eKtab
EN ع
الرجال والرفض
Read free sample

الرجال والرفض

by د. عيسى الناعوري

Page 1
 
 
كلمة المترجم
 
هذه الرواية يعتبرها الإيطاليون "رواية المقاومة الإيطالية": المقاومة التي عرفتها أوروبا إبّان الحرب العالمية الثانية، والتي كانت كلها مقاومة للطغيان النازي – الفاشيستي، وكانت من السرية والتنظيم، ومن الإيمان بالوطن، والتضحية الصامتة بالروح والدم، العنف المباغت، بحيث اكتسبت أعمق الاحترام والحب من جميع أهل الغرب، وأصبحت لديهم تاريخاً مقدسا، يحنون له الرؤوس بخشوع وإجلال، ويعلّمونه لأبنائهم جيلاً بعد جيل.
 
من أجل هذا، وللمثال والقدوة، أقدمتُ على ترجمة رواية المقاومة الإيطالية هذه، لصديقي الروائي الإيطالي المرحوم غيليو فيتوريني. وكان فيتوريني قد أهداها إليّ في منتصف نوفمبر 1960، وقرأتها منذ ذلك الحين، وأعجبت بها كثيراً، وعزمت على ترجمتها ولكنّ الأيام ظلّت تصرفني عنها، حتى جاء اليوم أوانها ونحن نتحدث على مقاومة الاحتلال الصهيوني الاستعماري – أو النازي الجديد – فإذا استطاعت هذه الرواية أن تعطي الدرس، وتدلّ على الطريق، فذلك حسبي من الأجر والمكافأة.
 
بعد هذا أودّ الإشارة إلى نقطة مهمة في الرواية:
 
يلاحظ القارئ أن الحوار – والرواية في أغلبها حوار – فيه بساطة غريبة جداً، وتكرار أغرب في العبارة الواحدة، حتى لقد يتلاحق فصلان أو أكثر على تكرار العبارة الواحدة: بصيغة التقرير حيناً، وأحياناً بصيغة الاستفهام.
 
وحين يفكر المرء في سبب هذا التكرار الكثير جداً – وقد يدعو إلى الملل في بعض الأحيان – يرى فيه البساطة المطلقة في نفسية الرجال الذين نذروا أنفسهم للمقاومة تطوعاً واختياراً، لا قسراً وإكراهاً، ولا طمعاً بالراتب والسلطة والمنصب. كما يرى فيه البيئة الفقيرة التي جاء منها أولئك الرجال ليصنعوا البطولات في صمت وتجرّد واختفاء. إنهم فقراء أميون أو شبه أميين لم يغرهم أحد بصنع البطولات، ولكنهم اختاروا هذا السبيل لحاجة الوطن في محنته إلى رجال يعملون بصمت في الخفاء ضد العدوّ المحتل.
 
والواقع أنني لو أردت أن أكتب على سجيّتي، وحسب أسلوبي الأدبي الخاص، لما رضيت أن أكتب الكثير جداً مما ترجمته هنا. ولكنني، وأنا أترجم لكاتب روائي كبير، يقرأه الناس بكثير من الإعجاب في بلده وفي الغرب برمته، تعمّدت، وحرصت الحرص كله، أن يكون أسلوبي الأدبي بسيطاً كل البساطة فهو ليس أسلوبي، في الواقع، بل أسلوب المؤلف الإيطالي نفسه منقولاً إلى العربية. إنني أريد أن أقدم المؤلف الإيطالي بروحه، وفكرته وأسلوبه، وعبارته، بكلمة أخرى: أريد أن يعيش من يقرأ هذه الرواية في ترجمتي العربية لها، لا مع عيسى الناعوري بل مع إيليو فيتوريني نفسه، دون أن يشعر بوجود وسيط بينه وبين المؤلف الإيطالي.
 
فإذا استطعتُ أن أعطي القارئ هذا الشعور، فقد نجحتُ في عمل الترجمة أقصى نجاح يصبو إليه مترجم أمين في ترجمته، حريص على أن ينقل من ينقل عملهم الفني من لغتهم الأصلية إلى لغة جديدة، دون أن يفقدوا شيئاً من جوّهم الأصلي.
 
