Page 1
أصل المسألة؟
كانت وكالة الصحافة الأجنبية، التي يطلق عليها المثقفون والصحفيون ومقدمو البرامج والسياسيون هنا مختصر أم آي سي media in cooperation هي التي أوفدتني بمهمة سريعة إلى أديس أبابا، وهذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بعمل خارج الوكالة، فبعد عشرين عاماً من العمل في الـأم آي سي ـ المثقفون هنا مولعون بالاختصارات ـ لم أبارح مكاني مطلقاً، حتى كدت أتعفن في أحد مبانيها·
أخيراً، وقبل شهرين من الآن، هكذا وببساطة شديدة، قالوا لي نريد منك أن تكتب لنا تقريراً صحفياً مفصلاً، مزوداً بالصور والوثائق، عن مجموعة من الثوار العراقيين، وهم من الماركسيين، أو من التروتسكيين تحديداً ـ المثقفون هنا مولعون بالتصنيفات ـ كانوا قد غادروا بغداد، صيف أحد أعوام السبعينيات، والتحقوا بالثورة العالمية ضد المصالح الغربية والشركات الكبرى التي اجتاحت ذلك الوقت آسيا وأفريقيا، وهذا من توجهات الوكالة الأخير: إعادة النظر بمشاكل الشرق الأوسط القديمة، ولا سيما بعد الإطاحة بنظام صدام·
كان الأمر مثل حلم بعيد، لم تكن أفريقيا، القارة السوداء، هي مجموعة الحيوانات التي لم نرها على نحو كامل تقريباً، هناك في بغداد حيث ولدت ونشأت على الأقل، مثل: الكوبرا، والفيل، والتمساح، والقرد، والخرتيت، والنمر، ولا هي الكومبو، وبيوت القش، والنساء العاريات، كما عرفتها هنا عبر شاشات التلفزيون الغربية والتي تقدم بين حين وآخر أفلاماً وثائقية عنها، حسب، إنما هي أعوام طويلة من القتال والثورة ضد المصالح الغربية ـ هكذا نسمي الاستعمار في الوكالة ـ على نحو غير مسبوق تقريباً، وهي عالم من الأخبار والتقارير الصحفية والأفلام الصغيرة التي تصور الثوار السود وهم يحملون البنادق الروسية الصنع، ويقاتلون القوات الحكومية المدعومة على الدوام من قبل الغربيين والأثرياء المحليين الفاسدين·
وهكذا وقفت أمام قرار سفري منذهلاً، ذهولي أمام أول خيال يمكنه أن يأتي من ذاكرتي عن أفريقيا: قمم أشجار لا مضيئة ولا معتمة، ونور شمس غير واقعية تماماً، وخيال يتجدد بصوت غير مسموع، وله القدرة على إيقاف الزمن عن الاستمرار·
- سعار·· كانت سعاراً هذه الثورة التي اشتعلت ضد المصالح الغربية في أفريقيا وآسيا· قال مدير الوكالة وهو يخطط لما يمكنني أن أفعله: أولاً عليك أن تجمع من داخل العراق ما يمكنك أن تجمعه عن هؤلاء الثوار من معلومات·
كان الأمر بسيطاً جداً· أمر في غاية البساطة·· هكذا أخذت رئيسة القسم تشرح لي الأمر بابتسامة ملهمة: كان هؤلاء الثوار قد نزحوا من بغداد نحو الأهوار ليشعلوا الثورة ضد الدكتاتوريين العسكريين، وبعد أن دعمنا الدكتاتورية نحن ـ الأميركيين تحديداً ـ لندحرهم، هاجروا إلى أفريقيا ليشعلوا الثورة هناك ضد الشركات الاحتكارية الكبرى والأمراء الفاسدين، وقد ساعدنا، نحن، الأخيرين لندحر هؤلاء المتمردين، وها نحن اليوم قد تغيرنا· أصبحنا نبحث عن أولئك الأشخاص الذين دحرناهم وعذبناهم وأنهينا ثورتهم، أين هم؟ ما هي أسماؤهم؟ عناوينهم؟ حياتهم في العراق، أفكارهم السياسية، ما هي قصة سفرهم إلى أفريقيا واشتراكهم في الحرب ضدنا؟
Page 2
اغتراب
لم أزر العراق، بلدي الذي ولدت فيه، منذ أن غادرته قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً· عمري الآن هو الخامسة والأربعون، وقد أمضيت أكثر من نصف عمري خارجه· لم أكن منفياً سياسياً أو لاجئاً أبداً، ولا محكوماً بالإعدام مثل كثيرين ممن أعرفهم هنا· ويندر أن تجد شخصاً مثلي يعترف بذلك· فكثيرون هنا يدعون أشياء لم يصنعوها في حياتهم، ولكنها تضفي عليهم هالة كبيرة كسياسيين ومنفيين ومناضلين وسجناء سابقين، حتى وإن لم يكونوا كذلك·
أنا لم أعمل بالسياسة يوماً قط، وإن كنت أخفي مواقف سياسية متعاطفة مع الشرق الأوسط، ومواقف سياسية متعاطفة مع قضايا العالم الثالث ضد الاستعمار، وهو ما يصنف تحته اليساريون عادة· إلا أن عملي في الـأم آي سي Media in cooperation كان محايداً تماماً، فأنا أعمل فيها محللاً للأخبار السياسية والاقتصادية الخاصة بالعراق، وهي وكالة محايدة أيضا·ً تزود الصحافة وأصحاب القرار بالتحليلات والمعلومات عن الشرق الأوسط، وبعض المناطق الساخنة من العالم·
