقية من الشمس، وصاحب آخر صورة في وضعية مختلفة على مواقع التواصل الإجتماعي، وصاحب النص الأدبي المختلف······ إلخ·
وتمتد العلاقات السلعية لتشمل كل جوانب الحياة وصولاً حتى إلى المسرح و الفكر والثقافة، تصبح المعلومة تباع وتشترى وتروج وتعرض وتستهلك كالخبز تماماً، وتفرد الصحافة أخبارها كالسلع وفقاً للمزاج العام ووفقاً لاحتمالات انتشار الخبر، اعتصام هذه الفئة من العمال بات خبراً عادياً ومستهلكاً ولا داعي من نشره، لقد نشرنا شيئاً مشابهاً في الماضي القريب وبات الخبر مستهلكاً وتتحالف صيغة الاستعراض ومنظومة احتكار المعرفة لغايات التطور الفردي، فاحتكار المعلومة في الصحافة هو الرديف المباشر لاحتكار المعرفة في المؤسسات التجارية الكبرى، والملكية هي العنوان الأساسي لهما·
ويتم تقسيم الزمن إلى وحدات قابلة للبيع: وقت تناول الشاي، وقت النزهة، وقت الراحة الأسبوعية، وقت العلاقات الاجتماعية، ويعبر النظام عن نفسه وزمنه بإقتران خطي ثابت، وتصبح الجغرافيا وكذلك التاريخ وحدات إضافية للبيع والشراء، وتنتشر المؤسسات السياحية لبيعها، ليتمكن الناس من شراء أماكن تصلح للنظر إليها ولا تصلح للعيش فيها، من هنا مر جنكيز خان، وهنا نصب الرومان قلاعهم، وهنا كانت أول الصواريخ التي سقطت على بغداد، وهنا كانت تعتقل إسرائيل مناضلي الجنوب
وللـالنجوم حصة كبيرة في مجتمع الاستعراض، الذين لهم غراميات، وفضائح، ومغامرات لا بد من الاطلاع عليها، فإذا نسي المرء فينا الحياة فإن باستطاعته أن يتماهى مع مجال كامل من الصور، له أن يكون أفضل لاعب كرة قدم بالنظر إلى أفضل لاعبي العالم، وله أن يكون المع المعارضين بطبع صور جيفارا وبنسج واقع من الخيال يعيش فيه ويتمرد فيه ويحيا صورة الثائر الذي يريد، وحده هناك، وله أن يكون ألمع الكتاب الساخرين بالنظر إلى برنارد شو، وله أن يكون أنبغ الفلاسفة بالنظر إلى ماركس وهيوم وفوكو····، وله أن يكون أروع الشعراء بالنظر إلى المتنبي، والقائمة تطول· في مجتمع الاستعراض الشخصية المشهورة هي التمثيل الاستعراضي للإنسان الحي ونقيض الفرد الذي تتغنى الرأسمالية بالحفاظ عليه! المشهورون هم مواطنون نموذجيون يعوضون عجز مشاهديهم عن أن يخبروا التجرية الحقيقية بالفعل أو بمعنى آخر في الواقع ، في الحقيقة· تحل الصور النمطية للنجم والفقير والشيوعي والقاتل من أجل الحب والمواطن الملتزم بالقانون والمتمرد والبرجوازي والرياضي والشاعر محل الإنسان واضعة في مكانه نسقاً من التصنيفات المتعددة النسخ، نسخاً استعراضية غير حقيقية، والحقيقي مكبوت، وفي انفصال كامل عن الواقع· نحب أن يقال لنا من نحن حقاً لأن استلابنا يجعلنا عاجزين عن التقرير لأنفسنا : من نحن؟؟؟، نحب أن نسمع توصيفاً إطرائياً لذواتنا يكمل منظومة الاستعراض، ويريحنا من عبء الحقيقة!!·
يقف الناس اليوم متفرجين على أنفسهم فيما يفعلون، تلاصقهم المرآة أينما ذهبوا والكاميرا كذلك، تغويهم التمثيلات الخارجية لما قد يكون وليس بكائن! تقيدهم سلطة الصورة وتمنعهم من العيش في الواقع الحقيقي وبالتالي صنعه·
