Page 1
مقدمة
هناك مسألتان مترابطتان يثيرهما عنوان هذا الكتاب، الأولى: في العلاقة بين الرواية ـ من جهة ـ بوصفها نوعاً أدبياً، لا أدبية له ـ كما الأنواع الأدبية كلها ـ بمضمونه أو بغايته، وإنما بشكله، والتنوير ـ من جهة أخرى ـ وهو ـ في ضوء هذه الرؤية ـ مضمون وغاية، تستوي في تضمُّنه والدلالة عليه خطابات مختلفة أدبية وغير أدبية. والأخرى: ما تؤدي إليه عَنْوَنة الكتاب بذلك من تأشير على موضوع الكتاب ومنهجه بما يصلهما بالممارسة التبشيرية والترويجية التي تتعلق بالإيديولوجيا أكثر من تعلقها بالمعرفة، أو يصلهما بالتأريخ للرواية تأريخاً للموضوعات والأهداف، وهاتان الصلتان كلتاهما لم تكونا من قصد الكتاب المباشر.
لنقل ـ ببساطة ـ إن التنوير هو وعي التقدم وقيم المدنية الحديثة التي تحتفي بالحرية والفردية والمعرفة والحقوق الإنسانية وتدافع غوائل التسلط والاستبداد والوصاية بأي معنى. هكذا لا تصبح الصلة بين الرواية والتنوير، مخصِّصَةً بالضرورة خطاب الرواية دون غيره من الخطابات بتضمن التنوير والقصد إليه. ولذلك يمكن أن نفهم علاقة الرواية بالتنوير هنا من خلال خصائص الرواية النوعية، ومن خلال سياق تشكلها وفعلها التاريخي الثقافي في الأدب العالمي وبخاصة الأوروبي الذي نبعت منه، وفي الأدب العربي على حد سواء.
فالرواية تقوم على تعارضات تمثِّل وجوه التقابل والصراع الثقافي الاجتماعي وتعدُّدَها واختلافها، وهي بهذا تنفتح على العموم الاجتماعي والإنساني الذي يغدو التمثيل للاختلاف فيه وجهاً من وجوه التأكيد على التساوي والاعتراف به. وهنا تأتي الصفة البوليفونية للرواية التي بنى عليها باختين خاصية الحوارية، بحيث يغدو تعدد الأصوات واختلافها في الرواية دلالة ديمقراطية ودلالة موضوعية. ومعنى ذلك أن الرواية تقطع مع التسلط والأحادية وناتجهما من الصيغ الاجتماعية التقليدية والظلامية تلك التي كان التنوير، أول ما كان، نقضاً لها وانقضاضاً عليها.
وليس الاعتراف بالاختلاف من حيث هو مطلب مساواة سوى تجسيد لدلالة الاستقلالية التي كانت أول مبدأ للتنوير وشعاره الذي تعبِّر عنه مقولة كانت في مقاله الشهير، ما التنوير؟: «امتلك الشجاعة على أن تستعمل عقلك أنت! هكذا هو شعار التنوير»(1). وهو المدار الذي انبنت عليه القيمة الإنسانية؛ فالانتماء إلى الجنس البشري أي إلى الإنسانية بما هي صفة كونية هي أكثر أصالة من الانتماء إلى هذا المجتمع أو ذاك، ولهذا يقول تودوروف في كتابه (روح الأنوار): «إن مطلب المساواة نابع من الكونية»(2) ويحيل على هذه الكونية ضروب الكفاح التي لا تزال متواصلة إلى اليوم، مثل الكفاح من أجل أن تكون النساء مساويات للرجال أمام القانون، وإلغاء الرق، والاعتراف بكرامة الفقراء، والنظر إلى الأطفال باعتبارهم أشخاصاً، وحق الفكر والرأي والتعبير... إلخ.
وقد تضافرت الرواية مع الفنون الحديثة في التفاعل مع التنوير والتشكل بطوابعه ومطالبه، وأولها مطلب الحرية والاستقلالية؛ فليس هناك رواية بالمعنى الذي يجعلها رواية حقاً لا تخرق المتصل، ولا تنطق المسكوت عنه، ولا تتكون شخصياتها من خلال تعارضها مع بنية الواقع الاجتماعي. وهي في هذا المساق تعظِّم الفعل النقدي وتصدر عن وعي صميم بالنسبية الجوهرية للأشياء الإنسانية، وتغدو حكمتها ـ كما يصفها ميلان كونديرا ـ «حكمة اللايقين»(3). ولم يعد من طموحها الكشف عن الطابع المثالي للواقع الإنساني بل عن الإنسان في فرادته وانغماسه في عيشه وشؤونه الخاصة.
ومثلما كان الإقرار بكونية الإنسان معلولاً لشرعية الاختلاف والتنوع في فلسفة التنوير، فإن شهية المعرفة المفتوحة على النماذج الإنسانية المتعددة، وعلى المجتمعات الأخرى، هي ناتج تلك العلة التي أدت إلى أن ينظر الإنسان إلى ذاته بما يقلل من مركزيتها البشرية. وقد اتصل ذلك بدلالة الموضوعية في مدار الحقيقة العلمية وإبستمولوجيا المعرفة، تلك الدلالة التي أشعلت هوى المعرفة، باتجاه الدراسة للحياة المحسوسة للإنسان بقدر الدراسة للكون، فغدت العصور الحديثة تراكماً متصلاً ومستمراً من كشوف المعرفة الإنسانية والطبيعية المذهلة، وأصبحت الرواية ـ ضمن هذا السياق ـ فعلاً معرفياً. ولهذا يقول كونديرا: «إن الرواية التي لا تكشف جزءاً من الوجود لايزال مجهولاً هي رواية لا أخلاقية. إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة»(4).
هذه المعرفة التي ينبع منها النوع الروائي جعلته بلا حد، فهو بنية كتابية مفتوحة، وضدٌّ لأي تكوين جاهز. ومعنى ذلك أنه لا يوجد مرجع فوق الرواية، تماماً كما هي حال المعرفة التي لا تكون منتجاً نهائياً ولا مثالاً ناجزاً ومغلقاً على نفسه. وقد وصف إدوارد الخراط الرواية ـ من هذا الباب ـ بأنها «سعي نحو الواحدية المتنوعة المتكثِّرة الجوانب المفتوحة»(5). وهو وصف يعاين الرواية في تعبيرها عن المعيش الراهن، وتسجيلها للتغير لا الثبات والتعدد لا الوحدة والاختلاف لا الانسجام والواقع لا المثال، والنتيجة هي كثرة مفتوحة وتعدد لا نهائي، والوحدة ـ على رغم ذلك ـ هي لازم ذلك وملزومه الذي يحول دون العدمية واللامعنى.
ولقد كانت الرواية العربية منذ نشأتْ احتفاءً بأسئلة التنوير واندراجاً حتمياً في مساق ما أثاره من تبعات أخلاقية ومعرفية ووجودية وإيديولوجية في أزمنة الثقافة الحديثة التي لم يعد لكتابة المثقف فيها لجماعته الصغيرة من دلالة خارج حسابات المدلول الإنساني الذي كان من أول ما رشح عن فكر التنوير وروحه. وكانت الرواية العربية شريكة لبعض المنتجات الثقافية العربية الأخرى الشعرية والنظرية والأدائية في الاحتجاج ضد القمع والبحث عن الحرية والعدالة والمساواة، وتجسيد وطأة الظلم والجهل والتخلف، ونقد السلطة والثقافة الاجتماعية في المجتمعات العربية. لكن الرواية أربت على غيرها ـ في هذا الصدد ـ لطبيعة نوعية فيها تمنع ـ حتى لو هيمن صوت المؤلف ـ أحادية الصوت بسبب تعدد مادتها، ولطبيعتها الحرة على حافة الهوامش وبعيداً عن الرسمي والمركزي، وانطباعها بالموضوعية وتمردها على القولبة والتدجين. وإلى ذلك فهي مساحة اتساع لرسم صور الاختلاف والتنوع في النماذج والمجتمعات الإنسانية، والاحتشاد برغبة المعرفة وفضولها المحموم. وهي أمور تتصل ولا تنفصل سببياً عن مقروئيتها الواسعة وانتشارها في طبقات العامة والخاصة.
أما مادة هذا الكتاب فتتألف من قراءات كتبتها في أزمنة مختلفة ولكنها متقاربة، لروايات عديدة من البلدان العربية، تمتد منذ الثلاثينيات الميلادية إلى نهاية العقد الأول من هذا القرن، وأكثرها ينتمي إلى العقدين الأخيرين. وهي قراءات تصف تقنيات الروايات لاستكناه دلالاتها وسياقاتها الثقافية، وذلك من دون حساب لعنوان الكتاب الذي أصبحت الآن تؤلف متنه. فعنوان الكتاب هنا، هو ناتج التشارك والتلاقي بين الروايات في قراءتها وتوصيف دلالاتها، لكنه بالطبع ليس لاحقاً للقراءات مادام مخبوءاً فيها وامتداداً متصلاً في مادتها وفي الرؤية إليها، بل هو في النتيجة علاقة عموم تصل النوع الروائي بالتنوير وتجد براهينها بتجدد قراءات الرواية والحديث عنها وتقادمه على حد سواء.
وأول ما يقف عليه الكتاب هو أزمة التوجه التي بدت في الرواية العربية بمثابة بحث ثقافي في مساحة التقابل بين الشرق العربي الإسلامي والغرب، وذلك بالتذرع بتقنية الرحلة التي تتيح الإطلال على المجتمعات الأخرى واكتشافها عن طريق المقارنة بمجتمع الذات. وهي مقارنة ذات حمولة نقدية للذات في ضوء المعرفة بالغرب، ولكنها في الوقت نفسه نقدية للغرب في ضوء المعرفة بالشرق. وهي ـ هكذا ـ تترامى إلى خيال مجتمع جديد يخلع ربقة التخلف والقمع والتسلط والمادية، وبهذا تصنع تعددية النماذج الثقافية الاجتماعية التي تفض طوق الواقع ومحدوديته وتفترض ـ ما دام الأمر كذلك ـ قراءة تفاوضية وحوارية وغير تلقينية.
ويأتي تكسير نمط العلاقة الثقافية بالآخر أحد تجليات الرواية العربية، التي تفكك بها التعصب وتخرق متصل الخطاب لتوليد إثارة وخلق حدث بالمعنى الروائي والتداولي. وهو منظور ترامت به الرواية إلى ممارسة دور نقدي تجاه الثقافة لتوليد معان إنسانية ووطنية بمنجاة من التعصب والكراهية والاحتشاد بالبغضاء والمكائد المتبادلة. وقد غدا هذا المنظور مداراً من دلالة متداولة روائياً على أن فضاء التعصب متقارن مع الطغيان والمجتمعات البطريركية ولا يكف عن توليد أوهام الذات المشوِّهة لإنسانيتها وعقلانيتها. وهكذا كانت صفات الحب والتسامح والسلام في النموذج الروائي إحالة على القوة لا الضعف والعلم لا الجهل والانفتاح لا العزلة ووضوح الهوية لا تلاشيها، ومقتضى ذلك أن التعصب هو ـ على العكس ـ ناتج الضعف والجهل والانغلاق وارتباك الهوية.
