eKtab
EN ع
الرحلات والرحالة في التاريخ الإسلامي
Read free sample

الرحلات والرحالة في التاريخ الإسلامي

by د. جمال الدين فالح الكيلاني

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

(( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَامَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ))

صدق الله العظيم

سورة الأعراف: آية10

 

الإهــــداء

إلى نهر العطاء الخالص.

إلى من أمدني بمعينٍ لا ينضب.

حتى أينعت ثمار العلم.

أستاذي وشيخي ومعلمي

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف

إليه اهدي أجمل القطاف

 

شكر و تقدير

يطيب لي أن أشكر بحرارة الدكتور عماد عبد السلام رؤوف والدكتور حمدان عبد المجيد الكبيسي

لما أبدياه لي من مساعدة كبيرة وما قدماه لي من نصائح قيمة ذللت أمامي الكثير من الصعوبات .

وأقدم شكري وتقديري لكل الأساتذة الذين أكرموني بعض جهدهم ووقتهم وأخص بالذكر الدكتورة صباح الشيخلي أستاذة التأريخ في كلية الآداب / جامعة بغداد والأستاذ الدكتور طارق الحمداني أستاذ التأريخ في كلية التربية / جامعة بغداد .

وأتقدم بخالص الشكر والإمتنان إلى جميع الأخوة العاملين والعاملات في المكتبة المركزية بجامعة بغداد والعاملين في المكتبة الوطنية ومكتبة الجامعة المستنصرية ومنتسبي مكتبة الدراسات العليا في كلية الآداب/ جامعة بغداد ومكتبة قسم التأريخ في كلية التربية / جامعة بغداد

Page 2

تمهيد

قبل أن يصبح التاريخ "علماً" له نظرياته وأسسه الفلسفية وقوانينه وتحقيقاته وتعليلاته، لدى ابن خلدون ومن جاء بعده، كانت الكتابات التاريخية عند العرب تسير وفق أنماط متصاعدة تتفاوت في عمقها وسرعتها وتأثرها بالاقليم والعصر.

ولا بد لنا من إلمامة بتطور تلك الكتابات التاريخية ورصد اتجاهاتها، وتمحيص ما يتصل بها من سرد حوادث، وتيارات سياسية واجتماعية وشعوبية.

ويمكن أن نتوقف عند القرن الثاني للهجرة، ولدى بعض رواة التاريخ والمغازي والسيرة، من أمثال "وهب بن منبه" (1) المتوفى 411هـ ـ732م. وعروة بن الزبير (ت 94هـ ـ 712م(2) . وشرحبيل بن سعد (ت 123هـ ـ 740م) وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ ـ 737م).

وقد كانت كتابات هؤلاء في المغازي تمهيداً هيأ الأرضية اللازمة لمن جاء بعدهم كالزهري والواقدي وابن اسحق.

فالزهري (ت 124هـ ـ 741م) هو الذي توسع في جمع الروايات وتمحيصها واستخدام عبارة "السيرة" بدلاً من المغازي. حتى إذا وصلنا إلى ابن اسحق (ت 151هـ ـ 761م) نجده يمضي شوطاً في الجمع بين الروايات التاريخية والأحاديث الشريفة والشعر والقصص الشعبي. وقد وصلتنا السيرة التي كتبها ابن اسحق منقحة على يد ابن هشام (ت 218هـ ـ 813م) ومن أعلام تلك المرحلة "الواقدي" (ت 207هـ ) في كتابه المغازي وكتبه الأخرى.

وتبرز لدينا أسماء مثل أبي مخنف(3) وعوانة بن الحكم(4) ونصر بن مزاحم(5) ، وذلك في سياق رواية الأخبار، ولعل أبرز هؤلاء الإخباريين (المدائني 225هـ)(6)، (وابن الكلبي 204هـ) (7) ، والهيثم بن عدي (206هـ)(8) وأبو عبيدة(9) (211 هـ).

وقبل أن نغادر القرن الثالث للهجرة يقف أمامنا "البلاذري ت 279هـ"(10) صاحب /فتوح البلدان/ و/أنساب الأشراف/. وهو وإن كان يعتمد على أخبار من سلفه، إلا أنه ينتقد تلك الأخبار ويفحصها وينتقي منها. وكذلك يفعل معاصره اليعقوبي(11) (ت 284هـ) في كتاب "البلدان" الذي يعتبر أول كتاب في الجغرافية التاريخية. ثم ابن قتيبة (ت 270هـ) (12) في كتاب "المعارف" والدينوري (ت 288هـ) في كتاب "الأخبار الطوال".

حتى إذا دلفنا إلى بداية القرن الرابع الهجري نجد (الطبري ت 310هـ) الذي تكتمل لديه مرحلة نضوج البدايات والتكوين للكتابة التاريخية. وقد اعتمد الطبري على ثقافته الواسعة ومنهجه كمحدث وفقيه يدقق في السند ويمحص الروايات.

وهكذا نجد تفاوت مدارس الكتابة التاريخية في مراحلها عبر القرون الثلاثة، وعبر الأماكن المختلفة في المدينة والكوفة والبصرة وبقية الأمصار وصولاً إلى القرن الرابع الهجري الذي نتوقف معه عند مسكويه(13) وتطويره للمنهج التاريخي ثم عند ابن الخطيب وابن خلدون والمقريزي كأمثلة لأبرز المؤرخين أصحاب المنهج الواضح في الكتابات التاريخية.

ترك أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب المعروف بمسكويه أكثر من أربعين كتاباً(14). أبرزها كتابه الهام "تجارب الأمم" المطبوع في طهران بتحقيق وتقديم أبي القاسم إمامي. وقد عاش مسكويه قرناً كاملاً (320-421هـ) واعتمد على الطبري بصورة واسعة، كما اعتمد على مشاهداته وتجاربه في حياته الطويلة، واطلاعه على علوم العصر من فلسفة وأديان وحديث ورواية.

ويمثل مسكويه خطوة متقدمة في الكتابة التاريخية الموضوعية، فإنه على الرغم من معاصرة السلاطين والوزراء البويهيين لا نجده يمدحهم أو يتملقهم في كتاباته. ولم يظهر ميلاً إلى تيار أو ملك أو اتجاه، بل حاول أن يرصد عصره ويحلل أحداثه بعقلانية، إلى درجة أنه لقّب بالمعلم الثالث نظراً لتمكنه من الفكر الفلسفي والإفادة منه في الكتابة التاريخية.

ويمكن تلخيص ملامح المنهج التاريخي لدى مسكويه على النحو التالي:

ـ التاريخ أحداث يمكن أن يستفيد منها الإنسان في أمور تتكرر ، أو يمكن أن تحدث مستقبلاً .

ـ أمور الدنيا متشابهة في الإطار العام وعلى الإنسان تجربتها .

ـ مقارنة الماضي بالحاضر للإفادة من خبرات الماضي .

ـ ضرورة غربلة الأخبار من الأساطير والأسمار والمعجزات .

ـ محاولة تفسير أحداث التاريخ وفق منهج علمي تجريبي قائم على الحذر في تلقي الروايات ، والدقة في تحليلها .

ـ استفاد مسكويه من فكره الفلسفي في تفسير التاريخ . فهو بذلك أول من بدأ فلسفة التاريخ .

ـ مسكويه موضوعي لا ينطلق من تصور مسبق . وحيادي في قراءة مصادره والإفادة منها .

ـ يعتبر كتابه : " تجارب الأمم " من أهم المراجع التاريخية لأنه سجل حي لأحداث القرن الرابع الهجري. وقد سجل مسكويه تلك الأحداث من أصحابها وقام بتفسيرها على أساس الاستدلال الفلسفي الواعي، والنظرة العملية، والذهن البنّاء المنظم، والنظرة المحايدة.

ونلمح أثر هذا المنهج بصور مختلفة لدى المؤرخين المسلمين الذين أتوا في العصور اللاحقة مثل رشيد الدين فضل الله (ت 718هـ) وهو صاحب كتاب "جامع التواريخ" وابن خلدون والسخاوي والمقريزي وبعض مؤرخي الأندلس ممن سوف نتوقف عندهم.

وقد اعتمدت نشأة علم التاريخ في الأندلس على تأثيرات مشرقية، وتبرز لدينا في الأندلس أسماء هامة تراكمت لديها خبرات أخذت تتبلور مع الزمن. ومن هذه الأسماء عبد الملك بن حبيب وأبناء الرازي، وابن القوطية وعريب بن سعد. ثم تغدو الكتابة التاريخية أكثر نضوجاً وأرسخ قدماً لدى أبي مروان بن حيان صاحب المقتبس. وابن حزم العلامة الموسوعي صاحب الجمهرة والفصل، ثم ابن صاحب الصلاة، وبني سعيد في كتابيهم الموسوعيين "المُغرب" و"المُشرق"، وسواهم. (15)

وحينما نصل إلى القرن الثامن الهجري" الرابع عشر الميلادي"تكون الكتابة في علم التاريخ قد بلغت أوجها لدى ابن الخطيب العلامة الموسوعي، وابن خلدون صاحب فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.

* * *

ونتوقف قليلاً عند المنهج التاريخي لدى لسان ابن الخطيب في كتبه التاريخية المختلفة، وبخاصة الإحاطة في أخبار غرناطة (16) واللمحة البدرية(17) ونفاضة الجراب (18).

وتبدو أبرز عناصر منهجه التاريخي في الملاحظات التالية:

-التاريخ فـنٌ غايته نقل الأخبار.

2-الفن التاريخي مأرب البشر ووسيلة ......... النشر، يعرفون به أنسابهم في ذلك شرعاً وطبعاً ما فيه، ويكتسبون به عقل التجربة في حال السكون والرفيه، ويرى العاقل من تصريف قدرة الله تعالى ما يشرح صدره ويشفيه...." (19)

وهكذا فالتاريخ معرفة الماضي للإفادة منها في رؤية الحاضر.

3-التاريخ لدى ابن الخطيب ليس مجرد نقل للأحداث السياسية وسيَر الملوك والسلاطين، بل هو تصوير للحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية بما تشمله هذه الحياة من رقي وازدهار، أو تخلف وتدهور. وهو في ذلك يتابع التفاصيل الدقيقة للموضوع الذي يتحدث عنه.

يتحدث في الرحلة الأندلسية" خطرة الطيف" عن مشهد استقبال السلطان من قبل سكان إحدى المناطق في وادي فرذش، فيقول:

"واستقبلتنا البلدة حرسها الله- نادى بأهل المدينة، موعدكم يوم الزينة، فسمحت الحجال برباتها والقلوب بحباتها، والمقاصر بحورها والمنازل بدورها، فرأينا تزاحم الكواكب بالمناكب، وتدافع البدور بالصدور، بيضاً كأسراب الحمام،...."

ثم يقول:" واختلط النساء بالرجال، والتقى أرباب الحجا بربات الجمال..ز فلم نفرق بين السلاح والعيون الملاح، ولا بين البنود حمر الخدود....

ويلاحظ هنا دقة ابن الخطيب، كما يلاحظ وصفه للحياة الاجتماعية التي يظهر فيها النساء والرجال. كما يشير في مكان آخر إلى وجود رعايا مسيحيين في مملكة غرناطة خرجوا لاستقبال السلطان وهم يتمتعون بكامل حقوقهم.

4-يركز ابن الخطيب على الوصف الجغرافي للأماكن التي يتحدث عنها ويجعل هذا الوصف مدخلاً لبحثه التاريخي. وهذا ما فعله في حديثه عن غرناطة في مقدمة كتابه"الإحاطة" وكذلك في كتابه "نفاضة الجراب" حينما يصف الأماكن التي زارها. ومن ذلك حديثه عن مدينة أغمات في كتاب "نفاضة الجراب" حيث يقول:

"ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل موطأ لا نشز فيه، ينال جميعه السقي الرغد، وسورها محمر الترب، مندمل الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذوب الثلج، منيعة البناء، مسجدها عتيق عادي، كبير الساحة، ومئذنته لا نظير لها في معمور الأرض..." (20).

5-يحترم ابن الخطيب التسلسل الزمني بدقة وموضوعية، شان المؤرخين المحترمين، فهو يستعرض الدول ونشوءها وسقوطها استعراضاً تاريخياً دقيقاً، ولا يقرب دولة لشرفها أو مكانتها كالأدارسة مثلاً. وقد فعل سواه ذلك تقرباً لسلاطين عصرهم.

