eKtab
EN ع
الرفيقة وداد
Read free sample

الرفيقة وداد

by عماد محمود الأمين

Page 1

ـ 1 ـ

استيقظ برهوم من نومه في الخامسة صباحاً، مُبكراً على غير عادته، وقد أمضى تلك اللّيلة الممطرة من تشرين الأول 1954 بين النائم والمستيقظ، يتقلّب من جهة إلى أخرى، بعد أيامٍ عصيبة، لازمتهُ فيها، كظلّه، حالةٌ من الاضطراب والقلق.

نهض من فراشه ولبس ثيابه على عجل، ثمَّ بدأ يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً على الحصيرة المستطيلة الّتي تفصله وأخاه عن الجهة المقابلة حيث تنام أخواته الخمس، مُفترشاتٍ الأرض، وغامِراتٍ رؤوسهنَّ بالأغطية من شدّة البرد. وتمنّى لو يستطيع الدّخول إلى قاعة الاستقبال الواسعة فيتحرّك على راحته. ولكنَّ والدته كانت قد أقفلتها قبل أن تأويَ إلى الفراش، لتحافظَ عليها مرتّبةً وجاهزةً لاستقبال الزّوار. هذا إذا كان الخبر سعيداً.

لماذا كلُّ هذا الخوف؟ فهذه ليست المباراة الأولى الّتي تجري في لبنان لتعيين مدرّسين رسميّين. لقد سبقتها مباراةٌ في أوّل السّنة، ونجح فيها جارهم الّذي وإن كان يكبره بسبع سنوات، فقد كان دونه معرفةً باللّغة العربيّة والرّياضيّات، وأيضاً، هو على ثقةٍ بل على يقين من نجاحه.

هل أنهكتْه هذه الشّهور من الانتظار منذ تاريخ المباراة في الصّيف، وجعلتْه يبدأ بفقدان الثّقة في نفسه؟ شعر للمرّة الأولى في حياته كم أن الانتظار يدفع إلى الشّكِّ حتى باليقين.

عندما ذهب عمّه، منذ يوميْن، إلى بيروت ليأتيَ بالنّتيجة، أخبره أنّه سيرجع متأخّراً هذا الصّباح، لأنّه يجب أن يُغيِّرَ البوسطة في مدينة صور، وهذا يعني صعوبة معرفة موعد وصوله بالضبط، لأن عليه أن ينتظر اكتمال ركّاب البوسطة. ومع هذا، ها هو يفقد صبره ويندب حظّه الّذي رماه في هذه القرية البعيدة كلَّ هذا البعد عن العاصمة.

وظلَّ برهوم يتنقّل ساعاتٍ بين المشي السّريع في الغرفة والعودة إلى الفراش محاولاً النّوم، إلى أن سمعَ زقزقة العصافير تتعالى، مؤذنةً بتوقّف المطر، فانتعل حذاءه بسرعةٍ وخرج، ثمَّ اجتاز باب الحديقة غير آبهٍ بالماء الذي يبلّل أصابع رجليْه عبر الحذاء الذي ورثه منذ سنواتٍ عن خاله، والمثقل بسنينٍ طويلةٍ من الدّعك في البراري.

حثَّ الخطى مسرعاً باتّجاه السّاحة حيث تتوقّف البوسطة عادةً، وكان أوّل الواصلين، فقصد شجرة السّرو الوارفة في طرف السّاحة. أخرج من جيب سترته الدّاخليّة ورقة جريدةٍ فيها بعض التّبغ المفروم، ولفَّ سيجارته وهو ينظر ذات اليمين وذات اليسار، خوفاً من أعين الواشين، وأتى على آخرها بسرعةٍ كمن يلتهمها، ثمَّ رجع إلى وسط السّاحة.

تباعاً، وصل رجالٌ كُثُر، هذا الّذي كان أوصى أحد المسافرين على دواءٍ من بيروت، وذاك الّذي ينتظر رسالةً من المهجر. أمّا أكثر الوافدين فقد جاؤوا لتبادل الأحاديث والأخبار، ولانتظار البوسطة ليس إلّا. إنها البوسطة الّتي يشكّل قدومها الأسبوعيُّ إلى القرية حدثاً في حدِّ ذاته. وما إن سمع برهوم هديرها آتياً من بعيد، حتّى وجم قلبه ورجع إلى تحت شجرة السّرو يختبئ من شماتة الناس في حال لم يحالفه الحظّ.

ما هي إلّا دقائقَ حتّى رأى عمّه يترجّل، مُحيّياً بسرعةٍ الرّجال المتجمهرين عند باب البوسطة. وما إن لمح برهوم تحت الشّجرة يتوثّب كلصٍّ يخاف انكشاف أمره، حتّى توجّه صوبه مباشرة، ومع كلِّ خطوةٍ كان يخطوها، كانت دقّات قلب برهوم تزداد سرعةً وقوّةً وتختلج في كلِّ ناحيةٍ من صدره، كصدى طبلٍ يَضرِبُ عليه طبّالٌ غاضب. ولم تعد رجلاه تحملانه، فاتّكأ على الشّجرة ناظراً صوب عمّه. جمّع عينيْه وقلّصهما قدر المستطاع، حتّى بدتا كثقبيِّ إبرة، محاولاً أن يستبينَ اختلاجات تقاسيم وجه عمّه، إلى أن رأى بسمةً تفترُّ عنها شفتاه، فأيقن أنّه نجح في الامتحان. ولم يطلِ انتظاره إلّا ثوانيَ، فقد سحب عمّه ورقةً مطويّةً من الجيب الدّاخليِّ لسترته ولوّح بها عالياً.