Page 4
الاستعراض هو رديف التسليع وهوكذلك منظومة اقتصادية اجتماعية شاملة، مجتمع يتفاخر بقدرته على العرض، وجمهور بات مستعداً للاستهلاك وإنتاج المزيد من السلع الاجتماعية الاستعراضية التي تزيد من عمر الاستلاب وتحول الحياة إلى أساليب استعراضية يستحيل معها أن يحيا المرء في الواقع، وتسحق فيه رغباته الحقيقية لصالح تلك الخارجية والغريبة·
الاستعراض لا يعني التباهي، الاستعراض هو الواقع الخارجي المفرز كاستحقاق للمنظومة الاقتصادية الرأسمالية، الاستعراض حقيقي وواقعي، وتوصيفه بالخارجي والغريب لقناعتنا بما يخفي خلفه من مكنونات تعطي تعريفات أخرى للمتعة ولمشاهد الحياة بأكملها، ولا يمكن لهذه المكنونات أن تظهر وتصبح واقعاً إلا بتفكيك المنظومة بأكملها وبناء منظومة أخرى قادرة على هذا الشكل من الاستفزاز، من الإستخراج·
عرف المواقفيون (جماعات طليعية أوروبية أعلنت من قرية إيطالية صغيرة إقامة الأممية المواقفية والتي تعد بنظر الكثيرين أكثر حركات الجديد تمرداً وراديكالية وشمولاً في القرن العشرين)، عرفوا النظام الرأسمالي أنه تنظيم من الاستعراضات، لحظة مجمدة من التاريخ، من المستحيل أن نخبر فيها الحياة الواقعية أو أن نشارك بفعالية في بناء الواقع المعاش·
تمكنت الرأسمالية من دفع الناس للتفكير بنتائج الأفعال بدلاً من الإحساس بمضمونها، الشهرة من الفعل، البريستيج الإجتماعي، نظرات الآخرين، محاولة بذلك بناء عالم من الأوهام ومحاولة نشر فيروس جنون العظمة المثبط للإحساس بالتعاسة والضيق الواقعيين·
وتمكنت كذلك من توسيط السلع في علاقات الناس، فباتت السلعة هي الحكم لمختلف القيم، باتت تمثل مقياساً عاماً، لقد ظهرت مسافة إزاحة واضحة في ظل الرأسمالية بين الناس و السلع التي ينتجونها ويستهلكونها·
لقد شملت منظومة الاستعراض مختلف الأشكال التي تقدمها الرأسمالية لجمهورها: مستويات الدخل، الضمان الاجتماعي، صنوف أوقات الفراغ، تشجيع الحريات الجنسية بعدوانية مقززة (تعرض هربرت ماركوز في الإنسان ذو البعد الواحد إلى هذا المشهد عندما وضح أثر تحرير الطاقة الجنسية بعدوانية على حرمان الإنسان من الشعور بالتعاسة والضيق اللازمين لرؤية الأمور على حقيقتها، ولتشكيل الوعي المطلوب، وبهذا استطاعت الرأسمالية أن تخلق دوراتها من الشحن والتفريغ، الأمر اللازم لإبقاء الطبقة العاملة تحت نير الإستغلال الرأسمالي)، شراء أي سلعة، سياحة، إختيار استهلاكي متنوع، إنه تحويل مباشر للحياة اليومية من الإبداع الحر إلى الاستهلاك المجنون الجائع·
إذن هي حياة الأفراد وهم يتفرجون على أنفسهم، في مجتمع يصرعلى أنه القادر على تقديم كل شيء، وإغراق المولات بالمزيد من السلع· مجتمع يصور نفسه وكأنه قادر على إشباع كل الحاجات، كما يصر على توسيط السلع في كل لحظة من لحظات الحياة·
رزحت كل الأفعال تحت سلطة الاستعراض، فكل فعل ينجز هو غريب وخارجي، فهو ليس في سبيل إشباع حاجة ما إنما في سبيل إشباع حاجات على أطرافها!