6-يدأب ابن الخطيب على ذكر مصادر معلوماته، ويحرص على ذكر المؤرخين السابقين باحترام. وقد أورد من الأسماء ما يشير إلى سعة إطلاع وعمق معرفته. فهو يذكر في مقدمة الإحاطة الكتب التي اطلع عليها كتواريخ للمدن أراد أن ينافسها في كتابه "الإحاطة" ومن ذلك على سبيل المثال: تاريخ بخارى لأبي عبد الله الفخار، وتاريخ أصبهان لصاحب الحلية، وتاريخ همذان لغنا خسرو الديلمي،.... وتاريخ الرقّة للقشيري، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ الإسكندرية لوجيه الدين الشافعي، وتاريخ مكة للأزرقي... الخ.

إن ذكر هذه الأسماء دليل على سعة المعرفة، وأمانة النقل، واحترام الرأي الآخر.

7-حرص على الاستعانة بالمعلومات من مصادرها القريبة. ومن ذلك طلبه من صديقه سفير قشتالة يوسف بن وقارق معلومات عن تاريخ الممالك النصرانية: قشتالة وأراغون والبرتغال وذلك لتكون معلوماته موثقة ومستندة إلى مراجعها (21).

8-اعتماده على مشاهداته من النقوش والكتابات على العمائر والأضرحة والمنشآت المختلفة، وتوثيق تلك النقوش والكتابات والإفادة منها في مادته التاريخية.

9-أخلاقيته العالية في منهجه التاريخي، وصدقه وموضوعيته ومثال ذلك رسالته التي نصح فيها الملك القشتالي بدرو القاسي، وقد أوردها المستشرقون الأسبان كشاهد على أخلاقية ابن الخطيب. وقد أورد الحادثة المؤرخ الأسباني المعاصر دي إيالا. ووصفها المؤرخ "جاريباي" بأنها قيم أخلاقية جاءت من هذا المسلم ابن الخطيب، وهي تفوق في قيمها ما كتبه سينكا وغيره من فلاسفة الرواقيين الأقدمين(22).

10-مزج ابن الخطيب بين التاريخ والجغرافية والرحلات في إطار من النثر الفني الرشيق والبليغ. بحيث جاءت كتاباته التاريخية يغلب عليها الطابع الأدبي والسجع اللطيف.

هذه الملاحظات العشر هي التي تميز المنهج التاريخي لابن الخطيب ويمكن مقارنتها مع مؤرخين آخرين أحدهما من القرن الرابع الهجري هو مسكويه. والآخر معاصر لابن الخطيب وهو شيخ المؤرخين العرب ابن خلدون.

وتقوم عناصر المنهج التاريخي عند ابن خلدون على الملاحظات الموجزة التالية(23):

1.التاريخ علم

2. محتويات التاريخ والفكرة عنها

3.العناصر التي تجتمع لصنع التاريخ البشري

4.قوانين التاريخ

5.التاريخ علم فلسفي عند ابن خلدون(والفلسفة كل ما ليس له صفة دينية)

6.التاريخ عند ابن خلدون أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وهو نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها ..

7.ابن خلدون يدحض الأساطير

8.ابن خلدون يضع القواعد اللازمة لمقارنة الحقيقة

9.النقد التاريخي عند ابن خلدون يبدو في:

-تبدل الأحوال بتبدل الأيام.

-وحدة النفسية الاجتماعية

-ظروف الأقاليم الجغرافية

-التاريخ الحضاري البشري

أما منهج البحث التاريخي عند ابن خلدون فيعتمد على :

-ملاحظة ظواهر الاجتماع لدى الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها والحياة بين أهلها.

-تعقب هذه الظواهر في تاريخ الشعوب نفسها في العصور السابقة لعصره

-تعقب أشباهها في تاريخ شعوب أخرى لم يتح الاحتكاك بها والحياة بين أهلها.

-الموازنة بين هذه الظواهر جميعاً.

-التأمل في مختلف الظواهر للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية وصفاتها العرضية واستخلاص قانون تخضع له هذه الظواهر في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.

ويرى ابن خلدون في مقدمته :

1- ان دراسة التاريخ ضرورية لمعرفة أحوال الأمم وتطور هذه الأحوال بفعل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

2- يركز ابن خلدون على موضوع الاستبداد والبطش الذي يقوم به السلطان ضد شعبه وأثر ذلك في الشعب.

3- يشرح ابن خلدون كيف أن بعض السلاطين ينافسون رعيتهم في الكسب والتجارة . ويسخرون القوانين لخدمة مصالحهم الخاصة وتسلطهم على أموال الناس، وإطلاق يد الجند في الأموال العامة مما يرسخ الشعور بالظلم والإحساس بالحقد لدى الشعب .

4- يوضح ابن خلدون أن هذه العوامل الداخلية هي التي تؤدي إلى الخلل في أحوال الدولة أكثر من العوامل الخارجية .لأن المجتمع الذي يعاني من خلل داخلي لا يستطيع مجابهة عدو خارجي.

5- تمكن ابن خلدون من الربط الدقيق بين العوامل الاقتصادية سابقاً بذلك مفكرين أوروبيين بعدة قرون

6- استوعب ابن خلدون الإرهاصات السابقة في الفكر السياسي لدى الفارابي والماوردي والغزالي وإخوان الصفا والطرطوشي ومسكويه وسواهم. وصاغ من كل ذلك نظريته الناضجة في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.

7- يتضح من قراءة مقدمة ابن خلدون فهمه لفلسفة التاريخ من خلال ثلاث نقاط أساسية:

-الأولى : أن التاريخ علم، وليس مجرد سرد أخبار بلا تدقيق ولا تمحيص.

-الثانية : أن هذا العلم ليس منفصلاً عن العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد والعمران وعلوم الدين والأدب والفن.

-الثالثة : أن هذا العلم يخضع لقوانين تنتظم بموجبها أحوال الدول من قوة وضعف، ورفعة وانحلال.

وقد طبق ابن خلدون هذه النظرية على كتابه "العبر" في سرده للأحداث والتعليق عليها وتحليل نتائجها.

8- يرى ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران، ويعدد أشكال هذا الظلم من اعتداء على الناس، وتضييق على حرياتهم، وسلب أموالهم، وإضعاف فرص معاشهم وتحصيل رزقهم. والعمران يفسد بفساد العوامل التي تصنعه، والفساد يؤدي إلى الخراب.

9- إن الفساد يؤدي إلى هرم الدولة وشيخوختها. والهرم من الأمراض المزمنة التي قد تكون طبيعية مع عمر الدول والأفراد.

وقد تكون طارئة بفعل تفاقم الظلم والفساد والعدوان.

10- كان ابن خلدون على قدر كبير من الموضوعية والحياد العلمي في قراءته لأحداث التاريخ وتفسيرها رغم صعوبة الحياد في عصره.

واستمراراً لمنهج ابن خلدون وتطويراً له، ودخولاً في التفاصيل الدقيقة يأتي المقريزي في وقت غدت فيه القاهرة مركز العالم الإسلامي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً أيام حكم المماليك . وفي القاهرة ولد المقريزي لأسرة أصلها من بعلبك. ويذكر أنه كان سعيداً بولادته وعيشه في القاهرة (24) وقد ترك عدداً من الكتابات التاريخية الفائقة الأهمية مثل:

- السلوك لمعرفة دول الملوك

- اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا

- عقد جواهر الأسفاط في تاريخ مدينة الفسطاط.

- المواعظ والاعتبار (المعروف باسم خطط المقريزي).

- إغاثة الأمة بكشف الغمة.

وقد أفاد المقريزي من تجارب حياته العملية كاتباً في ديوان الانشاء وقاضياً وخطيباً . كما أفاد من اطلاعه الواسع على الكتابات التاريخية السابقة وبخاصة ابن خلدون.

ولعل أهم ما يميزه :

1- الموضوعية والأمانة التاريخية في السرد والعرض.(25)

2- وتنبثق عن الموضوعية صفة العفة والأخلاق الرفيعة والترفع عن الإساءة إلى الآخرين.

3- التدقيق والتقصي والتحقيق والتعليل (26)

4- الدخول في التفاصيل الدقيقة : أحوال النيل – الحياة اليومية – الفساد – الرشوة – الغلاء – إغراق الأسواق بالنقود.

5- التركيز على الموضوع وعدم الاستطراد، وعدم الخروج على الموضوع .

6- الحيادية تجاه الحكام وعدم مداهنتهم والتقرب إليهم .

- التنبه إلى ربط حركة التاريخ بالعوامل الاقتصادية من تجارة وصناعة وزراعة وانتقال أموال وتوزيع ثروات واقطاعات (27)

- رصد كثير من الظواهر الاجتماعية بدقة : شهادة الزور، الزنا، اللواط، الفسوق، الخمر.

* * *

والآن نخلص إلى بعض الملاحظات العامة والاستنتاجات التي تشمل مراحل تطور الكتابات التاريخية عند العرب:

1.ان الفكر العربي التاريخي اتجه أساساً إلى سرد الوقائع والأحداث من خلال الرصد أو الرواية المسندة، مستفيداً من علم الحديث.

2.إن كلمة "التاريخ" تعني في المعجم الغاية والوقت الذي ينتهي إليه كل شيء. وبذلك يتصل المعنى بحركة الزمن المرصودة وليس بالحكاية الاسطورية التي تشير إليها كلمة History باللغات الأوروبية.

3.الغاية النبيلة من كتابة التاريخ كعلم، ويندرج ذلك في إطار العلوم جميعاً كعمل يتقرب به صاحبه إلى الله وكأنه شكل من أشكال العبادة، وليس عملاً نفعياً يتوخى مصلحة آنية.

4.سرد الروايات القديمة بصورة حيادية وترك التعليق عليها وإلقاء مسؤولية روايتها على من أسندت إليه.

5.الاعتراف بالآخر وعرضه بموضوعية إلى حد بعيد وعدم إلغاء من يخالف الرأي أو الدين أو المذهب أو العرق.

6.يلاحظ في الدراسات التاريخية الحديثة والمعاصرة تأثر المؤرخين العرب بالمدارس القومية أو الماركسية أو العلمانية أو الليبرالية أو البراغماتية . وهم في أغلب الأحيان متأثرون بالعوامل السياسية الضاغطة بصورة أو بأخرى.

7.بروز التخصصات الدقيقة في الدراسات التاريخية :

-قديمة – حديثة

-مشرقية – أندلسية

-حضارات: مصر القديمة، بابل، بلاد الشام، المغرب

-الحركات الإسلامية – الشعوبية

-تاريخ الأدب

-التاريخ الاجتماعي

-علم الآثار

-التراث غير المادي

8.محاولة إظهار جانب العبقرية لدى المؤرخين العرب، وبيان مدى تأثر المؤرخين الغربيين بهم.

9.اللجوء إلى صفحات التاريخ المشرقة هرباً من الإحباط المتلاحق الذي يعيشه العرب اليوم.

Page 3

العلوم عند العرب والمسلمين

الجغرافيا وعلومها ومؤلفاتها

أطلق المسلمون على معارفهم الجغرافية أسماء عديدة؛ إذ إن المفهوم الجغرافي لم يكن تخصصًا مستقلاً في ذاته كالعلوم الأخرى. ومصنفاتهم في هذا المجال يمكن إدراجها تحت مسمى المصنفات الكوزموغرافية؛ وهي المصنفات التي تبحث في مظهر الكون وتركيبه العام وتشمل إلى جانب الجغرافيا علمي الفلك والجيولوجيا. لذا فإن الكتابات الجغرافية كانت تسمى وفق محتوياتها؛ فمن ذلك علم الأطوال والعروض وعلم تقويم البلدان إذا كانت ذات محتوى فلكي. وما غلب على محتواها وصْفُ المسالك وطرق المواصلات سميت علم البرود (جمع بريد) أو علم المسالك والممالك. واتخذت المصنفات الجغرافية التي تصف مجموع المناطق والبلدان اسم علم الأقاليم، وعلم عجائب البلدان، وعلم البلدان، وما قد تناولت المناخ جاءت تحت اسم علم الأنواء، وما قد تناولت الجغرافيا الفلكية سمِّيت علم الهيئة، واستخدموا مصطلح صورة الأرض قاصدين به مصطلح جغرافيا الحالي.