المترجم: عيسى الناعوري
 
 
Page 2
تعريف بالمؤلف
 
الكاتب الإيطالي إيليو فيتوريني
 
في عام 1966 توفي في إيطاليا كاتب قصصي وروائي كان يُعتبر بين رجال الطليعة من الأدباء الإيطاليين، وكان من المجددين في فن الرواية والقصة، منذ أن أصدر روايته (القرنفلة الحمراء) في العهد الفاشيستي. وقد نُشرت متسلسلة في أول الأمر في إحدى المجلات، ثم منعت الرقابة الفاشيستية المضي في نشرها. واضطُهد الكاتب الناشئ حينذاك، ولكن الاضطهاد لم يمنع من بزوغ نجمه عملاقاً يحمل راية التجديد في الرواية الإيطالية.
 
ثم مضى فيتوريني بعد ذلك يكتب في الصحف، ويؤلف الروايات والأقاصيص. ولم يكتف بالتأليف، بل انصرف كذلك إلى الترجمة، وعلى الأخص ترجمة روايات أميركية: لمنغواي، وفوكنر، وغيرهما.
 
***
 
حين بلغني نعي فيتوريني شعرت بأنني خسرت صديقاً، كما خسِرْت إيطاليا قلما كبيراً، وكاتباً عملاقاً، ساهم في (أدب المقاومة) مساهمة بطولية ذات أثر في معارك تحرير إيطاليا من الفاشيستية ومن النازية إبان الحرب العالمية الثانية. ولعلّ أهم أعماله الروائية والقصصية في تلك الحقبة من عمر النضال الإيطالي هي روايته "الرجال والرفض" التي دعيت بحقّ (رواية المقاومة الإيطالية).
 
عرفتُ فيتوريني في أوائل شهر نوفمبر عام 1960، إبّان بعثتي إلى إيطاليا – على نفقة منظمة اليونسكو الدولية – التي استغرقت ستة أشهر. كنت إذ ذاك قد وصلت إلى عاصمة الثقافة الإيطالية – مدينة ميلانو – بغية التعرف بأدبائها وشعرائها. وفي دار (موند ادوري) للنشر – وهي من كبريات دور النشر الإيطالية، ولعلّها من كبريات دور النشر في أوروبا كذلك – تعرفت بالشاعر الشاب رفائيلي كروفي – من موظفي الشؤون الخارجية في الدار – وشاء كروفي أن يعرّفني بواحد من أشهر الروائيين الإيطاليين، يعمل هو أيضاً رئيساً لأحد أقسام النشر في الدار. وفيما نحن في الحديث إذا بقامة عملاقة مديدة، يعلوها رأس أشيب الشعر في غير شيخوخة. فخيّل إلى أنني أمام مصارع، فجعلت أنظر إلى ذلك الجسم الفارع الذي ملأ فراغ الباب حين دخوله. ولكن كروفي ابتسم وقال: "لقد وفّر علينا الأستاذ فيتوريني مهمة استئذانه لزيارته في مكتبه". فنهضت ومددت يدي لمصافحة الكاتب، الكبير اسماً وجسماً، ووقف كروفي يقول له: "الأستاذ عيسى الناعوري، كاتب عربي من الأردن؛ وهو يزور إيطاليا الآن رغبة في التعرف بالأدباء الإيطاليين، وكنت أقول له إنّني سأقدمه إليك بعد قليل".
Page 3
فقال فيتوريني: "لنذهب حالاً إلى مكتبي. أما ما جئت في شأنه فيمكننا إرجاؤه إلى ما بعد".
 
ومضينا معاً إلى مكتب فيتوريني. فجلس خلف طاولته، وجلسنا أمامه. وأسند هو مقعده إلى الخلف حتى ركزه على الجدار خلفه، وقال: "كاتب عربي؟" فقلت: "نعم". فقال: "أمر يبعث على الاهتمام حقاً! وهل بين العرب أدباء كثيرون؟ وهل لديكم لغة عربية عصرية؟".
 
