eKtab
EN ع
الرجل السؤال
Read free sample

الرجل السؤال

by فتحية ناصر

Page 1
السؤال الأول: ألم يحبني؟
 
هل هناك صداقة بين الرجل والمرأة؟
 
تعود تسأل نفسها هذا السؤال وهي تشاهد وجه رجلها الوحيد يطل عبر الشاشة الصغيرة· الرجل الوحيد، الذي تمنت لو أنها شعرت أمامه بأنها لا تساويه··
 
تتذكر أنها تنبأت له منذ زمن بعيد بأن يصبح وزيراً،  وتحققت نبوءتها· بينما تنبأ لها هو بأن تصبح شخصية لامعة، وأن يصبح اسمها حاضراً في المجتمع بشكل ما· لكنه لم يتوقع أنها ستكون مغنية· ولا تدري إن كان فخوراً بشهرتها الآن أم إنه غيَّر بها رأيه·
 
لا شك بأنها فخورة به· لقد رافقته وهو يتدرج في مناصبه المتعددة، ثم راقبته يكبر حتى أوشك أن يحمل حقيبة الوزارة· كل أخباره تصلها: التلفزيون،  الصحف، الإذاعة، الانترنت· وسائل تقدّر لها رجاء صنيعها، ولكنها تتساءل -ولا تدري، إن كان هو أيضاً في المقابل يتابع أخبارها·
 
تجلس أمام الشاشة تتأمل صورته· وتتساءل شبه لائمة نفسها، لماذا لم تثر فيها ملامحه مشاعر الحب هذه منذ رأته؟· لم يتغير وجهه ولكن أحاسيسها تجاه الوجه تغيرت· لم تكن قبل أن تحبه امرأة قادرة على الحب· لم تكن - أصلاً - امرأة!
 
لأسباب كثيرة، كانت تشعر بأن في داخلها رجلاً، ربما لأنها أرادت التمرد على الرجل! أرادت أن تتساوى به· أن تفعل ما يفعل· أن يحق لها ما يحق له، وأن لا تلام مثلما هو لا يلام بل أحياناً أرادت أن تظلم مثلما يظلم!·
 
بطبيعة الحال، كان أبوها أول الرجال في حياتها· كانت تكرهه·
 
كان متزوجاً من ثلاث نساء، وله عدد كبير من الأبناء، سبعة وعشرون أو ثمانية وعشرون! ولولا أنّ الموت أوقفه عند حده لأنجب المزيد!
 
كانت هي الابنة الوسطى للزوجة الأولى· البيت كان كبيراً، كأنه مدرسة، وكان لكل زوجة وأبنائها ملحق خاص في البيت يشكل بحد ذاته بيتاً به غرف كثيرة، ولديهم ساحة مشتركة واحدة، تلتقي فيها أحياناً بإخوتها، يشتركون في اللعب ولكنها لا تعرفهم كلهم!· ولا تظن أنّ والدها نفسه كان يعرفهم كلهم!!
Page 2
في جانب من الساحة كانوا يمتلكون زريبة مواشي، كانت أمها هي الزوجة المسؤولة عن رعاية تلك الماشية· تحلب البقر صباحاً، وتترك الغنم يرتعون في الساحة بعض الوقت، وتبقى في انتظارهم حتى ينتهوا من العلف، بعد الغداء، تحمل أم رجاء للماشية ما تبقى من طعام الغداء· الزوجتان الأخريان كانتا المدللتين· وأمها·· كانت الذليلة والمهانة، والسبب في ذلك هو أنها كانت الزوجة الأولى، زوجة المسؤولية· أما من تأتي بعد الزوجة الأولى فهي (أو هما أو هنّ) زوجات المتعة والدلال
 