هناك مسألتان مترابطتان يثيرهما عنوان هذا الكتاب، الأولى: في العلاقة بين الرواية ـ من جهة ـ بوصفها نوعاً أدبياً، لا أدبية له ـ كما الأنواع الأدبية كلها ـ بمضمونه أو بغايته، وإنما بشكله، والتنوير ـ من جهة أخرى ـ وهو ـ في ضوء هذه الرؤية ـ مضمون وغاية، تستوي في تضمُّنه والدلالة عليه خطابات مختلفة أدبية وغير أدبية. والأخرى: ما تؤدي إليه عَنْوَنة الكتاب بذلك من تأشير على موضوع الكتاب ومنهجه بما يصلهما بالممارسة التبشيرية والترويجية التي تتعلق بالإيديولوجيا أكثر من تعلقها بالمعرفة، أو يصلهما بالتأريخ للرواية تأريخاً للموضوعات والأهداف، وهاتان الصلتان كلتاهما لم تكونا من قصد الكتاب المباشر.
لنقل ـ ببساطة ـ إن التنوير هو وعي التقدم وقيم المدنية الحديثة التي تحتفي بالحرية والفردية والمعرفة والحقوق الإنسانية وتدافع غوائل التسلط والاستبداد والوصاية بأي معنى. هكذا لا تصبح الصلة بين الرواية والتنوير، مخصِّصَةً بالضرورة خطاب الرواية دون غيره من الخطابات بتضمن التنوير والقصد إليه. ولذلك يمكن أن نفهم علاقة الرواية بالتنوير هنا من خلال خصائص الرواية النوعية، ومن خلال سياق تشكلها وفعلها التاريخي الثقافي في الأدب العالمي وبخاصة الأوروبي الذي نبعت منه، وفي الأدب العربي على حد سواء.
فالرواية تقوم على تعارضات تمثِّل وجوه التقابل والصراع الثقافي الاجتماعي وتعدُّدَها واختلافها، وهي بهذا تنفتح على العموم الاجتماعي والإنساني الذي يغدو التمثيل للاختلاف فيه وجهاً من وجوه التأكيد على التساوي والاعتراف به. وهنا تأتي الصفة البوليفونية للرواية التي بنى عليها باختين خاصية الحوارية، بحيث يغدو تعدد الأصوات واختلافها في الرواية دلالة ديمقراطية ودلالة موضوعية. ومعنى ذلك أن الرواية تقطع مع التسلط والأحادية وناتجهما من الصيغ الاجتماعية التقليدية والظلامية تلك التي كان التنوير، أول ما كان، نقضاً لها وانقضاضاً عليها.
وليس الاعتراف بالاختلاف من حيث هو مطلب مساواة سوى تجسيد لدلالة الاستقلالية التي كانت أول مبدأ للتنوير وشعاره الذي تعبِّر عنه مقولة كانت في مقاله الشهير، ما التنوير؟: «امتلك الشجاعة على أن تستعمل عقلك أنت! هكذا هو شعار التنوير»(1). وهو المدار الذي انبنت عليه القيمة الإنسانية؛ فالانتماء إلى الجنس البشري أي إلى الإنسانية بما هي صفة كونية هي أكثر أصالة من الانتماء إلى هذا المجتمع أو ذاك، ولهذا يقول تودوروف في كتابه (روح الأنوار): «إن مطلب المساواة نابع من الكونية»(2) ويحيل على هذه الكونية ضروب الكفاح التي لا تزال متواصلة إلى اليوم، مثل الكفاح من أجل أن تكون النساء مساويات للرجال أمام القانون، وإلغاء الرق، والاعتراف بكرامة الفقراء، والنظر إلى الأطفال باعتبارهم أشخاصاً، وحق الفكر والرأي والتعبير... إلخ.
وقد تضافرت الرواية مع الفنون الحديثة في التفاعل مع التنوير والتشكل بطوابعه ومطالبه، وأولها مطلب الحرية والاستقلالية؛ فليس هناك رواية بالمعنى الذي يجعلها رواية حقاً لا تخرق المتصل، ولا تنطق المسكوت عنه، ولا تتكون شخصياتها من خلال تعارضها مع بنية الواقع الاجتماعي. وهي في هذا المساق تعظِّم الفعل النقدي وتصدر عن وعي صميم بالنسبية الجوهرية للأشياء الإنسانية، وتغدو حكمتها ـ كما يصفها ميلان كونديرا ـ «حكمة اللايقين»(3). ولم يعد من طموحها الكشف عن الطابع المثالي للواقع الإنساني بل عن الإنسان في فرادته وانغماسه في عيشه وشؤونه الخاصة.
ومثلما كان الإقرار بكونية الإنسان معلولاً لشرعية الاختلاف والتنوع في فلسفة التنوير، فإن شهية المعرفة المفتوحة على النماذج الإنسانية المتعددة، وعلى المجتمعات الأخرى، هي ناتج تلك العلة التي أدت إلى أن ينظر الإنسان إلى ذاته بما يقلل من مركزيتها البشرية. وقد اتصل ذلك بدلالة الموضوعية في مدار الحقيقة العلمية وإبستمولوجيا المعرفة، تلك الدلالة التي أشعلت هوى المعرفة، باتجاه الدراسة للحياة المحسوسة للإنسان بقدر الدراسة للكون، فغدت العصور الحديثة تراكماً متصلاً ومستمراً من كشوف المعرفة الإنسانية والطبيعية المذهلة، وأصبحت الرواية ـ ضمن هذا السياق ـ فعلاً معرفياً. ولهذا يقول كونديرا: «إن الرواية التي لا تكشف جزءاً من الوجود لايزال مجهولاً هي رواية لا أخلاقية. إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة»(4).
هذه المعرفة التي ينبع منها النوع الروائي جعلته بلا حد، فهو بنية كتابية مفتوحة، وضدٌّ لأي تكوين جاهز. ومعنى ذلك أنه لا يوجد مرجع فوق الرواية، تماماً كما هي حال المعرفة التي لا تكون منتجاً نهائياً ولا مثالاً ناجزاً ومغلقاً على نفسه. وقد وصف إدوارد الخراط الرواية ـ من هذا الباب ـ بأنها «سعي نحو الواحدية المتنوعة المتكثِّرة الجوانب المفتوحة»(5). وهو وصف يعاين الرواية في تعبيرها عن المعيش الراهن، وتسجيلها للتغير لا الثبات والتعدد لا الوحدة والاختلاف لا الانسجام والواقع لا المثال، والنتيجة هي كثرة مفتوحة وتعدد لا نهائي، والوحدة ـ على رغم ذلك ـ هي لازم ذلك وملزومه الذي يحول دون العدمية واللامعنى.
ولقد كانت الرواية العربية منذ نشأتْ احتفاءً بأسئلة التنوير واندراجاً حتمياً في مساق ما أثاره من تبعات أخلاقية ومعرفية ووجودية وإيديولوجية في أزمنة الثقافة الحديثة التي لم يعد لكتابة المثقف فيها لجماعته الصغيرة من دلالة خارج حسابات المدلول الإنساني الذي كان من أول ما رشح عن فكر التنوير وروحه. وكانت الرواية العربية شريكة لبعض المنتجات الثقافية العربية الأخرى الشعرية والنظرية والأدائية في الاحتجاج ضد القمع والبحث عن الحرية والعدالة والمساواة، وتجسيد وطأة الظلم والجهل والتخلف، ونقد السلطة والثقافة الاجتماعية في المجتمعات العربية. لكن الرواية أربت على غيرها ـ في هذا الصدد ـ لطبيعة نوعية فيها تمنع ـ حتى لو هيمن صوت المؤلف ـ أحادية الصوت بسبب تعدد مادتها، ولطبيعتها الحرة على حافة الهوامش وبعيداً عن الرسمي والمركزي، وانطباعها بالموضوعية وتمردها على القولبة والتدجين. وإلى ذلك فهي مساحة اتساع لرسم صور الاختلاف والتنوع في النماذج والمجتمعات الإنسانية، والاحتشاد برغبة المعرفة وفضولها المحموم. وهي أمور تتصل ولا تنفصل سببياً عن مقروئيتها الواسعة وانتشارها في طبقات العامة والخاصة.
أما مادة هذا الكتاب فتتألف من قراءات كتبتها في أزمنة مختلفة ولكنها متقاربة، لروايات عديدة من البلدان العربية، تمتد منذ الثلاثينيات الميلادية إلى نهاية العقد الأول من هذا القرن، وأكثرها ينتمي إلى العقدين الأخيرين. وهي قراءات تصف تقنيات الروايات لاستكناه دلالاتها وسياقاتها الثقافية، وذلك من دون حساب لعنوان الكتاب الذي أصبحت الآن تؤلف متنه. فعنوان الكتاب هنا، هو ناتج التشارك والتلاقي بين الروايات في قراءتها وتوصيف دلالاتها، لكنه بالطبع ليس لاحقاً للقراءات مادام مخبوءاً فيها وامتداداً متصلاً في مادتها وفي الرؤية إليها، بل هو في النتيجة علاقة عموم تصل النوع الروائي بالتنوير وتجد براهينها بتجدد قراءات الرواية والحديث عنها وتقادمه على حد سواء.
وأول ما يقف عليه الكتاب هو أزمة التوجه التي بدت في الرواية العربية بمثابة بحث ثقافي في مساحة التقابل بين الشرق العربي الإسلامي والغرب، وذلك بالتذرع بتقنية الرحلة التي تتيح الإطلال على المجتمعات الأخرى واكتشافها عن طريق المقارنة بمجتمع الذات. وهي مقارنة ذات حمولة نقدية للذات في ضوء المعرفة بالغرب، ولكنها في الوقت نفسه نقدية للغرب في ضوء المعرفة بالشرق. وهي ـ هكذا ـ تترامى إلى خيال مجتمع جديد يخلع ربقة التخلف والقمع والتسلط والمادية، وبهذا تصنع تعددية النماذج الثقافية الاجتماعية التي تفض طوق الواقع ومحدوديته وتفترض ـ ما دام الأمر كذلك ـ قراءة تفاوضية وحوارية وغير تلقينية.
ويأتي تكسير نمط العلاقة الثقافية بالآخر أحد تجليات الرواية العربية، التي تفكك بها التعصب وتخرق متصل الخطاب لتوليد إثارة وخلق حدث بالمعنى الروائي والتداولي. وهو منظور ترامت به الرواية إلى ممارسة دور نقدي تجاه الثقافة لتوليد معان إنسانية ووطنية بمنجاة من التعصب والكراهية والاحتشاد بالبغضاء والمكائد المتبادلة. وقد غدا هذا المنظور مداراً من دلالة متداولة روائياً على أن فضاء التعصب متقارن مع الطغيان والمجتمعات البطريركية ولا يكف عن توليد أوهام الذات المشوِّهة لإنسانيتها وعقلانيتها. وهكذا كانت صفات الحب والتسامح والسلام في النموذج الروائي إحالة على القوة لا الضعف والعلم لا الجهل والانفتاح لا العزلة ووضوح الهوية لا تلاشيها، ومقتضى ذلك أن التعصب هو ـ على العكس ـ ناتج الضعف والجهل والانغلاق وارتباك الهوية.