استخدم المسلمون كلمة جغرافيا في بادئ الأمر وفق استخدام اليونان لها، وهذا ما عناه ياقوت الحموي عندما قال ¸إن من قَصَد العمران من القدماء والفلاسفة والحكماء، ومنهم بطليموس، سموا كتبهم في ذلك الجغرافيا... ومعناه صورة الأرض·. وكان إخوان الصفا أول من استخدم مصطلح جغرافيا في رسائلهم وفسرت على أنها صورة الأرض.

لم تقتصر كتابات المسلمين في الجغرافيا على مجالات محددة، بل امتدت لتشمل مجالات عديدة متنوعة. وبدأت هذه الكتابات معتمدة على المعرفة الجغرافية القديمة في الجزيرة العربية بالإضافة إلى ما كان لدى الشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام. كما اعتمدت على الترجمة من مصادر مختلفة يونانية وفارسية وهندية. وصحح المسلمون كثيرًا من الأخطاء وأضافوا كثيرًا من الملاحظات على الكتب المترجمة. وكان من أهم المسائل التي تناولتها مصنفاتهم في هذا الحقل الجغرافيا الفلكية والإقليمية والبشرية والاقتصادية.

الجغرافيا الفلكية يندرج تحتها ما يعرف بكتب الأزياج مثل زيج الإيلخاني للطوسي. والصورة لصفحتين من الكتاب.

الجغرافيا الفلكية. اهتم المسلمون بالجغرافيا الفلكية التي صارت أساسًا للجغرافيا العربية، وهي فرع من الجغرافيا يقوم في أغلبه على الأساليب الرياضية، وذلك لاتصال الجغرافيا الفلكية بمواقيت الصلاة والصيام والحج. واستقى العلماء المسلمون هذا النوع من الجغرافيا من المذهب الهندي في الجغرافيا الرياضية عن طريق بلاد فارس، وتمثل ذلك في كتاب السندهند (السدهانتا)، وكذلك من المذهب اليوناني عن طريق السريان، وتمثل ذلك في كتاب المجسطي لبطليموس. ومن الذين تأثروا بكتاب بطليموس ونهجوا النهج الفلكي في مؤلفاتهم الجغرافية محمد بن موسى الخوارزمي، لكنه تفرّد ببحوث مستقلة لم يقلّد فيها أحدًا، وقام بتلخيص كتاب السندهند وإصلاح أزياج (الجداول الفلكية) بطليموس. ويعدّ كتاب الخوارزمي صورة الأرض أشهر مؤلفات الجغرافيا الفلكية وأكثرها أثرًا في الجغرافيين الذين أتوا من بعده. وهناك اختلاف كبير بينه وبين كتاب بطليموس على الرغم من أنه أفاد من معلوماته كثيرًا. وقد خالف الخوارزمي في تقسيمه للأقاليم تقسيم بطليموس. فبينما قسم بطليموس العالم إلى إحدى وعشرين منطقة، قسمه الخوارزمي إلى سبعة أقاليم حسب درجات العرض. وهو أول من فعل هذا، فبدأ هذه الأقاليم من الجنوب إلى الشمال. وهذا التقسيم هو الذي عرفه العرب قبل أن يعرفوا بطليموس. كذلك وزع الخوارزمي الأنهار والجبال والبحار والعمران بطريقة مخالفة لما ورد عند بطليموس. فقد ذكرها الخوارزمي منفردة وفق كل إقليم، بينما وزعها بطليموس وفق المناطق. كما أنه عرض المادة الجغرافية في قوائم. واختلف مع بطليموس في تحديد كثير من الأبعاد الجغرافية للأماكن. والقوائم الفلكية في كتاب صورة الأرض أشبه بالأزياج. فقد كان يذكر اسم الموضع ثم خط الطول الذي يقع عليه، ثم خط العرض مبتدئًا بالمدن فالجبال فالبحار فالجزر ثم العيون والأنهار. ويبدأ المواضع وفق بُعدها التدريجي على أساس موقعها من خط الزوال الذي يمر بجزر السعادة عند ساحل غرب إفريقيا.

وممن كتب في هذا الفرع من الجغرافيا الفيلسوف الكندي، وجاءت آراؤه هذه في كتابه رسم المعمور من الأرض. وله في الجغرافيا الفلكية وعلم الفلك ما يقرب من 25 مؤلفًا بين كتاب ورسالة.

يندرج تحت هذا الفرع ما يعرف أيضًا بكتب الأزياج مثل زيج الإيلخاني للطوسي؛ الزيج الصابي للبتاني، والزيج الحاكمي الكبير لابن يونس الصدفي، والمجسطي لأبي الوفاء البوزجاني، ومفتاح علم الهيئة للبيروني. ومن الكتب المهمة في حقل الجغرافيا الفلكية كتاب سهراب عجائب الأقاليم السبعة إلى نهاية العمارة، ويورد فيه كيفية رسم خارطة الكرة الأرضية، واستخراج الطول والعرض للمواقع الجغرافية. وهو متأثر بكتاب صورة الأرض للخوارزمي، فهو يتناول المدن فالبحار فالجزر فالجبال ثم المنابع والأنهار كلا منها على انفراد داخل الأقاليم السبعة في قوائم مماثلة لما فعله الخوارزمي.

محيط الأرض ومساحتها. اهتم العلماء المسلمون في حقل الجغرافيا الفلكية بقياس محيط الكرة الأرضية. ذلك أن المقاييس التي أخذوها عن الهنود والإغريق لم تكن مقنعة لهم؛ خاصة بعد ما تقدمت عندهم وسائل القياس. وقام العلماء المسلمون على عهد المأمون بأمر منه بقياس طول درجة من خط نصف النهار في مكانين صحراويين أحدهما في تَدْمر والآخر في سنجار، وتوصلوا إلى أن طول الدرجة يبلغ 56 ميلاً؛ أي أن المحيط حوالي 20,400 ميل.

وردت في كتابات الجغرافيين العرب محاولات لتقدير مساحة الأرض المعمورة والبحار التي بينها والذي كان يسمى الرُّبع المعمور. وممن تناول ذلك البيروني في القانون المسعودي؛ فقد ذكر مساحة الأقاليم السبعة المعروفة آنذاك، ونقلها عنه أبو الفدا في تقويم البلدان بعد أن شرح الطرق التي توصل بها البيروني لهذه المساحات. كما فعل ذلك أيضًا ياقوت الحموي في معجم البلدان حيث أورد تقديرات لمساحة الأرض نقلاً عمن سبقه من الجغرافيين.

الخريطة المأمونية رسمها الجغرافيون العرب للخليفة المأمون وبينوا عليها الجزء المعمور من الأرض.

خطوط الطول والعرض. استخدم الجغرافيون المسلمون خطوط الطول والعرض لتعيين المواقع الجغرافية للمناطق التي يريدون تحديدها؛ سواءً بالنسبة إلى القبلة في مكة، أو أي بقعة أخرى. وقد توصلوا إلى تحديد عرض الأماكن عن طريق قياس ارتفاع النجم القطبي أو الشمس. وقد كان من النتائج المباشرة لجهودهم في تحديد خطوط العرض أن تمكنوا من إنشاء المزاول الشمسية لضبط الزمن.

واستطاع الجغرافيون العرب عن طريق تحديدهم خطوط الطول والعرض أن يرسموا خارطة للأرض في عهد المأمون عرفت باسم الخريطة المأمونية، وقد قسم العالم فيها إلى سبعة أقاليم وفق خطوط الطول ودوائر العرض. وفيها صور للأفلاك والنجوم والبر والبحر والمدن.

الجغرافيا الإقليمية. وتسمى الجغرافيا البلدانية؛ وتتمثل في المصنفات التي اتخذت المنهج الوصفي أساسًا لها، وكذلك المعاجم الجغرافية وأحيانًا كتب الرحلات الجغرافية التي يغلب على تناولها المنهج الوصفي. وقد اتبع الجغرافيون المسلمون في تناولهم للجغرافيا البلدانية أسلوب المشاهدة والزيارات الميدانية. فقد زار معظمهم الأقاليم والبلدان التي تحدثوا عنها، لاسيما الرعيل الأول منهم من أمثال اليعقوبي، وابن حوقل، والمسعودي، والإدريسي وغيرهم. وقد تناولوا في مصنفاتهم الجغرافية هذه أوصافًا للأقاليم والمدن والشعوب وأديانها وعاداتها ودراسة للمسالك وطرق المواصلات التي تربط بين المدن المختلفة والأبعاد بينها وما يفصل بينها من أنهار وبحار وبحيرات وجبال. ومن نماذج هذه المصنفات كُتُب: المسالك والممالك لابن خرداذبه؛ كتاب الأقاليم لهشام الكلبي؛ جزيرة العرب للأصمعي؛ البلدان لليعقوبي؛ صفة جزيرة العرب للهمداني؛ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي؛ الأقاليم للإصطخري؛ صورة الأرض لابن حوقل؛ تقويم البلدان لأبي الفدا عماد الدين بن إسماعيل وغيرهم.

Page 4

خريطة العالم لابن حوقل (ت بعد 367هـ 977م).

مصنفات إقليمية. خضعت المؤلفات البلدانية في بادئ الأمر لنمط التأليف الذي كان سائدًا في كل مجالات المعرفة آنذاك. فلم تكن الكتابة متخصصة، ولم يكن الكُتَّاب متخصصين؛ لذا كان ينحو وصفهم إلى الشمول بدلاً عن العرض المفصل لتلك المناطق من المعمورة التي كانت تبعد عنهم. لذا فقد تركوا لنا آدابًا جغرافية على درجة كبيرة من الدقة عن قلب العالم الإسلامي، لكن تقلّ هذه الدقة وتضعف كلما ابتعدنا إلى أطرافه في آسيا وإفريقيا.

وبحلول منتصف القرن الرابع الهجري تنوعت كتابات الجغرافيين واهتموا بالمعالم الطبيعية والأحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعوب التي يكتبون عنها. وأفضل المصنفات التي تمثل هذه الحقبة هي مصنفات الإصطخري وابن حوقل والمقدسي وهي على التوالي: الأقاليم؛ صورة الأرض؛ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.

صورة العالم للإصطخري (ت. نحو سنة 300هـ، 912م).

بدأت المصنفات الإقليمية أول ما بدأت بتغطية وصفية لجزيرة العرب شملت مدنها وبلدانها المشهورة، والبوادي والصحاري، ومضارب العرب. ومن أشهر الذين كتبوا عن جزيرة العرب هشام الكلبي وله في ذلك كتاب الأقاليم؛ وكتاب البلدان الصغيرة؛ وكتاب البلدان الكبيرة. وكذلك الأصمعي وله كتاب جزيرة العرب، والهمداني وله صفة جزيرة العرب. أما المعاجم فقد وردت فيها جملة مسهبة من المعلومات عن المدن والمظاهر الطبيعية، ومن هذه المعاجم معجم البلدان لياقوت الحموي، ومعجم ما استعجم لأبي عبيد البكري وغيرهما. وتعد المعاجم الجغرافية عملاً فريدًا استأثر به المسلمون، ولم تسبقهم إليه أمة من الأمم. أما النقلة في التأليف من الكتب الإقليمية، التي اقتصرت على جزيرة العرب إلى العالمية، فقد كانت على يد الخوارزمي في كتابه صورة الأرض. وقد ظهرت في الجغرافيا الإقليمية مؤلفات تحمل عنوان المسالك والممالك. وكان أول من صنّف فيها جعفر بن أحمد المروزي (ت 274هـ، 887م)، وابن خرداذبه، والسرخسي (ت 286هـ، 899م)، والإصطخري، والتاريخي محمد الوراق (ت 363هـ، 973م)، والمهلبي (ت 368هـ، 978م)، والبكري (487هـ، 1094م). ومعظم هذه المؤلفات استهدفت خدمة أغراض الإداريين والحكام والتجار وعمال الدواوين لتبصرهم بالأمصار الإسلامية والطرق إليها.

