eKtab
EN ع
الربيع العُماني
Read free sample

الربيع العُماني

by سعيد بن سلطان الهاشمي

Page 1

إهداء

إلى شهيدَيْ الربيع العُماني: عبدالله الغملاسي وخليفة العلوي...

إلى كل من اعتصم واحتج وتظاهر... إلى كل من ضَحّى

من أجل وطن الحرية والحق والعدالة والإنصاف...

مع الحب الأبدي...

Page 2

لماذا نقرأ الربيع العُماني؟

سعيد سلطان الهاشمي

Page 3

مقدمة

شكلت الحركة الاحتجاجية الواسعة التي عاشتها عُمان في الفترة، من أواخر شباط/ فبراير حتى منتصف أيار/مايو 2011، لحظة تاريخية فارقة في العلاقة بين المجتمع والسلطة، في بلاد لا يعرف عنها الكثيرون غير الهدوء والعزلة والوداعة. لقد شهدت البلاد إبان هذه التجربة، رغم قصرها، تخلقاً جديداً على عدة مستويات: دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

إن ما حدث لم يكن بالأمر العابر أو السطحي؛ والاستجابة كذلك، لم تؤكد إلا اعترافاً صريحاً بشكل عملي، بصدقية المطالب الإصلاحية المتجذرة لمسار الإدارة والحكم، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في مختلف قطاعاتها. غير أن هناك - كما يبدو- جهداً منظماً ومتواصلاً تسعى إليه عدة جهات لطمس محورية هذا الحراك وأثره في الإنسان والتنمية في البلاد بصفة عامة، وإعادة الخطاب المكرور ذاته من أن جميع الثمار التي حصل عليها المواطن لم تكن من خيرات ذاك الربيع وغراسه، بل هي ثمار الفضل والكرم للقيادة وحدها، ونتاج خطوات التدرج والمرحلية المدروسة التي تنتهجها «الحكومة الرشيدة».

والواقع، أن المتابع لما كتب في خلال الفترة المنقضية من هذا العام المكتنز بالأحداث (وأعني به العام 2011)، يمكن تصنيفه في ثلاثة أشكال: الأول جاء من وجهة نظر رسمية منحازة تلقي باللوم على شباب حراك الربيع العُماني، وتبجل الجهد الرسمي وتبرره، وتفرد له مساحات وافرة، في قنواتها، خصوصاً وسائل الإعلام التقليدية بشقيها الحكومي والخاص. والثاني جاء من وجهة نظر غاضبة، كانت ميادينها وسائل الإعلام الجديد، واختلفت عن الأولى في المضمون وليس في المنهجية، وبين الإدانة والتبجيل تضيع الموضوعية ويسقط الحياد. أما القراءة الثالثة – وكانت نادرة - فحاولت أن تدمج بين الدلالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبين الدوافع والأسباب الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء قيام الحركة الاحتجاجية واتساعها، وبين سياقات الواقع وتطلعات المستقبل. لكن قراءة كهذه، خلطت غث التبجيل بحمأة الإدانة.

ونظراً إلى الأهمية المتصاعدة، التي يحتلها الربيع العربي وبساتينه القُطْرية المتنوعة على الساحة العربية وعلى المستوى الدولي، ولما كان الحراك الشعبي العُماني هو أقل ما تم التركيز عليه على المستوى الإقليمي والدولي، على الرغم من أهميته الإقليمية الكبيرة، لسطوة وسخونة الأحداث في مصر وتونس والبحرين واليمن وليبيا وسوريا، وبسبب الجهد المنظم والكبير الذي كانت تمارسه الآلة الإعلامية الرسمية، ولا سيما صحفها «الخاصة»، ناهيك بالعلاقة الخاصة بين الحكومات الخليجية، التي حدتْ بالقنوات الإعلامية الأكثر مشاهدة في أحداث الربيع العربي أن تغض الطرف، إن لم نقل تتجاهل، الحراك الشعبي العُماني إلا في حالات نادرة وبأخبار خجولة.