Page 5
كما يهاجم الاستعراض قيمة العمل ذاتها، ففي الوقت الذي لم تتطور معه أدوات الإنتاج بعد لتعالج نفسها Self Recovery for Technology without human intervention، ما زال الإرتباط بين الإنسان وقيمة العمل وطبيعته مسألة حساسة جداَ، إن الفرد في ظل الرأسمالية لا يشعر بنفسه إلا خارج عمله، وحين يعمل لا يشعر أنه في مكانه، ويعتبر وقت العمل خارج وقت الحياة، و من هنا جاءت الرأسمالية لتقول : أحب ما تعمل، سوف تعمل ما تحب، دعوة صريحة للإنفصام والإحتمال الملطف، ودعوة لدخول عالم الأوهام مرة أخرى ونسج واقع من الخيال يثبط النشاط الثوري للطبقة العاملة لإنتزاع حقها في الحياة الواقعية!
إن الاستعراض الذي تقدمه الرأسمالية اليوم قد شيأ الوعي إلى مدى غير مسبوق، يحول المعاش إلى سلع، ويبني واقعاً خارجياً خاصاً ، ويقف عائقاً أمام العمال ليسموا بؤسهم بإسمه، إن الاستعراض هو الإنفصام في سبيل السلعة والعرض والطلب، هو التجسيد المادي للوهم الديني، حين وعد الناس بحياة أخرى أفضل، وأجل الإشباع، وطالب بتضحية مستردة الثمن لاحقاً، إنها اللحظة التي تحقق فيها السلعة إستعمارها الكلي للحياة الإجتماعية·(3)
إن الاستعراض في الرأسمالية هو:
استعراض الوفرة: المجموعة المنوعة من السلع والتنويعات الزائفة فيها·
استعراض القيمة الاستعمالية للسلع من خلال آليات التسويق وعكس ذلك على قيمها التبادلية، وتهميش البحث في وظائف الأشياء الحقيقية السلع
استعراض الزمن وتقسيمه إلى وحدات صغيرة بمهمات أصغر·
استعراض الميول والرغبة ليتم ترجمتها بشكل خارجي وغريب، ويفقد الحدث والفعل معناه تحت سلطة الاستعراض وسلطة الكاميرا والحاجة الموضوعية للمجتمع الاستعراض نفسه!