فضحكت، وقلت: "يؤسفني أن لا تكون لديك معلومات البتة عنا. إننا في بلادنا نعرفكم ونعرف سواكم من أدباء الدنيا في القديم والحديث، وأما أنتم فلا تعرفون عنا شيئاً". فقال فيتوريني جاداً كل الجد: "الواقع أنني لا أعرف عنكم شيئاً" وهذه أول مرة ألتقي فيها بكاتب من العرب". ثم أضاف: "حدثني عن أدبكم وعن أدبائكم. ماذا تمارسون من فنون الأدب؟ وهل لديكم روائيون، وقصاصون، ونقاد؟" فقلت: "لدينا كل ما لديكم من فنون الأدب؛ والمدارس الفنية التي فيها تتناقشون وتختلفون، نتناقش نحن أيضاً فيها ونختلف".
 
ومضيت أحدثه عن الأدباء العرب، وعن نهضة الفكر العربي المعاصر، وهو يصغي باهتمام كبير، وقد أعاد كرسيه إلى وضعه الطبيعي. وأسند مرفقيه إلى الطاولة منصرفاً إليّ انصرافاً تاماً. وقال بعدئذ: "لماذا إذن لا تترجمون أدبكم إلى لغاتنا كما تترجمون آدابنا إلى لغتكم؟ ألا ترى أنكم أنتم المقصّرون في حق أنفسكم".
 
وحقاً، نحن المقصرون في حق أنفسنا. ولكن ليت تقصيرنا كان مقتصراً على شؤون الفكر وحدها، إذن لهان الأمر. فنحن مقصّرون، بل مخطئون في الكثير من الأمور، مع الأسف الشديد!
 
وأخبرت فيتوريني أنني سأمضي بعد ميلانو إلى تورينو، وأرجو أن أتعرف إلى أدبائها. وحين وصلت إلى تورينو بعد ثلاثة أيام، وخاطبت بالهاتف الكاتب الروائي إيتالي كلفينو – مدير النشر في دار ايناودي – طالباً موعداً للقائه، أجابني مرحّبا وقال: "أنا في انتظارك منذ يومين، فقد اتّصل بي فيتوريني، من ميلانو، وأخبرني أنك قادم إلى تورينو".
 
ذلك كان بدء اتّصالي بفيتوريني. ثم قرأت بعد ذلك عدداً من رواياته: قرأت: (محادثة في صقلية) و(الرجل والرفض) و(السمبيون يغامز الفريوس) و(اإيريكا وإخوتها)، فكنت في كل منها أمام روائي يَسْلُس القلم في يده إلى حد الإبداع.
 
روايته (محادثة في صقلية) كانت عملاً من القلب: فقد عاد بها الكاتب الصقلي المهاجر إلى الشمال، إلى القرية الصقلية الفقيرة، وإلى أمه العجوز التي خلفها هناك وحيدة، لكي يستعيد معها ما كان من ذكريات القرية التي هجرها في سبيل لقمة العيش، وهو يصف الطرقات، والبيوت، والآدميين، وصفاً يخرج من حبّات القلب المتألم على حالة قومه البائسين، ويشعر بكلّ أنّة ألم تعتلج بها شفاههم الراضية القانعة على الفقر.
Page 4
وروايته (الرجل والرفض) هذه المترجمة هنا الآن، تصور المقاومة الإيطالية الباسلة في ميلانو تصوير من اشترك فيها بنفسه، ورافق أحداثها بنضاله الشخصي، وهي تنتهي بمصرع القائد النازي (الكلب الأسود) ورجاله، قبل أن تنتهي فترة السيطرة النازية في إيطاليا.
 
وأما روايته السمبيون يغامز الفريوس) فهي قصة الأسرة التي بلغ من بؤسها وفقرها أنها تفرح يوم تستطيع أن تجد في منزلها طبخة هندباء، تلتقطها الكنّة من الحقول، وقصة العامل حين يجد مع خبرته الجافة أثراً من (الأنشوغا) يلامسها مجرد ملامسة لكي يستطعم شيئاً ما مع طعم الخبز، وهو مع ذلك يجد من يحسدونه حتى على هذا.. ثم هي قصة الشيخ الهرم الذي أفنى عمره في شق الجبال – السمبيون والفريوس جبلان في طرفي الشمال الإيطالي – وفي شيخوخته يقتعد البيت تحت رحمة كنّته التي لا تجد حتى الخبز في بيتها. وحين يسمع من صديقه أن الفيل عندما يهرم يذهب بعيداً لكي يموت دون أن تدري به الفيلة الأخرى يمضي هو أيضاً بعيداً لكي يموت وحيداً لا يدري أحد أين يختار مكان موته.
 