Page 2

هزَّ برهوم ساعده بقبضةٍ مشدودة، ورفع رجله اليمنى وخبطها على الأرض بقوّةٍ وقال بصوتٍ خافتٍ وهو يشدّ على أسنانه: «أجل، أنا أستحقُّ هذا!»، ونزلت ْ من عينه دمعةٌ مسحها بسرعةٍ مخافة أن تُرى، فلطالما ردّد والده على مسمعه أنَّ دمع الرّجال نادرٌ وثمين، ولكن، تبعتها دمعاتٌ أُخَر، فكيف يستطيع لجمها وهذه أوّل مرّة في حياته يشعر بهذا القدر من الفرح والزّهو؟ ها هو في سنِّ الثّماني عشرة، وقد كافح بجهدٍ لينجحَ في الامتحان الّذي سوف يسمح له بالحصول على الوظيفة، وبالتالي تقاضي راتبٍ شهريّ، يحلم به كلُّ شابّ. وسوف يستطيع بعدها تحقيق حلمه بالزّواج من حبيبته وداد، الّتي يواعدها بالنّظرات والغمزات منذ سنتيْن، وبالكاد استطاع الحصول على قبلةٍ مسروقة منها.

ناوله عمّه الورقة، ثمَّ قبّله على جبينه وقال له:

- مبروك يا برهوم!

فردَّ بصوتٍ خجولٍ مُطأطئاً رأسه:

- لقد كبرتُ يا عمّي، لم أعد صغيراً لتغنّجوني، نادوني منذ اليوم إبراهيم.

فاحتضنه عمّه من كتفه وسارا عائدَيْن إلى البيت، وخلفهما عددٌ من الرّجال القادمين للتّهنئة، وسط أصوات زغردة (1) النّساء العالية، الّتي يُسمعُ صداها من التّلال المقابلة.

سمع والد ابراهيم «الزّلغطة» تقترب من بيتهم، فوقف على عتبة الباب. وما إن أطلَّ الجمع حتّى اقترب من ابنه واحتضنه بفخرٍ ومحبّة؛ فالوالد كان من القلّة القليلة المتعلّمة في القرية، لا بل في المنطقة. ففي أيام طفولته، كانت القراءة والكتابة حكراً على الأغنياء، وكان تعليمه يخوّله أن يجدَ وظيفةً في الدّولة، ولكنّه آثر الاهتمام بأراضيه والبقاء في القرية.

لم يكن والد ابراهيم من المتعلّمين الميسورين الذين يتعالون على الناس، بل كان ودوداً حكيماً يحفظ الشّعر ويجيد نظمه. وكان يملك منزلاً فسيحاً، مكوّناً من دارٍ واسعةٍ وغرفتيْن للنّوم، متميّزاً عن أكثر بيوت القرية الشّبيهة بالأكواخ والمبنيِّ أكثرها من الطّين. وحين ترشّح كمختارٍ للقرية منذ نحو عشرين عاماً، فاز بالتّزكية، على الرّغم من أن عائلته ليست العائلة الأكبر في القرية. ومنذ ذلك الوقت، لم يجرؤ أيُّ وجيه عائلةٍ آخر على منافسته، حتّى إنَّ مناصريه أصبحوا يطلقون عليه لقب وجيه الوجهاء.

وعلى الرّغم من كونه كان ميسور الحال، فقد كان «المختار» يحرص حرصاً خاصّاً على أن لا يُشعرَ أولاده بأنّهم أفضل من بقيّة الأولاد في شيء. ولم يكن يهتمُّ لامتعاض زوجته التّي كانت تريد أن يلبسَ أولادها أفضل من أترابهم، وأن لايعملوا في الأرض كما يعمل غيرهم. وحين كانت تتجرّأ على التّلميح إلى الأمر أمامه من حينٍ إلى آخر، كان ينهرها مُوبّخاً، فالولد، بالنّسبة إليه يجب أن ينشأَ على العوَز، وأن يفهمَ منذ الصّغر معنى المساواة. وعندما كبُر ابراهيم وانخرط في صفوف الحزب الشّيوعيّ، تقبّل الوالد الأمر الغريب في حينه عند أهل القرية، بفكر المتنوّر العادل رغم إيمانه الفطريِّ الشّديد المتوارث في عائلته أباً عن جدّ.

في صباح اليوم التّالي، وبعد يوم قضاه مع أهله يستقبلون المهنئين، نهض ابراهيم والغبطة تغمره. فرك عينيْه بسرعة ثمَّ فتحهما ليتأكدَ من أنّه ليس في حلم، وأنَّ كابوسه قد مرَّ بسلام. وبسرعة البرق بدأ يحثُّ الخطى صاعداً التّلة باتّجاه شجرة البطم العملاقة، التي اعتادت أن تجمعَه بوداد، فوجدها على غير عادةٍ قد سبقته. وما إن رأته حتّى ركضت في اتّجاهه لتعطيَه القبلة التّي وعدته بها إن نجح، والتي حلم وحلمتْ بها طوال اللّيل، ولكنّها عندما أصبحت على بعد خطواتٍ منه، شعرتْ بالخجل فاكتفت بأن مدّت يدها مصافحة:

- مبروك يا برهوم.

Page 3

- ألله يبارك فيك ياوداد.لقد كان النّاس يحتفلون في بيتنا البارحة، وأنا لم أكن أفكّر إلّا فيكِ.

- حقاً؟

نظر إليها نظرة عتب رداًٍ على نبرة الشّكِّ في كلامها، فتبسّمت بهدوئها المعهود، وجرّته من يده باتّجاه صخرتهما الكبيرة المشرفة بجبْروتٍ وعنفوانٍ على القرية، كنُصُب أبي الهول، واستظلّا بها، جذبها نحوه فمالت بوجهها لتسمحَ له فقط أن يسرقَ القبلة من خدّها، مُبعدةً إيّاه بكتفها، فالوقت لم يحن بعد للذّهاب أبعد من ذلك، فأمسك يدها النّحيفة النّاعمة بشغفٍ وقال بضحكةٍ خافتة:

- انظري كم هي جميلةٌ ضيعتنا، كنتُ ألعنها البارحة لبعدها عن العاصمة.

- أعتقد أنّها أجمل قرية.

ثمَّ أردفت:

- وما أدرانا، فنحن بالكاد نعرف القرى القريبة، أتعرف بماذا أشبّهها؟

- قولي.

- أراها وسط التّلال تحيط بها من كلِّ صوب كجرنٍ مستطيلٍ مُقفل، فنحن بالكاد نستطيع رؤية الممرّين الضّيّقيْن في أعلى الوادي وأسفلها حيث تعبر الطّريق.