Page 2
ولا يستقل تفكيك التعصب عن تفكيك التطرف الديني الذي حاولته المعالجات الروائية، لأنهما ينهلان من معين واحد وينطبعان بالطوابع الدوغمائية نفسها. ونموذج التفكيك للتطرف الديني روائياً يأخذ أهميته الظرفية في تصاعد عنف الجماعات الإرهابية المسيّسة التي أدلجت الدين الإسلامي وتمسّحت به زوراً وبهتاناً في تفجيرات غادرة وممارسات عنيفة طاولت الأبرياء حتى من أبناء الدين الإسلامي نفسه، واستمالت الشباب إليها لملاقاة حتوفهم بتزييف معاني الجهاد والشهادة. لكن النموذج الروائي في هذا الصدد لا يفصل الإرهاب عن سياق الواقع العربي الإسلامي الذي تغدو فيه الممارسة السياسية ضرباً من الاغتصاب والإكراه، وذلك في مدار يكشف عن دلالات الموت في واقع وجودي وثقافي مأزوم لم يعد يستشعر لذة الحياة وقيمتها، ويقرن بين الإرهاب والسلطة المستبدة والفاسدة قراناً واصلاً بين مكوناتهما في تولُّد أحدهما عن الآخر، وتبادلهما الفعل ورد الفعل.
وقد تجلّى في الرواية العربية مخاض عسير لولادة جيل جديد، جيل خارج من تحكُّم الجماعة واستبدادها، جيل يبحث عن فرديته، ويبحث عن معناه الاجتماعي في مداه الوطني والقومي والإنساني. وهو جيل يفرز ـ دوماً ـ العوائق ويولد العقبات بقدر ما يرثها، وينتجها بقدر ما يستوردها. وإذا كان المخاض ملابسة نشوء جديد، ومعاناة انبثاقه وتشكِّله، فإن تمثيله وسرد أحداثه هو محور انجلاء علاقة بين متقابلين: جديد وقديم، ونور وظلام، ومقبول ومرفوض، وجميل وقبيح، ومتحرك وساكن، وحي وميت... في المدى الذي يصلنا بدائرة الجدل والاصطراع بين التيارات والمواقع والأفكار الاجتماعية، حين تبع النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي بدايات وعي جديد بالآخر العربي والغربي، وتزايد درجات نوعية من الاستيعاب للتراث، ومن ثم بروز مواقف نقدية تجاه الذات متصلة بالتطلع إلى المستقبل، خصوصاً في جهة الموقف من المرأة، وحرية التعبير، والعدالة الاجتماعية. وبرزت ـ في هذا الصدد ـ بطولة الشاب المثقف المعوّق اجتماعياً، كما برزت بطولة أدوات الوعي كالصحيفة والكتاب.
وبالطبع فإن المسافة الفاصلة بين المجتمعات المحافظة والمنغلقة وبين الرواية مجلى إثارة قمينة بالتأمل، فتلك المجتمعات تتأسس على حواجز صفيقة ضد البوح والنقد والكشف والشفافية، وتنفر من الانفتاح والتواصل مع الآخر. إنها مجتمعات لا تكاد تعرف غير الوعظ والخطابة والهجاء والمديح، وتبارك ـ دوماً ـ التلقين والاستظهار، وتنتج أفراداً بعقول وقامات متساوية، أو هكذا تظل تحلم. وبذلك تهيمن عليها أحادية الصوت، ويطغى الاستسهال والتحديدات الشكلانية التي تدلل على الانفصال عن تجربة الحياة، والانغماس في وهم الشعور بالاكتمال على نحو ينتج التلهف إلى ما يعكس صورة المجتمع من مرايا تبقيه هكذا. لذلك تبدو الرواية من هذه الوجهة ثورة في هذه المجتمعات، على مستوى الشكل والرؤية والمضمون، ويرينا النموذج هنا السرد الروائي من محلية معلنة باسمها وقد كانت إلى لحظته بكراً تقريباً، فيبتدرها بما يكتسح الجدران الساترة، ويفتح مغاليق الحكاية الموصدة على المستتر الذي تزداد حكايته تفصيلاً وجاذبية كلما ازداد استتاراً.
هذا الاستتار هو ما أغرى الرواية أن تتحسس المدينة العربية بالشم، فتحكي روائحها بطريقة اللعب على التعارض بين الإخفاء والفضح اللذين يمثلان التعارض بين فعل المدينة من جهة وفعل الرواية من جهة أخرى. وهي طريقة تمكِّن الرواية من السخرية التي لا قوام لأي رواية إلا بقدر منها، وذلك بإعلان الروائح التي تتقوَّم بقيمة الذاتي والخاص، وبالتذرع بذلك إلى تشخيص التردي والتناقض، أي إلى ما هو علة لكل سخرية. ولا تنفصل سخرية الرواية عن جديتها التي تبرز في البحث عن مفتاح للمأزق الإنساني والوجودي، مأزق الصراع على المنفعة والمادة والتسلط الإيديولوجي وقوى الجهل والتقليد والظلامية، وهو مبحث يجاور بين الإنساني والديني ويلوذ بالمقدَّس والإعجازي الذي يمد في حيِّز الزمن ويجاوز التجربة والمعقولية إلى الروح الكونية الجامعة وفضاءاتها في الغيب.
وقد كان المهمَّشون مداراً أثيراً للرواية تمارس إنطاقه وسرد عذابات الفقر والبؤس والإقصاء والتمييز والتسلط والأثرة والاستغلال والسُّخرة والجهل والتقليد التي تحط بكلكلها عليهم. وبدا في الرواية أن الأقفاص التي تخنقهم عديدة، وأن قفص الثقافة من حيث هي نتاج قوة بالمعنى السلطوي بكل ممكنات السلطة المعنوية والمادية، أكثرها تحدياً لهم وأشدها تأثيراً عليهم وتقييداً لهم؛ فقفص الكائن وسجنه أكثر بشاعة وفظاعة حين يكون سجناً ثقافياً. وقد كان ملفتاً هنا تلاشي البطولة بالمعنى التقليدي، أعني غياب دور الزعيم المخلّص والمنقذ الذي لم يعد الإيمان به من هذه الوجهة سوى تركة بائسة من مخلفات الحكاية الشعبية. وبدلاً من ذلك فإن الرواية تسلك مسلكاً ساخراً في دلالة البطولة وأحياناً مناقضاً لتقليدية البطل في الذاكرة فتأتي بطولة المرأة وبمعنى لا يلتبس بدور الذكورة والأبوية التقليدي وإنما دور الأمومة أو ما يخرق ميتافيزيقيا الذكورة الثقافية.
بقي أن أشير في ختام هذه المقدمة إلى أن معارضات التنوير العديدة منذ الرومانسية ومدرسة فرانكفورت بقطبيها الشهيرين في نقد التنوير: ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو وصولاً إلى ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة، إضافة إلى النقد الموجّه إليه في الثقافة العربية الإسلامية الحديثة، تعني، أكثر ما تعني، أن التنوير خط لا نقطة، وطريق لا بيت، واستمرار لا توقف، وأنه فكرة مفتوحة على الاغتناء المستمر بالنقد والكشف. وليست صلة الرواية بالتنوير، في أوضح ما تكون، في تداولها ثيمات معينة فقط يمكن أن نصفها بثيمات التنوير، وإنما في خاصية شكلها المفتوح وطبيعتها النقدية والكشفية. لكن هذه الصلة بين الرواية والتنوير لا تعني ـ بحسابات قيمة التنوير الإيجابية ـ أن تتبوأ الرواية ـ مهما قلنا عن أهميتها من هذه الوجهة ـ مرتبة فوق ما عداها من أشكال الفكر والأدب والفن، خصوصاً والرواية نفسها ممارسة تفكيك ونقض لتراتبات الأشكال والأنواع والطبقات، فهناك ـ إذن ـ حاجة إلى الكشف عن ممارسة التنوير وأشكالها في الشعر وفنون الصورة والفنون الأدائية وألوان الفكر النظري والتحليلي... بقدر لا يقل عما تطرحه الرواية ولا يستقل عنه.
والله الموفق.
الرياض
21يناير/ كانون الثاني 2012
وقد تجلّى في الرواية العربية مخاض عسير لولادة جيل جديد، جيل خارج من تحكُّم الجماعة واستبدادها، جيل يبحث عن فرديته، ويبحث عن معناه الاجتماعي في مداه الوطني والقومي والإنساني. وهو جيل يفرز ـ دوماً ـ العوائق ويولد العقبات بقدر ما يرثها، وينتجها بقدر ما يستوردها. وإذا كان المخاض ملابسة نشوء جديد، ومعاناة انبثاقه وتشكِّله، فإن تمثيله وسرد أحداثه هو محور انجلاء علاقة بين متقابلين: جديد وقديم، ونور وظلام، ومقبول ومرفوض، وجميل وقبيح، ومتحرك وساكن، وحي وميت... في المدى الذي يصلنا بدائرة الجدل والاصطراع بين التيارات والمواقع والأفكار الاجتماعية، حين تبع النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي بدايات وعي جديد بالآخر العربي والغربي، وتزايد درجات نوعية من الاستيعاب للتراث، ومن ثم بروز مواقف نقدية تجاه الذات متصلة بالتطلع إلى المستقبل، خصوصاً في جهة الموقف من المرأة، وحرية التعبير، والعدالة الاجتماعية. وبرزت ـ في هذا الصدد ـ بطولة الشاب المثقف المعوّق اجتماعياً، كما برزت بطولة أدوات الوعي كالصحيفة والكتاب.
وبالطبع فإن المسافة الفاصلة بين المجتمعات المحافظة والمنغلقة وبين الرواية مجلى إثارة قمينة بالتأمل، فتلك المجتمعات تتأسس على حواجز صفيقة ضد البوح والنقد والكشف والشفافية، وتنفر من الانفتاح والتواصل مع الآخر. إنها مجتمعات لا تكاد تعرف غير الوعظ والخطابة والهجاء والمديح، وتبارك ـ دوماً ـ التلقين والاستظهار، وتنتج أفراداً بعقول وقامات متساوية، أو هكذا تظل تحلم. وبذلك تهيمن عليها أحادية الصوت، ويطغى الاستسهال والتحديدات الشكلانية التي تدلل على الانفصال عن تجربة الحياة، والانغماس في وهم الشعور بالاكتمال على نحو ينتج التلهف إلى ما يعكس صورة المجتمع من مرايا تبقيه هكذا. لذلك تبدو الرواية من هذه الوجهة ثورة في هذه المجتمعات، على مستوى الشكل والرؤية والمضمون، ويرينا النموذج هنا السرد الروائي من محلية معلنة باسمها وقد كانت إلى لحظته بكراً تقريباً، فيبتدرها بما يكتسح الجدران الساترة، ويفتح مغاليق الحكاية الموصدة على المستتر الذي تزداد حكايته تفصيلاً وجاذبية كلما ازداد استتاراً.