ظل الجغرافيون الأوائل يقسّمون الأقاليم وفقًا لما توارثوه عن الفرس واليونان، إلى أن اتخذت الجغرافيا الإقليمية مفهومًا جديدًا لفكرة الإقليم بدءًا من القرن الرابع الهجري على يد من أطلق عليهم الجغرافيون الإقليميون ويمثلهم أبو زيد البلخي (ت 322هـ، 934م) والإصطخري، وابن حوقل، والمقدسي. ولم يتفق الجغرافيون المسلمون في تلك الحقبة على نمط واحد لتقسيم الأقاليم؛ فقسمها الإصطخري أحيانًا وفقًا لطبيعة الإقليم وأخرى وفقًا للأقوام ولغاتهم وثالثة لنوع الحكم. وقسم الأقاليم الإسلامية المعروفة على عهده إلى عشرين إقليمًا هي: ديار العرب؛ ويضم شبه الجزيرة العربية وبادية الشام. بحر فارس؛ ويضم الخليج العربي والبحر الأحمر. ديار المغرب؛ ويضم بلاد الأندلس وأقطار المغرب العربي والصحراء الكبرى. ديار مصر؛ وتضم مصر وبلاد البجة (شرق السودان). أرض الشام. بحر الروم؛ ويضم شرقي البحر الأبيض المتوسط وبحر مرمرة وجزره. أرض الجزيرة؛ ويضم منطقة الجزيرة في العراق وبعضًا من البادية الشمالية. العراق؛ ويمتد من تكريت إلى عبدان وما بين النهرين. خوزستان. بلاد فارس. بلاد كرمان ويضم القسم الجنوبي الشرقي من إيران وبلاد السند. أرمينيا والران وأذربيجان. إقليم الجبال ويضم بلاد كردستان. الديلم؛ ويضم البلاد الواقعة على سهول بحر الخزر الجنوبية. بحر الخزر؛ ويضم منطقة بحر الخزر. مفازة خراسان؛ ويضم منطقة صحراء شرقي إيران. سجستان ويضم جزءًا من أفغانستان. خراسان؛ ويضم شمال غرب أفغانستان وشمال شرق إيران. ما وراء النهر؛ ويضم منطقة سهول نهري سيحون وجيحون.

هناك تشابه كبير واضح بين تقسيم ابن حوقل والإصطخري للأقاليم، إلا أن ابن حوقل كان كثيرًا ما يلتزم في بعض تقسيماته الإقليمية بالعامل السياسي والإداري أكثر من الجانب الطبيعي الذي انتهجه الإصطخري. وقسّم ابن حوقل العالم الإسلامي إلى 22 إقليمًا وهي نفس الأقاليم التي ذكرها الإصطخري مع زيادات طفيفة كأن يذكر مع الديلم طبرستان أو مع مفازة خراسان يضيف فارس. أما الإقليمان الجديدان لديه فهما الأندلس وصقلية.

أما المقدسي فقد قسّم الأقاليم في الممالك الإسلامية إلى قسمين: أقاليم العرب وأقاليم العجم. فجاءت سبعة منها تحت الأقاليم العربية وثمانية تحت الأقاليم العجمية. وقسّم الأقاليم إلى أقسام إدارية أطلق على الواحد منها اسم كُور وقسّم الكور إلى رساتيق، وميّز بين العواصم والقصبات والمدن الثانوية.

ثم أتت حقبة رجعت فيها التقسيمات الأولى للأقاليم إلى سبعة أقاليم فلكية وفق المنهج التلقليدي لليونان، وكان من أبرز من أخذ بهذا الأسلوب الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق وعلي بن موسى المغربي في كتاب الجغرافيا، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد. إلا أن الجغرافي الإقليمي أبو الفدا (ت732هـ، 1331م) قد جمع بين المنهج اليوناني الذي يمثله بطليموس، والتقسيم العربي الذي يمثله ابن حوقل، وقام بتقسيم الأرض المأهولة آنذاك إلى 28 إقليمًا.

المعاجم والرحلات. كانت المعاجم الجغرافية سمة من سمات التأليف الجغرافي لدى المسلمين في ذلك العهد. وهي تسير على نمط المعاجم الأخرى التي ألّفت في تخصصات أخرى مثل معاجم علوم الحيوان والنبات واللغة وغيرها. ويعد تأليف المعاجم الجغرافية علمًا انفرد به المسلمون ولم يسبقهم إليه أحد. إذ إن أول المعاجم الجغرافية التي ظهرت في غير العربية كان في القرن 10هـ، 16م في أوروبا وهو معجم أوتيليوس. وكان أبو عبيد البكري أوّل من صنّف معجماً جغرافياً وفق الترتيب الألفبائي الأندلسي؛ وأطلق على معجمه معجم ما استعجم. ويُعدّ هذا المعجم مرحلة انتقالية من اللغة إلى الجغرافيا تناول فيه تحديد الأماكن التي ورد ذكرها في الأحاديث والتواريخ والمنازل والأشعار. وكان مما جعل البكري يقدم على هذا العمل، شيوع اللحن والتصحيف في أسماء الأماكن بين الناس، فأراد تصحيح ما وقع فيه بعض اللغويين من أخطاء كالأصمعي وأبي عبيدة وخلافهما. واحتوى معجمه على 3,590 مادة بها نحو 5,200 موضوع تقع في 784 بابًا.

يُعدّ معجم البلدان لياقوت الحموي (ت 626هـ، 1229م) من أفضل النماذج للمعاجم الجغرافية. واعتمد في مصادره على مؤلفات من تقدمه من الجغرافيين واللغويين والفلاسفة والحكماء من المسلمين وغيرهم. ورتب ياقوت مداخل هذا المعجم ترتيبًا ألفبائياً مع ضبط الاسم وبيان اشتقاقه، وموقعه وتاريخه، والمسافة بينه وبين أقرب بلد له، وتاريخ فتح المسلمين له، وعادات أهل الموقع وتقاليدهم، وأسماء من له علاقة بالموضع من الصحابة والتابعين. وقسّم المعجم إلى 28 بابًا على عدد حروف العربية، وصدره بمقدمة تمهيدية ذكر فيها صورة الأرض وهيئتها وأقاليمها، وأورد في المقدمة ثبتًا بالمصطلحات التي يتكرر ذكرها في المعجم كالفرسخ والميل والكورة.

يُعدّ معجم الروض المِعْطار في خبر الأقطار لمحمد بن عبدالمنعم الصنهاجي الحميري من المصنفات القيمة.اعتمد في معظمه على المصادر المغربية والأندلسية؛ فقد نقل كثيرًا من مادة هذا المعجم من الإدريسي والبكري وكذلك من اليعقوبي والمسعودي وغيرهم. واقتصر المعجم في مادته على المواضع المشهورة جدًا، أو تلك التي ارتبط اسمها بوقائع أو أخبار اشتهرت عنها. وعلى الرغم من أنه من المغرب العربي (ولد في سبتة)، إلا أنه رتّب مداخل معجمه وفق الترتيب الألفبائي المعمول به في المشرق العربي. وقد أفاض في هذا المعجم من ذكر الأماكن في بلاد المغرب والأندلس، وجاء اهتمامه ببلاد المشرق في الدرجة الثانية. واستكثر أيضًا من ذكر الأحداث والتاريخ والأخبار.

تعد كتب الرحلات من أفضل مصادر الجغرافيا الإقليمية في عصر ازدهارها، وممّا يسر هذه الرحلات حث الإسلام على السياحة في الأرض، والوحدة الدينية التي كانت تربط البقعة الإسلامية من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا واستتباب الأمن فيها، ثم رحلات الحجيج من وإلى بيت الله في مكة المكرمة، ومسجد رسوله ³ في المدينة المنورة وكذلك الخروج في طلب العلم، والرحلات التجارية.

كان أول من صنف في أدب جغرافيا الرحلات أبوبكر محمد بن العربي (ت 543هـ، 1148م) وله في ذلك كتاب ترتيب الرحلات. ومن أشهر الرحالة المسلمين ابن جبير، وابن بطوطة، وابن حوقل، والمسعودي.

كانت أولى الرحلات التي وصلت إلينا هي رحلة ناصر خَسْرو (ت بعد سنة 455هـ، 1063م). وقد عاصر الدولتين الغزنوية والسلجوقية. وقد بدأ رحلته من مرو في خراسان مرورًا بلبنان وفلسطين ومصر ومكة، فالبصرة فبلخ. وكان الباعث لرحلته دينياً. فقد كان ينوي بها الحج وزيارة الأماكن التي عاش فيها الرسول ³ وأصحابه؛ مثل البقعة التي بايع فيها المؤمنون الرسول ³ تحت الشجرة. واستغرقت رحلته سبع سنوات. وقد وصف كل المناطق التي زارها وسكانها وملابسهم ومشاربهم ومآكلهم.

كان الباعث لرحلات ابن جبير أيضًا دينياً، فقد قام بثلاث رحلات كانت الأولى عام 578هـ، 1182م واستغرقت ما يزيد على السنتين، بدأها من غرناطة وزار فيها سبتة في المغرب ومصر والحجاز والعراق وبلاد الشام وصقلية، وأُطْلق على هذه الرحلة اسم رحلة ابن جبير أو رحلة الكناني لأنه كان ينتسب إلى كنانة. وكان دقيقًا في تسجيله الحوادث والتأريخ لها حتى إنه كان يذكر الشهر واليوم والساعة في أغلب الأحيان. أما الرحلتان الأخريان فلم يسجل ابن جبير أخبارهما في كتاب.

لعل أشهر الرحلات الجغرافية التي تكاد تطغى على ما سواها من الرحلات الأخرى، سواءً في الشرق أم الغرب، رحلات ابن بطوطة (ت 779هـ، 1377م) وكان الدافع لرحلاته دينياً كذلك وهو أداء فريضة الحج. وقد بدأ هذه الرحلات الثلاث من مدينة طنجة (عام 725هـ، 1325م)، استمرت أولاها نحو 25 عامًا زار ووصف فيها الساحل الشمالي لإفريقيا ومصر والشام والحجاز والعراق وعُمان والبحرين وخراسان وأفغانستان والهند والصين وسومطرة وجزيرة سرنديب (سريلانكا الآن) وعاد إلى فاس عام 750هـ، 1349م. أما الرحلة الثانية فقد توجه فيها صوب الشمال نحو بلاد الأندلس وأقام بغرناطة ثم عاد إلى المغرب. وفي الرحلة الثالثة خرج عام 753هـ، 1353م إلى وسط إفريقيا فزار الممالك الإسلامية فيها كمملكة مالي وغانا وعاد عام 754هـ، 1354م. وقد قام بتدوين مشاهدات ابن بطوطة محمد بن جزي الكلبي بإملاء من ابن بطوطة، وسمّى السّفر الذي كتبه تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

الجغرافيا البشرية والاقتصادية. أولى الجغرافيون المسلمون عناية كبيرة للجوانب البشرية؛ فلا نجد فرعًا من فروع الجغرافيا البشرية الحديثة إلا وتطرقوا إليه. على سبيل المثال يتناول المسعودي في التنبيه والإشراف كثيرًا من الجوانب في الجغرافيا البشرية ويذكر أحوال العمران وهو العلم الذي أسسه ورتب قواعده ابن خلدون (ت 808هـ، 1406م).

الجغرافيا البشرية. تناولت المصنفات الجغرافية الجانب البشري واهتمت به. وأوضح الأمثلة على ذلك كتابات المسعودي الذي ينهج نهجًا جديدًا في تناوله للجغرافيا. فقد طاف معظم بلاد العالم المعروف آنذاك، ولم يكن طوافه ذلك للنزهة أو كسب العيش، بل لمشاهدة معالم البلاد ومعرفة أحوال أهلها من عادات وتقاليد وأخلاق ومعايش وزراعة وسياسة. كما وصف أثر البيئة الطبيعية وصوَّر أخلاق البشر. وتناولُ المسعودي للجغرافيا البشرية مشوب بمعلومات تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية. وفي مروج الذهب يكاد يخصص الشطر الأكبر من القسم الأول من هذه الموسوعة الجغرافية لوصف عادات الأمم ومعتقداتها ومذاهبها وتاريخها ومصادر أرزاقها من صناعة وزراعة وتجارة. ويذكر أيضًا أثر المناخ في ألوان البشر وفي النشاط الجسماني والذكاء.