- معكِ حق، كم أنت دقيقة الملاحظة يا وداد، مع أنّني أرى ذاك الممرَّ في الأعلى أوسع بكثير ممّا تريْنه، وكأنّه امتدادٌ للتّلال الخضر حوله. والآن، قولي لي هل أنتِ سعيدةٌ باقتراب تحقيق حلمنا؟

- البارحة، حين عرفتُ بنجاحك شعرت بأنَّ قلبي قفز من مكانه من شدّة الفرح. وكم كان بودّي لو أذهب إليك وأهنّئك، ولكنّك تعرفُ ما كان ليقولَه النّاس.

رسما تفاصيل حياتهما الواعدة كأنّهما عصفوران يجمعان القشَّ لينسجا عشّهما فوق أغصان شجرة البطم، وتعاهدا ألّا يفترقان أبداً، وأن يبقيا أوفياء لحبّهما ما حييا.

لم يمضِ شهرٌ حتّى عُيّن ابراهيم مدرّساً في قريةٍ تبعد عدّة كيلومترات عن فطر. فالقانون حينها كان يفرض على المعلّمين أن يبدأوا التّدريس خارج قراهم. وكان ابراهيم يدرّس كلَّ الصّفوف وكلَّ المواد، مع أنَّ شغفه بالأدب العربي والشّعر، الموروث من أبيه، جعلاه يولي هذه الحصّة أهميّةً خاصّة. وبعد سنةٍ استطاع الانتقال إلى فطر.

Page 4

لم يطل به الوقت، حتّى صارح والده برغبته في الزّواج، فوافقه من دون أن يسألَه عمن تكون الفتاة. لم يستغربِ ابراهيم هذه الموافقة السّريعة، فلطالما كان يردد على مسمعه: «تزوّجْ من الفتاة التي تريد ولن أسألكَ». ثمَّ كان يلتفت إلى أخواته قائلاً: «إذا عُرض على إحداكنَّ الزّواج من شخصٍ ورفَضَت فلن أناقشَ السّبب، بينما في حال قبلتْ فسوف يتحتّم عليها انتظار موافقتي»، لأنّه كان يدرك أهميّة أن تتزوّجَ الفتاة العربيّة من رجلٍ خلوق، وإلّا استخدم السّلطة شبه المطلقة المعطاة له من المجتمع، وبحكم الشّرع الدّينيِّ، كما يهوى ويشاء.

وحدها، والدة ابراهيم اعترضت على هذا الزّواج، وذكّرت زوجها بفقر هذه العائلة وخصوصاً ما يُروى عن والدة الفتاة الّتي ظلّت خمس سنواتٍ من دون إنجابٍ بعد الزواج، وكاد زوجها يُطلّقها لأنّها امرأةٌ عاقر، إلى أن كان حمْلها الوحيد بوداد. ولكنّها لم تلقَ أذناً صاغيةً من زوجها الّذي نهرها مانعاً إيّاها من إعادة الكلام في هذا الموضوع ثانيةً، فخضعت مُرغمة.

في اليوم التّالي، شكّل أعمام وأخوال ابراهيم وفداً، وقصدوا منزل عمِّ العروس يتقدّمهم والده «المختار»، ليطلبوا يدها. اختلى الرجال في غرفة الجلوس، بينما تجمّعت النّساء في غرفة النّوم الملاصقة، يسترقنَ السّمع من خلف الباب. وما إن سمعنَ الرّجال يقرأون الفاتحة، دلالةً على الاتّفاق، حتّى انطلقن بالزّغاريد:

آوييييها ياجماعة كِلْكُنْ

آوييييها وما نسينا فضلكنْ

آوييييها واليوم عنّا

آوييييها وانشالله بكرا عندكنْ

ليليليييييييييش

Page 5

ـ 2 ـ

تتربّع ضيعة فطر على سهلٍ فسيحٍ من منطقة جبل عامل، وتنتشر حولها ضيعٌ وبلداتٌ أخرى، تارةً في الأودية المجاورة، وطوراً على سفوح وقمم الهضاب، لتشكّلَ معاً نسيجاً جميلاً من الطّيبة والبراءة والعناد.

أمّا السّبب في إضفاء هذا الاسم غير المألوف على الضّيعة، فيُعيده النّاس إلى أنَّ الفطر ينبت كثيراً في ترابها، فترى الصّغار والكبار ينتظرون موعد الرّعد والبرق في شهري «كوانين» لينتشروا في الحقول وعلى التّلال، وأعينهم شاخصةٌ ﺇلى الأرض، يبحثون عن «فطروش ٍ» هنا أو هناك.

كانت تلك القرى تعتمد في معيشتها على زراعة التّبغ، يشارك أفراد العائلة جميعاً في مواكبتها بجهدٍ وتعبٍ على مراحل متقطّعةٍ من السّنة. فما إن تنتهي مرحلة تحضير المشاتل ونفّها بالبذور، حتّى يأتيَ، بعد أسابيع، موسم الزّرع، فتُقلع الشّتلات ويتمُّ زرعها في الأراضي المفلوحة جيداً والمثلّمة. ثمَّ بعد نحو شهرين، يأتي موعد قطاف الورقات، وشكّها واحدةً واحدة، بمساعدة مسلّاتٍ في خيطان مصّيص(2)، ثمَّ توضع تحت الشمس، وما إن تجفّ الورقات بعد أسابيع، حتّى تبدأ مرحلة التّصفيف(3)، فتُفرطُ من خيطانها وتُصفّفُ في مجموعاتٍ لتصبحَ جاهزةً للبيْع.

مرحلة الزّراعة هي الأصعب والأهمّ، والعامل المحوريُّ فيها هو «المنطعجيّ»، الّذي يجب أن يكونَ بالضّرورة رجلاً متين البنية، مفتول عضلات السّاعديْن، يستعمل الـ«منطاع» (4) لإحداث خرقٍ تلو الآخر في الثّلم، يملأها بالماء لتزرع الشتلات فيها. ويجب أن يكونَ باستطاعته المتابعة على هذا المنوال لساعاتٍ طويلة، وبئس العائلة الّتي ليس لديها منطعجيّ، لأنّها ستكون مضطرةً لاستخدام أحدهم بأجرةٍ مرتفعة.