كانت تكره أمها أيضا! تكره ضعفها واستكانتها وذلها، ورضاها بكل ما يحدث لها· تكره شعورها الداخلي بأنّ أمها مسكينة! لقد تزوجت صغيرة جداً من ابن عمها هذا الذي غدا أباها، وأنجبت كل إخوتها· وعددهم عشرة· لم يكن أحد منهم متعلقاً بالآخر أو قريباً منه، وكانت تجد في ذلك دعماً لمصالحها الخاصة· لأحلامها المستقبلية· فهي لا تريد لإخوتها أن يمسكوا بزمام أمورها أو يتحكموا بمصيرها· ولا يبدو أيضاً أنهم كانوا يريدون ذلك حتى بعض الوقت·
 
هي كانت تكره إخوتها الأولاد لأنهم أولاد، وكانت تكره أخواتها البنات لأنهن بنات!· أمها علّمت كل أخواتها أن يساعدنها بتجهيز ورعاية كل شؤون الإخوة الصبية· الرجال لأنهم رجال! ودللت أولادها أكثر مما دللت بناتها·· وقت الغداء: يأكل الأولاد أولاً وبعد أن ينهوا الوجبة تفرش سفرة الغداء للبنات· بعد الغداء: البنات يغسلن أطباق غدائهـن وأطباق غداء الأولاد· في الصباح: الأم تغسل الملابس، وفي الظهر -قبل أو بعد الغداء- تطوي البنات ملابس الأولاد، وتودعن أثواب كل أخ في خزانته·· حين يريد الأولاد الخروج، تكوي لهم إحدى البنات ملابسهم، حين يعودون من المزرعة، تغسل لهم إحدى البنات نعالهم· حين يودون حضور حفلة عرس تلمِّع لهم إحدى البنات أحذيتهم، وحين تضيع جواربهم لا بد أن تبحث لهم عنها إحدى البنات!!
 
رجاء كانت تكره كل ذلك، ولا تشارك به·
 
كانت تعترض بأعلى صوتها أمام أمها· بعض أخواتها كن يشاركنها في صميمهن الرأي، لكن لا يجسرن على البوح به· كانت رجاء كأنها محاميتهن· محاميتهن التي لم تستطع، برغم كل ما قالت وفعلت، أن تكسب لهن القضية!
 
كانت أكثر أخواتها -بل الوحيدة من بينهن- التي تثير المشاكل، وهذا ما يجعل أمها لا تنسى تربيتها، ولا تنسى تمردها لكنها في الوقت نفسه كانت دائماً أكثرهن تعاطفاً معها· نوعاً ما، كانت أم رجاء تتمنى أن لو عاشت زمن ابنتها، وأن لو كانت مثلها
Page 3
كانت الوحيدة التي تدنو من أمها حين يوسعها الوالد ضرباً· الوالد ملا علي الذي كان يقضي نهاره بين المآتم وبيت المختار، ويقضي معظم ليله في حلقات الدروس الدينية في بيت الشيخ قاسم·
 
للآخرين، كونها ابنة ملا علي، كان يبدو شرفاً كبيراً· فهو مثال  الرجل المهيب، المهيمن على بيته، والذي أحسنَ تربية أبنائه!· كانوا يرون أبناءه أول الحاضرين إلى المآتم في المناسبات الدينية· أكبرهم كان يقرأ الفخري قبل مجيء الشيخ· (هذا الشبل من ذاك الأسد)!· والأبناء الآخرون كانوا أكثرَ أولاد القرية تأدباً في المجالس؛ فهم يبقون جالسين في مكانهم طوال الوقت، لا يتكلمون· ولا ينطلقون للعب كمثل باقي الأطفال! ونعم تربية الوالد!·
 
لم يكن أحد يدري بأنهم لا يتكلمون ولا يلعبون خوفاً من والدهم، وليس تأدباً! ولم يظن أحد بأنهم يحضرون للمآتم مكرهين، حيث يجرهم الوالد جراً، حارماً إياهم طيب أوقات اللعب الطفولي، والمتعة
 
كانوا ينتشرون في زوايا مسجد القرية حالما ينطق المؤذن الله أكبر، ولكنهم في الحقيقة لا يصلون!! يقفون خلف الإمام ويتمتمون بأشياء أخرى غير أذكار الصلاة! يتخيلون أصدقاءهم مثلاً· ويحادثونهم!!· يلعبون!
 