Page 4

لذا كان من الضروري - التزاماً بالأمانة التاريخية والضرورة العلمية - توفير مادة تتصف بتقديم قراءة حيادية وموضوعية - قدر الإمكان - ووصفية للربيع العُماني في مختلف تجلياته ومظاهره منذ تفتح براعمه الأولى، مروراً بأوج مده في شهري شباط/فبراير وآذار/مارس (2011)، وانتهاءً باستشراف المستقبل، وأثر ذلك في الإنسان والمكان وخصوصاً جيل عُمان القادم، ليكون مرجعاً أساسياً لكل مهتم بالشأن العُماني خصوصاً، والحراك العربي السياسي والاجتماعي عموماً؛ فضلاً عن أهمية توثيق وتأريخ هذا الحدث الكبير والجذري في تاريخ البلاد الحديث والمعاصر، وما لهذا الفعل من أثر في الناشطين والفاعلين من مفكرين وأكاديميين وعاملين ومهتمين بقضايا الشأن الوطني وتطوراته، لتسهل عملية التقييم، والتقويم للاجتهادات الفردية والجماعية، وليقف الجميع على أهم الدروس والعبر المستقاة من أية نهضة مجتمعية مقبلة.

في المشروع ومحدداته

حاول مشروع الكتاب، قبل أن يصل إلى القارئ الكريم، أن يغطي – قدر الإمكانات - مختلف أبعاد أحداث الربيع العُماني على صعيد تطور الأفكار والتأثير الذي قامت به على مستوى التغيرات الاجتماعية والسياسية والمتغيرات، التي طرأت على سيرورة النظام والسلطة والمجتمع والإنسان، وبشكل محدد زمنياً في الفترة الممتدة من مطلع العام 2011 مركزة بشكل محوري على الحراك الشعبي الواسع، والضغط الشبابي المباشر على النظام السياسي، من أجل إحداث إصلاح جذري في بنيته وهياكله، ليتواءم وضرورات بناء دولة مدنية تحترم الإنسان وتسعى إلى ضمان حقوقه وحرياته، ومغادرة تلك الأطر التقليدية والمخاوف الأمنية العميقة التي كبلت النظام نفسه، وحرمته من النمو الطبيعي وفق مقتضيات العصر، وأصول التطور السياسي والاجتماعي والفكري.

كما يتحدد المشروع في هدفيته، خصوصاً في قسمه الأول، الدراسات، بتقديم مادة معرفية مرجعية محايدة وموضوعية، تعتمد منهجاً وصفياً تحليلياً يتخطى التقويمات المعيارية والمقاربات المؤدلجة، بحيث يتطلع ليكون قاعدة معلومات وصفية وسردية وتحليلية، في الوقت نفسه، من خلال اعتماده على المراجع الأصيلة والمصادر الموثّقة والموثوقة.

ويستفيد المشروع، بدون شك، مما أنجزه المفكرون العرب وغيرهم بشأن الربيع العربي، وهو ربيع عظيم وكثيف ومتسارع، ليقدم قراءة نوعية من حيث التوصيف والتصنيف والتحليل، وربطها في سياق الزمن العربي الجديد، الذي خرج فيه الإنسان إلى الشارع لينتصر لكرامته، ويغادر تلك الحالة من الاستعباد والخوف من ذاته وأحلامه، التي لازمته وعطلت طاقاته قروناً من الزمن.

ويأتي القسم الثاني، الشهادات، ليوثق تلك الحالة الوجدانية الخاصة واللافتة، التي غمرت الإنسان في عُمان، وحلقت به في أعالي الطموح والأمل، وانعكاساتها على الشخصية والوعي. فلم تعد الشخصية مستلبة، كما في السابق، للعادات والتقاليد، كما أن الوعي الحر الذي يعلي من شأن القيم والمبادئ، بدأ يعلن ذاته جهراً، ويزاحم ذاك الذي يتكئ على تلك العادات والتقاليد. لذلك تكتسب الشهادات الواردة في هذا الكتاب، أهميتها في رصد التطور الهائل الذي حدث، على مستوى القابليات والممكنات الذاتية للشاعر، والسينمائي، والفنان التشكيلي، والقاص، والروائي، والناشط الحقوقي، والفاعل في داخل تلك الاحتجاجات، بل حتى الطالب والمشاهد عن بعد.

Page 5

ويفرد القسم الثالث، أهم البيانات والعرائض والمطالب والصور التي وثقت لحظة وعي شعبي، ذات حلم، وبعض الصور والشعارات التي عكست واقعاً يتشكل بثبات خارج شرنقة الطاعة للنظام، وثقافة الخوف من التغيير.ذلك كله لتوثيق أكبر قدر ممكن من المعلومة الخام للباحث والمهتم ليستعين بها في إعادة قراءة الحدث وربطه بأي حراك اجتماعي وسياسي يمارسه المجتمع والفرد في عُمان.