هذا الاستتار هو ما أغرى الرواية أن تتحسس المدينة العربية بالشم، فتحكي روائحها بطريقة اللعب على التعارض بين الإخفاء والفضح اللذين يمثلان التعارض بين فعل المدينة من جهة وفعل الرواية من جهة أخرى. وهي طريقة تمكِّن الرواية من السخرية التي لا قوام لأي رواية إلا بقدر منها، وذلك بإعلان الروائح التي تتقوَّم بقيمة الذاتي والخاص، وبالتذرع بذلك إلى تشخيص التردي والتناقض، أي إلى ما هو علة لكل سخرية. ولا تنفصل سخرية الرواية عن جديتها التي تبرز في البحث عن مفتاح للمأزق الإنساني والوجودي، مأزق الصراع على المنفعة والمادة والتسلط الإيديولوجي وقوى الجهل والتقليد والظلامية، وهو مبحث يجاور بين الإنساني والديني ويلوذ بالمقدَّس والإعجازي الذي يمد في حيِّز الزمن ويجاوز التجربة والمعقولية إلى الروح الكونية الجامعة وفضاءاتها في الغيب.
وقد كان المهمَّشون مداراً أثيراً للرواية تمارس إنطاقه وسرد عذابات الفقر والبؤس والإقصاء والتمييز والتسلط والأثرة والاستغلال والسُّخرة والجهل والتقليد التي تحط بكلكلها عليهم. وبدا في الرواية أن الأقفاص التي تخنقهم عديدة، وأن قفص الثقافة من حيث هي نتاج قوة بالمعنى السلطوي بكل ممكنات السلطة المعنوية والمادية، أكثرها تحدياً لهم وأشدها تأثيراً عليهم وتقييداً لهم؛ فقفص الكائن وسجنه أكثر بشاعة وفظاعة حين يكون سجناً ثقافياً. وقد كان ملفتاً هنا تلاشي البطولة بالمعنى التقليدي، أعني غياب دور الزعيم المخلّص والمنقذ الذي لم يعد الإيمان به من هذه الوجهة سوى تركة بائسة من مخلفات الحكاية الشعبية. وبدلاً من ذلك فإن الرواية تسلك مسلكاً ساخراً في دلالة البطولة وأحياناً مناقضاً لتقليدية البطل في الذاكرة فتأتي بطولة المرأة وبمعنى لا يلتبس بدور الذكورة والأبوية التقليدي وإنما دور الأمومة أو ما يخرق ميتافيزيقيا الذكورة الثقافية.
بقي أن أشير في ختام هذه المقدمة إلى أن معارضات التنوير العديدة منذ الرومانسية ومدرسة فرانكفورت بقطبيها الشهيرين في نقد التنوير: ماكس هوركهايمر وثيودور ف. أدورنو وصولاً إلى ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة، إضافة إلى النقد الموجّه إليه في الثقافة العربية الإسلامية الحديثة، تعني، أكثر ما تعني، أن التنوير خط لا نقطة، وطريق لا بيت، واستمرار لا توقف، وأنه فكرة مفتوحة على الاغتناء المستمر بالنقد والكشف. وليست صلة الرواية بالتنوير، في أوضح ما تكون، في تداولها ثيمات معينة فقط يمكن أن نصفها بثيمات التنوير، وإنما في خاصية شكلها المفتوح وطبيعتها النقدية والكشفية. لكن هذه الصلة بين الرواية والتنوير لا تعني ـ بحسابات قيمة التنوير الإيجابية ـ أن تتبوأ الرواية ـ مهما قلنا عن أهميتها من هذه الوجهة ـ مرتبة فوق ما عداها من أشكال الفكر والأدب والفن، خصوصاً والرواية نفسها ممارسة تفكيك ونقض لتراتبات الأشكال والأنواع والطبقات، فهناك ـ إذن ـ حاجة إلى الكشف عن ممارسة التنوير وأشكالها في الشعر وفنون الصورة والفنون الأدائية وألوان الفكر النظري والتحليلي... بقدر لا يقل عما تطرحه الرواية ولا يستقل عنه.
والله الموفق.
الرياض
21يناير/ كانون الثاني 2012
Page 3
عصفور الشرق الحائر
الرحلة إلى الغرب بحثاً عن الشرق
تمثِّل رواية توفيق الحكيم (1898ـ1987) «عصفور من الشرق» (1938) صورة الآخر الغربي، من خلال رؤية بطلها «محسن» أو عصفور الشرق، كما يصف نفسه ويصفه من حوله في الرواية في مرات عديدة. وهو فتى مصري قدم إلى فرنسا من دون أن تعلن الرواية شيئاً محدداً عن سبب قدومه، ومن خلال رؤية الشخصيات الأخرى الغربية ذات العلاقة بمحسن في فرنسا، وهم أفراد العائلة التي سكن عندها في الريف القريب من باريس، والرجل الروسي «إيفانوفتش» الذي قابله محسن في مطعم متواضع، ونشأت بينهما علاقة فكرية وثقافية، والفتاة «سوزي ديبون» التي هام بها عصفور الشرق، وانتهت به أوهامه تجاهها إلى اليأس والفراق.
والرحلة، هنا، هي الصفة الأولى التي تنفذ منها الرواية إلى بناء خطابها، وهي عادة سردية قديمة للتذرع إلى اكتشاف الآخر وتمثيله ووصفه. أعني أنها مبرر الحكاية له الذي يُخفي الرغبة المباشرة في سَوْق الأفكار المجردة عن وصف الآخر. لكن هذه الرغبة ليست حدثاً فردياً متعلقاً بالمؤلف بل هي سؤال المرحلة العربي والإسلامي والإنساني الذي انبثق من لحظة الاصطدام بالقوة الاستعمارية لأوروبا وتبلوُرِ الوعي بالذات، فنشأت ثقافة مصطرعة في ذاتها تجاه الغرب بين الإعجاب به والخوف منه، والانجذاب إليه والنفور عنه.
وهكذا توالت، في الفضاء العربي والإسلامي، في العصر الحديث، المقولات والكتب والروايات وأحياناً المناظرات... إلخ التي تجمعها رغبة الفهم لهذا الآخر، ولكنها في الوقت نفسه رغبة الفهم للذات ووعي بمأزقها ورغبة في تخطيه. وليس كتاب رفاعة الطهطاوي (1801ـ1873) «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وصفاً خالصاً للتقدم الأوروبي بل هو في الصميم أسئلة الفقدان مطروحة على الذات من موقع مختلف.
أسئلة الفقدان العربي والإسلامي، هذه، تأخذ زاوية نظر مختلفة عند آخرين من الأدباء والمفكرين والناشطين فتغدو أسئلة فقدان يعانيها الغرب لا الشرق، ويتم تقويم الغرب في زاوية العدو المتربص دوماً أو خانة المنحط دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، ضمن سياق يستمد من التنزيه للذات وإعلائها. لكن الحافز في الوجهتين جميعاً متصل بما يمثله الغرب من تحدٍّ صنع اصطراع الذات مع ذاتها واصطراعها معه.
وطبيعي أن يكون الغرب هو متعلق الحديث عن العلم والنظام والقوة والثروة والتقدم وملزوماتها ولوازمها بما يمثله منها عملياً، وأن يكون الغرب ـ في الوقت نفسه ـ حافز الحديث عن التراث والدين والهوية والأصالة بوصفها دوال ذاتية لها خصوص ومحلية.
وهو الحديث الذي أخذ يداور موضوعات إنسانية من قبيل: الحق والواجب والحرية والعدالة والحب والروحية والجمال والإنسان والعنصرية والحرب والتنوير التي لم تفارق مشاغل الفكر الإنساني وأحلامه منذ القدم لكنها تجددت في ضوء التقابل مع الغرب على القاعدة نفسها المتوترة بين الإعجاب والنفور بحيث يغدو الغرب ممدوحاً و ـ أو ـ مذموماً وتغدو الذات العربية الإسلامية في الموقع المعاكس الذي يتبادل مع الغرب الصفتين من منظور التقابل والمقارنة. والنتيجة هي تلك المواقف الأربعة التي استقرأها عبد الإله بلقريز في الوعي الذاتي بالآخر، وهي: وعي الاختلاف، ووعي التشابه، والشعور بالتفوق، والشعور بالنقص(6).
ولهذا كانت «عصفور من الشرق» التي نبعت من هذا المناخ وتعاطته، رواية أفكار أكثر منها رواية تجربة إنسانية. ورواية الأفكار كما هي صفتها في هذه الرواية، موجَّهة وليست موضوعية، فهي رواية مشغولة بأفكار شخصياتها، والتأتي لعرضها وتفصيلها. وهي رواية غير واقعية بالمعنى الذي يحيل السرد إلى أُطُر تصف الواقع وتصنفه على ضوء أفكار جاهزة، بعمومها وإجمالها، ومن ثم تقويمه في ضوئها.
إنها رواية واضحة القصد إلى بث الفكرة وإعلانها، والشخصيات تتكلم وتهجس أكثر من أن تفعل. لكن أفكارها التي تنطقها ليست إلا أفكار المؤلف، وذلك لأنه لا يجعلها تتصادم وتتعارض وتتخالف.
أما ماهية هذه الأفكار ونوعها، فإنها أفكار إيديولوجية عن الرؤية للعالم والإنسان والمجتمع، من خلال قيمة السعادة التي تتحقق في شروط معينة. وهي شروط سياسية اجتماعية تصنع واقعاً آمناً وعادلاً وجميلاً ومغتبطاً بروحانيته الدينية والعاطفية التي تفيض من الداخل، وتُبْقِي الإنسان إنساناً لا آلة صماء.
وعندئذ يحضر التقابل بين الشرق والغرب بوصفهما منبع العناصر والمكونات التي تتضمنها تلك الأفكار في الوقت الذي يبقيان بعيدَيْن عنها وخارجين عن شروطها، وهذا هو مبرر تلك الأفكار وبالتالي مبرر الرواية. فالغرب ظالم ومنحط تماماً كما هو الشرق، من وجهتين مختلفتين، وهما معاً يصنعان المعاناة التي تبحث عن الحل والخلاص.
ويبدو عنوان الرواية دالاً من هذه الوجهة، فالعصفور هو محسن، الفتى القادم إلى فرنسا، والعصفور يمثل البحث والتنقل بقدر ما يمثل رمزية الطائر على العلو والتحليق والحرية، والمجافاة للقفص الذي يقف في قبالة العصفور دال السجن والجمود والتدجين والقمع بغير معنى. وهو طائر ضعيف وصغير الحجم، ويَنْدى بدلالة عاطفية وروحية رامزة للجمال والحب والغناء والسلام والمودة.
ويضيف العنوان إلى ذلك نسبته إلى الشرق، فهو «عصفور من الشرق» وهذا يعني اغترابه، فلا معنى لنسبته إلى موطنه وهو فيه، كما يعني الإعلان عن مكان غربته وهو الغرب الذي يحضر ـ هو وليس غيره من الجهات أو أسماء الأماكن ـ في مقابل الشرق. وهكذا ترشِّح دلالة العنوان، غُربة العصفور وبحثه بين فضاءين: الشرق والغرب.