كل شيء بدا للآخرين ظاهرياً جميلاً ومثالياً· لم يكن أحد يعرف كيف يشعر أبناء ملا علي في حقيقة دواخلهم· وهم وحدهم القادرون على الإقرار بحسن تربيته، وليس الناس·
 
هناك أشياء كثيرة كانت رجاء تود قولها لأبيها، وللناس، وللعالم ولكنها لم تجد الفرصة، أو ربما وجدت الفرصة ولكن خافت أن يظنها الناس طفلة صغيرة جاهلة· ويستصغروا عقلها لصغر سنها، وهي لا تحب أبداً أن يفكر بها أحد أنها طفلة· رجاء تظن أنها ولدت بعقل كبير·· وتود من الجميع أن يقدروا ويحترموا عقلها، سواء راقتهم أفكارها أم لا
 
لعلّها الآن تخبر الناس وتقول للعالم كل ما ودت قوله من خلال أغانيها· نوعاً ما، تجد في ذلك بعض الراحة· أما ما أرادت دائماً قوله لأبيها فهي تقوله الآن بينها وبين نفسها· تخاطبه كل يوم تقريباً، تسائله، تستجوبه، تلومه  الشيء الوحيد الذي يضايقها هو أنها غير متأكدة إن كان والدها -في قبره- يتضايق مما تخبره به؟!!· ما تعلمته في المآتم هو أن الموتى لا يغضبون، لا يزعلون، لا يتضايقون، لا يغارون ولا يشعرون بمشاعر خلق الله الأحياء لأنهم تجردوا من غرائزهم وطباعهم البشرية برحيلهم للدار الثانية· تتضايق رجاء من ذلك· وتعود بها الذاكرة إلى طفولتها المتمردة وتتمنى لو أنها قالت له ما أرادت في ذلك العمر حتى لو اعتبر أنها مجرد طفلة مزعجة لقد تشاجرت معه بالفعل عدداً من المرات ورفعت صوتها· لكنها لم تقل له قط كل ما لديها ثم إنها كانت تريد أن تتكلم بعقل ورزانة وبرود لكي يعرف أبوها أنها تعي وتعني كل كلمة تتفوّه بها· جنون الغضب لا يرويها حتى إن قالت أثناءه كل شيء لأن الآخرين سيظنون أنها غاضبة فقط
Page 4
تنظر رجاء إلى الساعة: السادسة والنصف، موعد استيقاظ الأطفال· تنهض منهية خلوتها بذاتها ومغلقة  فصل الذكريات· تدخل غرفة ابنتيها فتجدهما ترتبان سريريهما متبادلتين قذف الوسائد من  حين لآخر· تبتسم رجاء وفي داخلها فرح حزين· لو أنه كان والدهما
 
لو أنه·
 
تتقدم نحوهما ملتقطة مخدة طائرة لتشترك معهما في اللعب، تضحك الفتاتان· بعد قليل ينتهي وقت اللعب ويبدأ الجد· وقت الاستعداد للذهاب للروضة!
 