ومن جهتي أنا فقد درست هنا، وتعلمت أن أكون محايداً ونزيهاً في مهنتي· ومن البداية ألزمت نفسي بمهنتي وعملي وحياديتي، وكنت مثل الجراح لا يهمني الآلام التي أسببها للضحية طالما أن الأمر يتعلق بشرف المهنة ونزاهة العمل· أما وجودي في أميركا فقد كان طبيعياً· قلت طبيعياً لأني مع أول فرصة للدراسة في الجامعة، قررت البقاء هنا· وبعد تخرجي، منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً شغلت هذا العمل، محللاً سياسياً لشؤون الشرق الأوسط في الوكالة الأجنبية للصحافة الأم آي سي عملت بشكل محدد خبيراً بالشؤون السياسية للعراق الحديث· ومنذ عملي هنا، كنت تخفيت تماماً عن كل ما يخصّ البلاد التي جئت منها خوفاً من وضعها السياسي الآسن في ذلك الوقت، وكخبير في شؤونها السياسية والثقافية قدمت تقاريري وتحليلاتي للوكالة باسم مستعار· فقد كان الاسم المستعار هو الصيانة الحقيقية لوجودي ولكياني، ومن خلاله أوجدت نفسي وقدمت عملي، ومارست جميع أوجه حياتي· ولا أحد يعرف اسمي الحقيقي حتى زوجتي التي قلته لها آلاف المرات، وكانت كل مرة تنساه، وتطلب مني أن أذكره لها· ومن ثم عشت هنا في نيويورك· وتزوجت من امرأة أميركية منذ أول عام دخلت فيه البلاد، ولدي أولاد يعيشون مثل أي أميركي آخر، يأكلون الهمبرغر ويتابعون أفلام هوليوود، ولا يعرفون عن البلاد التي جاء أبوهم منها غير القصص الخيالية الشهيرة مثل مصباح علاء الدين، والسندباد البحري، وهي القصص التي يعرفها كل طفل في أوربا وأميركا تقريباً·
عشنا أنا وزوجتي ماري ـ أطلق عليها ميمي للاختصار ـ في أماكن متعددة من أميركا· لم تكن حالنا أول زواجنا مثلما هو عليه الآن، أبداً، فقد تغيرت حياتنا عشرات المرات· لقد تغيرت مواقعنا مرة إثر مرة· وكنا نترقى ونتحول من موقع إلى آخر· في بداية حياتنا كان الأمر صعباً تقريباً، ولكنه مختلف جداً عما هو عليه الآن· فقد اشترينا شقتنا هذه، الواقعة جنوب شارع هيوستن، والتي نسكن بها أنا وميمي والأولاد مؤخراً· وهي شقة راقية جداً، وبصراحة: أنا أحببت هذا الشارع ـ شارع هيوستن ـ إلى حد الشغف· وأنا أطلق عليه وطني، ربما لأن أغلب الناس الذين تراهم هناك هم من المتبضعين لا من الساكنين، من المتنزهين لا من المتجذرين· وما أضاف عليه هذه القيمة الكبيرة هو تاريخ ساكنيه طبعاً، فقد جاءه في الستينات والسبعينات والثمانينات الفنانون بسبب الفراغات والأماكن الشاغرة، ثم ملأوا الحيّ بشكل تدريجي· وأنا أتذكّر إلى الآن كيف كانت بنايات هذا الشارع ذلك الوقت فارغة، فقيرة جداً· ثم تطور هذا الشارع، حتى أخذ يقطنه ممثلون مشهورون، رسامون، موسيقيون: مثل ساره جيسيكا باركر، ماثيو برودريك، وليني كريفتس والعشرات الآخرون··
في الواقع، كانت ميمي تخطط بشكل جيد· نعم أنا أعترف بذلك· إنها أميركية حقيقية، أميركية أصلية، وليست مزيفة من تلك النساء اللواتي بعد عامين أو ثلاثة من حصولهن على الجنسية الأميركية، يرتدّنّ إلى هويتهن الأصلية، ويغبن في عالمهن الذي جئن منه· ميمي امرأة مختلفة· حين أقول مختلفة، تمر بذهني كل أفعالها الرصينة بدءاً من شرائنا لشقة متواضعة في عمارة موصدة أمام حائط أسود ومبقع· شقة في الطابق الأرضي في البداية، كانت مطلة على فناء يقابله مطبخ حانة، ومطعم متخصص في البطاطس المقلية التي كان الغارسون الأسود يعدها على الأرض، ومن ثم انتقالنا إلى الدرب السادس، في الطابق الثاني من عمارة تقابل متاجر ضخمة، وفي شارع واسع وراق، حيث اشترينا شقة كبيرة، بل كبيرة جداً، قامت ماري بتزيينها وتأثيثها أثاثاً كلاسيكياً: بيانو كبير ـ لا أحد يعزف عليه ـ فوتيلات كبيرة وواسعة، طاولات من الخشب الفاخر، وطلت الجدران بلون تفاحي باهت تتراقص عليها الشمس أول الصباح·
طبعاً هذه المسيرة التي أختصرها الآن بأسطر قليلة، كانت حياة مليئة بالتعب والمفاجآت· ولكن حينما يرقد المرء بعد طول تعبه على أريكة مريحة، ويصمت أمام شرفة واسعة، ويرى مكاناً مضيئاً، وشوارع فارهة، وعمارات راقية، ومتاجر كبيرة، ينسى دون شك ضيق الشقة القديمة، ونافذتها الصغيرة الوسخة التي تطل على حائط أسود، وشمسها التي لا تظهر إلا على حائط مبقع، ومن أسفله فوهة المياه الثقلية التي تتجشأ زيت قلي البطاطس·