وفي أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم أفاض المقدسي في ذكر المسافات، وطرق المواصلات، واللغات واللهجات، والمكاييل والأوزان، والمناخ، والزراعة، وطوائف الناس وغذائهم وشرابهم، وأخلاقهم وعاداتهم، ومذاهبهم ومعاملاتهم التجارية. أما ابن خلدون فكان من أهم من كتبوا في الجغرافيا البشرية خاصة ما يُطلق عليه الآن الجغرافيا الاجتماعية. فقد تناول في المقدمة كثيرًا من المعلومات عن عادات الشعوب ومساكنهم وبيئاتهم وطعامهم وتقاليدهم وأزيائهم وتأثير البيئة في ألوانهم وأخلاقهم وسلوكهم، وكذلك أثر الإقليم والتربة والمناخ. وتكلّم عن خصائص العمران وذكر منها الاستقرار، والتوسع في المأكل والملبس والمسكن والترف، واستجادة الصنعة للتباهي بها، وكذلك قيام نظام للدولة وانتشار العلم.

Page 5

أفاضت كتب الرحلات الجغرافية أيضًا في الجانب البشري. فابن بطوطة يهتم بطبائع الناس وعاداتهم في كل بلد يتوقف فيه. فعندما وصل الهند مثلاً تكلّم عن معظم عادات الهندوس وعن إحراق المرأة الهندوسية نفسها بعد وفاة زوجها ¸فترتدي أحسن ما لديها من الثياب وتمتطي صهوة جوادها وتضحك وتمرح حتى تصل إلى مكان الحفل، وهناك يدثرها أحد الكهنة بثوب خشن من القطن ثم يلقي عليه كمية كبيرة من الزيت، ثم يتقدم الكهنة نحوها فيشعلون النار في رأسها وكتفها ووسطها، وسرعان ما تلتهمها النيران المتوهجة التي كان يذكيها الحاضرون بمزيد من الوقود والحطب لتزداد اشتعالاً·. وفي الصين يتكلم عن ملبس القوم ومآكلهم ومشاربهم واستخدامهم للعملات الورقية في التداول بدلاً عن العملات الفضية أو الذهبية. ونجده يشيد بتمسك السودانيين (السودان الغربي) بدينهم وحرصهم على إقامة الشعائر الخمس. ويتضح من مجمل مشاهداته أنه اهتم بتسجيل المظاهر الاجتماعية ووصف العادات والتقاليد وطبائع الأقوام وأديانهم وغيرها فكتاباته في هذا الجانب أقرب إلى علم الجغرافيا الاجتماعية منها إلى التاريخ أو الجغرافيا الطبيعية.

جغرافيا المدن. تناولت مصنفات المسلمين أيضًا جغرافيا المدن. فقد اهتمت هذه المصنفات بذكر أسماء الأمصار والمدن والبلاد وضبط هذه الأسماء واشتقاقاتها إن كانت عربية. وأفضل المصنفات التي اهتمت بهذا الجانب هي المعاجم الجغرافية مثل معجم ما استعجم؛ معجم البلدان؛ تقويم البلدان. ووضع بعضهم مؤلفات اقتصرها على أسماء الأماكن المتشابهة في الاسم، مثل كتاب المشترك وَضْعًا والمفترق صقْعًا لياقوت الحموي. وتحدثوا عن أسس اختيار المواضع التي تقام عليها المدن من حيث توافر المياه وملاءمة الهواء وارتفاع المكان. ولابن خلدون آراء في سبب نشأة المدن، وأفضل البقاع لإقامة هذه المدن، كما يتحدث عن أسباب خرابها فيقول ¸سبب خراب المدن قلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن… وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظعن فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن، ولم تكن لها مادة تمد عمرانها من بعدهم. فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس·.

وتناول إخوان الصفا أيضًا جغرافية المدن، وسكانها وطبائعهم، وأعمالهم، وعاداتهم، ودوابهم. فيقولون في الرسالة الخامسة وهي رسالة في الجغرافيا ¸إن في كل إقليم من الأقاليم السبعة ألوفًا من المدن تزيد وتنقص. وفي كل مدينة أمم من الناس مختلفة ألسنتهم، وألوانهم، وطباعهم، وآدابهم، ومذاهبهم، وأعمالهم وصنائعهم. وعاداتهم ولا يشبه بعضهم بعضًا. وهكذا حكم حيوانها ومعادنها مختلفة الشكل والطعم واللون والرائحة. وسبب ذلك اختلاف أهوية البلاد وتربة البقاع وعذوبة المياه وملوحتها·.

تناول القزويني في كتابه المواعظ والاعتبار عددًا من المدن التي تستجلب منها بضائع معينة أو اشتهرت بصنعة خاصة أو انفردت بصفة غلبت عليها من ذلك: مَنْدل مدينة بأرض الهند يكثر بها العود حتى يقال للعود المندل، وسيرجان قصبة كرمان كثيرة العلم، وسمهر قرية بالحبشة بها صناعة الرِّماح السَّمهْرية.

ويقتصر كتاب الإفادة لعبداللطيف البغدادي (ت 629هـ، 1232م) على مدن مصر وسكانها ونباتها وحيوانها. ويصف ما بها من آثار، وينحي باللائمة على الذين شوَّهوها أو خربوها. ويتحدث عن الأبنية وأنواع الأطعمة والأشربة.

الجغرافيا الاقتصادية. زخرت المصنفات الجغرافية بالكثير من المعلومات الاقتصادية مثل طرق كسب العيش عند الأمم والزراعة، والتجارة، وأنواع المعاملات والمقايضات، والأوزان والمكاييل، وأنواع العملات المتداولة وطرق النقل والمواصلات.

تناول الجغرافيون العرب والمسلمون جوانب من الجغرافيا التجارية، وأنواع التجارة والبيع والشراء والطرق التي تسلكها قوافل التجارة براً أو بحراً. وأهم المدن التجارية في المشرق الإسلامي والمغرب وكذلك الأسواق كسوق عدن وسواكن على بحر القلزم (البحر الأحمر)، وصحار وعُمان ودبي في الخليج العربي، وحضرموت وعدن. وذكروا أن بعضًا من هذه الأسواق تخصصت في تجارة بعينها، كعدن وحضرموت اللتين اشتهرتا بالاتجار في الطّيب والنعال. وكان أقوام من الهند وبلاد فارس واليهود والنصارى يعملون إلى جانب العرب في التجارة من وإلى بلاد العرب. وذكر الجغرافيون العملات التي تعامل بها الناس في الدولة الإسلامية، فالنقود في الصين كانت عملات ورقية. واستخدم العرب في داخل الجزيرة العربية الدينار المضروب من الذهب والدرهم الفضي. واستخدم أهل بخارى الدرهم لكنهم لم يتعاملوا بالدينار. واستخدم أهل الجزيرة العربية من المكاييل الصاع والمد. واستخدم أهل الشام القفيز والويبة والمكوك والكيلجة؛ والكيلجة نحو صاع ونصف الصاع، والمكوك ثلاث كيالج، والويبة مكوكان، والقفيز أربع ويبات. كما استخدم المسلمون الدانق والقيراط والمثقال والأوقية والرطل والقنطار والقسط ويساوي مُدَّيْن، والفرق يساوي ستة أقساط. ومن مقاييس المسافات ذكر الجغرافيون على سبيل المثال: الفرسخ والميل والمرحلة والذراع والشِّبْر والإصبع والغلوة وهي رمية السهم.

تناول الجغرافيون المسلمون أهم الصناعات والحرف المختلفة في أرجاء الدولة الإسلامية. وذكروا من ذلك صناعة الثياب وصباغتها والمواد التي تصنع منها سواء كانت من الصوف أو الوبر أو القطن أو الكتان أو الحرير، وكل منطقة كانت تشتهر بحرفة أو صناعة فقد كانت دمياط وتنيس في مصر أكبر مركزين لصناعة النسيج، وكانت مدينة كازرون في بلاد فارس مشهورة بصناعة نسيج الكتان، ومرو ونيسابور اشتهرتا بصناعة ثياب القطن، وعبدان بصناعة الحُصُر. وذكر ابن الوزان في كتابه وصف إفريقيا، أن بمدينة فاس 120 موضعًا خاصاً بصناعة النسيج يعمل فيها نحو 20,000 عامل.

المعلومات الجغرافية أول من ربطها بالخريطة أبوزيد البلخي؛ فقد جعل المصورات أساسًا لإيضاح الجغرافيا، والصورة توضح ديار العرب كما رسمها البلخي.

الخرائط. بعدما اتسعت معرفة المسلمين بأقسام الأرض وصفاتها بسبب الفتوح خلال القرن الأول الهجري، اهتموا برسم الخرائط وقراءتها. واستخدم الجغرافيون العرب والمسلمون أسماء كثيرة لتدل على معنى الخريطة، من ذلك؛ الرسم؛ الصورة؛ لوح الترسيم؛ لوح الرسم؛ وكذلك الجغرافيا التي لم تكن تعني سوى الخريطة. أما لفظ خريطة فلم يرد عن العرب قبل العصر العباسي بالمعنى المراد به الآن. وقد يكون أصله مُعرَّبًا عن لفظ Carta أو مشتقاً من كلمة خَرَت في اللغة العربية، ومنها خرت الأرض؛ أي جال فيها، وعالِم خِرِّيت؛ أي جوال ماهر.

اعتمدت الخرائط العربية في المرحلة الأولى على الحسابات الفلكية متأثرة بالنظريات ا لرومانية والإغريقية؛ فقد صنع جغرافيو العرب صورة للأقاليم (خريطة) عرفت باسم الخريطة المأمونية. ظهرت عليها المناطق والبلدان موقعة بأسمائها العربية للقسم المعمور من الأرض وفق خطوط الطول ودوائر العرض. وكانت هذه الخريطة ملونة كما يتحدث عنها المسعودي في التنبيه والإشراف: ¸رأيت هذه الأقاليم مصوّرة في غير كتاب بأنواع الأصباغ. وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا مارينوس، وتفسير جغرافيا قطع الأرض. وهي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون، واجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره، صوّر فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبرّه وبحره، عامره وغامره، ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك؛ وهي أحسن مما تقدم من جغرافيا بطليموس وجغرافيا مارينوس وغيرهما·.

الخريطة عرفت عند المسلمين باسم لوح الترسيم، والصورة والرسم وكذلك الجغرافيا.

إلا أننا نجد نكوصًا عن هذه الطريقة في رسم الخرائط في المرحلة التي تلت هذه الخريطة. حيث بدأ نمط آخر من الخرائط ارتبط بالمصنفات الإقليمية التي رسمها الجغرافيون الإقليميون الذين استحدثوا منهجًا جديدًا في رسم خرائط الأرض، ومن بين هؤلاء أبو زيد البلخي والإصطخري وابن حوقل والمقدسي. فبينما استندت الخريطة المأمونية وخرائط الحقبة السابقة الأسلوب الفلكي الرياضي، مع الاستعانة بخطوط الطول والعرض في تحديد المواقع والأنهار والبحار، نجد أن الخرائط الإقليمية لم تعر الدقة العلمية انتباهًا واقتصر اهتمامها على تمثيل الحقائق العلمية الجغرافية بالمصورات.

أعطى المستشرق الألماني كونراد مولر اهتمامًا خاصاً بجمع الخرائط الإقليمية العربية التي بلغ عددها 275 خريطة ونشرها في مجلد خاص تحت عنوان الخرائط العربية، وأطلق عليها أطلس الإسلام ذلك لأنها تحوي 21 خارطة وتعرض المعلومات فيها وفق نظام واحد يستهل بخارطة العالم المستديرة، تليها خريطة جزيرة العرب، وبحر فارس والشام، ومصر، وبحر الروم، ثم 14 خريطة أخرى تصوّر الأجزاء الوسطى والشرقية من العالم الإسلامي. ويعد أبوزيد البلخي أول من ربط المعلومات الجغرافية بالخريطة وجعل المصورات أساسًا للإيضاح الجغرافي. وقد تبع البلخيّ في ذلك كل من الإصطخري وابن حوقل. ومن ناحية عامة تكاد تشترك جميع خرائط الجغرافيين الإقليميين في صفاتها العامة من حيث الشكل الهندسي التخطيطي الذي لا يركز على الشكل الحقيقي للبلاد؛ فغالبًا ما تصور البلاد على هيئة مربع أو مستطيل، وتكون الجبال والأنهار والبحار خطوطًا مستقيمة أو أقواسًا ودوائر. أما البحار الداخلية فتأتي على هيئة دوائر كاملة. وكانت كل خريطة مستقلة تمامًا عن الأخرى بحيث لا يمكن جمعها لتكوين خريطة واحدة مثل خرائط الإدريسي.

 

خريطة العالم للإدريسي كما كونها مولر من الخرائط الجزئية التي عملها الإدريسي (548هـ، 1153م).