سيرين ابنة رجاء الكبرى في السادسة، وشيرين الثانية، في الخامسة من عمرها·· لم تباعد رجاء بين ولادتيها بهما لأنها تزوجت متأخرة، ما اضطرها لإنجاب العدد الذي تريده من الأبناء خلال خمس سنوات فقط، قبل أن تبلغ الخامسة والثلاثين·
 
تدخل رجاء الحمّام مع ابنتيها كلاً على حِدة لتحممهما بينما تعد خادمتاها طعام الإفطار·
 
رجاء المغنية المشهورة تحمم أطفالها مثل أي أم! تغني لهم في الحمام ويغنون معها لكل طفل منهم أغنيته الخاصة!· أغنية باسمه ألفتها رجاء بنفسها -كعادة الأمهات- بكلمات متواضعة وصادقة يوم أنجبتهم· ما زالت تحفظ الكلمات وترددها· وتخبر أبناءها بأنها حِكر عليهم وتحكي  لكل منهم بعض الحكايا عن أيامه الأربعين الأولى، وعن أيام حبوه، وبدايات خطوه·· لم تنس رجاء أشياء كثيرة؛ فقد سهرت بنفسها تربيهم، وعايشت لحظاتهم المهمة بنفسها· ولم تسلمهم قط ليد الخادمة إلا إن كانوا نياماً· شخصان، كانا دائماً قابعين في عقلها الباطن، في روحها، في صميم وجدانها وهي تعتني بأبنائها وتربيهم، وتراقبهم يلعبون ويكبرون شخصان تخاطبهما كل لحظة وترجو لو يجيبانها، هما: أمها وسعادة الوزير·
 
تخرج رجاء من الحمّام مع شيرين· ينبغي أن تكون سيرين الآن قد ارتدت مريولها واستعدت لتسريح شعرها· ترسل شيرين لارتداء مريولها أيضاً بينما تسرِّح شعر سيرين، وحينما تنتهي منها ترسلها لتوقظ أباها بهدوووووووء من نومه ليتناول الإفطار معهم، بينما تسرح بسرعة شعر سيرين القصير
 
كالعادة·يرسل الوالد سيرين خائبة لتخبر أمها بأنه لن يستيقظ إلا على صوت أم سيرين الغنائي·تضحك رجاء· وتسرح
 
لو أنه كان زوجها·
Page 5
تنهض رجاء مرسلة ابنتيها لتستقرا على طاولة الإفطار في انتظار والديهما· تدخل غرفة النوم:
 
نادر استيقظ لا يرد· يتظاهر بالنوم!
 
تجلس بقربه: نادر يقبض على يديها فجأة وينقضّ على شفتيها بقبلة حارة تستقبلها -كالعادة- بقلق وبرود·
 
الإفطار جاهز سوف ننتظرك
 
وتنهض سريعاً قبل أن تتغلب عليها مشاعرها فتبكي· لا تريد أن تبكي لأنها لا تريد أن تمنح زوجها فرصة سؤالها عن مشاعرها نحوه· سبع سنين، ظنّ بأنها تحبه· ويسعده -كما هو واضح- أن يبقى بظنه هذا· ويسعد رجاء أن تراه سعيداً· يفكر بأنها بطبيعتها فاترة في التعبير عن مشاعرها· خجول هي أقنعته قائلة بأنها تعبر عن نفسها بالغناء ولا تعرف التعبير بالكلام واقتنع!!··
 
لو أنه كان هو
 
لو أنها كانت قبلته
 
لو أكثر كلمة ترددها رجاء في يومها
 
تقف أمام باب غرفة النوم المغلق، تتنهد حتى تجف عيناها المبتلتان· ثم تعود تفتح الباب لتجد نادر قد دخل الحمّام ليستحم، ترتاح لشعورها بأنه لن يرى ملامحها الباكية وهي تكلمه·· تخطو للداخل و تطرق عليه باب الحمام بهدوء حتى يوقف انسياب الماء
 
- نعم؟؟
 
- نادر من فضلك، استحم بهدوء لكي لا توقظ وائل، وأسرِع لأننا ننتظرك
 
- حاضر حبيبتي
 
حبيبتي لو أن!!
 