Page 3
تفكير وثورة
ربما وبسبب هذه النظرة المتعامدة، وبسبب هذين المكانين المتعاكسين اللذين عشنا فيهما، كنت أفكر دائماً بما يفكر به منظرو الثورات عادة: هل كان الثوريون يفكرون مثلاً بهذين المكانين المتناقضين ـ شقتنا الأولى وشقتنا الثانية، مثلاً ـ لكي يفكروا بإشعال الثورة؟ هل كانوا يقولون:
ـ لماذا نحن نعيش في هذا المكان ـ مثلاً شقتنا القديمة ـ بينما يعيش الآخرون في ذلك المكان ـ مثلاً شقتنا الجديدة؟
وهكذا كنت أتساءل دائما لماذا لا يفكر أحد بالثورة في أميركا، بينما نفكر نحن في العالم الثالث الكثير بها؟ بل أهدرت أجيال منّا عمرها بالثورات والانقلابات· ربما· ربما وبسبب هذا السؤال الغامض كانت الثورة تعني ـ من بين ما تعني ـ أن يحل ساكنو المكان الأول في المكان الثاني، وهكذا وإلى هذا الحد تنتهي المشكلة! أو في أحيان كثيرة، هي أن يتحول ساكنو المكان الثاني إلى جانب ساكني المكان الأول، ويتساوى الجميع، وتنتهي المشكلة؟
كنت أختصر الحياة كلها بفهمي للمواقع ذلك الوقت· كنت أفكر بهذه المواقع على الدوام· وهذا ما جعلني أقبل بهذا المشروع الذي طرحته علي الوكالة، وهو أن أذهب إلى أفريقيا، بل إلى أبعد نقطة في القارة السوداء، كي أعرف تاريخ الثوار وتاريخ الثورة· كنت أقول في نفسي ربما لأن الثورة بعد تفكير حقيقي بها نجدها هي أيضاً لعبة مواقع·· كانت البنيوية قد وصلت أميركا ذلك الوقت· وأصبحت هي الموضة في الجامعات وفي المجلات والوكالات· وربما كان مفهومي للمواقع هو مفهومي ذاته للبنية، ولكن عن طريق استخدام الكناية لا عن طريق استخدام المصطلح ذاته، والذي أصبح مبتذلاً جداً هذه الأيام·
Page 4
لعبة مواقع
نعم إنها لعبة مواقع، ومن جهات متعددة بطبيعة الأمر·
أنا لا أسوق هذا المثال من تفكيري بهذا الأمر، لأنني أعمل خبيراً بشؤون الشرق الأوسط في الوكالة، فقط، إنما من حياتي أيضاً· من تجاربي· من نشأتي· من هجرتي· من زواجي بماري· من علاقتي مع الأولاد· من موقعي في الوكالة· من جلستي أمام التلفزيون· من حبي للكعكة والشاي في المساء، من كرهي الشديد لمشهد زيت البطاطس المقلية··· وأشياء وأشياء كثيرة، أخرى· أشياء ربما لا يصحّ التكلم عنها الآن، ولكنها تفرض نفسها علي حتى في اللحظة التي أحاول أن أخفيها عنكم· وهكذا، أنتم ترون أن حياتي فَرَضتْ عليّ بطريقة ما، التفكير هكذا· ويا ما قلت لزوجتي إن حياتي هي التي فَرضتْ عليّ التفكير بالمواقع، لا موقعي أنا مثلاً داخل الوكالة، بالنسبة للناس الذين أعمل معهم، فقط، إنما أحيانا التفكير بموقعي الأصلي ـ فقد جئت من موقع مختلف ـ والحرب هنا وهناك هي أيضاً لعبة مواقع لا أكثر، حتى لو لم يكن الموقع حقيقياً، وهو بعد ذلك شيء مفترض مثلاً، وخيالي، ولكنه يمتلك قوة الحقيقة والواقعية، بالتأكيد، والناس لا تفكر به من نشأته، إنما من نتيجته·
وهكذا كانت حياتي في هذا المكان الجديد، المكان الواسع والمريح والكثير الإضاءة، هو لعبة مواقع لا أكثر· ما الذي تغير فيّ؟َ كنت أسأل نفسي·· لا شيء· ولكن الموقع تغير· وهكذا كان علي أن أقفز نحو الموقع التالي· ومع ذلك لا أصرخ بوجه ميمي قائلاً لها:
ـ ميمي لقد تغير الموقع وصار أفضل· ميمي إنها ثورة·
ثورة ـ كنت أحاكي نفسي ـ ثورة· أليست هذه ثورة أيضاً، تصفية الموقع القديم· أليست هذه ثورة أيضاً؟ ولكني في الوقت ذاته كنت أسأل نفسي:
ـ كيف تحول الثوار من موقع الثورة إلى موقع المقهى؟ كيف تقاعدوا؟
لقد تقاعدوا مبكراً أليس كذلك؟ تقاعدوا وهم ما زالوا شباباً! هكذا كنت أزجي الوقت كله تقريباً بالتفكير بالثورة وما جرى من أحداث بعدها· فما بعدها هم المهم ذلك الوقت·
هكذا كنت أجلس كل يوم، تقريباً، بعدما أعود من الوكالة، بعدما أعود متعباً من عملي من الوكالة، أدخل شقتي التي أحبها، أخلع جاكتتي وأعلقها على المدخل، أخطو خطوات قليلة ثم أهبط ثلاث درجات إلى الصالة· أجلس على الأريكة السوداء المصنوعة من الجلد الفاخر التي اشترتها ميمي من ميداس· أنظر إلى الحائط المطلي باللون التفاحي الفاتح والمواجه لي· أنظر إلى التيبل لامب بالشيد الأخضر على الطاولة· أنظر إلى الكتب المجلدة في المكتبة إلى جواره· أنظر إلى المزهرية التي تحمل زهوراً نضرة من الجهة الأخرى· أنظر إلى البيانو الذي لا يعزف عليه أحد· أنظر إلى كل الأشياء التي أحبها في الصالة· ومن ثم أفكر بشيء جديد، أقول في نفسي:
شيء عظيم إني انتقلت من ذلك الموقع ـ الشقة المقابلة لحائط أسود مبقع ـ إلى هذا الموقع، في الدرب السادس في هيدسون ـ ولكن هل سيستمر هذا الأمر هكذا لفترة طويلة؟ أم إني سأضجر من هذا المكان أيضاً، وسأطمح إلى تغييره بموقع جديد؟
حينما جاءت الرحلة إلى أفريقيا فرحت جداً، لا لأني كنت أفكر بالثورة على أنها لعبة مواقع، وإني سأتعرّف قليلاً على أصل المشكلة، ومعرفة ما الذي كان يفكر فيه الثوار ذلك الوقت، إنما لأني ضجرت من موقعي في الوكالة، وضجرت من عيشي في هذا المكان، وضجرت من النساء البيض، وضجرت من أكلة الماكدونالد والهمبرغر، وضجرت من الناس الذين أعمل معهم، وصار لدي حنين شديد إلى أفريقيا، وإلى أناس جدد، ونساء غير اللواتي أعرفهن، والكتابة في موضوع جديد· أخذت أحن إلى موقع جديد لم أكن أعرفه من قبل·
Page 5
قصة الأولاد أيضاً
الأمر أحياناً مرهون بأولادي أيضاً، وهذا الأمر يجب أن لا أهمله أبداً·
وعليّ أن أخبركم أيضاً، طالما أني أتكلم عن المواقع، وسيخطر في بالكم على الدوام أني جئت من الشرق الأوسط، ومن العراق تحديداً، وهذا ما يجعلني أتحدث عن الأولاد بطبيعة الأمر، لأنهم عاشوا هنا في أميركا، فهذا الأمر دون شك مهم جداً، فهل أولادي يشعرون بأنهم أيضاً مثلي جاءوا من الموقع الذي جئت أنا منه بالذات؟ هل يشعرون بأنهم ينتمون إلى بلاد والدهم، أو ينتمون إلى ثقافته؟
أقول لكم:
ـ إن أولادي لا علاقة لهم بالشرق الأوسط أبداً، ومن جهتي لم أنعش معلوماتهم بأي شيء إيجابي آخر عن بلاد أبيهم، ولم أقدم لهم أية معلومة عنها سوى أشياء بسيطة· ومن جانب آخر جعلتهم يرتعبون من كل شيء قادم منها، وفسرت لهم كل أحداثها من منظور مخيف ومظلم واحد· أما زوجتي ميمي فلم يكن يهمّها ما تكونها تلك البلاد البعيدة· وكلّ ما تعرفه عنها، أنها بسببها نحن نكسب المال· فلولا معرفتي بهذه البلاد التي يجهلها الأميركيون تقريباً، فما وجدت عملاً جيداً، ولا كسبت مالاً كثيراً·
وهذا الأمر يستحق التكلّم عنه قليلاً:
في الواقع يمكنني أن أقول: كنت أكسب امتيازاتي بسبب أصلي الشرق أوسطي لا بسبب أمريكيتي· فقد انتعش عملي كثيراً، وازداد الاهتمام بي بعدما بدأت المشاكل تعم الشرق الأوسط، وأصبحت حياته السياسية خطيرة· فوضعي المالي مرتبط بتذبذبات السياسة هناك، فكلما تفاقمت الأحداث في تلك البلاد، كلما وجدت هنا من يطلب مني تحليلاً سياسياً للتلفزيون، أو تقريراً عن الأحداث للوكالة، أو مقالة لإحدى الصحف الشهيرة· وهكذا أجد نفسي أكسب بشكل أفضل بكثير كلّما كانت هنالك حروب خطيرة، وقتال أهلي، وتهديدات جديّة للمصالح الغربية· ربما تظنّون أن هذا الأمر يخصّني وحدي· أبداً· هذا الأمر لا يخصّني وحدي· فوكالات الصحافة والتلفزيون ومعاهد الدراسات التي يسمّونها الثنك تانكس تتذكّر فجأة هذه النخبة الشرق أوسطية المهملة، تمدها الأولى بالمعلومات وتقابلها الثانية بالمال· وكلما كانت الأحداث والإنقلابات أخطر كلما كانت كمية المال أكثر· كما أن هذه النخبة المهملة والمتلفة وغير النافعة تجد في تلك الأوقات العصيبة من يهتم بها، ويحسن أوضاعها، ويغير من شروطها الاجتماعية والثقافية·
لنقل ببساطة تجد في هذه الأيام من يغيّر لها من مواقعها، حيث تجد نفسها وقد أصبحت فجأة مهمة ـ لاحظوا الموقع هنا هو المهم ـ وبدلا من قضاء الوقت في المقاهي والكازينوهات أو البحث عن لقمة الخبز في أعمال لا علاقة لها باختصاصاتهم، ستجد نفسها فجأة في الاستوديوهات، ومرتبطة بمواعيد مع الصحف والمجلات وغير ذلك· وكما تعرفون أن الميديا مهمة هنا جداً هذه الأيام، وهؤلاء المثقفون يصوغون الرأي العام لتكون الاجراءات السياسية مطابقة تماماً لها، ولا بأس أن تدفع هذه الشركات كمية من المال أكبر طالما أنها ستربح أكثر· هكذا هم ينظرون للأمور، ولا بد أنهم أيضاً سيفرحون بتفاقم الأحداث هناك، أقصد رؤساء الوكالات والصحف والتلفزيونات والمشرفون عليها، مثلهم مثل زوجات المثقفين الشرق أوسطيين، فلا بد أن زوجات المثقفين الشرق أوسطيين أيضاً سيفرحن لتفاقم الأحداث في بلدانهنّ كثيراً· لماذا؟