يعد عمل الإدريسي بداية المرحلة الثالثة التي وصلت ما انقطع من المرحلة الأولى. فقد اختلف ما أعده من خرائط عن الخرائط التي أعدها الجغرافيون الإقليميون؛ إذ إن منهجه الإقليمي يختلف عمن تقدمه من الإقليميين. والتزم الإدريسي في خرائطه على مقياس الرسم، وتحديد مواضع خطوط الطول، ودوائر العرض، والتزم بالشكل الواقعي للمنطقة الجغرافية التي يعنيها. وقد ضمّن كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق أو ما يطلق عليه أيضًا كتاب رجار (نسبة إلى روجر الثاني أو رُجار ملك صقلية)70 خريطة بالإضافة إلى خريطة العالم الدائرية المألوفة. وقسم كل إقليم إلى عشرة أقسام رأسية أفرد لكل منها خريطة. وقد جمعها مولر كلها، وكوّن منها خريطة واحدة بلغت مساحتها مترين مربعين.

عني الجغرافيون العرب والمسلمون بأنواع مختلفة أخرى من الخرائط؛ كخرائط المدن والمساجد والسواحل، وخرائط توضيح اتجاه القبلة. ومن ذلك خريطة العراق للمقدسي والإصطخري. وخريطة مدينة قزوين للقزويني. وخريطتا تحديد القبلة للصفاقسي وابن الوردي. كما اهتم الجغرافيون العرب بالخرائط البحرية. من أهم هذه الخرائط، تلك التي رسمتها أسرة الشرفي الصفاقسي التونسية بدءًا من عام 958هـ، 1551م رسموا فيها سواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية وسواحله الشمالية في إيطاليا وأسبانيا وجنوب فرنسا وسردينيا وكورسيكا، وسواحل البحر الأسود وبحر آزوف وسواحل الشام وبرقة ومصر.

رواد الجغرافيا وأهم مؤلفاتهم. جاب الجغرافيون المسلمون معظم أنحاء العالم المعروف آنذاك، وعادوا ليسجلوا حصيلة وافرة من المعلومات الجغرافية المهمة المبنيّة على المشاهدة، وكتبوا عن حياة الشعوب الأخرى وعاداتهم وطبائعهم وأصبح لهذا العلم أهميته بعد أن أسهم فيه هؤلاء الجغرافيون إسهامًا بيّنًا. وقد تناولت تصنيفاتهم شتى فروع المعرفة الجغرافية المعروفة حاليًا، وكتب في ذلك أعلام الجغرافيين من أمثال اليعقوبي والمقدسي والمسعودي والبيروني والإصطخري وابن حوقل والإدريسي وياقوت الحموي. انظر جدول أشهر الجغرافيين العرب وأهم مؤلفاتهم في هذه المقالة. ويتناول الحديث فيما يلي إسهام ثلاثة من الجغرافيين عاشوا في حقب مختلفة ومثلوا مدارس جغرافية متباينة، وهم المقدسي والإدريسي وياقوت الحموي، ويمثل الأول مدرسة الجغرافية الإقليمية، والثاني المدرسة المطورة للخرائط بينما يمثل الثالث كتّاب الجغرافيا المعجمية.

إسهام المقدسي. كان شمس الدين أبو عبدالله المقدسي البشاري (ت 390هـ، 1000م) من كبار الجغرافيين ومشاهيرهم. ويعد المقدسي من طليعة العلماء الذين كتبوا في الجغرافيا الإقليمية، ويتضح ذلك بجلاء في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. واقتصر فيه على مملكة الإسلام، ولم يدون شيئًا عما سواها لأنه كما يقول لم يزرها، ولم ير فائدة في ذكرها وإن كان قد ذكر الأماكن التي يقطنها المسلمون منها. وقام في هذا المصنف بالتركيز على الجغرافيا الوصفية؛ كالكلام عن الأقاليم السبعة وسطح الأرض والأقسام السياسية وذكر المسافات وطرق المواصلات. وقلّما تعرض للجغرافيا الطبيعية كالجبال والأنهار، ولكنه أسهب في الجغرافيا البشرية كالبحث في المناخ والزرع والشعوب واللغات وأنواع التجارة، والأخلاق والطباع والعادات، والضرائب. ورسم في كتابه البلدان خريطة مجسّمة وضّح فيها الأقاليم التي زارها وحدودها، وجعل فيها الطرق المعروفة التي تصل بين المدن باللون الأحمر والصحاري باللون الأصفر، والبحار باللون الأخضر، والأنهار باللون الأزرق والجبال باللون الأغبر.

تأثر المقدسي في تقسيماته الإقليمية بعمل مَنْ سبقه من الجغرافيين الإقليميين كالإصطخري وابن حوقل على الرغم من أنه حاول إدماج بعض الأقاليم في بعض، وميَّز بعض الأقاليم التي لم يميزها سابقوه. وقسّم الأقاليم الإسلامية إلى قسمين: أحدهما يتناول أقاليم العرب، والثاني أقاليم العجم؛ وهو أمر لم يسبق إليه. وضمّن القسمين 15 إقليمًا كان نصيب أقاليم العرب منها سبعة هي: جزيرة العرب؛ العراق؛ آقور (أرض الجزيرة)؛ الشام؛ مصر؛ المغرب؛ بادية العرب. أما أقاليم العجم فثمانية هي: المشرق (خراسان، وسجستان، وما وراء النهر)؛ الدّيلم؛ الرحاب؛ الجبال؛ خوزستان؛ فارس؛ كرمان؛ السند. ولم يكن أساس التقسيم لديه ثابتًا فهو مرة إداري ومرّة سياسي ومرّة لغوي، إلا أنه يدافع عن عدم الاطّراد في هذه التقسيمات بقوله ¸… أما خراسان فإن أبا زيد جعلها إقليمين، وهو إمام في هذا العلم بخاصة في إقليمه؛ فلا عيب علينا أن جعلناها جانبين. فإن قال لم خالفته بعد ما نصَّبته إمامًا فصيرت خراسان إقليمًا واحدًا قيل له: لنا في هذا جوابان؛ أحدهما أننا لم نحب أن نفرق مملكة آل سامان، والجواب الثاني أن أبا عبدالله الجيهاني أيضًا إمام في هذا العلم وهو لم يفرق خراسان·.

لم يقف تقسيم المقدسي عند حد الأقاليم، بل قسّم كل إقليم إلى كُوَر (قرى متجمعة)، ولكل كور قصبة، ولكل قصبة مدن. ثم تناول جوانب عديدة تغطي معظم ما تغطيه فروع الجغرافيا حاليًا؛ فقد تناول المناخ من حيث الأمطار والرياح والحرارة، والمنافذ والبحار والبحيرات والأنهار، والجوانب الاقتصادية من زراعة وتجارة وصناعة ومهن، والأوزان والمكاييل والأطعمة والأشربة والعادات والتقاليد والمكوس والطرق والمسافات.

خرائط الإدريسي التزم فيها مقياس الرسم وتحديد الخطوط ودوائر العرض.

إسهام الإدريسي. يعد الشريف الإدريسي أشهر جغرافيِّي القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي. ولما انتقل إلى صقلية من قرطبة دعاه الملك رجار (روجر الثاني) ملك صقلية ليؤلف له كتابًا في الجغرافيا ¸ليعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا· وسمى الكتاب باسم نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ويسمى أيضًا كتاب رجار أو الكتاب الرجاري. وقيمة هذا الكتاب تنبع من الخرائط التي بلغ عددها السبعين وغطت العالم أجمعه بدقة. ورسمها على أساس أن الأرض كروية في وقت ساد خلاله الاعتقاد الجازم بأنها مسطحة. وكان وصفه لأوروبا فيها أدق وأشمل حيث كان هذا الهدف الثاني من أهداف رُوجر. كما أعدّ الإدريسي لروجر كرة من الفضة الخالصة تمثل الجزء المعمور من العالم آنذاك ووضعها في قصر باليرمو عاصمة صقلية آنذاك، وانحصر هذا الجزء المعمور بين خطي عرض 63° شمالاً و16° جنوبًا، حيث منابع النيل والبحيرات الاستوائية التي يُظن أن الأوروبيين اكتشفوها خلال القرن التاسع عشر. يقول الإدريسي عن هذه الخريطة إن روجر أحضر له كرة من الفضة ¸عظيمة الجرم ضخمة الجسم في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل منها مائة درهم واثنا عشر درهمًا، فلما كملت أمر أن تنقش عليها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها وريفها، وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها، ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها، وما بين كل بلدين فيها وبين غيرها من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة، والمسافات المشهورة، والمراسي المعروفة، على نص ما يخرج إليهم مثلاً في لوح الترسيم، ولا يغادروا منه شيئًا ويأتوا به على هيئته وشكله·.

خرائط الإدريسي رسمها على أساس أن الأرض كروية في وقت ساد فيه الاعتقاد الجازم أنها مسطحة، وأعد لروجر الثاني ملك صقلية كرة من الفضة الخالصة تمثل الجزء المعمور من الأرض.

ظل الإدريسي في بلاط روجر إلى أن توفي روجر عام 549هـ، 1154م، واستمر يعمل في بلاد النورمنديين؛ فصنّف كتاب روض الأُنس ونزهة النفس الذي اشتهر فيما بعد باسم كتاب المسالك والممالك وقد ألّفه بطلب من الملك غليوم الأول الذي خلف روجر، وفي عهده حطّم الثوار كرة الفضة ونهبوها عام 555هـ، 1160م. وبالإضافة إلي الكتابين المذكورين كانت له مؤلفات أخرى في الجغرافيا منها مصوّر لأشكال الكرة الأرضية، وخرائط تعد أولى الخرائط الصحيحة في العالم. ومن آرائه أن الأرض كروية لكنها ليست دائرية تمامًا فهي كالبيضة يقسمها خط الاستواء إلى قسمين متساويين؛ شمالي وجنوبي. ولعله أول من قاس بنجاح خطوط العرض. والتزمت خرائطه بمقياس الرسم وتحديد خطوط الطول والعرض تحديدًا دقيقًا مستخدمًا الألوان.

إسهام الحموي. صنّف أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي (ت 626هـ، 1229م) أوسع المعاجم الجغرافية وهو كتاب معجم البلدان. ويغطي كل الرقعة الإسلامية آنذاك. يبدأ المعجم بمقدمة يوضح فيها موضوع معجمه فيقول ¸فهذا كتاب في أسماء البلدان، والجبال، والأودية، والقيعان، والقرى، والمحال، والأوطان، والبحار، والأنهار، والغدران…·.

وياقوت ناقل أمين فقد أفاد من مؤلفات من سبقه في كثير من الأحيان، وأرجع الفضل لذويه، ومن هؤلاء ابن خرداذبه، والأصمعي والبلخي، والسيرافي والإصطخري، وابن حوقل، والبكري. ويبدأ كتابه بمقدمة تحتوي على خمسة أبواب مليئة بمعارف عامة تتصل بشتى العلوم الجغرافية، ثم تحدث عن صورة الأرض وأنها كرة في وسط الفلك. ثم تناول المصطلحات الجغرافية، والأقاليم وقياس المسافات، والألفاظ اللغوية والفقهية المتعلقة بالزكاة من حيث حكم الأرض التي يفتحها المسلمون، وحكم قسم الفيء والخراج فيما فتح منها بالصلح أو القتال. ثم يختم المقدمة بمعارف تاريخية عامة تتعلق بديار الإسلام وغيرها.

يلي ذلك متن المعجم، ويذكر فيه أسماء الأماكن مرتبة ترتيبًا ألفبائياً، ويحدد أطوال هذه الأماكن وعروضها ونشأتها ودورها التاريخي. ويحرص على رد كل اسم في هذا المعجم إلى أصل عربي، إلا فيما ندر، ويستشهد على هذا الاشتقاق بأشعار العرب. وتحظى الأماكن الكبيرة أو المشهورة لديه بعناية خاصة؛ إذ يصف كلا منها وصفًا مفصلاً دقيقًا يذكر فيه أهم المعالم كالمساجد والقلاع، وإذا اشتهر المكان بحادثة تاريخية، توقف عندها وسردها ووصفها. ويورد أسماء أهم العلماء والأدباء الذين نشأوا في ذلك المكان أو عملوا فيه، ويصف أحيانًا الأحوال الاجتماعية للقاطنين بهذا المكان ويورد أثناء ذلك عددًا من القصص أو الأحداث الطريفة.