استعراض المهن والنظر للوظائف التطبيقية القشرية البسيطة على أنها عمل منتج، وهذا بالمناسبة ينطبق على أغلب مهن ووظائف دول الأطراف، فلا المهندس ولا الطبيب ولا الصناعي يعبر عن عمل منتج، ويعود السبب في ذلك إلى العجز الصناعي في الدول الطرفية·
استعراض الحرية والديمقراطية والممارسة السياسية الفاعلة، استعراض إشراك الشعوب في صناعة القرار وإبداء الرأي وحرية التعبير، قل ما تشاء وسنفعل ما نريد، ستبقى الرأسمالية قائمة، وستبقى المصالح الكبرى قائمة، وهناك لا حرية، ولا ديمقراطية، هناك ستعلو الضرورة، ضرورة الأرباح للشركات الكبرى·
استعــراض الإعلام والثقافة والسينما والمسرح والرياضة (4)·
استعراض الخيار الأوحد، تبث الرأسمالية أنماط الحياة الإجتماعية السائدة وكأنها الوحيدة، وتحاول نسف أي خيار آخر للحياة في الوعي الجمعي للشعوب، فيصبح الاقتصاد هو الاقتصاد الرأسمالي، ويتخرج طلاب الجامعات كمتخصصين في هذا الاقتصاد المحاسبة، الأوراق المالية، السندات، الأسهم، الوديعة، القروض، معاملات الضمان الإجتماعي، ······إلخ، ويتسرب الإحساس بالملكية الخاصة إلى جذر الوعي، وتغيب تماماً مفاهيم الملكية الجماعية وكأنها غير قابلة للتطبيق في الحياة·
Page 6
إن هذا الاستعراض ليس عاملاً مضافاً لبنية الرأسمالية، إنه في قلب تكوينها كإفراز طبيعي لنمط الإنتاج الرأسمالي، لا رأسمالية بلا استعراض·
إلى الحد الذي تكون فيه الضرروة حلماً إجتماعياً، يصبح الحلم ضرورة في مجتمع الاستعراض
الاستعراض هو تعزيز الاغتراب، الإنتاج المنفصل من خلال العمال المعزولين عنه، العرض والطلب هو الأساس، والميول والرغبة ثانويين·
إنه عصر تفضيل الرمز على الشيء الذي يشير إليه أصلاً، النسخة عن الأصل، التمثيل عن الواقع، المظهر عن الجوهر، إن الوهم هو وحده المقدس، والحقيقة هي تدنيس للمقدس، سيستمر تعزيز القداسة بشكل يتناسب مع تراجع الحقيقة وتقدم الأوهام، بحيث أن أعلى درجات الوهم تصل أعلى درجات القداسة (5)·
Page 7
أدوات الهيمنة الجديدة
إنتقلنا الآن من حقبة الاستعمار المباشر كخيار أول للدول الاستعمارية، وتشكلت عدة خطوط ومحاور تتمكن من خلالها المراكز الإمبريالية إحكام السيطرة·
في حقبة الاستعمار، كان الجيش أول الخيارات، النهب المباشر والصريح للموارد الطبيعية للأطراف، وكانت الحاجة لخلق حكومات عميلة تظهر في أوقات متأخرة إلى حد ما مقارنة مع ما نراه اليوم·
غزو الأطراف اليوم يأخذ مناحي متعددة، وخطوط الهجوم للمراكز على الأطراف كثيرة ومتداخلة ومتآزرة:
الغزو المالي بتوريط دول الأطراف بالقروض غير ممكنة السداد، غير ممكنة السداد ضمن منطق رياضي بسيط يخلق تبعية سياسية لانهائية للمراكز·
الغزو الثقافي من خلال مؤسسات التدريب المختلفة من الأنظمة التقنية التطبيقة البسيطة إلى برامج الانتخابات، ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمات تحرر المرأة، ومؤسسات تربية الطفل، ومؤسسات تعليم بناء المشاريع الخاصة، وضيوف أجانب حزينين على واقع الأطراف· وسنتحدث بالتفصيل عن هذا الشكل من الهيمنة لاحقاً·