وليس المهم في هذه الروايات وغيرها هو الحدث، بل المهم هو أسلوب العمل الفني، وأسلوب المعالجة؛ وهو الخيال الفني الذي يلوّن روايات فيتوريني بأجمل الأصباغ، ويجعل لها من التأثير ما يستحوذ – رغم البساطة المتناهية في الأداء – على إعجاب القارئ.
 
لقد تلاحقت طبعات روايات فيتوريني بالإيطالية. وتعددت ترجماتها إلى اللغات الغربية الأخرى، وكانت جديرة بكل ذلك.
 
وهذه ترجمتي العربية أقدمها تحية إلى روح الصديق الأديب إيليو فيتوريني، الذي كان يود أن يراها في حياته، فتأخرت حتى عن موته سنوات.
 
عيسى الناعوري
Page 5
1- كان شتاء عام 44 في ميلانو ألطف شتاء عرفته المدينة منذ ربع قرن. فلا ضباب أبداً تقريبا، ولا ثلج؛ والمطر لم يكن أكثر منه في نوفمبر، ولم تظهر غيمة واحدة منذ شهور، والشمس تطلع طول النهار: يطلع النهار فتطلع معه الشمس، ويسقط النهار فتسقط معه الشمس. وكان بائع الكتب المتجول في بوابة البندقية يقول: "إن هذا لألطف شتاء عرفناه منذ ربع قرن؛ فمنذ عام 1908 لم نعرف شتاء لطيفاً كهذا".
 
فيجيبه صاحب موقف الدراجات: منذ عام 1908؟ إذن ليس ربع قرن فقط بل ستة وثلاثين عاماً".
 
فيقول الكتبي: "حسناً، إنه لألطف شتاء عرفناه منذ ستة وثلاثين عاماً، من عام 1908.
 
كانت الشمس تسطع على الخرائب التي خلفها عام 1943. وكانت تسطع على الحدائق، والأشجار العارية، وعلى درفات النوافذ، وكان ذلك الصباح في الشتاء، في شهر يناير. ووقف رجل أمام بسطة الكتب، وكان يحمل دراجة في يده.
 
فقال له الكتبي: صباح الخير.
 
- صباح النور.
 
- يا له من شتاء! إيه!
 
- أي شتاء؟
 
- إنه ألطف شتاء؟
 
- إنه ألطف شتاء عرفناه منذ ربع قرن.
 
واقترب صاحب موقف الدراجات وقال:
 
- منذ ربع قرن من عام 1908؟
 
- فقال الكتبي: من عام 1908، من عام 1908.
 
***
Page 6
2- راح الرجل الذي توقف لينظر إلى الكتب ينظر إلى الهواء، وإلى السماء، فرأى الشمس على حافلات الترامواي. ورأى الترامواي رقم (27) يغادر موقفه عند البوابة، وفي وسط الحشد الذي في داخله رأى عند الزجاج كوع امرأة وكتفها.
 
وعند ذاك انفجر في داخله رنين كبير، فدفع دراجته أمامه راكضاً، واجتاز الخطوط الحديدية، ووصل إلى الساحة. كان الترامواي قد ابتعد وراح يرج بصوته الخط الحديدي الذي بعد الموقف التالي. ولكن الرجل ركب دراجته ومضى يجري خلفه. وظل يجري فترة، ولكنه لم يعد يرى في سواد الزحام داخل الترامواي كوع المرأة وكتفها اللتين كان يجري من أجلهما. وعلى الرغم من علمه أنه لم يكن مخطئاً فقد استمر في داخله الرنين العظيم؛ وسواء أكان ذلك اليوم من أيام سبتمبر أم أكتوبر، أم نوفمبر أم ديسمبر، فقد كان يحس بنور بهي يتناهى إليه ويضاف إلى النور الساطع في تلك الساعة.
 
وفي ساحة سكالا نزلت المرأة.
 