إنّ مشاركة أفراد العائلة كافةً في هذه المرحلة إلزاميّة؛ فهناك من يهتمّ بإيصال الماء والشّتلات، ومن يحضّر الشّاي أو الطّعام، وكأنَّ العائلة خليّة نحل، تعمل بتنسيقٍ وتراتبيّةٍ ممتعيْن للنّظر.

وفي الأسابيع والشّهور الّتي تفصل مراحل العمل، كان العدد القليل من الأطفال الّذين يتابعون دراستهم يقصدون مدرسة القرية المتواضعة، إذ عليهم العمل في زراعة التبغ.

في الخمسينات من القرن الماضي كانت هذه القرى الفقيرة مهملةً منسيةً من الدّولة، فلم يكن في المنطقة كلّها إلّا طبيبٌ واحدٌ متواجدٌ في البلدة الأكبر والّتي هي عاصمة القضاء. أمّا المدرسة فقد كانت عبارة ً عن غرفةٍ واحدةٍ تُجمع فيها كلُّ الصّفوف، حيث كان الأستاذ الوحيد في القرية يشرح درس الجغرافيا للجهة اليمنى من الصّفّ، وتكون الجهة اليسرى منهمكةً بحلِّ مسألةٍ في الرّياضيّات، والجهة الوسطى تطالع نصّاً باللّغة الفرنسية.

Page 6

بالإضافة إلى الفقر والحرمان، لم تنعم هذه المنطقة بالاستقرار منذ قدم التّاريخ. فقد كانت دوماً مسرحاً للحروب والغزوات المتكرّرة والدّوريّة، الّتي كان آخرها في تلك الفترة نكبة سنة 1948 حين قُسّمت فلسطين إلى دولتيْن، فلسطينيّة وإسرائيليّة، وهُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيّين من مدنهم وقراهم، ليلجأوا إلى الدّول العربيّة المجاورة، ومن ضمنها لبنان.

وهكذا، انحشر سكان فطر، كما سائر سكان القرى المجاورة، بين سندان الفقر ومطرقة الحالة الأمنيّة غير المستقرّة. وتزايد النّزوح ﺇلى البلدات والمدن البعيدة وصولاً إلى بيروت. ثمَّ أخذت الهجرة طريقها إلى الدّول الأفريقيّة والأميركيّة. كانت الهجرة في أكثر الأحيان ظرفيّةً وآنيّة، إلّا أنها أخذت، عند جزءٍ لايستهان به من النّاس، شكل الهجرة الدّائمة والنّهائيّة.

وبدأت تظهر علامات التّذمّر والتّمرّد على الأوضاع السّياسيّة، ووجد النّاس ضالّتهم في الأحزاب العقائديّة، وخصوصاً «الحزب الشّيوعيّ» و«حزب البعث» و«حزب الكتائب» و«الحزب القوميّ»، وكان لصعود الاتحاد السّوفياتيِّ الستالينيِّ في حينه، كبير الأثر في نفوس الشّباب، فانتشر الحزب الشّيوعيُّ فوق حقول التّبغ من قريةٍ إلى أخرى، سرّاً في البداية، ثمَّ بدأ يعمل في العلن، على الرّغم من الحظر الّذي كان مفروضاً عليه من السّلطات، داعياً إلى الإضرابات والتّظاهرات الّتي كانت تعلو فيها أهازيج:

نحنا رْجالكْ ماركس بيْكْ

مامِنْخافْ المَنيّة

الصّحة مليحة سْمالله عليْكْ

بْهاللّحْية الأشبهيّة.

ولكي تواجهَ السّلطات تذمّر أهل القرى حسّنت من أدائها، فشهدت فطر كما القرى المجاورة، تغيّراتٍ عمرانيّةً وخدماتيّةً كبيرة، وكذلك تضاعف عدد سكانها، وصار النّاس يسمعون بأطباءَ جدد، من قريتهم أو من القرى المجاورة، يستقرّون في عاصمة القضاء، وبدأت تظهر السّيّارات لتحلُّ محلَّ الحمير وسيلة نقل.

Page 7

ـ 3 ـ

وداد، فتاةٌ متوقّدة الذّكاء، واثقةٌ من نفسها، ما رآها أحدٌ إلّا وأُعجب برصانتها وهدوئها. ومنذ وفاة والدها وهي طفلة، عانت الأمرّيْن من ظلم أعمامها، الّذين كانوا يعرفون في قرارة أنفسهم أنّها لا تمتُّ إليهم بصلة قربى، وأنَّ ما يتداوله النّاس حول حمْل أمّها من الجار صحيح. ولهذا كانوا لاينفكّون يعاملونها كالغريبة ولا يمدّون يد العوْن لها ولوالدتها، فاعتادتا العيْش في كوخهما الصّغير، تقتاتان من عمل الأمِّ في خدمة البيوت.

إلّا أنَّ التّفاؤل بالحياة الجميلة لم يفارقها قطُّ، وعرفت كيف تجعل ابراهيم يقع في شباكها، بتوجيهٍ ومتابعةٍ دقيقةٍ من أمّها، الّتي وجدت في الشّابِّ صفقةً جيدةً أرادت من خلالها مصاهرة بيت المختار والزواج من المدرّس الميسور، وإثبات هويّة ابنتها في الوقت نفسه.

وبزواجها من ابراهيم، انتقلت وداد من حياة الفقر والهوان إلى الحياة الرّغيدة الكريمة، ولكن، مضت ستّة أشهرٍ ولم تظهر عليها بوادر الحمْل، وبدأت دورة معاناتها الثّانية.

وها هي، بعمرها الّذي لم يتجاوز السّبعة عشر ربيعاً، وبشعرها الأملس الأسود وعينيْها اللّوزيّتيْن الخضراويْن اللّتين تضفيان على وجهها الأسمر جاذبيّة مميّزة، تصبح سيرتها سريعاً على لسان كلِّ امرأةٍ في القرية، بالهمس في البداية، ثمَّ جِهاراً على مسمعها. كان الكلام من الحاسدة الّتي كانت ترغب بابراهيم زوجاً لابنتها، إلى الشّامتة بنَسَبِها المشكوك فيه، أو المتهكّمة بالشّبه الكبير بينها وبين جارهم القريب.