بكلمة، سوف يأتي الكتاب على مجمل أبعاد ومناشط الحراك العُماني ولن يختزله في بعد واحد، بل سوف يتم إبراز الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسكانية والتاريخية والثقافية وردات الفعل الرسمية لهذه الحركة الاحتجاجية قدر الإمكان.

في التحديات

مشروع كهذا، يهدف إلى توثيق حدث وطني بهذا الحجم والتأثير الكبيرين، له أبعاده الظاهرة والباطنة، لابد أن تعترضه العوائق والتحديات، وفي طليعة تلك التحديات استجابة الباحثين والكتاب للمساهمة في هذا الكتاب. فعلى الرغم من أن الكتاب يحوي بين دفتيه كوكبة من خيرة كُتاب وأكاديميي البلاد، إلا أن نسبة الاستجابة كانت ضعيفة مقارنة بالدعوة التي وجهت إلى أكثر من ستين أكاديمياً وكاتباً وفاعلاً في هذا الحراك للمشاركة في هذا المشروع. نعم، يمكننا الزعم بأن الحدث ما زال طازجاً، وهضمه نفسياً واجتماعياً لم يتحقق بعد، ولم نلمس آثاره العميقة بالشكل الواضح، إلا أن أهمية توثيق الحدث كانت أكثر إلحاحاً علينا، لكي لا تذوب التفاصيل والأحلام في زحمة اليومي والخاص. أما التحدي الآخر، فكان الزمن، والالتزام بالجدول الزمني للكتابة، الذي لعبت عدة عوامل ليس أقلها تسارع الأحداث التي أعقبت الربيع من اعتقالات، ومحاكمات، وصدامات طبيعية لحراك كهذا، شملت معظم من ساهموا، أو كان يمكن أن يساهموا في هذا المشروع. وهو ما أثر، بشكل مباشر، في توقيت طبع ونشر الكتاب، الذي حرصنا على ألا يأتي متأخراً، قدر الإمكان، ليُبقي أسئلة الإصلاح والتطوير حاضرة، بشكل دائم، وعلى نحو مشروع.

إلا أن الشكر والتقدير هما أقل ما يمكن أن نقدمه إلى كل من ساهم في هذا المشروع بالكتابة والتشجيع، والدعم المعنوي والمادي؛ فلولا حرصهم وإيمانهم بالفكرة، لما وصل الكتاب إلى يد القارئ العربي العزيز. وأخص بشكري هنا الصديق الكاتب والإعلامي سليمان المعمري على عنايته الصادقة بالفكرة منذ ولادتها، وتجشمه عناء التدقيق والمراجعة بعد ذلك، والصديق العزيز ناصر صالح على تشجيعه الدؤوب والفاتح لأفق الغد المشرق.

إن ما يحدث الآن في عُمان، هو إحدى لحظات الصراع الطبيعي والتدافع الإيجابي بين قوى اجتماعية جديدة تعبر عن حيوية سياسية متصاعدة، وبين مسؤولين في السلطة يريدون إبطاء هذا الحراك أو إيقافه، ولكن الحراك الشعبي العربي بكل تجلياته والسائر نحو الديموقراطية، والبناء الدستوري والتشريعي، وتعزيز كرامة الإنسان وتأصيل حقوقه وصون حرياته، سيكون له تأثيره الكبير. كما أن هذا الحراك السياسي الجديد هو نتيجة حتمية لثورة الاتصالات والمعلومات التي جعلت العالم متشابكاً ومتداخلاً اقتصادياً ومعرفياً مما سمح بانتشار ثقافة حقوق الإنسان، وقيم الديموقراطية والتعددية، التي عبرت عن نفسها بوضوح عبر ثورات الربيع العربي. كما أن هذا المسار الديموقراطي سيظل متواصلاً ومؤثراً، وبالتالي فإن هذه المحاولات لإيقاف هذا الحراك قد تحدث بعض الارتدادات، وربما كثيراً من التراجعات التي يحسبها الرائي انهزاماً ونكوصاً إلى الحالة السابقة. لكن الروح الجديدة التي تسري في أوصال الشباب العربي، كفيلة بتدفق الحالة النضالية من أجل الإنسان وكرامته وتقدمها.