وقال لها: لقد كنت أعلم أنك أنت.
 
فاتكأت على دراجته.
 
فقال لها: لقد كان كما كنت أنت.
 
فأخذت يده وقبلتها، وتركته يتابع كلامه قائلاً: كنت أجري، وكان كما كنت أنت، وكان الترام يجري، وكان كما كنت أنت. كان ذلك في ساحة سكالا.
 
ولكنه لم يكن يعرف ما يريد أن يقول، فأخذ يشير لها إلى البيوت والشمس، والمسرح الذي استحال خراباً، وقال لها:
 
- هل رأيت قط شتاء كهذا؟إنّه كما كنت أنت.
 
وسحبها من الزحام ومضى بها إلى رصيف شارع منزوني، ليس من جهة مقهى كوفا، بل من الجهة الأخرى. وقال لها: إنه أبهى شتاء عرفناه منذ العديد من السنين.
 
ثم أضاف: وهل تعلمين منذ متى؟ أتعلمين منذ متى؟
 
وأوقفها من جديد ونظر إليها وهو يقول: منذ عام 1908، منذ ولادتك.
 
كانت هي شاحبة، ولم تقل شيئاً. فقال لها:
 
لا تؤاخذيني، ولكنني كنت معك حين ولادتك. ألم أكن معك؟
 
فأجابت: بلى.
 
وقال لها: لقد كنت دائماً معك، ألم أكن دائماً معك؟
 
وأجابت بلى.
Page 7
3- وراحا يسيران وذراعه بذراعها.
 
كان الرجل يقود الدراجة بيده اليسرى وهي، المرأة، إلى ذراع يده الأخرى، وهي تسير في داخله لا على الطريق. وقال لها:
 
- وادن، هل أنت مسرورة لأنني وجدتك من جديد؟
 
- فأجابت نعم.
 
ثم خرست دفعة واحدة وراحت تنظر إليه دون شحوب، بل احمرّ وجهها سألته: ماذا يقال في المرأة الشريرة؟
 
- في المرأة الشريرة؟
 
- المرأة التي تضاجع كل من يعجبها من الرجال.
 
- يطلقون عليها صفات عديدة.
 
- قل لي واحدة منها.
 
- لماذا؟
 
- لأنها الصفة التي أحسّ نفسي فيها.
 
فهتف: تحسين نفسك ماذا؟
 
فقالت: في حالة المرأة الشريرة.
 
فأخذ يدها وشد عليها بقوة وظل يشد عليها:
 
ولكن ماذا تريدين أن تقولي؟
 
- لا أدري، إنه منذ مدة لم يقع لي.
 
- منذ آخر مرة رأيتك فيها.
 
وتسمين هذا إحساساً بمثل تلك الحالة؟
 
- كلا، كلا. طوال الشتاء الماضي كنا نلتقي ولم أشعر قط بمثل هذا وطوال العام السابق كنا نلتقي، ولم أشعر قط بذلك.
 
- ومع ذلك فقد أحسست به مرات أخرى.
 
- مرة واحدة منذ ثلاث سنوات، ومرة أخرى قبل سبع سنوات.
 
- وهل كانت المرة الأخيرة قبل ثلاث سنوات؟
 
- منذ ثلاث سنوات.
 
- ألا يمكنك أن تقولي لي كيف كان ذلك؟
 
- كيف كان قبل ثلاث سنوات؟ لا أستطيع.
 
فقال: لا تستطيعين. والآن أهو الشعور عينه.
 
فقالت له: "إنه الآن أشد، لم يكن قط كما هو الآن". ثم خفضت صوتها وسألته: أتريد أن تأخذني؟ خذني ولننه هذه الحكاية.
 
- أهذا كل ما تريدين؟ أن تنهي الحكاية؟
 
- لست أدري،ما أريده هو أن تأخذني.
 
- هذا ما أريده أنا أيضاً.
 
- فقالت: إذن خذني إلى مكان ما لكي تنالني.
 
***
Page 8
4- ركب الرجل الدراجة وحملها معه في اتجاه ساحة كافور.
 
- إلى أين تحملني؟
 
- إلى حيث أرقد.
 
- أهو بعيد؟
 
- داخل شارع سمبيونة.
 