والعنوان، هكذا، وثيق الصلة بعالم الرواية وكونها الفني، ونابع من المؤدى الدلالي الذي تترامى إليه. فنسبة العصفور إلى الشرق وليس إلى مصر وهي تحديداً بلده، يعني القصد إلى انتزاع دلالة الوطن من الجهة والمكان والجغرافيا، إلى الدلالة الثقافية الاجتماعية والإيديولوجية، وهي دلالة وإن حيَّزها الشرق وحدَّها، فإنها تترامى إلى الإنساني والكوني بالمضادة لمفهوم الشرق الذي صنعه الغرب الاستشراقي والاستعماري، والذي آل إليه واقع الشرق بعوامل ذاتية وداخلية، فغدا محدوداً وضعيفاً وبلا تأثير، وقاصراً عن الأفكار التي تنطقها الرواية. ويضاف إلى ذلك أن الرواية تستلهم للشرق دلالة الأصل بما يعنيه من القدم والعراقة ومن دلالة المنبع والمصدر للأديان والتاريخ بحيث يغدو دلالة أشواق إنسانية وكونية.
وجاء الإهداء الذي تصدَّرَ الرواية: «إلى حاميتي الطاهرة السيدة زينب»، ليصنع علاقة مع العنوان ومع المتن، وليؤكد دلالة الشرق تلك، ويقدم وظيفة تداولية للرواية تصل بين المؤلف والقارئ من خلال الشخصية المهدَى إليها. فالإهداء ـ بحسب جينيت ـ ليس خطاباً يستهدف المهدَى إليه فقط، بل يستهدف أيضاً القارئ(7)، ومعنى ذلك أن المؤلف يجعل المهدَى إليه على علاقة به بحيث يغدو، كافلاً له، ومقوِّماً لإنجازه. وهذه دلالة واضحة هنا، فإهداء الرواية ليس إلى شخصية خاصة بل إلى مشتركة وهي السيدة زينب، سليلة بيت النبوة، في مؤدى يعلو عن الجهات وينفيها أو قل يفتحها على الإنساني والعام، ويؤمِّن معنى مغايراً للاغتراب ومضاداً للمادي والعنيف والآثم، أي لما هو سجين دلالة الصلة بالغرب، أي صلة.
ويحتشد متن الرواية ـ بعد ذلك ـ بدوال عديدة تؤكِّد دلالة الإنساني والروحي والعالمي، في الرؤية التي تصنعها تجاه العالم، وبشكل ينفي دلالة الغرب على الجهة أو على العرْق والعنصر، مثلما ينفيها عن الشرق.
أما اسم محسن الذي سمَّى به الحكيم بطل روايته هذه، وهو اسم دال على الثناء عليه ووصْفٌ له بالإحسان، فيتضافر مع الصفة الفكرية للرواية ذات المنحى التقويمي، ويبارك دلالة الإهداء إلى السيدة زينب التي تشف عن طلب القيمة. وقد سبق للحكيم أن اختاره اسماً لبطل روايته «عودة الروح» (1933) التي يضطلع فيها محسن بطموح تقدمي وطني واجتماعي، ويتطلع إلى دور قيادي ثوري، لحل معضلة التخلف.
الرحلة إلى الغرب بحثاً عن الشرق
تمثِّل رواية توفيق الحكيم (1898ـ1987) «عصفور من الشرق» (1938) صورة الآخر الغربي، من خلال رؤية بطلها «محسن» أو عصفور الشرق، كما يصف نفسه ويصفه من حوله في الرواية في مرات عديدة. وهو فتى مصري قدم إلى فرنسا من دون أن تعلن الرواية شيئاً محدداً عن سبب قدومه، ومن خلال رؤية الشخصيات الأخرى الغربية ذات العلاقة بمحسن في فرنسا، وهم أفراد العائلة التي سكن عندها في الريف القريب من باريس، والرجل الروسي «إيفانوفتش» الذي قابله محسن في مطعم متواضع، ونشأت بينهما علاقة فكرية وثقافية، والفتاة «سوزي ديبون» التي هام بها عصفور الشرق، وانتهت به أوهامه تجاهها إلى اليأس والفراق.
والرحلة، هنا، هي الصفة الأولى التي تنفذ منها الرواية إلى بناء خطابها، وهي عادة سردية قديمة للتذرع إلى اكتشاف الآخر وتمثيله ووصفه. أعني أنها مبرر الحكاية له الذي يُخفي الرغبة المباشرة في سَوْق الأفكار المجردة عن وصف الآخر. لكن هذه الرغبة ليست حدثاً فردياً متعلقاً بالمؤلف بل هي سؤال المرحلة العربي والإسلامي والإنساني الذي انبثق من لحظة الاصطدام بالقوة الاستعمارية لأوروبا وتبلوُرِ الوعي بالذات، فنشأت ثقافة مصطرعة في ذاتها تجاه الغرب بين الإعجاب به والخوف منه، والانجذاب إليه والنفور عنه.
وهكذا توالت، في الفضاء العربي والإسلامي، في العصر الحديث، المقولات والكتب والروايات وأحياناً المناظرات... إلخ التي تجمعها رغبة الفهم لهذا الآخر، ولكنها في الوقت نفسه رغبة الفهم للذات ووعي بمأزقها ورغبة في تخطيه. وليس كتاب رفاعة الطهطاوي (1801ـ1873) «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وصفاً خالصاً للتقدم الأوروبي بل هو في الصميم أسئلة الفقدان مطروحة على الذات من موقع مختلف.
أسئلة الفقدان العربي والإسلامي، هذه، تأخذ زاوية نظر مختلفة عند آخرين من الأدباء والمفكرين والناشطين فتغدو أسئلة فقدان يعانيها الغرب لا الشرق، ويتم تقويم الغرب في زاوية العدو المتربص دوماً أو خانة المنحط دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، ضمن سياق يستمد من التنزيه للذات وإعلائها. لكن الحافز في الوجهتين جميعاً متصل بما يمثله الغرب من تحدٍّ صنع اصطراع الذات مع ذاتها واصطراعها معه.
وطبيعي أن يكون الغرب هو متعلق الحديث عن العلم والنظام والقوة والثروة والتقدم وملزوماتها ولوازمها بما يمثله منها عملياً، وأن يكون الغرب ـ في الوقت نفسه ـ حافز الحديث عن التراث والدين والهوية والأصالة بوصفها دوال ذاتية لها خصوص ومحلية.
وهو الحديث الذي أخذ يداور موضوعات إنسانية من قبيل: الحق والواجب والحرية والعدالة والحب والروحية والجمال والإنسان والعنصرية والحرب والتنوير التي لم تفارق مشاغل الفكر الإنساني وأحلامه منذ القدم لكنها تجددت في ضوء التقابل مع الغرب على القاعدة نفسها المتوترة بين الإعجاب والنفور بحيث يغدو الغرب ممدوحاً و ـ أو ـ مذموماً وتغدو الذات العربية الإسلامية في الموقع المعاكس الذي يتبادل مع الغرب الصفتين من منظور التقابل والمقارنة. والنتيجة هي تلك المواقف الأربعة التي استقرأها عبد الإله بلقريز في الوعي الذاتي بالآخر، وهي: وعي الاختلاف، ووعي التشابه، والشعور بالتفوق، والشعور بالنقص(6).
ولهذا كانت «عصفور من الشرق» التي نبعت من هذا المناخ وتعاطته، رواية أفكار أكثر منها رواية تجربة إنسانية. ورواية الأفكار كما هي صفتها في هذه الرواية، موجَّهة وليست موضوعية، فهي رواية مشغولة بأفكار شخصياتها، والتأتي لعرضها وتفصيلها. وهي رواية غير واقعية بالمعنى الذي يحيل السرد إلى أُطُر تصف الواقع وتصنفه على ضوء أفكار جاهزة، بعمومها وإجمالها، ومن ثم تقويمه في ضوئها.
إنها رواية واضحة القصد إلى بث الفكرة وإعلانها، والشخصيات تتكلم وتهجس أكثر من أن تفعل. لكن أفكارها التي تنطقها ليست إلا أفكار المؤلف، وذلك لأنه لا يجعلها تتصادم وتتعارض وتتخالف.
أما ماهية هذه الأفكار ونوعها، فإنها أفكار إيديولوجية عن الرؤية للعالم والإنسان والمجتمع، من خلال قيمة السعادة التي تتحقق في شروط معينة. وهي شروط سياسية اجتماعية تصنع واقعاً آمناً وعادلاً وجميلاً ومغتبطاً بروحانيته الدينية والعاطفية التي تفيض من الداخل، وتُبْقِي الإنسان إنساناً لا آلة صماء.
وعندئذ يحضر التقابل بين الشرق والغرب بوصفهما منبع العناصر والمكونات التي تتضمنها تلك الأفكار في الوقت الذي يبقيان بعيدَيْن عنها وخارجين عن شروطها، وهذا هو مبرر تلك الأفكار وبالتالي مبرر الرواية. فالغرب ظالم ومنحط تماماً كما هو الشرق، من وجهتين مختلفتين، وهما معاً يصنعان المعاناة التي تبحث عن الحل والخلاص.
ويبدو عنوان الرواية دالاً من هذه الوجهة، فالعصفور هو محسن، الفتى القادم إلى فرنسا، والعصفور يمثل البحث والتنقل بقدر ما يمثل رمزية الطائر على العلو والتحليق والحرية، والمجافاة للقفص الذي يقف في قبالة العصفور دال السجن والجمود والتدجين والقمع بغير معنى. وهو طائر ضعيف وصغير الحجم، ويَنْدى بدلالة عاطفية وروحية رامزة للجمال والحب والغناء والسلام والمودة.
ويضيف العنوان إلى ذلك نسبته إلى الشرق، فهو «عصفور من الشرق» وهذا يعني اغترابه، فلا معنى لنسبته إلى موطنه وهو فيه، كما يعني الإعلان عن مكان غربته وهو الغرب الذي يحضر ـ هو وليس غيره من الجهات أو أسماء الأماكن ـ في مقابل الشرق. وهكذا ترشِّح دلالة العنوان، غُربة العصفور وبحثه بين فضاءين: الشرق والغرب.
والعنوان، هكذا، وثيق الصلة بعالم الرواية وكونها الفني، ونابع من المؤدى الدلالي الذي تترامى إليه. فنسبة العصفور إلى الشرق وليس إلى مصر وهي تحديداً بلده، يعني القصد إلى انتزاع دلالة الوطن من الجهة والمكان والجغرافيا، إلى الدلالة الثقافية الاجتماعية والإيديولوجية، وهي دلالة وإن حيَّزها الشرق وحدَّها، فإنها تترامى إلى الإنساني والكوني بالمضادة لمفهوم الشرق الذي صنعه الغرب الاستشراقي والاستعماري، والذي آل إليه واقع الشرق بعوامل ذاتية وداخلية، فغدا محدوداً وضعيفاً وبلا تأثير، وقاصراً عن الأفكار التي تنطقها الرواية. ويضاف إلى ذلك أن الرواية تستلهم للشرق دلالة الأصل بما يعنيه من القدم والعراقة ومن دلالة المنبع والمصدر للأديان والتاريخ بحيث يغدو دلالة أشواق إنسانية وكونية.