Page 6

اعتصامات عام 2011: تحرر الحوار الوطني وتطوره

صادق جواد سليمان اللواتي(1)

بتقديري، أهم ثمار الاعتصامات الشعبية السلمية في خلال الربيع العُماني عام 2011 كانت ولا تزال: تحرر الحوار الوطني واطراد تطوره.نشطت في خلال أسبوع من مطلع آذار/مارس، حواراتنا التي بدأت عفوية في مختلف ساحات الاعتصام عبر الوطن، لتكتسب وتيرة حيوية، ونبرة صريحة، ونهجاً جاداً في التباحث حول عموم مساحات الشأن الوطني. في «ساحة الشعب» كان التوافد ابتداء دونما هدف بيّن، لكنه سرعان ما اتسم بحضور منتظم، هادف إلى تكثيف الحوار الوطني، وتوسيعه، وتعميقه. بعد بضع أمسيات من التحادث عرضياً ما بين تجمعات متفرقة وقوفاً هنا وهناك، تطور المشهد إزاء مبنى مجلس الشورى إلى منتدى جامع راجت فيه خطابات وندوات ومناظرات ونقاشات ... ذلك كله وسط احتشاد متزاخم ليلياً ظل يشكل على امتداد شهور ملتقى حافلاً لم يشهد مجتمعنا العُماني حدثاً مدنياً مثيلاً له من قبل.

فوق حصائر فرشت على أديم الأرض جلس المعتصمون، وفي خيمة نصبت في مقدمة الساحة جلست المعتصمات، ومن منصة غير راكزة تماماً أقيمت على عجالة، تحدث منهم من دعوا إلى الحديث، وتباعاً من رغب منهم في التعقيب. ثم من خلال حوارات تفاعلية موسعة في إثر كل خطاب، أُبديتْ بصراحة مشهودة، ملاحظات هامة حول مختلف الموضوعات المتصلة بالشأن الوطني، شرحاً وتفنيداً ومطالبة بما بدا لازماً القيام به إزاء عديد من الأمور من إجراءات تقويم وتعديل.

من وجه آخر، أتاح التجمع، على نحو مستطرد، فرصة للتعارف بين الحضور، مبدياً أكثر فأكثر للمتعارفين مدى تماثل تقويمهم للأمور: تحديداً مدى امتعاضهم مما صاروا يلمسون من قصور اعترى تراكمياً أداء الجهاز الحكومي، ومن تقصير شاب نمطياً أداء كبار المسؤولين. استبانوا أيضاً مدى توافقهم حول ضرورة مكافحة الفساد، وتفعيل مهمة الإصلاح، بشكل ناجع وشامل. إلى ذلك، ناقشوا ماذا ينبغي أن يُعمل لرفع الأداء الحكومي عموماً إلى ما هو أجدر كفاءة وأضمن أمانة، ليكون بذلك أكثر إيفاء بحقوق المواطنين، وأكثر إنصافاً إزاء توزع الناتج الاقتصادي الوطني بينهم، وأكثر تركيزاً على استحقاقات التنمية الإنسانية كهدف مركزي وجب أن تتمحور التنمية الاقتصادية-الاجتماعية حوله. ذلك كله مع الابتعاد حسماً عما درجت عليه الحال عبر العقود الأخيرة من أموال وأراض وهدايا ثمينة فرقت في مقابل استجداء مكرمات، وحظوات استدرت عن طريق وساطات ومحسوبيات، ومحاباة مورست من مواقع المسؤولية لتنفيع قلة على حساب كثرة ... ذلك كله في وضح النهار، من خلال معاملة فرقت إجحافاً بين المواطنين على أساس الحسب والنسب والقرابة والوجاهة الاجتماعية والموقع السلطوي.

Page 7

من بعد التعارف اجتماعياً، صار المعتصمون يتعارفون وطنياً، أي من خلال التكاشف عن عمق إحساسهم المشترك بضرورة أن تسود المواطنة المتساوية بين الجميع في الوطن. بذلك عدّوا المواطنة المتساوية بمثابة عقد اجتماعي يساوي الأرضية التي تترتب عليها منظومة الحقوق والواجبات ضمن الإطار الوطني. لوحظ مراراً في الحوارات أنه خلاف المعلن من القول: إن جميع المواطنين أمام القانون سواء، أن الواقع لا يشهد بذلك، فهناك وضوحاً قلة هي ليست مع السواد الأعظم من المواطنين بسواء، بل أن لها امتيازات خاصة بها دون سائر أهل الوطن. لأجل ذلك، كأمر أساس، نودي في الخطابات بوجوب إرساء المواطنة المتساوية إرساء مبدئياً: مؤصلاً دستورياً، ومطبقاً قانونياً، ونابذاً كل أشكال التمييز بين المواطنين، أسياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية تقليدية.