كانت المرأة تحسّه بكتفها، فقربت منه ظهرها كذلك. فسألها:
 
- ما بك؟
 
- كنت أفكر.
 
- تفكرين بماذا؟
 
- هذا الشتاء وكل شتاء سابق، أفكر كل الوقت بنا.
 
- أوليس هو معنا؟ إنه لم يضع من تحت قبعتها، فوق بطانة الفرو يتدلى شعرها فأخذه بأسنانه. وكانا قد تجاوزا شارع بونتاتشو، كانا عند المنتزه، والشتاء يلمع أبيض على الأرض في صمت الأشجار الكبيرة العارية ووحدتها.
 
- وهتف: ما أجمل هذا الشتاء!
 
- فقالت له: أهو حقاً كما يقولون؟
 
- فقال: نعم، منذ عام 1908.
 
- منذ تاريخ ميلادي؟
 
- منذ الشتاء الذي ولدت فيه.
 
- وكيف تعرف متى كان ميلادي؟
 
- ألم تقوليه أنت لي؟ لقد قلته أنت لي.
 
- يؤسفني أنني قلته لك.
 
- لا ينبغي أن يؤسفك. ولماذا يؤسفك؟
 
- إنه يسبب الحالة التي أحسّني عليها اليوم.
 
- ألم تكوني تشعرين بمثل هذه الحالة حين قلته لي؟
 
- كنت أشعر بحالة أخرى. كنت أشعر بسرور لأنني أكبر منك سناً.
 
- أنا أحب أن تكوني أكبر مني.
 
- ولكنني اليوم أود لو كنت أصغر سناً.
 
- أولست أصغر سناً؟ إنك لأصغر سناً.
 
- وددت لو كنت أصغر مما أنا بعشرة أعوام.
 
- أولست كذلك؟ إنّك لأكثر من ذلك. إنك طفلة.
 
- وددت لو أنك أكبر مني سناً.
 
- إنني لكذلك. إنني لكذلك. بل إنني أبوك، أو حتى جدك.
 
- إنك لا تزيد يوماً واحداً عن عمرك الحقيقي.
 
- إنني أزيد عنه دهراً.
 
- فقالت: كلا.
 
- فقال: ولم لا؟ لقد شهدت الشتاء الذي ولدت أنت فيه.
 
- فقالت: كلا، لقد كنت أنا شاهدة مولدك.
 
- ولكنني شهدت الشتاء الذي ولدت أنت فيه.
 
فقالت: "لقد ولدت أنت لأنني أردت ذلك" ثم أضافت: "لقد ولدتُ أنا وحالاً أردتُ أن تولد أنت أيضاً. لم أشأ أن أكون على الأرض ولا تكون أنت كذلك".
 
فقال: وأنت أمي كذلك.
 
فقالت: والآن لنعمل حالاً ما جئنا من أجله.
 
فقال: نعم يا برتا.
Page 9
5- ولأول مرة منذ أن ركبت على قصبة الدراجة التفتت نحوه وقالت:
 
- أتستطيع أن تدعوني برتا؟
 
- أوه يا برتا! لماذا لا أستطيع أن أدعوك برتا؟ إنك برتا.
 
فسألته برتا: وأنت من أنت؟
 
- ألم تعودي تعرفين من أنا؟
 
- ما اسمك الآن؟
 
- كما كان دائماً. أن لي اسمي ولقبي.
 
- ماذا يدعوك الآن رفاقك؟
 
- الآن ليس لي اسم حقيقي وشخصي.
 
- قل ما يدعونك؟
 
- نون 2.
 
- نون 2. ليس في وسعي أن أدعوك نون 2.
 
- لقد قلته لك. إنه ليس اسماً حقيقياً وشخصياً.
 
- لقد كان لك من قبل اسم حقيقي وشخصي.
 
- من قبل كنت أعمل عملاً آخر.
 
- ولماذا غيرت عملك؟
 
- أو كنت تودين أن لا أغير عملي؟
 
- إنني أخاف من عملك هذا الآخر. لقد كنت من جديد مع الشبح.
 
- مع الشبح؟
 
- مع الشبح الذي في بيتنا. ذلك الرداء المعلق خلف الباب.
 