في الواقع، وهذا أمر جوهري هنا، ربما، لأنهن سيشعرن حينما يصبح الأزواج مهمين فإنهم سيكسبون كثيراً، وهذا الكسب دون شك ليس شيئاً بذاته، إنما عن طريقه سوف يغير هؤلاء الناس من شروط سكنهم، وحالات معيشتهم، ويستطيعون السفر، ويستمتعون بالمال بتغيير مواقعهم القديمة بمواقع جديدة، ومن هنا أيضاً سنرى لعبة تبديل المواقع· لاحظوا: إن الأمر لا يخص تغيير السياسات فقط، إنما يشمل حتى الناس، فهذا الأمر ربما ترونه شاملاً ويحدث على نحو غير محدود، فما أن يحدث حدث خطير في العالم، ستجدون أن التغييرات لا تطال المواقع الكبيرة، إنما المواقع الصغيرة وفي كل مكان، وهكذا ستشهدون فجأة: يهبط بعضهم جداً إلى مواقع متدنية، ويتراجع آخرون إلى أماكن لم يظنوا أنهم سيعودون إليها، وآخرون سيذهبون وسيحل محلهم آخرون· بعضهم يتزاحم مع بعض على مواقع متلاصقة· آخرون يتزاحمون على مواقع متباعدة· غيرهم سوف يتقدمون ويحلّون بها· آخرون ينتظرون· بعضهم بطبيعة الأمر تضرب معهم ضربة الحظ، وفجأة تجدونه في موقع لم يكن يحلم به من قبل أبداً· وبعضهم يسقط ويتهاوى إلى الحضيض·
ـ هذه هي الرأسمالية· قالت مديرة الوكالة·
أما السعادة بتفاقم الأحداث وتفجر الحروب والكوارث والانقلابات فهذا أمر غير مستبعد أبداً، نظرا لما رأيته من تجربتي وحياتي، ولا سيما في هذه الحالات، وفي هذه الأماكن بالذات، وأنا عن نفسي يمكن أن أقول ببساطة هذا حال زوجتي· في الواقع أنا لا أحشر أمر الزوجات هنا حشراً· ولكني أعترف أن زوجتي تفرح بشكل خفي بتفاقم الأمور· لا أقصد من كلامي هذا هنا الفضيحة أبداً، أو التشهير بزوجتي أو بزوجات الآخرين، إنما أتحدث عن شعور إنساني طبيعي، حتى وإن كنا نتفادى التفكير فيه، ولا نتحدث عنه لأنه مخجل ومحرج ولا أخلاقي· أنا أعتقد أنه شعور طبيعي، لا يمكننا أن نقبل به علناً ولكننا نتواطؤ معه سراً· وما يخفف الشعور بالذنب الأخلاقي أن زوجتي من جهتها لا تعرض هذا الأمر بشكل علني أمامي أو أمام الآخرين، لأنها تعرف جيداً، وربما أكثر من أي شخص آخر، أنه شيء لا أخلاقي، وغير مقبول بالمرة· وأنا أقول هذا الشيء بصراحة تامة، وأقول أيضاً إني اكتشفته اكتشافاً ولم نتصارح به حتى الآن· أقول اكتشفته· لأني لم أحدثّها به أبداً، ولم تحدثني به أو تعترف لي وكأني قبضت عليها وهي ترتكبه، مطلقاً، ولكني اكتشفته اكتشافاً ومن خلال مراقبتي لها أثناء حدوث أزمات أو كوارث في الشرق الأوسط، فما أن تسمع بواحدة من هذه المشاكل ـ وما أكثرها بطبيعة الأمر ـ حتى تراها تبدأ بالتفكير في تجديد المنزل، وتغيير الأثاث، وتحسين أوضاع الأولاد في الدراسة، والسفر، وما إلى ذلك·
كلما تتفاقم الأحداث في الشرق الأوسط كثيراً، أو كلما تتدهور الأوضاع السياسية هناك، حتى تبدأ زوجتي وعلى نحو مباشر بالتفكير في تغيير حياتنا وظروفنا وشروط معيشتنا، وتفكر بانتقالنا إلى منزل آخر· فهي تعرف ـ وهذا أمر طبيعي ـ أن ثراءنا يعتمد على تفاقم الأمور في هذه المنطقة، كلما كانت الأمور أسوأ هناك كلما احتاجوني هنا أكثر، كلما صعد الغليان الشعبي والسياسي وانغمست البلاد بالمشاكل والاضطرابات هناك كلما ربحت مالاً أكثر·
Page 6
هكذا أقول اكتشفت الأمر اكتشافاً·
فقد كنت أشعر بأنها ترمقني بحبّ وهي تراني أغرق في الكتب والتقارير، كنت أراها فجأة وقد تغيرت لا في سلوكها فقط إنما في نبرة كلامها، ربما تشعر أن هذا الأمر الذي يحدث هناك، وهو دون شك سوف يحدث هزة في المواقع السياسية لا هناك فقط، إنما هنا أيضاً· وربما ينعكس الهناك بشكل إيجابي على الهنا، أو على نحو أوضح، ينعكس بشكل إيجابي على المنزل، بل من شأنه أيضاً أن يغير مواقعنا هنا أيضاً، وبمقدار ما كانت هي ترمقني وتراقبني، كنت أنا أيضاً أرمقها وأراقبها، بمقدار ما كانت تتابع خطواتي وترى انغماسي في العمل، وكتابة التقارير والتحليلات والذهاب إلى المحطات، أجد نفسي دون وعي مني أراقبها، وأراقب تصرفاتها التي تتغير فجأة، فهي تنشط وتتحمس، هكذا وبصورة مدهشة، أراها تتحرك في المنزل بسرعة، تستيقظ من الصباح لتفتش المنزل من جميع جوانبه، وهي ما تسميه عادة البحث عن النواقص· في الأيام التي يتفجر فيها الوضع السياسي في الشرق الأوسط تستحم زوجتي مرة أو مرتين في اليوم وهي عادة ما تفعله عندما تشعر فيه بالفرح· وتقوم بانتزاع الموكيت لاستبداله· أو تحاول تغيير ظليات المصابيح· أو تفكر باستبدال الطباخ· أو شراء مايكرويف آخر·