حب الوطن، والاقتناع المشترك بضرورة تطوير منهجية اتخاذ القرار الوطني إلى ما هو أوفى وأمثل، ترادفا في الحوار. إلى ذلك، جاء التأكيد على مكافحة استغلال الموقع الوظيفي في الدولة للاستئثار الشخصي، وعلى تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين ذوي الدخول المتدنية، وعلى تدريب الشباب وتوفير فرص العمل لهم على نحو دائم، وعلى ترشيد الاقتصاد كأهم آليات تحقيق عدالة توزع الأرزاق بين الناس، وعلى إصلاح مناهج التعليم، على زيادة فرص التعليم العالي، وعلى تيسير إنجاز معاملات المواطنين لدى الدوائر الرسمية دونما محاباة، وعلى ضبط قنوات الإسراف والتبذير من المال العام في أوجه زخرفية ... هذه كلها ظلت تباعاً الموضوعات المتصدرة في حوارات المعتصمين.

وسط ذلك، تردد مطلب جذري: تعديل البنية الدستورية للدولة كمدخل شامل لتفعيل التوجه الإصلاحي، ومن ثم تمكين الدولة من ممارسة اجتهاد وطني مؤسسي راجح ومتكامل. تحديداً، ثمة خمسة مطالب دستورية عرضت في الخطابات منذ بداية الاعتصام: أولاً: أن توضع للدولة أرضية دستورية جديدة، بل أن يكتب دستور جديد. ثانياً: أن يصحح وضع مجلس الشورى في اتجاه تطويره إلى سلطة تشريعية حقيقية، وإلى ذلك، كخطوة أولى، رفع الوصاية عنه لرئيس معين، كأمر لا يليق. ثالثاً: أن تكون للدولة حكومة قائمة بذاتها كسلطة تنفيذية، تعمل بمسؤولية تضامنية، وقابلة لسحب الثقة منها إن هي أساءت أو قصرت في الأداء. رابعاً: أن تكون للدولة سلطة قضائية، بمعنى قضاء مستقل، أعلاه محكمة دستورية لا تعلوها سلطة أي شخص أو هيئة. خامساً: أن يكون سلطان البلاد حكماً يحتكم إليه عند الاقتضاء.

انتظام وانضباط وربط بين الحقوق والواجبات

طوال فترة انعقاده، ظل الاعتصام في ساحة الشعب منظماً ومنضبطاً بامتياز. كان الحرص على سلامة المشهد وسلميته، وتنسيق كل ما يتعلق به من أمور إجرائية، دقيقاً وصميماً في جميع الأوقات. مع تكرار حضوري في ساحته، أقله لساعتين كل مرة، لم أشهد يوماً حدثاً مخلاً بالنظام، أو خصاماً معكراً للوئام. على العكس، في عمق المشهد كنت أشعر بتعزز الثقة المتبادلة بين المتحاورين، وبتنامي الاطمئنان بينهم إلى التكاشف حول الشأن الوطني ولزومياته الإصلاحية. وإذ تكررت مشاركاتي، مراراً كمستمع، وأحياناً كمتحدث، صرت ألمس تعمق الوعي لدى المعتصمين حول الترابط العضوي بين ما لهم من حقوق المواطنة وما عليهم من واجباتها: وعي طالما أشير إليه في أدبيات علم السياسة، أنه الظاهرة التي إذا سادت أيما مجتمع وطني، مكنته من إنجاز تقدم حضاري جامع جدير.