وها هي تجد نفسها مشروع ضحيةٍ لهذا المجتمع الذّكوريّ، الّذي لا يعترف بأنّ هناك رجلاً عاقراً، بل هناك فقط نساءٌ عاقرات. وها هم رجال القرية ينقسمون حولها، بين أكثريّةٍ جاهلةٍ تعتبرها نصف امرأة، وأقليّةٍ متنوّرةٍ تقف في صفّها، وإن كانت أكثريّتهم تمنّي النفس أن تقعَ عليه القرعة فتختاره لإخصابها.

وها هي أمّها تشعر بمهزلة مأساتها الّتي تأبى أن تفارقَها، فتعود لتحطَّ على ابنتها، فهل ستتركها تنتظر أيضاً سنواتٍ من العذاب لتتصرّف؟ فأيُّ لعنةٍ هذه التي تستعيد ماضيها، وأيُّ مهزلة هذه التي تطوّق حاضرها! وأدركت بسرعةٍ أنّه لابدَّ من الإسراع، فخير البرِّ عاجله. وأسرّت لابنتها بالوصفة السّريّة إذا ما طال الأمر. ولكنَّ وداد رفضت رفضاً قاطعاً في البداية، ثمَّ بدأت تلين مع الوقت، وتركت لنفسها فرصة سنةٍ بعد الزّواج قبل أن تعملَ بنصيحة أمّها، وإن كان الشّكُّ قد بدأ يتسرّب إلى ذهنها. ماذا لو كانت عاقراً فعلاً؟

كان والد زوجها أكثر ما يعزّيها في محنتها، لقد أحبّها كابنته، ولم يكن يسمح، على الأقلِّ أثناء وجوده، أن يُوجَّهَ إليها أيُّ كلامٍ مُهين. وكان يفاتحها بالموضوع كلّما سنحت له الفرصة، ناصحاً إيّاها بالصّبر وعدم التّوتر. ومع أنّه باشر ببناء منزلٍ لها ولابنه، وأصرَّ قبل البدء بإنشائه أن يسجلَه لها كعربون محبّة، إلا أنّه ظلَّ يتمنّى أن تبقى قربه ولا تبتعد عنه أبداً.

أما ابراهيم، فلم يكن يكترث لكلِّ ما يُقال، وكأنَّ الأمر لايعنيه، صار يهملها وتحوّل من رجلٍ محبٍّ لزوجته، شغوفٍ بها، إلى أنانيٍّ كلُّ همّه حياته الشّخصيّة. كان مثالاً للرّجل المتفاني في عمله، وغالباً على حساب حياته الزّوجيّة ثمَّ العائليّه في ما بعد. يقضي جزءاً كبيراً من وقته بعد انتهاء الدّوام في المدرسة، يتابع أحوال التّلاميذ وتطوّرهم، فلم يرسب عنده تلميذ ٌ إلّا نادراً. أمّا الوقت المتبقّي عنده، فكان يكرّسه للنّشاط الحزبيّ، أو للمشاركة في النّدوات الشّعريّة والأدبيّة، أو ارتياد المقهى الوحيد في القرية حيث يمارس هوايته في لعب الورق.

لم يناقش معها يوماً موضوع حملها، ولم يحاول الحديث عن الذهاب إلى طبيب. ربّما لأنّه كان يعرف في قرارة نفسه أنّه يعود، على الأرجح، إلى أدائه الجنسيِّ المشين، بل تابع اهتمامه بمشاغله الأخرى غير آبهٍ بالمعاناة الّتي تمرُّ فيها. لم يكن يعلم أنّه يزرع في قلبها بذرةً من الضّغينة، ويتركها تنمو وتتغلغل في كلِّ جزيئات جسمها، وأنَّ حقد المرأة المكبوت لا بدَّ وأن ينفجرَ يوماً ما، وفي مكانٍ لن يتوقّعَه، وربّما لن يعرفَ به أبداً.

Page 8

اعتادت وداد أن لا يرجعَ زوجها إلى المنزل إلّا في أواخر اللّيل منهكاً تعباً، فلا ينتبه لوجودها إلّا عند حاجةٍ تتطلّبها نفسه، فينهرها على التأخّر في تحضير وجبته، أو تسخين الماء ليستحمّ. وتدريجاً، أصبحت اللّقاءات بينهما تقتصر على العلاقة الجنسيّة، فقط حين يشعر هو بالرّغبة من حينٍ إلى آخر، فيأخذها، وهي نائمةٌ في أغلب الأحيان، ويفرغ فيها، أو عليها، مخزونه بسرعةٍ كأنّها دميةٌ مطّاطيّة، من دون أن يكترثَ إذا ما بلغت هي الذروة أم لا. وهي في الواقع لم تعرفها معه أبداً.

لم يكن ابراهيم حالةً خاصّة في تعاطيه الجنسيِّ مع زوجته، فكان مثَلهُ مثَلُ الكثير من الرّجال الشّرقيّين الّذين يغتصبون زوجاتهنَّ في ليلة الدّخلة ويأخذوهنَّ بالقوّة والعنف من دون أيِّ اعتبار لكونهنَّ كائناتٍ بشريّة، ولاحقاً، غالباً ما كان هذا الصّنف وغيرهُ من الرّجال يأخذ امرأته وهي نائمة، كمن يسرق منها شيئاً لا تريد منحه له، ربّما خوفاً من أن تضبطَه متلبّساً بالجريمة فتسأله عن حياته وتفتح ملفاتٍ سابقة.

هؤلاء النّساء كنّ يقضين حياتهنَّ في كبتٍ وحرمان، مغلوباتٍ على أمرهنَّ أو، أحياناً، جاهلاتٍ معتبراتٍ أنّه لا يحقُّ لهنَّ التّساؤل فيكتفين بما يُمارَسُ عليهنّ، ولكنَّ مخيلتهنَّ غالباً ما تستفيق، كبرعمٍ يتفتّح بعد طول انتظار، خصوصاً عند معرفتهنَّ بخيانة الزّوج، أو عندما تتجرّأ إحدى العارفات بمعنى لذّة الجنس على البوح بتلك المشاعر أمامهنّ، فتلجأنَ إلى الخيانة، إمّا عن سابق إصرارٍ وتصميمٍ ومعرفة، وإمّا بدافع الغريزة الجنسيّة.