***
Page 10
6- هنا شد نون 2 على ضاغطتي الدراجة، وجرّ قدمه على الأرض حتى توقف. كانا آنئذ في منتصف سمبيونه.
 
فقال لها: انزلي.
 
فقالت برتا: ماذا جرى؟ هل وصلنا؟
 
فأجاب نون 2: لم نصل بعد.
 
وكان ينظر أمامه من فوقها وهي ما تزال جالسة على قصبة الدراجة. وعند ذلك نظرت هي أيضاً، فرأت نور الشتاء يسطع بين صَفّي الأشجار العارية اللذين لا ينتهيان أبداً، وفي النور الصافي، على بعد مئتي متر، كانت تقف شاحنة وزجاجها يلمع، وكان رجال سود يقفون كذلك عبر الشارع وبيد كل منهم عصا تلمع هي أيضاً.
 
فقال نون 2: هنالك تفتيش.
 
فقفزت برتا إلى الأرض. فقال لها نون 2:
 
- كلا، عودي إلى الصعود.
 
ومن الصف البعيد كان رجال يجيئون من خلال صَفي الأشجار الكبيرة وهم يحملون تلك العصي الغريبة اللامعة مقلوبة إلى الأسفل. وأدركت برنا أن تلك العصي الغليظة لم تكن سوى بنادق، ورأت واحداً ذا قبعة كبيرة عريضة الأطراف يتقدم إلى وسط الإسفلت، في ذلك الصباح الساطع، وهو يتلفت حوله مع كل خطوة، ويهز في قبضته إلى أعلى فوق رأسه سوطاً طويلاً أسود كان يتلوى مرسلاً الصفير. وكان الرجل يصيح على الرجال الآخرين بشيء ما وهو يهز سوطه الأسود عالياً. فصعدت برتا على قصبة الدراجة من جديد.
 
وقال لها نون2: "فلنذهب قدماً حتى منعطف البيوت، ثم ندخل في أول طريق هناك ونعود إلى الخلف.
 
ومضى إلى الأمام دون سرعة، وكان شارع سمبيونه كله خالياً إلا من أولئك الرجال السود في شمس الشتاء والمتاجر مغلقة، والمقاهي مقفلة والنوافذ موصدة والخرائب هامدة صامتة. واستغرقا قبل الوصول إلى منعطف البيوت ثلاثين ثانية طويلة، وانعطفا عنده، واستغرقا خمس ثوان أخرى في الدخول إلى الطريق الجانبية، ثم علا صراخ الرجل ذي الكرباج الأسود.
 
فقال نون 2 لبرتا: لا تخافي. لا يخامرك الخوف إذا أطلقوا النار. وفي داخل الشارع مضى مسرعاً، وبسرعة وصل إلى الزاوية الأخرى، وكان يبدو أن المدينة كلها لم يكن فيها غير الصوت المنقطع، الأشبه بالنباح، الذي كان يصرخ به الرجل ذو الكرباج الأسود.
 
وفي نهاية الطريق الجانبية كان يبدو من بعيد رجال واقفون وبأيديهم البنادق كالذين كانوا عبر الشارع. وفي نهاية الشارع المقابل، حيث انحرفا ليعودوا إلى الخلف، كان أيضاً رجال يقفون ببنادقهم. ولكن لم تطلق أية طلقة، ولا سمعت أصوات ترامويات، لم يكن يسمع صوت غير الصوت المنقطع من ذلك الرجل ذي الكرباج الأسود، والذي يتلاشى الآن من بعيد.
 
وقال نون 2: ذلك الرجل هو "الكلب الأسود" هل رأيته؟
 
فقالت برتا: نعم ولكن حتى من هنا الطريق مسدودة.
 
فقال نون 2: هذا لا يهم، الآن سنعبر الشارع من جديد ثم نذهب إلى أحد البيوت.
 
- إلى بيتك أنت؟
 
- إلى بيت أحد الأصدقاء، إلى ملجأ ما.
 
كان يدير قدميه بالدراجة بقوة، ثم عطفا من جديد، عبرا الشارع خافضين رأسيهما، ودخلا في الشارع الجانبي المقابل. ولم تنظر برتا إلى أين يحملها نون 2.
 
***