إجمالاً، في عموم أطروحاته، ارتكز حوار المعتصمين في ساحة الشعب على مبدأين صنوين: أولهما: تثمين ما تحقق من معطىً تنموي مشهود في وطننا حتى اليوم، وثانيهما: انطلاقاً من هذا الذي تحقق، الدفع نحو ما نطمح إلى تحقيقه استطراداً لهذا العهد. ذلك كله أيضاً وفق ضابطين صنوين، أولهما: بقاء منهاجنا في العمل الوطني قائماً أبداً على التحاور والتعاون وصولاً إلى توافق وطني؛ وثانيهما: بقاء جميع مساعينا الإصلاحية موصولة أبداً بصميم الحرص على الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة المنجزات الوطنية، مع دوام حرص مماثل على توطيد الوئام الاجتماعي في رحاب المواطنة المتساوية بين الجميع. نعم، في سياق الحوار، من حين إلى آخر، كان يسمع كلام غير دقيق، حاد النبرة، خشن العبارة، انفعالي الأسلوب. لكنه كان يُعبّر بغير كثير اكتراث من غالبية الحضور. عكس ذلك كان يتم عندما تقدم عروض موضوعية بأسلوب رصين. عندها كنت ألاحظ ليس حسن الإصغاء والاستيعاب فحسب، بل أيضاً الرغبة في مزيد من الاستنارة حول ما كان يطرح من خلال حوار تفاعلي ناشط وغزير.

Page 8

شروح دستورية

في معرض ذلك كله، من خلال العديد من أطروحات قيمة عرضت في منتدى الاعتصام، جرى شرح مصطلحات محورية تتصل بالبناء الدستوري للدولة العصرية، منها تحديداً منظومة مصطلحات: الوطن، والدولة، والوطنية، والمواطنة، والحكومة، والمجتمع المدني، استأثرت باهتمام كبير تمثل في حوار مستفيض حول فحوى كل من تلك المصطلحات، وحول نسق التعالق ما بينها، كعناصر أساسية في البناء الدستوري للدولة العصرية. في سياق ذلك عرضت شروح يمكن تلخيصها في الآتي:

• إن الوطن سابق على الدولة، كونه المستقر الأصل والبيت الكبير الذي يؤوي الجميع على أساس سواء، أياً كانت مواقع أهل الوطن في ساحة العمل أو في النسيج الاجتماعي.
• إن الدولة سابقة على الحكومة، كونها الإطار المنظم للشأن الوطني، لذا وجب أن يكون لها دستور وحكومة ومؤسسات تشريعية وقوانين منظمة لمختلف نشاطات المجتمع، وأن تكونَ لها علاقات تعاونية مع الدول الأخرى، عضوية في المنظمات الأممية، ومشاركات في المواثيق الدولية. شكل الدولة قد يتغير بإرادة أهل الوطن، لكن الوطن أصل ثابت.
• إن الوطنية هي الشعور الإيجابي الفاعل تجاه الوطن والمصلحة الوطنية المشتركة، وأهم معاييرها الولاء والوفاء والإخلاص.
• إن المواطنة هي المشاركة في الانتماء إلى الوطن الواحد، وقوامها العقد الاجتماعي الذي يساوي بين المواطنين كافة أمام القانون، غير مجيز أيما امتيازات، بناؤها حسب أو نسب أو قرابة أو جاه اجتماعي أو موقع سلطوي.
• إن الحكومة، كسلطة تنفيذية، تأتي لأجل وترحل، لأن استمرار عهدها مرتهن بحسن الأداء ومعيار الكفاءة والأمانة معاً. أما كسلطة تشريعية فيتجدد عهدها بإعادة انتخاب الأعضاء دورياً. مبدأ التداول هكذا يمكن من تعميم خبرات ممارسة مهام الحكم ديموقراطياً، بدل حصرها في فئات معينة أو أشخاص معينين على أساس امتياز سياسي أو اجتماعي تقليدي.
• إن المجتمع المدني هو المواطنون والمواطنات أنفسهم بما يقومون به تطوعياً من نشاطات حميدة، متنوعة، رائدة، غيرِ ربحية وغيرِ حكومية، لأجل إنماء المصلحة العامة.
• استُعرض أيضاً، ماذا يترتب في إطار المواطنة من حقوق واستحقاقات وواجبات لأهل الوطن كافة، دون أيما تمييز محابٍ أو مؤثرٍ لبعض منهم فيما هم جميعاً فيه سواء...
• إن في إطار المواطنة، لا تتفاوت فيه الحقوق، أما الاستحقاقات، فلكونها تنبني على الأهلية، فإنها قد تتفاوت، لكنه تفاوت موضوعي لا ينطوي على غبن أو إجحاف بحق أحد...
• إن الواجبات بدورها تتفاوت حسب الاستطاعة، إذ لا تكلف نفس إلا وسعها...
• إن في مجمل هذا النسق، المواطنة صميماً تعني المواطنة المتساوية بين المواطنين كافة، رجالٍ ونساء، وحقوقها، بذلك، تتوازى مع حقوق الإنسان المفصّلة والمعترف بها عالمياً. بتعبير آخر: حيثما تضمن حقوق المواطنة المتساوية على نحو غير منقوص تضمن أيضاً حقوق الإنسان، كما أن مدى الوفاء بحقوق الإنسان أضحى اليوم المسطرة الرئيسة التي تقاس عليها جدارة الدول عالمياً، وضمن الدول تقاس بها جدارة الحكومات. أشير أيضاً، في معرض التمييز بين المواطنة والوطنية، وإلى أن المواطنين في أيما وطن يتفاوتون في وطنيتهم، وأن خير ما يمكن أن ينعم به أيما وطن يتحقق عندما يغدو كل مواطن فيه وطنياً بامتياز