كل ما يحدث في أيامها يعيدها  إليه إما بأمنية أو بذكرى أو بإحساس
 
سعادة الوزير سؤالها الكبير·
Page 6
تستقر على المائدة لتمنع تارة سيرين، وأخرى شيرين، من البدء بالأكل قبل مجيء الوالد· وتنادي الخادمة لتحضر الجريدة· تستقر الجريدة على الطاولة· عند المقعد المخصص للوالد·  تطالعها رجاء برجاء  تتمنى أن لا تكون تحمل عنه اليوم أخباراً سيئة، أو شكاوى ظالمة كالتي اعتاد أن يبعث بها الناس للجرائد، التي تستقبلها بدورها بصدور رحبة، طمعاً في سبق صحفي أو إثارة ضجة
 
تطالعها أيضاً بأمل، وبحسرة، وبأمنية، وألم، واشتياق  لكنها لا تتصفحها، من جديد للسبب السابق نفسه، لا تريد لمشاعرها أن تخذلها فتمنح بذلك نادر فرصة للسؤال 
 
يجيء الوالد، يقبل ابنتيه بحنان، وما إن ينصرف إلى كرسيه حتى تكونا قد بدأتا بالأكل!!
 
تضحك رجاء لشقاوتهما 
 
يشرب نادر كوب شايه ويفتح الجريدة· من عادته أن يبدأ مطالعة الجريدة من الصفحة الأخيرة حيث، عادة، الأخبار الغريبة والطريفة، تاركاً لعيني رجاء و لهفتها الصفحة الأولى وعناوينها الكبيرة، التي نادراً ما تخلو من خبر عنه تبحث عيناها بلا شعور عن صورته، أو اسمه، أو لقبه أحياناً، وقبل أن تعثر على أي شيء يخصه، تتوقف -بلا شعور أيضاً- عن البحث!!· وأحياناً أخرى تستمر، وتحاول التقاط بعض الكلمات من الخبر إن كان هناك خبر عنه نادر يكون قد قلّب عدداً من الصفحات بينما هي منشغلة بالخبر الوحيد ويبدو أنه وقع على الخبر نفسه بتفاصيله في الصفحات الداخلية 
 
اسمعي! وزير الصحة 
 
وزير الصحة!
 
يقفز قلب رجاء 
 
يقول بأن دعاوى المواطن الفلاني لا أساس لها من الصحة!
 
يعلق نادر: طبعاً، لا بد أن تقول ذلك يا سعادة الوزير!  
 
يحمى البركان في داخل رجاء·· تستشيط غضباً ولكنها لا تستطيع الدفاع عن حبيبها· تريد أن تقول لنادر: لا تحكم عليه فأنت لا تعرفه، أنا أعرفه وأعرف أنه أمين وصادق ونزيه
 
أنا أعرفه 
Page 7
يهدأ غضبها وهي تعود لذكريات أيامها الجميلة معه أنا حقاً أعرفه· ومن حسن حظها أن ابنتيها عادة ما تنتهيان من إفطارهما قبل أن تبدأ هي بالاسترسال في شريط ذكرياتها، فتناديانها لتساعدهما في غسل أيديهما ولبس الجوارب والأحذية بينما ينهض نادر ليرتدي بذلته ويأخذ سيرين وشيرين إلى الروضة·
 
هكذا يبدأ عادة يوم رجاء· أحياناً، حين لا تكون قد قضت ليلتها في حفلة غنائية تستأذن نادر في الخروج صباحاً لمجمع تجاري مصطحبة معها أصغر الأبناء، وائل، البالغ من العمر الآن ثلاث سنين· أما إن كانت قضت ليلتها في الغناء فإنها تقضي الساعتين بعد عودتها من الحفلة في خلوتها مع الذكريات حتى يحين موعد استيقاظ البنات لتقوم بمثل هذا الروتين، ثم تعوض سهر الليلة بالنوم الصباحي·
 