الغزو العلمي من خلال التصدير الانتقائي للميثودولوجيا، فالمراكز الصناعية ما زالت متمسكة بالعلوم الأساسية الهندسة، الفيزياء، الكيمياء، البيولوجيا، والتي أصبحت تُروَّج في دول الشرق على أنها كلاسيكية، وباتت تعتبر العلوم المتناسقة مع السوق، سوقها غير المنتج، إدارة المشاريع، وإدارة نظم المعلومات، والتخصصات الإدارية التطبيقية هي الأهم على حساب تلك العلوم، علوم الإنتاج·
الغزو العسكري ويتمثل بالهجوم الجوي والبحري والبري، ويأتي هذا الخيار اليوم في سياقات موضوعية تعبر عن فشل الخيارات السابقة أو الحاجة الموضوعية للإنتقال إليه مباشرة، وسنتحدث عن أمثلة تاريخية قي هذا السياق لاحقاً في هذا الكتاب في بند خاص، الهيمنة باستخدام الأداة العسكرية·
Page 8
الهيمنة الجديدة: الذراع المالي
تحدث جون بركينز في إعترافاته (1) عن أشكال التوريط المالي لدول الأطراف بحيث تبقى مدينة اقتصادياً وبالتالي سياسياً لدول المراكز، ومن الأمثلة على ذلك:
توريط السعودية بديون هائلة، وكان قرار قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة في حرب عام 1973 - حسب بيركنز - شرارة التفكير في هذه الخيارات، وكانت صورة الماعز هي وحي الغزو، السعوديون يطلقون الماعز في الشوارع لأكل القمامة التي لم يوجد حل لإزالتها من الشوارع إلا ذلك، فتدخل أدوات التقانة الحديثة، وترسم صورة مجتمع حديث وكسول ولكن بديون· ويأتي هذ المثال في سياق خط الهجوم الإمبريالي الأول من خلال كسب أو بناء الأنظمة العميلة، من خلال مظاهر الحداثة ومن خلال إغرائها الذي يصل حد الإغراء الشخصي للفئات المالكة نفسها من خلال الدعارة وغيرها، وهذا ما أورده جون بيركينز عن أمراء السعودية عن رغبتهم في إصطحاب ساندي إلى الرياض، بعد أن عرفوها على أسرة الولايات المتحدة·
قروض لبناء محطات توليد كهربائية ضخمة في أندونيسيا لا تخدم الفقراء، وإنما تخدم الشركات الكبرى التي تقتحم البلاد لاحقاً لبناء مشاريعها والمسددة أساسًا من القروض ذاتها·
قروض لبناء السدود للشركات النفطية وتدمير القبائل وترحيلها في الأكوادور ·
قروض لبناء مشاريع في إيران·
محاولات متواصلة لتوريط عمر توريخس في القروض للسيطرة الكاملة على القناة في بنما·
غزو العراق عسكرياً للرضوخ الكامل للمنظومة الاقتصادية الرأسمالية·
غزو إفريقيا بمشاريع لا تتناسق مع مستوى التطور فيها، وتقديم خدمات تتجاهل العجز الحاصل في إفريقيا من البنية التحتية الأساسية إلى الصحة والتعليم، على سبيل المثال،حتى تحقق المراكز هدفها لم تتردد في فرض تخفيض رواتب المعلمين في ساحل العاج·
تحدث الكاتب جون بركينز عن ثلاثة حطوط أساسية للإجبار على الدخول في لعبة القروض، لعبة المنطق الرياضي البسيط الذي سمي اقتصاداً:
الإقناع والتفاوض وخلق الحكومات العميلة التي ستسفيد لاحقاً من ذلك: كما حدث مع معظم دول الشرق والوطن العربي، في السعودية وقطر والإمارات والكويت···إلخ·
أبناء آوى القائمين على مهمة الإغتيال، كما حصل في بنما مع عمر توريخس وفي الأكوادور مع جيم رلدس·
التدخل العسكري المباشر، كما حصل في العراق وأفغانستان·