ومن الصباح، كانت تفتح عينيها على الحديث معي حول تجديد بعض الأثاث أو شراء بعض الحاجيات، وعندما تخرج من فراشها أو من حمّامها تأتي حالاً إلى مكتبي لتقول لي شيئاً مهماً عن هذه الأشياء ـ النواقص ـ وتمضي· أنا من جهتي لا أبخل عليها بهذا المال الذي أكسبه من الوكالة، أو من الصحافة، أو من التلفزيون، أبداً· ويا ما قلت لزوجتي هذا الأمر· دائماً أقول لها إني لا أعمل من أجل نفسي، إنما أعمل من أجلك ومن أجل الأولاد· ويحدث مثلاً:
في الصباح الباكر، أدخل الحمام، مرتدياً بيجامتي وقد وضعت المنشفة على كتفي· أقف أمام المغسلة لأغسل وجهي أو أغسل بالفرشاة أسناني· فتقف هي على مقربة مني، لتحدثني عن ما تريده من المال لتجدد به الأثاث أو لتلبي بعض احتياجيات الأولاد، أو لتشتري بعض النواقص· أو تسألني فيما إذا كان هنالك من الوقت الفائض ـ بعد انتهاء الأزمة بطبيعة الأمر ـ لنسافر إلى مكان آخر· وأنا أوافقها بطبيعة الأمر، لم أبخل عليها أبداً· البخل ليس من عادتي إطلاقاً· كنت أقول لها على الدوام: أنا· ما نفع حياتي· فقد أتلفت شبابي في مشاكل الشرق الأوسط، أتلفت نصف حياتي خائفاً ومرتعباً هناك، والنصف الآخر أتلفته متخفياً هنا· فأنا لا نفع فيما قمت به لحد الآن من أجل نفسي، هل يمكنني الافتخار بأشياء حققها اسمي المستعار· أذهب مباشرة إلى الطاولة في المطبخ، أصبّ القهوة في الكوب، وأستمرّ محدثاً إياها:
ـ هل تعرفين ميمي· ليتك تعرفين· إن كل ما أفعله هنا· أجده ملكاً للشخص الآخر الذي يحمل اسماً مستعاراً وحياة متخفية، ومع ذلك رضيت، ذلك لأني أجده يحسّن من وضعك ومن وضع الأولاد، ويغير من ظروف حياتهم· فأنا كل ما أفعله اليوم هنا في أميركا هو من أجلك ومن أجل الأولاد· من أجل أن يعيشوا بشكل جيد· وأن يتخلّصوا من ذلك التنّين المرعب الذي ابتلعنا بنيرانه· (أقصد الشرق الأوسط بالتأكيد)·
Page 7
أولادي أيضاً!
أما الأولاد فهم من جهتهم يفرحون أيضاً بهذا الأمر، فعندما تتفاقم الأحداث هناك يشعرون بأهمية والدهم هنا· عندما يكون هنالك قصف، وحروب، وقتال في تلك المناطق البعيدة، فجأة يرون والدهم وقد أصبح نجماً تلفزيونياً معروفاً، فما أن يلتفت مقدم الأخبار ـ ركزوا على اسم القناة ـ في محطة الفوكس نيوز إلى الشاشة المقابلة له حتى تظهر صورتي، متعمداً أناقة خاصة ـ لكي يعرف الأميركيون كم هم مهملون في هندامهم ـ وفي هذه اللحظة بالذات سيصرخ الأولاد بصوت عال هذا دادي· هذا دادي· أنا متأكد بأنهم لا يفهمون مما أقوله عن وضع تلك البلدان ومشاكلها شيئاً، وهم لا يهتمون مطلقاً بما يحدث فيها، ولكنهم يجهدون أنفسهم بالاتصال بأصدقائهم ليقولوا لهم إن دادي على شاشة التلفزيون، ابنتي الكبيرة كاتي بالأخص، تتصل بصديقها بوب وتقول له: افتح الفوكس نيوز بسرعة· بسرعة، سترى دادي على الشاشة·
أعود أحياناً إلى المنزل في الدرب السادس جنوب هيوستن متعباً من العمل في الوكالة، أو من مقابلة في التلفزيون، فأجد كاتي منفعلة وغاضبة، لأن صديقها بوب رفض أن يرى يور فكنك دادي وهو يحلل فكنك إيراك، وفضل أن يتابع فيلم ماكس ثري على قناة الأفلام·
أنا لا أقول إن أولادي هم بلا مشاعر، أبداً· ولكن فرحة ظهوري على شاشة التلفزيون تطغى على كل انفعال· بلا شك هم مهتمون بدرجة ما بما يحدث من مآسٍ وكوارث في العالم، والعالم كلّه لا في هذه المنطقة حسب، ولكنهم لا يعيرون هذه الأمور كثيراً من اهتماماتهم، فهم مشغولون كثيراً بحياتهم هنا، وأنا في واقع الأمر لا ألومهم على هذا اللااكتراث أبداً، لا أشجّعه، ولكني لا أريدهم أن ينخرطوا بمشاكل سوداوية لا حل لها وفي بلاد لن يروها مستقبلاً أبداً· أقول لهم:
ـ حياتكم هنا، عيشوها كما هي· هنا في هذا المكان، ولا تنشغلوا بأشياء أخرى، وتضيع حياتكم، كما ضاعت حياتنا·
أقول لهم:
ـ هذا العالم الثالث ـ هذا اسمه أثناء الحرب الباردة ـ مثل التنين بلع حيوات شباب كثيرين، فلا حل لكوارثه ولا لمشاكله، عيشوا حياتكم هنا في هذه البلاد· ولا تلتفتوا إلى أي شيء آخر· عيشوا في هذه البلاد التي تعرف كيف تستثمر مواردها وموارد العالم الثالث أيضاً· فهي تأخذ موارده وطاقته البشرية وتتركه للخراب والنسيان· فما نفع ذهابكم إليه، والاهتمام به؟
ولكني أطلعهم بطبيعة الأمر على ما أقوم به من أعمال، لا من باب المعرفة والاهتمام أبداً، ولكن من باب اطلاعهم على أمورنا المالية، فالأمور المالية مهمة جداً وسط هذه التقلبات الاقتصادية العالمية وحالات الكساد، وطالما يخضع ما نكسبه للضرائب الباهضة وازدياد سلم الحاجات، فإن الأمور المالية تصبح في أعلى الأولويات، لأنها بواسطتها فقط يتم تغيير المواقع·
Page 8
حينما انتدبت لهذه المهمة قلت لعائلتي كلّفتني الوكالة للذهاب إلى أفريقيا لكتابة تقرير عن شيوعيين عراقيين، ثوار وأبطال ـ لا أدري لماذا أضفت هذه الجملة الأخيرة، ربما من باب التباهي أمام أمريكيتهم بعراقيتي ـ وقد تركوا من جانبهم السؤال عن الثورة والبطولة، وصرخوا بصوت واحد:
هييييييييي···
لقد فرحوا كثيراً· وسألوني عن المال الذي سأكسبه من هذه المهمة· وبدت زوجتي ودودة جداً معي· هي ودودة دائماً ولكن ذلك اليوم كانت ودودة بشكل أكبر، لذلك قبلتني مرتين· وهذا الأمر كثيراً ما تفعله حينما تكون فرحانة، وقالت أخيراً وجدنا الوسيلة لتلبية طلبات سام (ابني الذي يصغر كاتي بعامين)، كما أننا سنصنع زواجاً رائعاً لكاتي وبوب (مختصر روبرت ـ خطيب كاتي)· وهكذا فرحت أنا أيضاً· وبدأت أعدّ أوراقي وكتبي لهذه المهمة الجديدة، المهمة التي وجدتها من نوع مختلف تماماً عن كل ما قمت به لحدّ الآن·
فأنا وللمرة الأولى لا أحلل المعلومات فقط، كما كنت أعمل في الوكالة، إنما أنا من يجلبها، بمعنى أنا من يصوغ كل شيء، على عكس ما كنت أقوم به في الماضي، ولا سيما وسط المتغيرات الكثيرة لعمل الوكالة ومواقفها وأهدافها، فأنا من جهتي لا أسمح بأي اتهام أبداً، ولا أسمح بأيّ شكّ من قبل الذين أعمل معهم، فقد كنت محايداً حقاً، وكنت أقوم بما ينبغي عليّ القيام به·
وبسبب معرفتي للغتين العربية والإنكليزية معاً، كان عملي يتوسع ويزداد أيضاً، بين أن أجمع الأخبار، وأقدم المعلومات وأحللها، وبين كتابة التقارير، وترجمة بعض الخطابات والمقالات من الشرق الأوسط، فهنا قد ازداد اهتمامهم كثيراً بما يرتأيه ويفكر به الناس هناك· ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر·
وهكذا يبرز من بين أوراقي التي عليّ أن أعدّها للوكالة متطلبات زوجتي الكثيرة، ومشاكل الأولاد التي علي حلّها· بين هذه الفوضى التي لا حدّ لها أجد نفسي وقد ضجرت حقاً، فالأشياء تتسارع في العالم، ومعها تتسارع حركة المنزل، وهنا في الوكالة تضطهدني رئيسة القسم ـ تضطهدني كلمة كبيرة ولكني مرغم على استخدامها ـ إنها تتهمني أحياناً بالانحياز للعالم الذي ولدت فيه وجئت منه· قلت لها ألف مرة إني لا أنحاز لأحد، ولكني لا أعرف بالضبط توجّهات الوكالة، فالوكالة مستقلة، ولكن لها أيضاً أهداف وسياسات وهذا أمر طبيعي جداً، وأنا أقبل به، ولا أعترض عليه، ولكن المشكلة أن السياسات تتغير، وتتغير بشكل كبير جداً يصعب بعض الأحيان اللحاق بها أو التكهن بها، وهذا ما سأوضحه فيما بعد·
Page 9
الميديا والمواقع
أنتم تعرفون أن الميديا مهمة جداً هذه الأيام، لأنها هي التي تصوغ الرأي العام، لا هنا في أميركا فقط، إنما في العالم كله، وهي التي تقرر السياسات العامة وأحياناً تصنعها، وفي أحيان كثيرة تخضع لها· إنه نوع من السيطرة على العالم بأيد ناعمة· بلد صغير في الشرق الأوسط، في الخليج تحديداً، لا جيش ولا صناعة ولا زراعة، لكنه يمتلك محطة فضائية قوية، يرهب بها ويخيف مثل أية دولة عظمى· خبر واحد أحياناً، خبر· يأتيك من مكان بعيد، وبعيد جداً، يمكن لهذا الخبر أن يقلب كل الأفكار والسياسات في العالم· وأنت تسأل بسذاجة أحياناً من أعطاه هذه القوة أو الصلابة لكي يكون هكذا؟ أما المواقف فأمرها أكثر تعقيداً، هنالك تغيير مواقف وتقلبات تحدث بسرعة فائقة·