بعد انصراف نادر وابنتيها، تتسلل عادة أصابعها لتسرق الجريدة· لا تقرأ عنه الآن بل تحدق في وجهه وتمرر إصبعها عليه كم تشفق عليه مما هو فيه، وتتمنى لو أن بإمكانها فقط أن تهاتفه لتخبره بأنها ما زالت تهتم بأمره
 
تقرأ اللقب: سعادة الوزير·
 
هل تمنح الوزارة حقاً أصحابها السعادة؟؟
 
**
 
رجاء تكتب أيضاً مذكراتها من حين لآخر· وكل ما تكتبه تبدأه باسمه، وبصفته في حياتها:
 
حبيبي علي
 
تكتب له أحياناً شؤونها الصغيرة، وأحياناً أفكارها الخطيرة· والأهم من ذلك أنها تكتب له مشاعرها الكبيرة تكتب له ما تحكي له عنه أثناء يومها: طرائف أطفالها وهم يكبرون، وأفكارهم المضحكة أحياناً وأسئلتهم المحيرة والمخجلة! وتكتب عن ذكرياتها عنه وعما تقرأه عنه في الصحف· يبدو لها أن ما تكتبه رائع جداً، ويبقى رائعاً مهما مرّ عليه الزمن·
 
في الغناء، سريعاً ما يذبل إحساسها بجمال أغانيها؛ برغم أنها تبقى في نظر الآخرين والجمهور أغانيَ رائعة، وتبقى تُردد لمدة طويلة· لكن في الكتابة إحساس رجاء بما تكتبه لا يتغير مهما مرّ عليه من زمن ليس لأنها كاتبة بارعة· ولكن لأنها تكتب ما تكتب بإحساسها الثابت·
Page 8
لقد تعلمت رجاء في معهد الموسيقى أنها لكي تغني أفضل ينبغي أن لا تشعر بالكلمات أثناء غنائها، لكي لا تتأثر وتبكي نادر يعتبر عدم تعلق رجاء بأغانيها الشخصية شيئاً جيدًا لأنه يرمز إلى أنها لا تعيش في نجاحات الماضي، بل تتمسك بها فقط لتصنع مستقبلاً أفضل!
 
لكن رجاء في كتابتها تعيش في الماضي، وتعيش به وله· تجعله حاضراً مستمراً، وتحاول أن تصنع منه مستقبلاً ما 
 
تتخيل مثلاً بعض أحداث المستقبل وتتوهم لقاءات قد تجمعهما صدفة· ماذا سيقول لها، وماذا ستقول 
 
تكتب الحوار وتردده لنفسها 
 
أحياناً تكتب حواراً عن فكرة جديدة وتخبره برأيها· تكتب رأيه المتوقع بحسب ما عرفت عن شخصيته تجادله تناقشه تعترف له بالحب وتمضي معه في هذا الطريق لأبعد الحدود 
 
لا يمكن لنادر أن يشك بأنها تعاشر خيالها، ولا يستطيع أن يتهم إخلاصها لا يمكن لأي أحد أن يسائل خيالها أو يحكم عليها بالسوء بسببه لأجل هذا ربما هي تعشق خيالها وتشعر بالأمان معه فهو يشبعها ويكفيها من دون أن يترك من خلفه أي دلائل مادية للإدانة!
 
لقد فقدت رجاء، منذ فقدت علياً، الصحبة والتواصل مع الآخرين· برغم أنها أصبحت تملك آلاف المعجبين ومئات المعارف من وجهاء البلد، ومن الفنانين والمخرجين والشعراء والملحنين· آه· والصحفيين والمنتجين أيضاً· لكن كل أحاديثها مع هؤلاء لا تغادر الأحاديث المهنية أو الأحاديث عن النجاح الزائف· كل منهم يسعى لنجاحه أو لمواصلة نجاحه مع الآخر· والغريب أنّ هؤلاء يدّعون أن ما بينهم روابط صداقة! رجاء كانت ترفض في قرارتها هذه التسمية، لكنها فيما بعد اعتادت عليها وأصبحت تتداولها مثلهم· لكنها احتفظت لنفسها بذكرى ومشاعر الصداقة الحقيقية التي عرفتها ذات يوم مع علي سعادة الوزير 
 