Page 9

تطور في الحوار الوطني وتطور في الخطاب الرسمي

لقد حدث تباعاً جراء الاعتصامات، ومن أثر ما دار في منتداها من حوارات صميمة كاشفة، تطور هام على صعيدين خلال العام المنصرم (2011): تطور في مضامين الحوار الوطني، وتطور في مضامين الخطاب الرسمي المصاحب والمتناسق مع التطلعات المعبر عنها في الحوار الوطني.

بالنتيجة، اتسع حوارنا الوطني مدى، على ما ألمس، وتبلور نوعاً، واتضح معنىً عما كان عليه قبل الاعتصامات. مثلاً: في حواراتنا اليوم، أكانت جانبية خاصة أم عامة علنية، من جل ما أستمع أستخلص أنه ما عاد يعنينا زخرف المظهر، بقدر ما يعنينا ضمان سلامة الجوهر. ما عادت تعنينا عبارات التفخيم والتبجيل لمواقع السلطة، بقدر ما يعنينا ضمان الكفاءة والأمانة في أداء تلك المواقع. لم تعد تعنينا العناوين الدعائية المرسومة بالخط العريض، بقدر ما تعنينا المتون الموضوعية المكتوبة بالحرف الصغير. وما عدنا نرضى بالمحاباة والمحسوبية، بل صرنا نؤكد ونلح على تساوي الجميع أمام القانون. مبادئ وقيم، أكثر من عادات وتقاليد، تحدونا اليوم على مسار استكمال معالم الدولة العصرية التي تعهد ريادة تحقيقها سلطان البلاد، تحقيقاً حداثياً وحضارياً معاً في ترادف .

على صعيد الخطاب الرسمي، قراءة متمعنة في كلمة سلطان البلاد أمام الدورة الخامسة لمجلس عُمان، تبدي تناسقاً في المفاهيم وتماثلاً في وجهة التطور. هنا أيضاً نقرأ رؤية رائدة، مترابطة منطقياً، ومتماسكة في عناصرها النهضوية... رؤية جامعة ترسم توجهاً واضحاً نحو استكمال عناصر الدولة العصرية. الدولة العصرية هي غير الدولة المعاصرة التي تعيش في العصر حداثياً لكنها لا تُعنى كثيراً باستحقاقاته الحضارية. خلاف ذلك، تسعى الدولة العصرية في دأب إلى تحقيق ذاتها وتعزيز مكانتها بين الدول، وفق أرقى استحقاقات العصر الحداثية والحضارية معاً. على رأس تلك الاستحقاقات، تُعنى الدولة العصرية بحكومة رشيدة، باقتصاد منتج ومنصف، وبتنمية إنسانية مستدامة، بتنام معرفي مطرد، وباحترام حقوق الإنسان، ودوماً بالتثبت في مكارم الأخلاق.