يعد التوريط المالي تعبيراً حقيقياً عن ملاحظة سمير أمين في الفيروس الليبرالي (2) للاقتصاد الرأسمالي بأنه نظرية اقتصادية خيالية ليست ذات إرتباط بالواقع، فالمال في النهاية الدين يعود لإستحقاق الموارد، بمعنى أن القروض تتحول في نهاية المطاف إلى سطو المراكز على موارد الأطراف، النفط والذهب واليورانيوم، هو تحول واضح من صيغ اقتصاد المال إلى اقتصاد الموارد، الاقتصاد الأساسي الذي قامت عليه معظم النظريات الاقتصادية الكلاسيكية، فما يتم إستدانته مالاً يسد براميل من النفط وأطنان من الحديد والذهب·
Page 9
في معالجة التوريط المالي هناك توجهان: الأول هو دخول اللعبة بإعتبار الدولار العملة القياسية والاستمرار في السداد والاستمرار في التحصيل على حساب الفئات الشعبية المفقرة، وهذا التوجه يعني بشكل آخر، اللعب في ساحة التفاصيل، التفاصيل الاقتصادية التي فرضها النموذج الاقتصادي الرأسمالي نفسه، أي محاولة الهروب بأدوات المدرسة نفسها· والثاني راديكالي الطابع يستلزم فك الإرتباط المالي والاقتصادي وخوض المغامرة بالكامل وصناعة تحالفات سياسية واقتصادية جديدة وبناء اقتصاد من طابع مختلف، من حزمة التبعية والاستهلاك إلى حزمة الإنتاج والتحالف التضامني·
في التوجه الأول حالة من الدخول في دوامة لا تنتهي، ولن تفرز في النهاية سوى المزيد من التبعية والتخلف، وستدخل المسألة في نفق لا نهائي من الديون والسداد المتواصلين، وسنتعرض لاحقاً لشكل الإقراض والسداد والمنطق الرياضي الذي تخضع له هذه العملية، المنطق الذي يستحيل معه السداد والخروج من الدوامة·
أما في التوجه الثاني حل نهائي وجذري للمشكلة ويتطلب كذلك الوقوف على استحقاقات هذه الخطوة والترتيب العميق والجدي لها·
إن فك الإرتباط المالي المتمثل بالدين في دول الأطراف، والدول العربية جزء منها، يتطلب فك الإرتباط الاقتصادي الإنتاجي، فالاقتصاد المالي هو التعبير الاستعراضي للاقتصاد الإنتاجي الصناعي والتقني·
سنموت جوعاً، أول ما سيطرحه المدافعون عن أشكال الاقتصاد التبعي والإرتباط بالرأسمالية العالمية· فمن أين لنا إذن بعد ذلك بمحطات التوليد الكهربائية، والسيارات الحديثة والمدارس والمراكز الصحية وحتى السلع الغذائية؟
إن الإجابة عن السؤال أعلاه تكمن في العديد من الملاحظات والنقاط المغيبة، المغيبة عن طرح الحلول الواقعية لتوضع دائماً في خانة الحلول الحالمة والطوباوية· إن كانت دول الأطراف هي منبع الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، وإن كان لا بد لها أن تنهي خرافة الشعوب الوحشية والمتخلفة، فأين يكمن الحلم من كل ذلك؟ وأين تكمن ممكنات تحقيقه؟
إن المعيق الأساسي لهذه الأطروحة الحالمة هو الأنظمة السياسية غير الراغبة في هذه الخطوة، غير الراغبة في هذه الخطوة لانتفاء مصالحها معها، وهنا لا بد لنا أن نميز بين الرغبة والإرادة من جهة والقدرة من جهة أخرى، فهذه الأنظمة جميعها تستحضر شعار العجز عن الإقدام على هذه الخطوات وليس الرغبة أو الإرادة·