Page 6

أسئلة

•الجغرافيا

1.- هل كانت كلمة جغرافيا معروفة للعرب عند بدء تأليفهم في هذا العلم؟

2.- لماذا اهتم العرب بالجغرافيا الفلكية؟

3.- من الخليفة العباسي الذي طلب من الجغرافيين العرب أن يجدوا له محيط الكرة الأرضية؟

4.- هل عرف العرب خطوط الطول والعرض؟

5.- اذكر بعض الجغرافيين العرب.

6.- اذكر بعض مصنفاتهم التي خلفوها.

7.- ما عنوان كتاب ياقوت الحموي في الجغرافيا؟

8.- اذكر بعض أسماء الرحالة العرب المشهورين.

9.- هل عرف العرب الخرائط، وماذا كان اسمها في الأول؟ ومتى استعملت كلمة خرائط في اللغة العربية؟

 

رؤية تحليلية

كتب التفسير فقد احتلت أهمية واضحة في معظم الدراسة ومن اهمها: كتاب (تفسير القرآن) لعبد الرزاق بن همام الصنعائي (211 هـ/826 م)، وكتاب (جامع البيان في تفسير آي القرآن) لمحمد بن جرير الطبري (310هـ/922 م)، وكتاب (تفسير الجلالين) لعبد الرحمن بن الكمال السيوطي (911 هـ/1505 م). وكان لهذه الكتب أثراً كبيراً في بحثنا حيث قامت بشرح وايضاح الآيات القرآنية الكريمة التي أوردناها بخصوص الرحلة وشرح ما ورد من القصص القرآنية.

و كتب الصحاح والحديث النبوي الشريف باهتمام واضح في المعالم في معظم فصول البحث ومن أهم هذه الكتب كتاب ( سنن الترمذي) لابي عيسى محمد بن عيسى (ت 209 هـ/909 م)، وكتاب (سنن ابي داود) لسليمان بن الاشعث السجستاني (ت 275 هـ/888 م)، وكتاب (سنن ابن ماجة) لابي عبد الله يزيد القزويني (ت 275 هـ / 888 م)، وكتاب (صحيح ابن حبان) لابي حاتم محمد بن حبان البستي (ت 354هـ/965م .

ويعد كتاب (لسان العرب) لابن منظر ابو الفضل جمال الدين (ت711هـ/1311م) من أهم المعاجم اللغوية التي استعنا بها في بيان معاني البعثة وغيرها من المصطلحات الواردة في البحث وفي الفصل الأول، وكتاب (تهذيب اللغة) لابي منصور محمد بن احمد الازهري (ت370 هـ/980 م)، وكتاب (تاج اللغة) لاسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393 هـ/1002 م)، وكتاب (المحكم والمحيط الاعظم في اللغة) لعلي بن اسماعيل ابن سيده (ت 458 هـ/1065 م)، وكتاب (القاموس المحيط) لمحمد محي الدين الفيروز آبادي (ت817هـ/1414م)، وكتاب (تاج العروس في جواهر القاموس) لمحب الدين أبي الفضل الزبيدي (ت1205 هـ / 1790 م)، فقد كانت لهذه المعاجم أثراً كبيراً في معظم فصول البحث وذلك من خلال بيان معان الكلمات المبهمة لغةً.

اما الكتب الادبية فقد كان لها الحضور في اغناء بعض جوانب البحث منها كتاب (البيان والتبيين) لابي عمر بـن بحر الجاحظ (ت 255هـ / 867 م) وكتاب (اساس البلاغة) لجار الله محمد بن عمر (ت 538هـ/1143 م) فقد افادتنا في الفصل الاول في بيان مفهوم البعثة من خلال توضيح بعض المفاهيم واقتباس بعض الحوادث التاريخية منها .

شكلت كتب الجغرافية العماد الاول لبحثنا فقد استقينا مادة البحث الاساسية من هذه الكتب ومنها كتاب (الاعلاق النفسية) لابي علي احمد بن عمر المعروف بابن رسته (ت290هـ / 903م ، وكتاب (رسالة ابن فضلان)، لابن فضلان أحمد بن العباس بن راشد بن حماد، (عـاش في أواسط القرن الرابع الهجري) وكتابه هذا عبارة عن مذكرة دون فيها كل ما شاهد في طريقه الى بلاد البلغار، ويعد هذا الكتاب صورة ناطقة لحياة شعوب شرق أوروبا من بلغار وروس وصقالبة وكتاب (مختصر كتاب البلدان) لأبو بكر أحمد بن محمد بن اسحق بن الفقيه الهمذاني (ت340هـ/951م) ، ومن الكتب المهمة هي الرسالة الأولى التي خلفها لنا أبو دلف مسعر بن المهلهل (عاش في منتصف القرن الرابع الهجري) وهو عبارة عن مذكرة تتحدث عن رحلته الى كل من الصين والهند فيصف لنا كل ما شاهده من عادات وتقاليد الترك .

هنالك مجموعة كبيرة من كتب الجغرافية كان لها أثر كبير في اخراج بحثنا على صورته هذه لما قدمته من معلومات مهمة وجديدة حـول البعثات وأنواعها، منها كتاب (المسالك والممالك) لأبي اسحق ابراهيم بن محمد الفارسي الكرخي الاصطخري (ت341هـ/952م)، وكتاب (المسالك والممالك) لابي القاسم عبيد الله بن عبدالله بن خرداذبه (ت300هـ/913م) ، وكتاب (صورة الارض) لابي القاسم بن حوقل النصيبي (ت367هـ/977م)، وكتاب (الاشارات الى معرفة الزيارات) لابي الحسـن علـي ابـي بكر الهروي (ت611هـ/1214م)، وكتاب (معجم البلدان) لابـي عبـد الله شهـاب الدين بن عبد الله ياقوت الحموي (ت626هـ/1228م) ، وكتاب (تقويم البلدان) لعماد الدين اسماعيل ابي الفدا (732هـ/1331م)، وكتاب (احسن التقاسيم في معرفة الاقاليم) لمحمد بن احمد البشاري (ت390هـ/999م).

اما الكتب التاريخية فقد كان لها مكانا مميزا في جوانب متعددة وفي مقدمة هذه الكتب (تاريـخ الرسل والملوك) لابي جعفر محمد بن جرير بن خالد الطبري (ت 310 هـ /922م) وكتاب (تاريخ مختصر الدول) لغريغور الملطي المعروف بابن العبري ( ت 685 هـ/1286 م ) وكتاب (البداية والنهاية) لعماد الدين ابي الفدا المعروف بابن كثير (ت 774 هـ/1372م).

الكتب الاقتصادية لا غنى عنها في عملنا هذا اذ افادتنا فائدة كبيرة في ترجمة الشخصيات الموجودة في الرسالة منها كتاب (الاصابة في تمييز الصحابة) لابي أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ / 1448 م )، وكتاب (طبقات الاطباء والحكمـاء) لابـي داود سليمـان بن حسـان الاندلسي المعروف بابن جلجل (ت 377هـ/987م)، وكتاب (الاستيعاب في معرفة الاصحاب) لابي عمرو يوسف بن عبد الله الضمري ابن عبد البر (ت463هـ/1070م)، وكتاب (طبقات الامم) لابي القاسم صاعد بن احمد الاندلسي (ت462 هـ / 1069 م )، وكتاب (طبقات الشافعية الكبرى) لابي نصر عبد الوهاب الكافي تاج الدين (ت 771 هـ/1369 م) .

أما المراجع الاسلامية المتاخرة فهي كثيرة ، ومن أهم تلك المراجع هي : كتب أدب الرحلات ككتاب (تاريخ الادب الجغرافي) لكرانتشكوفسكي، وكتاب (الجغرافية والجغرافيون في الاندلس) لحسين مؤنس وكتاب (الجغرافية والرحلات عند العرب) لزيادة نقولا .

Page 7

على سبيل التمهيد

الرحلة الوجه الذي تأخذه فيه وتريده، والرحيل: اسم ارتحال القوم للمسي اذاً مفهوم الرحلة ما هو الا جزء من حركة الحياة على الارض، وقد لا تتجاوز مسافة قصيرة، وقد تمتد وتطول حتى تعطي أطول المسافات بين المكان والمكان الآخر1.

مع ظهور نوع جديد من الرحلات فرضته طبيعة الظروف الجديدة التي رافقت قيام الخلافة العباسية والمتمثلة بانفتاح الفكر العربي الاسلامي على مختلف التيارات الحضارية، وهي ما تسمى بالرحلات التكليفية التي تبنتها ادارة الدولة وشجعتها لتحقيق مقاصدها في الاطلاع على شؤون بلاد العالم النائية2.

فهذه الرحلات هي أشبه بوفود تبعثها السلطات والحكومات الى الاقطار والممالك وتحملها مسؤوليات ومهمات تقوم بها، اما سياسية او ثقافية او دينية او اقتصادية او استطلاعية 3 خالصة 4. تعددت اغراض الرحلات وتنوعت اهدافها واغراضها الاساسية منها السفارات والبعثات الادارية (السكك والبريد والخراج) واخيرا البعثات العلمية البحتة سخرت لاغراض علمية مختلفة الجوانب5 . ويمكن عدها نوعا مميزا من طرق الكشف عن نواحي المعرفة، كرست، لها الاموال الطائلة واستعملت لاجلها الوسائل الدبلوماسية وخدمتها سياسة الدولة الخارجية6 وحددت أهدافها الرسمية7 بالاضافه الى اختيار المبعوث او الرسول الذي ترسله الى ناحية من النواحي للكشف عن مسألة علمية 8 وتقوم بمتابعة قضية علمية معينة تنوعت دوافع ومهام هؤلاء المبعوثين منها بث روح الاستزادة من المعرفة والاطلاع عن البلاد التي زاروها9. كان هؤلاء الرحالة او المبعوثون يتمتعون بحاسة قوية في الملاحظة وكم تكبدوا من مشاق في سبيل تحقيق مهامهم والحصول على معلومات دقيقة ومتنوعة10. ومن الجميل الاستعانة بنص رحالتنا المقدسي، فهو يصف لنا الروح العلمية التي يجب ان يتمتع بها الرحالة او المبعوث وان لم يكن موفداً رسمياً (…وتحريت جهدي الصواب واستعنت بفهم أولي الألباب … وما استعنت به على تبيانه، سؤال ذوي العقول من الناس، ومن لم اعرفهم بالغفلة والالتباس عن الكور والاعمال في الاطراف التي بعدت عنها، ولم يتقدر لي الوصول اليها …)11.

وبهذا هيأت الرحلة للرحالة والمبعوث ان يجد نفسه وجها لوجه مع الواقع الجغرافي للمكان، وان يعايشه ويشعر بحياة الناس وخصائصهم فيه 12، هنا اصبح الفرق واضحا بين الرحلات بانواعها المختلفة التي سنستعرضها في الآتي بإيجاز سريع:

مع ان حركة الجهاد العربية الاسلامية شكلت أحد أهم مبادئ الاسلام لكنها من ناحية اخرى يمكن عدها من اوائل الرحلات العربية الاسلامية حينما نزح المسلمون من جزيرتهم واندفعوا في عمق قارة آسيا 13 ففتحت امامهم أرمينيا والقوقاز وتوغلوا في بلاد الروم. ثم فتحوا تركستان، وارض الهند مواصلين زحفهم الى ما وراء نهري جيحون وسيحون14 ووادي مهران بالسند15 وصولا الى حدود الصين16.

من هنا، يمكن عد الفتوحات رحلة جهاد وعمل عسكري في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وارادته، وفي الوقت نفسه هي رحلة تعايش مع أجناس مختلفة من الشعوب والقبائل17، مستندين بذلك الى قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)18.

اتساع الدولة العربية الاسلامية وعدها اكبر قوة في ذلك الوقت حال دون اكتفائها بمعرفة اراضيها وحدودها بل كان ضروريا ان تحصل على معلومات عن الاقطار الاخرى لاسيما المجاورة لها19.

من هنا بدأ العرب بالاتساع شرقا وغربا سلما عن طريق التجارة والهجرة والاستقرار الى قارة أفريقيا20 فكانوا من أوائل من عرف الاجزاء الشرقية منها كزنجبار 21 ومدغشقر 22.