لفظ «الاستكمال» الذي نعت به سلطاننا مسعانا الوطني لبناء الدولة العصرية دقيق في دلالته، لأن مسار التقدم الحداثي مفتوح المدى، ولأن أفق الارتقاء الحضاري لا يحده سقف. المسار الحداثي هو ذلك الذي نواكب عبره العالم عمرانياً، ونجاريه اقتناءً واستخداماً لعموم مبتكرات العصر من منتجات تكنولوجية ونظم إدارية ووسائل تيسيرية تلبي عملياً الحاجات الحياتية. أما المسار الحضاري فهو ذلك الذي نستكمل عبره استحقاقات المواطنة المتساوية القائمة على التكافؤ في الحقوق والتناسب في الاستحقاقات والواجبات، في ظل حكومة ديموقراطية مؤسسية رشيدة، متسقة مع ما استقر عليه الاجتهاد الإنساني العالمي المستنير.

Page 10

فاعلية الاعتصامات

ما الذي مكن من تطور حوارنا الوطني، وترادفاً معه، من تبلور الخطاب الرسمي في وجهة مماثلة، على نحو ما وصفت ؟ ما الذي أخرج حوارنا عموماً من إسرار إلى إفصاح، ومن غموض إلى وضوح ؟ بنظري، الفضل – كما أسلفت - يعود إلى الاعتصامات التي عقدت بدءاً من ربيع عام 2011 واستمرت شهوراً. إنها انطلقت من صفوف الشباب، احتجاجاً على استشراء العطالة في وسطهم، وبعد أن كان العديد منهم قد كلّ بحثاً عن العمل دون طائل. ثم إذ لم تلق شكاواهم آذاناً مصغية، ولم يبادَر إلى معالجة مشكلة البطالة بينهم بشكل جاد وناجع، لمس الشباب لدى الحكومة تناقصَ الاكتراث وتزايدَ الإجحاف، فتفاقم شعورهم بالحيف، وتراجعت ثقتهم بالمسؤولين، فلم يسعهم غيرُ اللجوء إلى الاعتصام كوسيلة مشروعة للاحتجاج. نعم، ما يؤسف له جداً ما رافق الاعتصامات في بعض ساحاتها الرئيسة من صخب وشغب، ومن أعمال تخريب وتعطيل ما كان ينبغي أن تحدث، وأرجو ألّا تحدث، وألّا يستجد مبرر لحدوثها مستقبلاً أبداً. لكن، كأمر واقعي، تُرى هل نجد احتجاجات شبابية في أيما مجتمع، تخلو تماماً من مثل هذه السلبية عندما لا يُحسَن التعامل مع المشاكل مثار الاحتجاج، وعندما لا تُتَفهم بواعثها، وعندما لا يُعتَرف إزاءها بالتقصير، وعندما لا يبادَر إلى اتخاذ إجراءات عملية مقنعة وناجعة لتصحيح الأخطاء وتحسين الأوضاع، دون مكابرة أو إلقاء معاذير؟

في حوارات الاعتصام جرى التساؤل: تُرى كيف غفلت الحكومة عن مشكلة تفاقم البطالة بين الشباب، وضمن الحكومة وزارة موكولة إليها إدارة الاقتصاد الوطني، وأخرى مسؤولة عن التعمين، وكلتاهما تمتلك إحصاءات دقيقة عن وضع العمالة في البلاد، وكلتاهما معنية، كأمر أساس، بزيادة فرص العمل للعُمانيين على نحو مطرد متصاعد؟ كيف لم يُلتَفت إلى سياق تناقضي ظل يتعاظم على مدى السنوات الأخيرة على الخصوص، حيث أعداد العمالة الوافدة كانت في صعود ملحوظ جراء تزايد الإنفاق الحكومي مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط، وأعداد العمالة الوطنية في المقابل نسبياً في تناقص؟

بشبه إجماع ظهر في الحوارات في ساحة الشعب، نسب تراكم هذا الخلل الخطير، الذي أدى تباعاً إلى لجوء الشباب إلى الاعتصام، كتعبير صارم عن الاحتجاج، إلى عوامل أربعة: أولاً: قصور الحكومة المزمن في تدريب وتأهيل الشباب العُماني، ثانياً: خبط في الأولويات قدم المهم على الأهم، بل مراراً الغث على السمين، ثالثاً: تغليب الاهتمام بالانتفاع الخاص على الاعتناء بتحقيق المصلحة العامة، رابعاً: الانصراف إلى تنمية اقتصادية غير موصولة تماماً بمقاصد التنمية الإنسانية. هذه العوامل الأربعة بشتى تداعياتها أمست تباعاً محل نظر متواصل في حوارنا الوطني، وهي لا تزال تتصدر الاهتمام في لزوميات التصويب والإصلاح.