وجاء الإهداء الذي تصدَّرَ الرواية: «إلى حاميتي الطاهرة السيدة زينب»، ليصنع علاقة مع العنوان ومع المتن، وليؤكد دلالة الشرق تلك، ويقدم وظيفة تداولية للرواية تصل بين المؤلف والقارئ من خلال الشخصية المهدَى إليها. فالإهداء ـ بحسب جينيت ـ ليس خطاباً يستهدف المهدَى إليه فقط، بل يستهدف أيضاً القارئ(7)، ومعنى ذلك أن المؤلف يجعل المهدَى إليه على علاقة به بحيث يغدو، كافلاً له، ومقوِّماً لإنجازه. وهذه دلالة واضحة هنا، فإهداء الرواية ليس إلى شخصية خاصة بل إلى مشتركة وهي السيدة زينب، سليلة بيت النبوة، في مؤدى يعلو عن الجهات وينفيها أو قل يفتحها على الإنساني والعام، ويؤمِّن معنى مغايراً للاغتراب ومضاداً للمادي والعنيف والآثم، أي لما هو سجين دلالة الصلة بالغرب، أي صلة.
ويحتشد متن الرواية ـ بعد ذلك ـ بدوال عديدة تؤكِّد دلالة الإنساني والروحي والعالمي، في الرؤية التي تصنعها تجاه العالم، وبشكل ينفي دلالة الغرب على الجهة أو على العرْق والعنصر، مثلما ينفيها عن الشرق.
أما اسم محسن الذي سمَّى به الحكيم بطل روايته هذه، وهو اسم دال على الثناء عليه ووصْفٌ له بالإحسان، فيتضافر مع الصفة الفكرية للرواية ذات المنحى التقويمي، ويبارك دلالة الإهداء إلى السيدة زينب التي تشف عن طلب القيمة. وقد سبق للحكيم أن اختاره اسماً لبطل روايته «عودة الروح» (1933) التي يضطلع فيها محسن بطموح تقدمي وطني واجتماعي، ويتطلع إلى دور قيادي ثوري، لحل معضلة التخلف.
Page 4
الغرب: هذا الشهي... هذا الملعون!
تؤدي شخصية محسن في رواية «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وظيفة دلالية على موقف فكري وتقويمي تجاه ذاته وتجاه الواقع الذي يحيط به. فهو علامة دلالية مؤلَّفَة من خلال ما تتسم به شخصيته وفكره وسلوكه، تقوم بدور شبيه بالمرآة المتعددة الألوان التي تنعكس عليها صورة الغرب والدلالة عليه، بمنطق ذي مرجعية شرقية(عربية إسلامية)، ومرجعية إنسانية وفلسفية مثالية، لا يكف عن المقابلة والمقارنة والتقويم.
وأول ما تقفنا عليه الرواية خاصية الشاعرية والحُلم والخيالية في تكوينه، من خلال حدث المطر الذي تبدأ به الرواية، والذي ثبت له محسن وحيداً يسير الهوينا، ويتأمل نافورة الميدان، ثم تمثال الشاعر «دي موسيه» وقد نقش على قاعدته «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم»(8) وقول صديقه أندريه، ابن الأسرة التي سكن لديها: «إنك رجل خيالي، وهذه مصيبتك!» (ص58).
وتتصل هذه الخاصية بولعه بالفن وإعجابه بالمسرح وهيامه بالموسيقى، فالعجوز في منزل الأسرة التي سكن لديها، تعده بثمن لعمله في تقشير البصل لها، أن تعزف له أغنية على البيانو، فيهتز في كرسيه وينشد على الفور مطلع أغنية (سان ساينس): «قلبي يتفتح لصوتك كما تتفتح الأزهار لقبلات الصباح»! (ص36). وتعلقُه بالدخول إلى دار الأوبرا كان حكاية دالة حقاً على الجنون بالموسيقى، وهو حدث أشعر محسن في مقابل البذخ الباريسي بالصغار والفقر (ص37).
وتتكرر دلالات العشق للموسيقى في اندفاعه إلى حضور حفلة موسيقية تعزف فيها السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، ووصفه لها بالدلالة على ما يرفع الإنسانية إلى هذه المرتبة، مستذكراً كلمة قرأها في (نيتشه): «كل عواطف البشرية السامية في السيمفونية الخامسة!» (ص77). ويجلس أمام مبنى الأوديون يتأمل الأعمدة العظيمة التي يقوم عليها بناء المسرح الفخم، ويتصور بابه «كأنما هو باب الفردوس»! (ص66 ـ 67).
وتدلل الرواية على مثالية محسن الفكرية والسلوكية، من خلال الإشارة إلى قراءته كتاب أفلاطون «الجمهورية»، وهو يقشر البصل! (ص32). وفي ليلة الأوبرا التي أشعرته بالحرج والمذلة «تمثلت له تلك الجمهورية الجميلة التي تخيلها الشعراء والفلاسفة في كل زمان: جمهورية لا تعرف الفقر ولا تعرف الغنى لأنها لا تعرف الذهب، وتعرف السلام لأنها لا تعرف الجشع... الكل فيها مثل فرد واحد، والكل فيها يعمل، والكل يأكل، والكل يقرأ وينعم، والكل يلعب ويمرح. أما الذهب فإنهم يصنعون منه مصابيح الطرقات وحوافر الجياد»! وينتهي هذا الحلم بالتفجع على فقدانه والحنين إليه (ص38).
ولا يختلف منظور المثالية لدى محسن عن سمة الإنسانية التي تنفره من العنف والدم والكراهية والعدوان، وتعطفه على ضحايا البؤس والجشع. فمنظر الجندي البريطاني الذي قتله الثوار في القاهرة أمام عينيه، بضربه على رأسه بالحديد ظل كابوساً مفزعاً له، على الرغم من وطنيته وكراهيته للمحتلين وتأليفه الأغاني الحماسية للثوار. والعجوز الفرنسية وهي تدعو حفيدها الطفل الذي يلهو بلعبة أن يقتل الألمان، مذكِّرةً بما قصَّته عليه من إرادتهم تدمير باريس، يسترعي تأمل محسن: «أليس في كل فرنسا أمهات يلقن أطفالهن كراهية الألمان؟ ومن يدري؟ لعل كل نساء ألمانيا يعلمن أطفالهن كذلك بغض الفرنسيين! ولتكن الأسباب ما تكون... بأي حق تستطيع أم أن تنشئ ولدها على العداوة والبغضاء؟» (ص40).
وما دام محسن مثالياً وإنسانياً، وبروح الفنان وقلب الشاعر، فإن التقشف والبساطة والجدية والتصوف، عناصر متآلفة في تكوينه.
ولن ينسى قارئ الرواية حِدَّة هجائه للبذخ والإغراق في الترف ليلة دخوله دار الأوبرا، وقوله متذمراً: «لكأنما جاء القوم ـ وأغلبهم من سراة الأمريكان إلى هذا المكان ـ يتساجلون الغنى والسعة وكبرياء المال، أكثر مما جاءوا يلتمسون لذة التطهر والخضوع في حضرة الفن، أو لذة العودة إلى الإنسانية والروح على يد الموسيقى»! (ص37).
ويتأكد هذا المعنى في دخوله إلى مطعم زبائنه من العمال، وقول الراوي عنه: «ولكن الفتى لم يأنف من تلك السواعد العارية، والجباه المتصببة عرقاً، والثياب التي تقطر بؤساً؛ فمحسن لا يشعر دوماً أنه في مكانه، إلا بين أمثال هؤلاء» (ص93 ـ 94). وتصفه العجوز الريفية إلى زوجها بأنه لا يميل إلى اللهو. وأنه طالما فاجأه المساء، وهو جالس إلى مكتبه، أمام كتابه بلا حراك، وتدخل عليه حجرته، فتجد الظلام مخيماً عليه، وهو جالس جامد كالتمثال.
ويلوح من أكثر من إشارة أنه ذو هوى اشتراكي، خصوصاً في كراهيته للأمريكان التي تعني نفوره من التوحش الرأسمالي، وانعقاد الصلة بينه وبين الرجل الروسي «إيفانوفتش»، بعد أن اكتشف أنه يقرأ كتاب:»رأس المال» لماركس (ص95 ـ 96).
وإلى ذلك فهو متدين ومتصوف، فهو يسأل إيفانوفتش عن إيمانه، ويكرر السؤال باستبشار حين رآه يتحدث عن الدين. والراوي يصفه بقوله: «إن محسن ليشعر دوماً أنه لا يسكن الأرض وحدها، إن حياته ممتدة أيضاً إلى السماء، وإن له أصدقاء وأحباء وحماة من القديسين أهل السماء... إنه لن ينسى السيدة زينب الطاهرة وفضلها عليه في الملمات» (ص115).
وهو محتشم ومحافظ في أفكاره تجاه العلاقة بين الرجل والمرأة، فصديقه أندريه يتعرض لنقد محسن له واعتراضه عليه حين أكثر النظر والغزل في فتاة عابرة، ويصف الراوي ازورار محسن برأسه عن فتى وفتاة من أهل باريس تعانقا خلفه وقبَّل أحدهما الآخر علانية، لأنه لا يرضى أن تعرض العواطف هذا العرض، في الشوارع والطرقات، فتبتذل وهي التي ينبغي أن تحفظ في الصدور كما تحفظ اللآلئ في الأصداف. وغيرته على سوزي التي تعلَّق بها، حين تتأخر عليه، وحين يراها بصحبة غيره.
هذه السمات التي تخصص شخصية محسن في الرواية، تدلل على اختلافه عن المكان المحيط به في باريس، أي عن محتواه الثقافي الاجتماعي. لكن هذا الاختلاف لم يكن باتاً وكاملاً بالكلية، فهناك مشترك يسمح بنشوء علائق تحفز السرد وتمده في الزمن، وهي علائق تؤسس في خطاب الرواية للتَّقابل بقدر ما تؤسس للمقارنة، وهما جانبا الانفصال والاتصال اللذان يريد خطاب الرواية الدلالة عليهما، فلا مقارنة بين منفصلين لا يجمعهما جامع.
لقد كان خطاب الرواية يؤشر على انفصال محسن عن صفات المجتمع الغربي التي تجعله في قبالة محسن، فهو مجتمع مادي لا روحي، مجتمع غنى وثروة وبذخ، مجتمع إباحي غير متحفظ، مجتمع عملي وواقعي وبعيد عن الخيالية والمثالية، ومجتمع عنيف وبلا إنسانية. ويقع المجتمع الغربي من خلال هذه الصفات في مكان أدنى، من منظور الشخصية، التي تأخذ مكان العلو والصعود والسماء واللذة العليا والصفاء... إلخ.
وعلى الرغم من ذلك فإن محسن يكشف من منظوره عن جهات التواصل معه، في المجتمع الغربي، تلك التي تستدعي المقارنة بين مجتمعه المثالي ـ كما يتصوره ويقوِّمه ـ الذي يكوِّنه الشرق ولكنه يجاوزه إلى سواه من المجتمعات الإنسانية والأحلام المثالية، وبين المجتمع الغربي الذي تمثله باريس كما يراها. فالنقش المدوَّن على قاعدة تمثال الشاعر (دي موسيه) «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم» يثير ـ منذ أول الرواية ـ سؤاله: «حتى هنا أيضاً يعرفون هذا؟!» (ص19).