ان نشر الامن والاستقراروالطمأنينة في ديار المسلمين وفرض النظام في ربوع الاراضي الاسلاميه واشاعة هيبة واحترام الخلافه فيها، يعد اهم دعم تتطلبه الرحلة، لكي تؤمن سيرتها الهادفة في أي اتجاه23 مما ادى الى توسع المعارف الجغرافية24. ومن الطريف الاشارة هنا الى ان الخلفاء العباسيين كانوا يعتمدون عددا من الرجال والنساء يعملون في البلاد المجاورة للدولة العربية الاسلامية يوافونهم بأخبارها وعجائب الامور فيها25 فقد كان عبد الله الشهير بسيد غازي26 يوافي الخليفة العباسي هارون الرشيد (170-193هـ/786-808م) وعلى مدى عشرين عاما بأخبار بلاد الروم وعجائبها27 اما مسلم بن ابي مسلم الجرمي28 فحينما افتدي من الأسر البيزنطي زمن الخليفة العباسي الواثق (227-232هـ/841-846)29 قدم للخليفة معلومات مهمة ودقيقة عن عجائب بلاد الروم والتقسيمات الادارية فيها30، ويمكن ان نعد الجرمي هو احد الجغرافيين القلائل الذين وصلوا الى المناطق القريبة من روسيا والامبراطورية الرومانية 31 وما جاورهم من الافار32 البلغار33 والخزر34 والصقالبة 35 فكتب عنهم واحوال بلادهم الجغرافية والاقتصادية 36.

Page 8

المالية

أ- الخراج: وردت لفظة الخراج في القرآن الكريم بقوله تعالى: (أَمْ تَسْئلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ) 37 ويعني الرزق او الاجر38.

والخراج هي ضريبة توضع على رقاب الارض39، اخذ هذا المفهوم يصبح اكثر شمولا بعد اتساع مساحة الدولة العربية الاسلامية على اثر حركة الجهاد والفتوح لاسيما منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب (y) (13-23هـ/634-643م)، لانضمام اراض عديدة شرقا وغربا للدولة الاسلامية الجديدة40. اثر ذلك اتخذت ادارة الدولة قرارا سديدا بالغ الأهمية الاهمية مفاده جعل هذه الاراضي –أي المفتوحة عنوة – فيئا41 للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم بحيث تصبح ملكيتها عامة للامة42 وعمليا تبقى بيد اصحابها يزرعونها ويدفعون عنها ضريبة الخراج ، ولينتفع عموم المسلمين بواردها على مرور الوقت433) فضلا عن اختلاف تقدير الخراج حسب نوع الارض والسقاية ونوع غلتها44 كان له الاثر الفاعل في ارسال الخلفاء الراشدين العمال لمسح اراض الشام والسواد ومصر لمعرفة خراجاتها . ومن هذه البعوث ارسال الخليفة عمر بن الخطاب عثمان بن حنيف وحذيفه بن اليمان لمساحة ارض السواد45 فضلاً عن استفادة العرب الكبيرة من مسوحات من سبقهم من الفرس والروم في تقدير خراج السواد والشام46، الا ان الظروف الجديدة استلزمت جمع معلومات دقيقة ومحققة عن تقسيم الولايات والاماكن المأهولة والمحاصيل الزراعية، وتقدير الخراج والضرائب سواء كانت عينية ام نقدية47.

ب- البريد والسكك:

البريد: الرسل على دواب البريد والجمع برد. وبرد بريدا: ارسله. والبريد الرسول وابراده ارساله48 ثم استعمل في المسافة49 التي يقطعها الرسول وهي اثنا عشر ميلا 50 ويقال لدابته 51 بريد ايضا لسيره في البرد52 ثم اطلق على حامل الرسائل وعلى اكياس البريد ، ثم استعمل في الاسلام واقيم له عامل مخصوص يسمى عامل البريد ينقل اخبار الولاة والبلاد لدار الخلافة وبالعكس53.

رغم كون تنظيم البريد كان معروفا منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض) وأول من رتبه معاوية بن ابي سفيان (41-60هـ/ 661-679م) على طرق ومناهج مخصوصة54 الا ان المركزية في النظام الاداري الذي طبقته الخلافة العباسية منذ عهد الخليفة العباسي الثاني ابي جعفر المنصور (136-158هـ/ 753-774م) تطلبت العناية بالطرق وتأمينها وشق طرق جديدة بعد استيفاء معلومات دقيقة عن تلك الطرق مع تعداد المراحل وسكك البريد 55 لتحديد المسافات وظروف السفر56.

من هنا اصبحت مهمة صاحب البريد تتطلب ايجاد محطات ثابتة على الطرق لتنفيذ مهامه في ايصال الاخبار الى الخليفة من عماله في الاقاليم وبالعكس ، كذلك اخبار الوالي مع الرعية والحالة المعاشية فيها وامور الخراج والاسعار ، ويتوجب على صاحب البريد جمع الرسائل وتنظيمها وارسالها الى الخليفة واحيانا الى الوزير57 وعليه معرفة الطرق ومواضع السكك والمسالك الى جميع النواحي بشكل دقيق في أي وقت قد يطلب منه الخليفة ذلك .

كما قد تتطلب الضرورة ان يمثله الخليفة في مهمة مع الجيش وغير ذلك مما يدعو بالمعرفة بالطرق58. ان مهمة جلب البريد كانت تتطلب الخيل الجيدة في اماكن ومنازل البريد فاذا اوصل صاحب البريد المسرع الى مكان منها وقد تعب فرسه ركب غيره فرسا مستريحا وهكذا حتى يصل البريد الى المكان المقصود بسرعة.فمعرفة الطرق وتأمينها في ارجاء الدولة الاسلامية كافة كانا عاملين مهمين لسلامة امن الدولة ووحدتها59.

ان استحداث جهاز البريد وتطويره وتوسيعه ومد شبكة الطرق والمواصلات اديا الى تولد دافع لظهور كتب عدة تعالج هذه الناحية ونالت اهتمام المؤلفين لتأليف كتب عدة لمعالجة هذا الموضوع في (المسالك والممالك )، ومنها مؤلفات جغرافية شهيرة وبعضها يحمل هذا العنوان ابن خرداذبه (ت30هـ/912م)، و الاصطخري (ت 346هـ/ 957م)، و ابن حوقل (ت367هـ/977م)60 وغيرها .

Page 9

1. البعثات والسفارت الرسمية

نتيجة لاتساع رقعة الدولة العربية الاسلامية حتى المحيط الأطلسي غربا والصين شرقا حتم على الخلفاء والحكام المسلمين إرسال السفارات الى البلدان المجاورة لهم او البعيدة لاقامة علاقات معها وتحسين وتمتين روابطها مع شعوب تلك المناطق61 وكان الموفد بمثابة الناطق باسم الخلافة او الملك او السلطان وله صلاحية إجراء المفاوضات وعقد المعاهدات وابرام الهدنة والصلح62.

لقد اهتمت ادارة الدولة العربية الاسلامية بارسال السفارات الى بعض الدول منذ الحقب الاولى لقيامها، لادراكها اهمية السفارات في توضيح مواقفها ،وسياساتها الخارجية، ولتمتين علاقاتها بالدول الاخرى، منها السفارات التي اوفدت من اليمن63 الى الحيرة64 وغيرها من السفارات التي عثر في اليمن على نقوش تاريخية لها65.

استخدم عرب الجزيرة السفراء لحقن الدماء كما حدث في حرب البسوس66 وداحس والغبراء 67 وغيرها من السفارات .

وتنشط السفارات بشكل اكبر وتصبح اكثر فعالية في عهد الرسول للدعوة الاسلامية وتوحيد شعوب العالم تحت لواء الاسلام، فقد اوفد الرسول الاكرم (ص)، السفراء الى ملوك العالممن العرب والعجم، ومن هذه السفارات السفارة التي ارسلها (ص) الى هرقل امبراطور الروم سنة 6هـ/627م لدعوته للاسلام واوكل امر هذه السفارة الى الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي 68 يحمل رسالته (ص) داعيا اياه للاسلام وقد اتسمت هذه السفارة بروح سياسية هادئة وحلم كبير كما يقول اليعقوبي69. بعدها توالت السفارات الى بلدان عدة، اما الغرض فهو نشر الدين الاسلامي وتحسين العلاقات واواصر الصداقة مع الدول المجاورة. لم تقتصر هذه المبادرات على الدولة العربية الاسلامية بل سعت الدول الاخرى للاتصال بها لعدها اقوى دولة في ذلك الوقت فقد اهتمت الصين باقامة علاقة جيدة مع الدولة العربية الاسلامية ومن المحتمل ان يكون الامبراطور قد اوصى سفيره لتبيين مدى اتساع وقوة الدولة وكان ذلك في سنة 31هـ/651م وقيل ان الخليفة عثمان (23-35هـ/643-655م) ارسل احد القواد ليرافق السفير الصيني عند رجوعه الى بلاده، وتعد هذه وفادة اول سفير من المسلمين الى الصين 70.

وتستمر السفارات باتجاه الشرق والغرب وشمالا وجنوبا منها السفارة التي ارسلها الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان (65-86هـ/684-705م) الى ملك الروم جستنيان الثاني في سنة 66هـ/685م وعلى اثرها عقد هدنة بين الدولتين71. ان هذه السفارات وغيرها ساهمت في اغناء المعرفة الجغرافية من خلال ما قدمته من معلومات دقيقة ومتنوعة عن البلدان التي ارسلت اليها، فقد اهتم افرادها بتدوين ما يثير انتباههم حول القضايا الجغرافية او الاجتماعية او الدينية او ما شابه72.

Page 10

2- الاقتصاد

تنوعت اهمية الرحلات التجارية رحلة الايلاف قال تعالى (لإيلفِ قُرَيْشٍ إِلفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)73 فقد كانت لقبيلة قريش رحلتان، رحلة الصيف الى الشام، ورحلة الشتاء الى اليمن74.

ولاهمية هذه الرحلة فقد عملت قريش علىارسال ساداتها لاخذ العهد ممن تمر تجارتها عليهم. من اشراف القبائل من العرب وملوك اليمن والحبشة وملوك الروم في الشام 75.

وعندما ظهر الاسلام، وقامت الدولة العربية الاسلامية نشطت الحركة التجارية العربية الاسلامية فلم تعد تشتمل الديار الاسلامية فقط بل صارت ذات تجارة عالمية طالت اراضي نائية وبعيدة عن اراضيها765) ذلك ان تشريعات الاسلام نظمت بشكل ممتاز ودقيق العمل التجاري وشاركت في تنشيطه الى حد كبير77. وما ان حل القرن الرابع الهجري حتى بسطت التجارة الاسلامية نفوذها على حركة التجارة العالمية ووصلت الى مناطق شاسعة، ففي اسيا تعامل التجار العرب المسلمون مع بلاد الروس والبلغار ونشطت أكثر تجارتهم مع الصين والهند ومختلف جزر جنوب شرق اسيا اما مع القارة الافريقية فوصلوا الى مناطق نائية في منطقة السودان الغربي78 او في ساحل شرق افريقيا 79 .

نتج عن حركة التجار هذه انشاء وتطوير العديد من المستوطنات والمستقرات العربية الاسلامية ونشروا الأسلام في اغلب مراكزهم التجارية80.

مما مكنهم من نشر الاسلام ومعالم الحضارة العربية الاسلامية في اغلب هذه الأماكن كما يشير الى ذلك ضيف 81 تعددت اغراض التجارة واختلفت دوافعها واغراضها، اذ قام التجار بدور مهم في تحقيق المعرفة الجغرافية وتدوينها في كتبهم، كما فعل التاجر البصري النظر بن ميمون82 الذي زار الصين في القرن الثاني الهجري( الثامن الميلادي )وصف الطريق من خانقو الى بغداد83 وتلاه ابو زيد الحسن السيرافي84 الذي كتب رحلته في نهاية القرن الثالث الهجري–التاسع الميلادي، اذ وصف في كتابه (سلسلة التواريخ) الرحلة البرية الى الصين والهند عن طريق بلاد فارس كما يقول مؤنس85 هؤلاء التجار وغيرهم لم يبخلوا بتدوين كل ما عاينوه وشاهدوه عن البلدان التي زاروها وبدقة متناهية، تحقيقا للروح العلمية التي يحملونها ولكي يكون ابناء بلدهم على معرفة بها 86.