بعد سنةٍ من الزّواج، انتقل ابراهيم وزوجته إلى منزلهما الجديد، المُحاط بشجيْراتٍ عديدةٍ زرعها والده بيده نصبةً نصبة. وبينما كان اليأس قد بدأ يستحوذ على وداد، وبدأت تستكشف الشّباب لاختيار الفحل الوسيم المتين ليقوم بالمَهمّة، شعرت بحمْلها، ولكنّها انتظرت شهريْن قبل أن تزفَّ الخبر، في البداية لأمّها، ثمَّ لزوجها، وأنجبت في كانون الثاني من العام 1957 طفلها الأوّل الذي سمّته نجماً. وجرياً على التّقليد في المجتمعات العربيّة، منذ اليوم الأوّل لولادة نجم، ولأنّه صبيّ، أصبح لابراهيم اسمٌ ثانٍ «أبو نجم»، وأصبح لوداد اسمٌ ثانٍ «أمُّ نجم».

وجاء الجيران والأقارب يهنّئون أبا نجم وهو يحاول إخفاء فخره وفرحه. فكم من رجلٍ انتظر طويلاً قبل أن يأتيَه المولود الذّكر، وتحمّل الذّلَّ والهوان، وصَبَرَ بألمٍ وخزيٍ على سماع النّاس يتابعون مناداته باسمه. وكم من طفلةٍ عانت اﻹهمال، لأنّها كانت المولودة الأولى، فكيف الحال إذا كانت المولودة الثّانيّة أو ما بعدها، وكم من امرأةٍ عانت الأمرّيْن وضُربت وأُهينت، من الزّوج وأهله وأقاربه لأنَّ أولادها الأوائل كانوا إناثاً، وكم تحمّلت نظرات الازدراء، الممزوجة أحياناً بالشّفقة، من بقيّة النّساء اللّواتي يهسهسن ويثرثرن: «هذه امرأةٌ لا تنجب إلّا إناثاً، ماذا ينتظر زوجها ليعيدَها إلى أهلها؟».

أمّا أبو نجم، فعلى الرّغم من سعادته بمولوده الأوّل، فإنّه لم يغيّر شيئاً في سلوكه. حتّى عندما ولدت بعد سنةٍ ونيِّف طفلتهما الأولى زينب، كان غائباً عن البيت في مَهمّةٍ حزبيّة، غير آبهٍ بصعوبات الولادة الّتي كانت تجري في حينه في المنازل بإشراف الولّادة أو ما يسمّونه «الدّاية» بالعاميّة، وهي امرأةٌ لم تتلقّ أي تعليم يخصُّ مهنتها، بل اكتسبتها بالخبرة في أغلب الأحيان.

وتدريجاً، بعد مرور وقتٍ قصيرٍ على ولادة زينب، أصبح أبو نجم عدائيّاً في كلامه وتصرّفاته مع وداد، وصولاً إلى الشّتائم والإهانات، وهو الرّجل المهذب مع النّاس إلى حدِّ المثاليّة. واكتشف، أو ربّما هُيِّئَ له، أنَّ السّبب الأوّل لإصراره على حبّها والزّواج منها كان إغاظة والدته الّتي لم تثق به يوماً، والّتي كانت دوماً تفضّل أخاه الأصغر المدلّل عندها، والّذي يشبهها بعجرفته.

كانت أمُّ نجم، بهدوئها وكرهها للشّجار، تتحمّل بصبرٍ وكبرياء. هي الفتاة العفويّة الّتي لاتستطيع عادةً إخفاء مشاعرها. ولكن ما عساها تفعل؟ هل تعود إلى بيت أمّها ذليلةً مكسورة؟ وإذا قبِل تطليقها، فهل سيسمح لها برؤية طفليْها؟ وماذا ستكون ردّة فعل أعمامها الّذين شعروا منذ زواجها بخروج العار من عائلتهم، ولن يقبلوا بأن يتسلّل إليهم من جديد. ولم تكن في يدها حيلة إلّا متابعة عذاباتها بانتظار الفرج. وبدأ حبّها الّذي كانت تخاله أبديّاً يتهاوى كورق الخريف.

ولما حملتْ بمولودها الثّالث، وربما بتأثير أفكارها وإصرارها على أن تكون قويّة وتواجه مصيرها، شعرت بعلاقةٍ خاصّة مع هذا الجنين الّذي ينمو في أحشائها، كانت تتلمّس بطنها وتتحسّسه بفخرٍ وفرح، وكلّما كبر وتكوّر كانت تزداد تعلّقاً بجنينها، ولم تفهم أبداً سرَّ هذا الإحساس الّذي لم تشعر به في حَمْليْها السّابقيْن. حتّى إنَّ «الدّاية» عندما سحبته من رحمها، بسهولةٍ لم تعهدها إلّا نادراً، أصدر صرختيْن يتيمتيْن خافتتيْن ثمَّ فتح عينيْه على وسعهما بغرابةٍ لافتة، كمن يلج مكاناً كان يظنّه خالياً فيُفاجأ بكثرة الحضور.

ولمّا تناولته أمُّ نجم بين يديها، ضحكت بملء فيها رغم الألم الّذي تشعر به، واحتضنته بحنانٍ وهي تلهث من التّعب، وخاطبته بصوتٍ منهك: «بماذا أنت شاردٌ يا طفلي الصّغير؟». وبعد أيام، أصرّت أن تطْلقَ عليه اسماً غريباً، شارد، ولم تلقَ طبعاً، لا اعتراضاً ولا موافقةً من زوجها، فعنده الكثير من الأولويّات الأخرى ليهتمَّ بها.