وهكذا يتفاعل محسن ويتواصل مع علامات أخرى عديدة تكرِّس خصائصه الموصوفة أعلاه، وتشنع على أضدادها مما يتصف به الغربيون. وليست محبة محسن للعمال وبؤسهم، أو مشاركته لشكوى أندريه وزوجه جرمين من استرقاق العمل لهما، أو شعوره بالخشوع حين دخل الكنيسة، أو انفعاله بثلب الروسي إيفان للغرب وثنائه على الشرق... إلخ سوى أمثلة مما يصل محسن بروابط مع المجتمع الغربي، لكنها روابط تضاعف دلالة انفصاله عنه لا اتصاله به، ومن ثم تؤكد دلالة بحثه عن شرقه المفقود، الذي تنتهي الرواية بطلب إيفان أن يرحلا، هو ومحسن، إليه.
تؤدي شخصية محسن في رواية «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، وظيفة دلالية على موقف فكري وتقويمي تجاه ذاته وتجاه الواقع الذي يحيط به. فهو علامة دلالية مؤلَّفَة من خلال ما تتسم به شخصيته وفكره وسلوكه، تقوم بدور شبيه بالمرآة المتعددة الألوان التي تنعكس عليها صورة الغرب والدلالة عليه، بمنطق ذي مرجعية شرقية(عربية إسلامية)، ومرجعية إنسانية وفلسفية مثالية، لا يكف عن المقابلة والمقارنة والتقويم.
وأول ما تقفنا عليه الرواية خاصية الشاعرية والحُلم والخيالية في تكوينه، من خلال حدث المطر الذي تبدأ به الرواية، والذي ثبت له محسن وحيداً يسير الهوينا، ويتأمل نافورة الميدان، ثم تمثال الشاعر «دي موسيه» وقد نقش على قاعدته «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم»(8) وقول صديقه أندريه، ابن الأسرة التي سكن لديها: «إنك رجل خيالي، وهذه مصيبتك!» (ص58).
وتتصل هذه الخاصية بولعه بالفن وإعجابه بالمسرح وهيامه بالموسيقى، فالعجوز في منزل الأسرة التي سكن لديها، تعده بثمن لعمله في تقشير البصل لها، أن تعزف له أغنية على البيانو، فيهتز في كرسيه وينشد على الفور مطلع أغنية (سان ساينس): «قلبي يتفتح لصوتك كما تتفتح الأزهار لقبلات الصباح»! (ص36). وتعلقُه بالدخول إلى دار الأوبرا كان حكاية دالة حقاً على الجنون بالموسيقى، وهو حدث أشعر محسن في مقابل البذخ الباريسي بالصغار والفقر (ص37).
وتتكرر دلالات العشق للموسيقى في اندفاعه إلى حضور حفلة موسيقية تعزف فيها السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، ووصفه لها بالدلالة على ما يرفع الإنسانية إلى هذه المرتبة، مستذكراً كلمة قرأها في (نيتشه): «كل عواطف البشرية السامية في السيمفونية الخامسة!» (ص77). ويجلس أمام مبنى الأوديون يتأمل الأعمدة العظيمة التي يقوم عليها بناء المسرح الفخم، ويتصور بابه «كأنما هو باب الفردوس»! (ص66 ـ 67).
وتدلل الرواية على مثالية محسن الفكرية والسلوكية، من خلال الإشارة إلى قراءته كتاب أفلاطون «الجمهورية»، وهو يقشر البصل! (ص32). وفي ليلة الأوبرا التي أشعرته بالحرج والمذلة «تمثلت له تلك الجمهورية الجميلة التي تخيلها الشعراء والفلاسفة في كل زمان: جمهورية لا تعرف الفقر ولا تعرف الغنى لأنها لا تعرف الذهب، وتعرف السلام لأنها لا تعرف الجشع... الكل فيها مثل فرد واحد، والكل فيها يعمل، والكل يأكل، والكل يقرأ وينعم، والكل يلعب ويمرح. أما الذهب فإنهم يصنعون منه مصابيح الطرقات وحوافر الجياد»! وينتهي هذا الحلم بالتفجع على فقدانه والحنين إليه (ص38).
ولا يختلف منظور المثالية لدى محسن عن سمة الإنسانية التي تنفره من العنف والدم والكراهية والعدوان، وتعطفه على ضحايا البؤس والجشع. فمنظر الجندي البريطاني الذي قتله الثوار في القاهرة أمام عينيه، بضربه على رأسه بالحديد ظل كابوساً مفزعاً له، على الرغم من وطنيته وكراهيته للمحتلين وتأليفه الأغاني الحماسية للثوار. والعجوز الفرنسية وهي تدعو حفيدها الطفل الذي يلهو بلعبة أن يقتل الألمان، مذكِّرةً بما قصَّته عليه من إرادتهم تدمير باريس، يسترعي تأمل محسن: «أليس في كل فرنسا أمهات يلقن أطفالهن كراهية الألمان؟ ومن يدري؟ لعل كل نساء ألمانيا يعلمن أطفالهن كذلك بغض الفرنسيين! ولتكن الأسباب ما تكون... بأي حق تستطيع أم أن تنشئ ولدها على العداوة والبغضاء؟» (ص40).
وما دام محسن مثالياً وإنسانياً، وبروح الفنان وقلب الشاعر، فإن التقشف والبساطة والجدية والتصوف، عناصر متآلفة في تكوينه.
ولن ينسى قارئ الرواية حِدَّة هجائه للبذخ والإغراق في الترف ليلة دخوله دار الأوبرا، وقوله متذمراً: «لكأنما جاء القوم ـ وأغلبهم من سراة الأمريكان إلى هذا المكان ـ يتساجلون الغنى والسعة وكبرياء المال، أكثر مما جاءوا يلتمسون لذة التطهر والخضوع في حضرة الفن، أو لذة العودة إلى الإنسانية والروح على يد الموسيقى»! (ص37).
ويتأكد هذا المعنى في دخوله إلى مطعم زبائنه من العمال، وقول الراوي عنه: «ولكن الفتى لم يأنف من تلك السواعد العارية، والجباه المتصببة عرقاً، والثياب التي تقطر بؤساً؛ فمحسن لا يشعر دوماً أنه في مكانه، إلا بين أمثال هؤلاء» (ص93 ـ 94). وتصفه العجوز الريفية إلى زوجها بأنه لا يميل إلى اللهو. وأنه طالما فاجأه المساء، وهو جالس إلى مكتبه، أمام كتابه بلا حراك، وتدخل عليه حجرته، فتجد الظلام مخيماً عليه، وهو جالس جامد كالتمثال.
ويلوح من أكثر من إشارة أنه ذو هوى اشتراكي، خصوصاً في كراهيته للأمريكان التي تعني نفوره من التوحش الرأسمالي، وانعقاد الصلة بينه وبين الرجل الروسي «إيفانوفتش»، بعد أن اكتشف أنه يقرأ كتاب:»رأس المال» لماركس (ص95 ـ 96).
وإلى ذلك فهو متدين ومتصوف، فهو يسأل إيفانوفتش عن إيمانه، ويكرر السؤال باستبشار حين رآه يتحدث عن الدين. والراوي يصفه بقوله: «إن محسن ليشعر دوماً أنه لا يسكن الأرض وحدها، إن حياته ممتدة أيضاً إلى السماء، وإن له أصدقاء وأحباء وحماة من القديسين أهل السماء... إنه لن ينسى السيدة زينب الطاهرة وفضلها عليه في الملمات» (ص115).
وهو محتشم ومحافظ في أفكاره تجاه العلاقة بين الرجل والمرأة، فصديقه أندريه يتعرض لنقد محسن له واعتراضه عليه حين أكثر النظر والغزل في فتاة عابرة، ويصف الراوي ازورار محسن برأسه عن فتى وفتاة من أهل باريس تعانقا خلفه وقبَّل أحدهما الآخر علانية، لأنه لا يرضى أن تعرض العواطف هذا العرض، في الشوارع والطرقات، فتبتذل وهي التي ينبغي أن تحفظ في الصدور كما تحفظ اللآلئ في الأصداف. وغيرته على سوزي التي تعلَّق بها، حين تتأخر عليه، وحين يراها بصحبة غيره.
هذه السمات التي تخصص شخصية محسن في الرواية، تدلل على اختلافه عن المكان المحيط به في باريس، أي عن محتواه الثقافي الاجتماعي. لكن هذا الاختلاف لم يكن باتاً وكاملاً بالكلية، فهناك مشترك يسمح بنشوء علائق تحفز السرد وتمده في الزمن، وهي علائق تؤسس في خطاب الرواية للتَّقابل بقدر ما تؤسس للمقارنة، وهما جانبا الانفصال والاتصال اللذان يريد خطاب الرواية الدلالة عليهما، فلا مقارنة بين منفصلين لا يجمعهما جامع.
لقد كان خطاب الرواية يؤشر على انفصال محسن عن صفات المجتمع الغربي التي تجعله في قبالة محسن، فهو مجتمع مادي لا روحي، مجتمع غنى وثروة وبذخ، مجتمع إباحي غير متحفظ، مجتمع عملي وواقعي وبعيد عن الخيالية والمثالية، ومجتمع عنيف وبلا إنسانية. ويقع المجتمع الغربي من خلال هذه الصفات في مكان أدنى، من منظور الشخصية، التي تأخذ مكان العلو والصعود والسماء واللذة العليا والصفاء... إلخ.
وعلى الرغم من ذلك فإن محسن يكشف من منظوره عن جهات التواصل معه، في المجتمع الغربي، تلك التي تستدعي المقارنة بين مجتمعه المثالي ـ كما يتصوره ويقوِّمه ـ الذي يكوِّنه الشرق ولكنه يجاوزه إلى سواه من المجتمعات الإنسانية والأحلام المثالية، وبين المجتمع الغربي الذي تمثله باريس كما يراها. فالنقش المدوَّن على قاعدة تمثال الشاعر (دي موسيه) «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم» يثير ـ منذ أول الرواية ـ سؤاله: «حتى هنا أيضاً يعرفون هذا؟!» (ص19).
وهكذا يتفاعل محسن ويتواصل مع علامات أخرى عديدة تكرِّس خصائصه الموصوفة أعلاه، وتشنع على أضدادها مما يتصف به الغربيون. وليست محبة محسن للعمال وبؤسهم، أو مشاركته لشكوى أندريه وزوجه جرمين من استرقاق العمل لهما، أو شعوره بالخشوع حين دخل الكنيسة، أو انفعاله بثلب الروسي إيفان للغرب وثنائه على الشرق... إلخ سوى أمثلة مما يصل محسن بروابط مع المجتمع الغربي، لكنها روابط تضاعف دلالة انفصاله عنه لا اتصاله به، ومن ثم تؤكد دلالة بحثه عن شرقه المفقود، الذي تنتهي الرواية بطلب إيفان أن يرحلا، هو ومحسن، إليه.