يا إلهي··أقول أحياناً، المواقف تتغير بسرعة لا يتخيّلها العقل، ولا سيما لدى الأميركان، كل الأشياء تتحرك بسرعة هائلة بحيث يصعب عليك اللحاق بها، مواقف اليوم لا تشبه مواقف الأمس، وغداً لا تدري ما ستكون عليه، لأنها واقعة وسط هذه الزحمة الكبيرة من مواقع الناس، وأنت وناسك أيضاً تقعون في مواقع أخرى في الخارج، والكل يتزاحم· المواقع هنا هي شديدة التعقيد، سواء أكانت في الداخل أم في الخارج، وهي تؤثر دون شك على حياتك، كنت أقول في نفسي: يا إلاهي لا أستطيع أن أضبط عيني على الحروف والأرقام التي تتسارع، موقعك هنا ـ قالت لي ميمي مرة ـ مرتبط بالبورصة، انظر إلى هذه الأرقام التي تتغير بسرعة، كانت اللوحة أمامي سوداء والأرقام البيضاء تتحول من شكل إلى شكل آخر· يصعب أحياناً ضبطها أو السيطرة عليها· وأنا أفكر أن حياتي مثلاً وحياة الملايين من الناس تتحول على ضوء هذا التغيير، على ضوء اختلاف هذه الأرقام، هذا يعني بلغتي التي أفكر بها أن عدداً غير محدود من المواقع يتغير يومياً: فقراء يصبحون أغنياء· أغنياء موسرون يصبحون في عداد العاطلين والمشردين· شركات تظهر وشركات تختفي· منازل تتجدد ومنازل تنهار· حياة· حب· أحقاد· أشياء كثيرة تتغير·
ـ وعليك أنت أيضاً أن تتغير بسرعة حبيبي! قالت ميمي دون أن تنظر نحوي·
الشيء ذاته قالته لي مديرة القسم:
ـ العالم يتغير· المصالح تتغير· الحياة تسير بسرعة فائقة·
Page 10
هكذا وجدت نفسي هنا· هكذا وجدت نفسي راكضاً وراء هذا ووراء ذاك· وكان علي أن أتغير بسرعة وأن لا أبدو جامداً أو منحازاً· أمرٌ ثقيل جدا ومتعب أليس كذلك؟ الحياة هنا سريعة جداً· الأشياء تتغير بسرعة· فجأة تجد نفسك وسط مجموعة من المحللين السياسيين وهم يصرخون بوجهك عليك أن تأخذ المتغيرات بنظر الاعتبار· ولكن المتغيرات سريعة· وحتى هناك ـ أقصد في الشرق الأوسط ـ فهم بحاجة إلى وقت طويل لفهم المتغيرات والتعامل معها· ووسط كل هذه المتغيرات التي كان علي أن آخذها بنظر الاعتبار هنالك زوجتي، ومشاكل العائلة، وحياة الأولاد العاصفة، ومتطلباتهم الكثيرة، ولا سيما هذه الأيام· أقول لكم وسط كل هذه الفوضى السياسية التي تعم الشرق الأوسط، ومن بين صور القتال الأهلي، أو الاجتياحات المتكررة، أو صور المعارك والحروب، أو الغزو والاحتلالات، وتهديم البنى التحتية والحصارات، يبرز وجه زوجتي ليقول:
ـ أين سنقضي الويك أند؟ أين نتعشى الليلة؟
تحدث أشياء غريبة حقاً في حياتي، تحدث في الغالب بين انشغالي بعملي وبين حياتي الزوجية التي لا أريدها أن تنهار: أكون، مثلاً، جالساً على الصوفا، وأمامي كأس عصير برتقال ـ هذا ما أفعله دائماً عندما أجلس أمام شاشة التلفزيون لأستمع للأخبار ـ ويحدث أن تبثّ إحدى وكالات الأخبار صوراً لقتلى في بلادي، ويحدث أن ابني الصغير سام يريدني أن أشتري له عدة كاملة لرياضة الركبي، فقد سجل بفريق في المدينة ولا يمكنه التراجع عن ذلك· أن أقول له مثلاً إني مشغول، أو حدث شيء خطير في الشرق الأوسط، حدث أمرٌ كبير في الصراع الدائر هناك، فهو لا يفهم ولا يريد أن يفهم لأن هذا الأمر بعيد تماماً عن حياته· هذا الأمر في موقع بعيد تماماً عن الموقع الذي يعيش فيه· فيزعق بوجهي ويضرب على الطاولة· كل هذا والصور تتلاحق، والتحليلات تتدفق من هنا وهناك· هو يزعق والمذيع يقول شيئاً خطيراً، أو معلومة أريد أن أسمعها· يزعق سام ونصف الكلام الذي أريد أن أسمعه ينسحق تحت صراخه وصوته·
أحياناً يذهب سام إلى التلفون ليتصل بأمه ويشكيني لها، ويطلب مني أن أذهب إلى التلفون حالاً، يقول لي ماما تريد أن تحكي معك· أنهض من مكاني وعيناي معلقتان على الشاشة الصغيرة، أصغي إلى زوجتي على التلفون، تقول لي عليّ أن أهيء السلطة، والكاجاب، وأن أعد بعض المايونيز من الثلاجة، أما هي ستأتي بوجبة الفاست فود معها من الماك ـ هكذا نسمي الماكدونالد هناك ـ وعليّ أن أشتري عدة الرياضة للولد، وتختمها بأنها سعيدة لأني سأقضي اليوم كله معهم في المنزل· أنا لا أخترع هذا الأمر اختراعاً، إنما أقول أن هذا الأمر حدث عشرات المرات· هو ذاته· أو أحداث مشابهة له· يحدث أحياناً أن أتوهم في صور القتلى أناساً أعرفهم من بغداد، أو أقرباء لي، ومع ذلك عليّ أن أنسى كل شيء، وأخضع للحالة الآنية التي يتطلبها المنزل·