Page 9

ـ 4 ـ

ثلاث سنواتٍ ونيِّف مرّت بعد ولادة شارد، استمرَّ فيها إهمال أبي نجم لعائلته، وانقطعت علاقته الجنسيّة مع زوجته بشكلٍ شبه كلّيّ. كانت الزوجة تشعر بخيانته وتشّكُّ بغيباته المتكرّرة حتّى أواخر اللّيل. ثم بدأت تتابع ما تتهامس به النّساء عن علاقته بتلك الفتاة المسيحيّة من قرية عين الوادي القريبة.

أما هو، فكان كلّما أحسّ أنها تشير إلى هذا الموضوع أمعن في الاستهتار بها وطعن مشاعرها. فلم يعُدْ يبدي اهتماماً بقميصٍ ملوّثٍ بالحمرة هنا أو بالشّعرات الكستنائيّة التي تجمعها عن ثيابه. وبدأت تتساءل عن الجدوى من عصاميّتها ورصانتها، وما هي الفائدة من حبّها وتفانيها؟ عانت كثيراً في طفولتها؟ وها هي، من جديد، تجد نفسها في موقع الخاسر الّذي يجب عليه أن يضحّيَ، ولمن؟ ثم أين أصبح حلم السعادة الذي كان يعدِها به؟

عند حلول صيف العام 1964، كان كبتها الجنسيُّ ورغبتها بالانتقام قد وصلا إلى حدود الانفجار. وعلى عكس المنطق، يظنُّ أكثر الرّجال الّذين يخونون زوجاتهم أنَّهن مخلصات لهم وقد استسلمن للأمر، بعكس الرّجال المخلصين لزوجاتهم، فتراهم يغارون ويدبُّ فيهم الشّكُّ لمجرّد أن تلتقيَ نظرات زوجته بنظرات رجلٍ آخر. وأيضاً، يشعر الرّجل أنَّ سكوت زوجته عن خيانةٍ كشفتها، مردّه حرصها على بيتها العائليّ، ولا يدرك أنّها سوف تلجأ للخيانة بأسرع ما يمكن، وأحياناً فقط لمجرّد الرّيبة، مدفوعةً بكبتها الجنسيِّ الدّفين، وبرغبتها في الانتقام. وكثيراً ما تتوجّه إلى الخيانة المتطرّفة، كأن تختار أحد أقرب أصدقائه أو حتّى أخاه، ما سوف يشبع غريزتها الشّهوانيّة، وفي الوقت نفسه يشبع رغبتها في انتقامٍ أكثر لؤماً وأشدَّ وقعاً.

هكذا، وقع اختيار أمِّ نجم على أبي أمين، الرّفيق، والصديق الأقرب والأوفى لأبي نجم، والّذي يقع دكّانه على مقربةٍ من منزلهم. ولمّا رأته في ذلك الصّباح، يبالغ في حلاقة ذقنه، لدرجة أنّه تسبّب لنفسه بجرحٍ بسيط، ويتحاشى تلاقي نظراتهما، تقدّمت منه، منقادةً بحسّها الأنثويّ، وبخبرة النّساء الفطريّة بنصب الكمائن الحواريّة، سألته:

- هل ننتظرك على العشاء الليلة؟

أربكه سؤالها، وحاول إخفاء ارتباكه بأن أطال مسح وجهه بالمنشفة.كان متيقّناً أنَّ عينيْها تراقبان كلَّ حركةٍ، وبغبائه الذّكوريِّ الفطريِّ المتعالي أجاب:

- لا، عندي مَهمّةٌ تنظيميّةٌ هذا اليوم، وسأذهب بعد المدرسة خارج البلدة، فلا تنتظروني على العشاء.

لم تنتظر طويلاً بعد خروجه مصطحباً ولديْهما نجم وزينب إلى المدرسة، حتّى دخلت إلى غرفة نومها، نزعت عنها ثيابها العلويّة ووقفتْ أمام المرآة تخاطب جسدها كأنّها تختلي به للمرّة الأولى. شعرت بمعاناته وبتأنيبه لها على إهمالها له في السّنين الفائتة. ألقت نظرةً متفحّصةً على ثدييْها قبل الحدث الّذي كانت قد خطّطت له، وكأنّها ستنتقل معهما إلى مرحلةٍ جديدةٍ من حياتها. أزعجها التّكوّر الّذي بدأ يظهر في أسفل بطنها، فهي حاملٌ في شهرها الرّابع. ثمَّ ما لبثت أن قالت في سريرتها: «وما همَّ، هذا أفضل»، هزّت رأسها بسرعةٍ فتراجع شعرها الأسود النّاعم إلى الخلف، وتابعت متمتمةً: «فليكن لك ماتريده يا أبا نجم».

اختارت تنّورتها الحمراء وراحت ترفعها إلى أعلى متأمّلة انكشاف فخذيها الأملسين كالرخام. ونبشت حمّالة الصّدر الحمراء الّتي اشترتها وخبّأتها منذ يوميْن بغفلةٍ من أبي نجم، زمّت ثدييْها داخلها، وقد ازدادا حجماً مع الحمْل. وبعد أن لبست قميصاً أبيضَ عادت فخلعته ثمَّ نزعت الحمّالة لتطلقَ سراح نهديها في مشوارهما الجديد، واختارت لهما قميصاً ضيقاً أسودَ فارتسما من خلاله كرمّانتيْن ثقيلتيْن وقد تأخّر قطافهما.

لم تنتبه لشارد، الّذي بدأ يقترب من سنِّ الرّابعة، واقفاً وراءها يسألها:

- إلى أين تذهبين يا ماما؟

Page 10

لم يعتدْ خروجها باكراً قبل شرب القهوة على المصطبة مع السّيجارة التي تُخرجها، كما كلِّ يوم، من مخبئها في خزانتها؛ اقتربت منه وقبّلته قائلةً إنّها مضطرّةٌ لشراء بعض الحاجيات من الدّكان، وتريده أن يبقى في انتظارها عند الجارة، وهو الّذي تعوّد أن لا تتركَه أبداً طوال النّهار.