رجاء منذ افترقت عن علي لم تتكلم بصدق إلا مع نفسها· وتتساءل دائماً عن حاله إن كان مثلها أم تراه عثر على أصدقاء، أو صديقة جديدة؟؟ صديقة، كان مستحيلاً بأي شكل أن تكبر معها مشاعر الصداقة أو تتطور للشيء الأكبر؟؟
 
هذا الرجل سيد مشاعره دوماً تماماً كما قال عن نفسه· لكنها -حتى وذلك مؤكد- ترجو أن لا يكون عثر بعدها على صديقة· لا تستطيع رجاء احتمال فكرة أن تكون أخرى حلّت محلها! قد تستطيع احتمال فكرة أنها بقيت في حياته صديقة لا أكثر، قد تستطيع تقبل زواجه؛ فهي لم تكن ستكون زوجته على أي حال لكن أن تأتي في حياته صديقة بعدهاتأخذ محلها!!!؟ تستولي على ذكرياتها معه وتصنع لنفسها معه ذكريات جديدة!!؟ هذا ما يكسر قلب رجاء أكثر· ولذلك فهي لا تريد حقاً أن تعرفه 
 
ثم هل يعقل أن كل سنوات الصداقة تلك مضت دون أن تنطق مشاعر علي نحوها بشيء أكبر؟! سبع سنين، والصداقة بينهما تقوى وتتعمق قبلَه أيضاً لم تكن قد كلمت أحداً بصدق، ربما عبّرت عن آرائها كثيراً، بطيش، بعنف، بجنون، وبصراحة لكنها لم تكلم أي أحد عن مشاعرها·
Page 9
ألم يحبني؟
 
يعصف السؤال في فكر رجاء أحياناً بإلحاح شديد· وعادة ما يهاجمها حين تكون بقرب البحر في نزهة صباحية، حيث تصطحب معها وائل، وحيث الجو الحار، والأمواج الساكنة، والكورنيش الهادئ، الفارغ إلا منها ومن وائل·
 
ألم يحبني؟! ألم يشعر بأنه أحبني ولا لمرة واحدة طوال تلك السنوات السبع؟!
 
رجاء تطرح على نفسها السؤال بهذه الصيغة الاستنكارية، وكأنها تمنح لنفسها الأمل بأن إجابته ستكون بلى  حتى لو لم يصرح بها علي· تتذكر أول عقدهما اتفاق الصداقة حين قال: إن هذا الأمر يتطلب سيطرة كبيرة على النفس، ونضجاً كبيراً في الشخصية· من ناحيتي أنا لا تقلقي فأنا دائماً سيد مشاعري· وأعرف بأني سأحافظ عليك حتى من نفسي، وسأحتفظ بك كصديقة حقيقية· ولتطمئني أكثر فإنني سأقول بأنني أعرف دائماً من ينبغي عليّ أن أحب، وبمن يمكن أو لا يمكن لي أن أتزوج·
 
كانت رجاء وقتها تنتظر أن تسمع مثل هذه الكلمات من شاب! كل من قبله كانوا يُقدِّمون لصداقتهم بها وفي قرارتهم نية الحدث الأكبر  وقد أعجبتها صراحة عليّ منذ البدء حين لـمّح لها بأنه لا يمكن له أن يتزوجها، لأن الأمر يومها لم يكن يعني لها شيئاً· اليوم، هذه الصراحة نفسها تذبح رجاء، وتخنقها لماذا لم تسقط هذه الكلمة من ذاكرتها!؟ كأنها بقيت فقط لتعذب أفكارها، أو ربما لتجيب عن السؤال بـ لا وليس بلى!·
 
تذكر يومها بأنها أجابته بالمثل: أنا أيضاً سيدة مشاعري· أنا أيضاً أتخذ قراري قبل أن أحب، وقد قررت أني لن أحبك ذات يوم! عندها ضحكا ملء قلبيهما فرحاً وسعادة: اثنان يفتشان منذ زمن عن صداقة بريئة بين الرجل والمرأة ويجدانها أخيراً!
 