هذه الخطوة ليست مجنونة أبداً، ففك الإرتباط المالي والاقتصادي هو القرار السياسي الجريء والذي يتطلب مجموعة من المحددات على رأسها: إسقاط جميع الأنظمة السياسية في الأطراف المدافعة عن هذا النظام لأنها لن تخطو هذه الخطوة أبداً ولن تنحاز لمصلحة المجموع على حساب مصلحتها هي، ومن هنا فلا مجال لإصلاح هذه الأنظمة، ولا مجال لتجميل قمعها وأساليبها الخداعية، ولا مجال لقبول شراكتها في أي مشروع قادم· هذه الخطة تتطلب في المستوى الثاني تكتلاً اقتصادياً و سياسياً ومعرفياً وتقنياً وصناعياً لدول الأطراف، والدول العربية جزء منها بطبيعة الحال· هذا التكتل القادر على وقف التدفق من الشمال إلى الجنوب، تدفق السلعة والفكرة·
هذه المرحلة مرحلة متعِبة، فهي المرحلة التي ستبدأ فيها الأطراف في الخروج عن راحتها في الاستهلاك لما صنع في المراكز، وتبدأ بالضرورة مرحلة إنتاجية لبناء مجموع اقتصادي منتج، هدفه ليس الظهور بالشكل السيادي الشوفيني، ولكن هدفه الأساسي هو وقف التدفق، وقف التدفق يعني إيقاف تدفق السلع والمنتجات ومختلف البضائع من المراكز إلى الأطراف، عندها ستنفجر أزمة عالمية في المراكز معلنة عن عجز هذا النظام في المزيد من التوسع، فعندما تغلق أسواق الأطراف في وجه المراكز ستكون المعادلة الأساسية لتغيير نظام الرأسمالية كنظام عالمي قائمة وراهنة وملحة، إنه المضلع الكبير المنشود: نظام سياسي راغب ومصمم على بناء اقتصاد صناعي تقني ومتطور، نظام سياسي يوقف تدفق الموارد الطبيعية للمراكز، تطوير للبنى التعليمية بإتجاه بناء جيل منتج وقادر على ربط العلمي والتطبيقي، الخروج عن الإطار القطري اقتصادياً، ليأخذ شكلاً قومياً أوسع، مجموعة من التحالفات السياسية والاقتصادية مع كل من يعارض هذا الشكل الاستلابي والإستغلالي لدول الأطراف، وهذا الشكل من التحالف قد يشكل الأرضية الاستراتيجية لما يروج تحت عنوان عالم متعدد الأقطاب
Page 10
كان للينين تجربة عملية مهمة في هذا الشكل من المراحل الانتقالية، فقد أعلن عن مشروع رأسمالية الدولة في بداية تسلمه للسلطة، وكان الهدف الإستراتيجي له هو بناء مجتمع صناعي قوي قادر لاحقاً على بناء الاشتراكية، وقادر على المنافسة في صياغة النظام الاقتصادي العالمي في مواجهة المنظومة الرأسمالية، وكانت الخطوات التأسيسة لذلك: إيقاف فوضى السوق المعتمد أساساً على إنتاج البرجوازيات الصغيرة، وتحديد كل الإنماط الإنتاجية الموجودة في روسيا، وتحويل الرأسمالية الخاصة إلى رأسمالية دولة، وترجيح كفة رأسمالية الدولة على حساب الملكية الصغيرة العشائرية والبرجوازية الصغيرة، و تطوير مهارات القوى المنتجة بأسرع وقت ممكن (3)·
يمكن تصور خط مسار النهوض الإنتاجي الصناعي للأطراف كما هو في المخطط التالي:
من الواضح أن مهمات أي نظام قادم هي مهمات كبيرة، وليس المطلوب اليوم هو وضع مخطط جاهز لها، ولكن لا بد من الإشارة إلى هذه المطالبات والتي تعبر اليوم عن طموحات شعبية· إن المهمة الأول التي تقع على عاتق الجماهير الشعبية اليوم هي العمل على إسقاط الأنظمة التي لن تلجأ أبداً لهذه الخطط والتي لن تنزاح أبداً عن مصالحها المرتبطة مباشرة بإفقار الشعوب، لذلك تكمن أهمية المرحلة الأولى في التحشيد ضد مساوئ هذه الأنظمة إلى حين إسقاطها، ويتزامن ذلك مع طرح البدائل عن هذه الأنظمة·