ألبسته ثيابه بسرعة، ثمَّ جرّته من يده ومشت بوجهٍ جامدٍ وخطىً ثابتةٍ وتصميم جنديٍّ مُنطلقٍ في مَهمّةٍ لا مجال للرّجوع عنها. دخلت حديقة الجارة المحنّكة، الّتي كانت ترقب ورودها الحمر والصّفر تتفتّح تحت أشعّة الشّمس المذهّبة، فناولتها يد شارد، وطلبتْ منها، على غير عادتها، العناية به لحين عودتها من الدّكان. كانت الكلمات تخرج من فمها مقتضبةً مرتعشة، هاربةً بعينيها في كلِّ الاتّجاهات، فنظرت الحاجّة عليّة إليها متفحّصةً ولسان حالها يقول: «كاد المُريبُ أن يقولَ خذوني!».

دخلت أمُّ نجم الدّكان وما إن رآها أبو أمين حتى أصابته دوخة خفيفة ووقف من دون أن يحسّ.

- صباح الخير يا أبو أمين. قالتها بصوتٍ خافتٍ خرج كسيلٍ ملتهبٍ ينساب هادئاً إنّما من فوّهة بركان، ونظرت إليه نظرةً جعلت جسده يرتعش.

فبلع أبو أمين ريقه، وبرزت مخالبه جاهزةً للانقضاض. ولمّا سألها عما تريده، وكيف يخدمها، وقد بدا الإرتباك عليه. تبسّمت وتوجّهت مباشرة إلى الزّاوية المعتمة المعزولة من الدّكان، قائلةً إنّها ستختار بنفسها المعلّبات الّتي تريدها. وما إن وصلت حتّى مالت بجسمها ببطءٍ إلى الأمام مظهرةً بالتدريج ساقيْها، ثمَّ فخذيْها أعلى فأعلى حتّى المفترق الغائر النّائل من الرّجال مقتلاً، والّذي ينقلهم بلمح البصر إلى حالتهم الحيوانيّة الغرائزيّة.

وبينما كانت تمارس لعبتها الإغرائيّة، كان الدّم يتصاعد إلى رأس أبي أمين كشهبٍ يتعالى في السّماء، فأصبح وجهه كالبِطّيخة الحمراء. وبينما كانت عيناه تنبشان خبايا هذا الجسد المثير، رجع بذاكرته إلى الوراء، الى الماضي القريب والبعيد، فكم من مرّةٍ غفا وهو يحلم باجتياحه، وكم من مرّةٍ استخدم مخيّلته ليضاجعَها تارةً في الحقل وطوراً في الخيمة على سطح منزله، وكم من مرّةٍ قبّلها بعنفٍ وشهوةٍ بينما أمُّ أمين تنتشي بين يديْه متسائلةً عن سرِّ هذه الخبرة والقوّة والحنان التي تهبط عليه فجأةً من حينٍ إلى آخر، ثمَّ تتفاجأ به يبعدها بجفاءٍ حالما ينتهي ويدير وجهه إلى الجهة المقابلة من الفراش.

في هذا الوقت الّذي كان فيه أبو أمين يتأمّل ويحلم، كانت أمُّ نجم تأخذ وقتها بترّوٍ وهدوء، متيقّنةً من ملامسته حدود الانفجار، فتحمل هذه العلبة لتتركَها ثمَّ تحمل الأخرى، مقرّبةً فخذيْها أحياناً لدرجة الاحتكاك، ثمَّ مبعدةً إيّاهما. وبنظرةٍ جانبيّةٍ خاطفة، أحسّت بإثارته تبلغ أوْجها، فعدّلت من وقفتها وطلبت منه مساعدتها، وبينما كان يقترب منها، مالت من جديدٍ بجسمها إلى الأمام، وما هي إلّا ثوانٍ حتّى أخذها كما هي، وأفرغ في دقيقة مخزون سنينٍ من الشّهوة، ثمَّ تابع من دون توقّفٍ بالقوّة والنّشاط نفسيْهما، كما لو أنّه بدأ توّاً، عاصراً رمّانتيْها حيناً، وردفيْها حيناً آخر، بيديْن جامدتيْن، يشدّها إليه ويدفعها من دون أن يعيرَ أيَّ اهتمامٍ للرّفِّ الّذي يهتز تحت يديْها والمعلّبات الّتي تتساقط عنه.

وبينما كانت تتلوّى بين يديه، وتحصل على رعشاتٍ متتالية، تزداد قوّةً كلّما انغرزت أظافره أكثر في أسفل بطنها، كان هو مهتاجاً لا يفهم سرَّ هذه القوّة الّتي أتته الآن، فهو حتّى في ليلة زواجه، احتاج لأكثر من ساعةٍ من الرّاحة قبل أن يعاودَ الكرّة. وتوقّف فجأةً إذ سمع صوت امرأةٍ تنادي «هل من أحدٍ هنا؟»، فأجلس أمُّ نجم على صندوقٍ خشبيٍّ ولبس بنطاله بسرعةٍ وذهب لرؤية الزّبونة. تناولت أمُّ نجم علبة المحارم الورقيّة الّتي كانت قد حدّدت مكانها سلفاً عند دخولها الدّكان، مسحت ما تستطيع إزالته من آثار المعركة، وحالما أعطاها الإشارة خرجت مسرعةً بوجهٍ متورّدٍ حتّى ليخيّلَ لمن يراها أنَّ نضارتها عادت كما كانت عليه في سنِّ المراهقة قبل الزّواج.

أعمت النّشوة الّتي حصلت عليها أمّ نجم لأوّل مرّة في حياتها بصيرتها، فلم تنتبه أنّها لم تشترِ شيئاً من الدّكان، وحين ولجت حديقة الجارة، نظرت إلى شارد، من دون أن تراه، يلوّح لها بكفّه من أعلى شجرة اللّوز، ولمّا دخلت بيت الحاجّة ورمت بنفسها منهكةً على الكنبة، لم تسمع كلمةً ممّا قالته لها جارتها، وقاطعتها متمنّيةً لو تأتيَها بفنجان قهوةٍ وسيجارة، وبينما الجارة منهمكةٌ بتحضير القهوة شعرت بالحريق في أسفل بطنها فرفعت قميصها ورأت علامات أظافر أبي أمين مرسومةً كأربعة أهلّة حمرٍ مؤلمةٍ من كلِّ جهة، فشعرت من جديد بالإثارة والرّغبة بالمزيد.