تذكر أنه بعد وعدهما تعانقا ثم قبّل وجنتيها، وكانت مشاعرهما حقاً بريئة· ربما أعانهما على بقاء تلك الصداقة حقاً مجرد صداقة أن كلاً منهما لم يكن يستثيره فسيولوجيا التركيب الجسدي للآخر· فجسد علي النحيف لم يكن مثيراً بالنسبة لرجاء كأنثى، على الرغم من وجهه الجميل المدوّر· كانت رجاء تحب الرجل عريض المنكبين واسع الصدر· وجسد علي ووجهه كانا بالنسبة لها طفوليين، برغم رجولته الحقيقية وأفكاره الجميلة، وأسلوبه الأخاذ عند الكلام 
Page 10
بالمثل، أخبر علي رجاء بأنها أيضاً شديدة النحافة وهزيلة!· وقال إنها لو كانت أكثر امتلاءً قليلاً فقط للفتت إليها أنظار كل الرجال، وكان يكمل مازحاً أنه سيكون أوّلهم!·
 
مرة أخرى لم تكن رجاء تزعل منه لصراحته ولا تتضايق لتعليقه على جسدها النحيف، كان ذلك أساس اطمئنانهما لخوض العلاقة معاً، وكلما صدر ذات الكلام من علي مجدداً ازدادت اطمئناناً، وإصراراً على المضي بالعلاقة إلى حيث ما تمضي، مؤمنة بأنها لن تمضي يوماً إلى الحب
 
رجاء كانت تعلق على عليّ أيامها بسخرية قائلة: لست أدري لماذا يعشق الرجل النحيف دائماً المرأة الممتلئة!  وعادة ما كان يجيبها بأنه لذات السبب الذي يجعلها هي كأنثى هزيلة تنجذب للرجل العريض! رجاء لم تكن تجد ذلك مقنعاً ربما لشعورها الداخلي بأن من حق كل أنثى أن تكون أصغر حجماً من أي رجل! وبالذات الرجل الذي تهواه 
 
الآن تنظر إلى كل تلك الأحداث التي جرت بينها وبينه بمنظور آخر وتمنح نفسها أحياناً بعض الأمل بالتفكير ببعد آخر:
 
تنظر إلى نفسها في المرآة بعد إنجاب ثلاثة أطفال وقد امتلأ قوامها قليلاً، وتجد نفسها بالفعل قد أصبحت أجمل إن كان يراها على شاشة التلفاز فلا بد أنه يلاحظ ذلك فهل هي الآن أجمل كما تمنى؟؟ هل كان يريدها هكذا؟! 
 
قبلاته على خدودها وعناقه كل ذلك كانا قد اتفقا على أنه وارد الحدوث كورود حدوثه في صداقة أي فتاتين معاً أو أي شابين جزء من الصداقة· ولكن ألم يشعر للحظة أنه يلتذ بالقبلة لذة الرجل بالأنثى؟! 
 
هو لم يُقبّل يوماً شفتيها، ولا ذكر بأنه يتمنى ذلك وهي أيضاً في تلك الأيام، لم تكن تطيب لها قبلاته كقبلات رجل 
 
اليوم، بعد السنين تشعر رجاء بلذة الأنثى والاشتهاء حين تتذكر قبلاته· تشعر بالرغبة في لقياه كلما استرجعت كلماته  المشكلة لم تكن -ولا هي الآن- في القبلة المشكلة برجاء نفسها بمشاعرها، بما تفكر به في عقلها