إن البناء القادم يحتاج إلى إعادة صياغة الاقتصادي والسياسي والإجتماعي· لقد انسحبت الدولة من كل مظاهر الحياة الإجتماعية في دول الأطراف، التعليم والصحة والصناعة والزراعة، تشكلت طبقة مافيوية حاكمة وهي الكمبروادور الاقتصادي السياسي، ولم تتشكل حتى البرجوازية الوطنية في هذه البلدان بشكل طبيعي، لقد تشكلت فئة الكمبرادور مع التسهيلات الجمركية من جهة واحدة تسهيلات جمركية لاستقبال بضائع المراكز في دول الأطراف، ولكن ليس العكس، فئة مستوردة للسلع الاستهلاكية والرأسمالية و منتفعة من شكل هذا الاقتصاد، وبذلك سيطرت على اقتصادات هذه الدول فئة غير منتجة تدير اقتصاداً غير منتج، وتمثلت هذه الطبقة في الشرائح المستوردة للصناعات البسيطة بكميات كبيرة، والأدوية، والأغذية والأنظمة التقنية والإتصالات، بالإضافة إلى قطاعات الخدمات·
وتشكلت أيضاً فئة برجوازية محلية ولكنها غير منتجة وهنا يصعب تسميتها بالوطنية وإنما نكتفي بتسميتها برجوازية محلية، واتضح ذلك في قطاع الخدمات خاصة التأمين مثلاً، القطاع الذي يدير عمليات خدماتية ما، وهذه الفئة تمارس استغلال العمال بشكل فاضح وفي نهاية المطاف لا تقدم مدخلاً حقيقياً في العملية الإنتاجية·
إن مهمة النظام القادم تنطوي على إقصاء لدور هذه البرجوازيات بالحد الأقصى المتزامن مع تطوير مهارات العمال القوى المنتجة، وقد لا يشترط التعاطي معها بمعيار واحد، بمعنى:
إقصاء الكمبرادور من كل الساحات الممكنة، وفرض حماية إغلاقية على الصناعات التي بمقدور الصناعة الوطنية إنجاز مهماتها، وإستبدال الكمبرادور الاستعماري بتحالفات سياسية اقتصادية جديدة أساسها تكاملات اقتصادية عربية منفتحة على المحور الأمريكي اللاتيني والإيراني والروسي والصيني على سبيل المثال، إن هذا الإستبدال لا بد له أن يضرب مظاهر عديدة لل حداثة ولكنه يلبي الإحتياجات الضرورية بعيداً عن مظاهر التبعية السائدة· لقد تحكم الكمبرادور بالسوق وبالأسعار، وتحت وهم المنافسة تم إقناع الناس أن ذلك سيكون أفضل، ولكن المضاربات لم تجلب يوماً الخير للناس وهناك دائماً حدود دنيا يتفق عليها شركاء القطاع الواحد لا يمكن لأي منهم الإنزلاق تحتها· إن دور الدولة القادم مع هذه الفئة هو الحسم الكامل، بناء التحالفات الجديدة وتصعيد دور الصناعة الوطنية القادرة على إنجاز المهمة كبديل، وفي الجانب الآخر لا بد للدولة أن تقوم بتأميم المؤسسات الكبرى الني سلبها الكمبرادور وسلب مردودها· في المشاريع الأساسية للدولة المتمثلة بالزراعة والصناعة المنتجة، يجب أن تقوم الدولة بنفسها بالإستيراد والتصدير وتنظم العملية الاقتصادية بأكملها·
أما فيما يتعلق بالبرجوازية المحلية غير الوطنية والمسيطرة على العديد من قطاعات الخدمات فلا بد أن ينتقل هذا الدور بالكامل للدولة·
باختصار إن الدور القادم للنظام العادل في الأطراف يتلخص في التالي:
1- إستملاك المؤسسات الوطنية المنتجة بالكامل والعمل على إدارتها مباشرة، والإستفادة من مردوداتها في برامج الرعاية الإجتماعية المتمثلة في التعليم والصحة المجانيين بالدرجة الأولى.
2- إيقاف دور الكمبرادور الاستعماري لصالح الصناعة الوطنية والتحالفات السياسية الجديدة·