Page 5
إستراتيجية الشاهد الموثوق
الروسي «إيفان» بحضوره وكلامه هو الشخصية الثانية، في رواية «عصفور من الشرق» للحكيم. وهو يؤدي دوراً مسانداً لدور بطلها محسن، في وصف أوروبا ومقارنتها بالشرق، من زاوية المديح للشرق والقدح في الغرب.
وقد صنع خطاب الرواية إيفان لتأدية الغرض نفسه الذي تؤدِّيه شخصية محسن وهو الدلالة على الغرب من خلال موقف فكري وتقويمي، لكن بعيون أخرى هذه المرة، ومن انتماء غير شرقي، على النقيض من حال محسن، وذلك لمضاعفة الإيهام بصدقية خطاب الرواية ووجهة نظرها وتوسيعها بشخصية أخرى.
ولهذا تنعقد بين محسن وإيفان علاقات مشابهة متعددة. وأولها شحوبه وحدة نظراته، في وصف الراوي لرؤية محسن له أول ما رآه في المطعم، والوحدة وشعور النفي، حين سمع محسن صاحب المطعم، يحدثه متعاطفاً مع مرضه وشحوبه: «إنك تعيش وحدك» فيجيبه إيفان: «إني دائماً وحدي في الحياة» (ص94) وهذه الصفات تحيلنا على العصفور في عنوان الرواية الذي استعاره خطابها اسماً لمحسن في فرنسا. وقد استرعت الوحدة تحديداً انتباه محسن، لأنه «كان يتصور أنه، هو وحده، الذي يحيا دائماً وحده في الحياة» (ص95).
وتأتي بعد ذلك صفة القراءة والثقافة، فقد رآه يخرج من جيبه كتاباً، ويأخذ في التهام صفحاته، والكتاب هو (رأس المال) لماركس، الذي يؤشِّر على الهوى الاشتراكي وأسئلة العدالة الاجتماعية عند محسن، ويجمعهما في الإطار ذاته، ولهذا تنعقد بينهما الصداقة التي تتعمق بعد أن زاره في غرفته البائسة ورأى الكتب مكدَّسة في كل مكان.
وتزداد الروابط بينهما من خلال صفات أخرى لإيفان، تتجلى في أفكاره التي يبسطها أمام أسئلة محسن وتعليقاته. فحديثه عن الدين ينم عن رؤية روحانية تجاه العالم، وتجاه معنى السعادة البشرية، ولهذا يقول: «ما أسعد أولئك المؤمنين الذين يرون الموت مرحلة إلى حياة أخرى مجيدة جميلة». وهي روحانية تفيض بمعان صوفية من جهة هجومه النقدي على العلاقة بين رجال الدين والسلطان والمال، وامتداحه للفقر وحياة البسطاء وقناعتهم، واستشهاده في هذا الصدد بدعاء النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): «اللهم توفني فقيراً، ولا توفني غنياً... واحشرني في زمرة المساكين»! (ص181).
وتتصل تلك الصفات بصفة الإنسانية لديه، إذ يصفه محسن بأنه «يريد أن يخلق إيماناً للمحبة». كما تتصل بالمثالية الفكرية والخيالية فيه التي كانت صفة لمحسن عند أندريه وموضوعاً لسخريته منه. إن إيفان يقول: «الفاصل الوحيد بين الإنسان والحيوان هو الخيال» ويهتف: «آه... الخيال هو ليل الحياة الجميل! هو حصننا وملاذنا من قسوة النهار الطويل... إن عالم الواقع لا يكفي وحده لحياة البشر!» (ص113).
ولم يكن نقد إيفان هذا موجهاً إلى أوروبا من زاوية الضدية للرأسمالية والليبرالية، فبلده وهو طليعة المعسكر الشيوعي ـ حين ذاك! ـ والماركسية إجمالاً، موضوع تشنيعه العنيف وسخريته الشديدة، وكان ذلك ضمن أوّليات الدّهشة المحفوفة بالمفاجأة في تعرف محسن عليه.
لقد أنكر محسن عليه علاقته غير الودودة ببلده، مقرراً: «إن روسيا الآن هي جنة الفقراء!». فأجابه إيفان: «أتظن؟... إن جنة الفقراء لن تكون على هذه الأرض!» «أنت أيضاً ممن يعتقدون في هذه الخرافة!» (ص97). ولا تختلف الماركسية، في بيان إيفان لمحسن، عن جملة الصفات التي رآها في الغرب، فهي مادية عنيفة، لأن ماركس «نسي السماء، فأمسك الناس بعضهم برقاب بعض، ووقعت المجزرة بين الطبقات تهافتاً على الأرض». والماركسية هنا هي الفاشية هناك، إيمان «بزعيم من البشر، ونظام لا يؤدي إلى التوازن الاجتماعي... وإنما يؤدي إلى مطامع الاستعمار والوثوب على الضعيف من الشعوب» (ص98).
وفي مقابل هذا الهجاء العنيف للغرب، يمدح إيفان الشرق، وهو في مديحه للشرق، مثلما في هجائه للغرب، يقول ما لم يقله محسن، على الرغم مما يجمعهما من تشابه وتلاق. وعلة ذلك كامنة في إستراتيجية السرد التي تصطنعها الرواية، فالآخر المؤيد للذات قيمة برهان وشهادة، والذات ضعيفة الموثوقية حين تتحدث بخير عما يتصل بها، ولهذا قيل قديماً: «والحق ما شهدت به الأعداء»، كما قيل «الاعتراف سيد الأدلة» والعكس بالعكس وهو ضعف الموثوقية في صفة الآخر حين يقدح في الذات.
وبالطبع فإن مديح إيفان للشرق هو أضداد ذمه ونقائضه الموجهة إلى الغرب؛ فالشرق خيالي وروحاني وإنساني وأخلاقي وجميل وعادل وسعيد ومسالم... إلخ. وهي صفات في خطاب الرواية تجعل للشرق جهة عليا مكانياً كما هي الجنة، في مقابل سُفْلية الغرب وتحدُّره وسقوطه المشابه لمكان الجحيم!
«آه ياصديقي، إن الغرب إنما عاش أجمل حياته في ذلك الحلم السماوي، وذلك العالم العلوي الذي صنعه الشرق، وإن ضياع الغرب لم يبدأ إلا يوم أفاق من هذا الحلم، ونزل إلى عالم واقعه، يدب في هضابه المتحجرة...» «آه!... السماء... الجنة... الجحيم!... جرِّد عالمنا الأرضي من هذه الكلمات الثلاث التي بنيت في الشرق، تنهار في الحال أروع أعمالنا الفنية!» (ص114) «إن الغرب يستكشف الأرض، والشرق يستكشف السماء» «إن الرجل الشرقي لايزال يحس آداميته بالنسبة للشيء الذي يصنعه، ويخلقه بيديه، آنية من الفخار كان، أو حذاء، أو رداء... أو قطعة أرض يزرعها ويجني ثمارها! إنه لم ينقلب بعد ـ لحسن حظه ـ منشاراً آدامياً، أو مخرطة بشرية!» (ص186).
وبمنطق إستراتيجية الشاهد الموثوق التي وظَّف خطاب الرواية إيفان لأدائها، يقابل محسن شهادته تجاه الشرق تحديداً، الذي ينتمي إليه، بالنقض لها. فهو يُطْرِق أمام إيفان ويقول دون أن ينطق: «إن الفتاة الشقراء يوم حقنت فخذها بالموروفين السام لم تترك أبويها سالمين، لقد قضي الأمر، ولم يعد هنالك نبع صاف؛ فإن الزهد قد ذهب كذلك من الشرق! وإن رجال الدين هناك يعرف بعضهم اليوم كذلك اقتناء السيارات، وقبض المرتبات، وتورد الوجنات من النعم والمتع، وإن ثياب الشرق الجميلة النبيلة هي اليوم خليط عجيب من الثياب الأوروبية... وإن التعليم العام للقراءة والكتابة، وحق التصويت والبرلمان، وكل هذه الأفكار الأوروبية قد أصبحت في الشرق اليوم ثابتة... وإنه لمن السهل أن تقنع شرقياً اليوم بأن دينه فاسد، ولكن ليس من السهل أن تقنعه بأن الصناعة الكبرى هي عجلة إبليس التي يقود بها الإنسانية إلى الدمار...إلخ» (ص193).
ولا يخرج عن منطق إستراتيجية الشاهد الموثوق دور العائلة التي سكن لديها محسن، فآلامهم وشكواهم وسلوكهم موظفة في سبيل الإشهاد، على القاعدة نفسها التي تصدِّق الانتقاد الذاتي أو الاعتراف، بالقدر نفسه الذي تصدِّق شهادة الآخر والمغاير والضد في الثناء على الذات والاعتراف بفضلها.
الروسي «إيفان» بحضوره وكلامه هو الشخصية الثانية، في رواية «عصفور من الشرق» للحكيم. وهو يؤدي دوراً مسانداً لدور بطلها محسن، في وصف أوروبا ومقارنتها بالشرق، من زاوية المديح للشرق والقدح في الغرب.
وقد صنع خطاب الرواية إيفان لتأدية الغرض نفسه الذي تؤدِّيه شخصية محسن وهو الدلالة على الغرب من خلال موقف فكري وتقويمي، لكن بعيون أخرى هذه المرة، ومن انتماء غير شرقي، على النقيض من حال محسن، وذلك لمضاعفة الإيهام بصدقية خطاب الرواية ووجهة نظرها وتوسيعها بشخصية أخرى.
ولهذا تنعقد بين محسن وإيفان علاقات مشابهة متعددة. وأولها شحوبه وحدة نظراته، في وصف الراوي لرؤية محسن له أول ما رآه في المطعم، والوحدة وشعور النفي، حين سمع محسن صاحب المطعم، يحدثه متعاطفاً مع مرضه وشحوبه: «إنك تعيش وحدك» فيجيبه إيفان: «إني دائماً وحدي في الحياة» (ص94) وهذه الصفات تحيلنا على العصفور في عنوان الرواية الذي استعاره خطابها اسماً لمحسن في فرنسا. وقد استرعت الوحدة تحديداً انتباه محسن، لأنه «كان يتصور أنه، هو وحده، الذي يحيا دائماً وحده في الحياة» (ص95).
وتأتي بعد ذلك صفة القراءة والثقافة، فقد رآه يخرج من جيبه كتاباً، ويأخذ في التهام صفحاته، والكتاب هو (رأس المال) لماركس، الذي يؤشِّر على الهوى الاشتراكي وأسئلة العدالة الاجتماعية عند محسن، ويجمعهما في الإطار ذاته، ولهذا تنعقد بينهما الصداقة التي تتعمق بعد أن زاره في غرفته البائسة ورأى الكتب مكدَّسة في كل مكان.
وتزداد الروابط بينهما من خلال صفات أخرى لإيفان، تتجلى في أفكاره التي يبسطها أمام أسئلة محسن وتعليقاته. فحديثه عن الدين ينم عن رؤية روحانية تجاه العالم، وتجاه معنى السعادة البشرية، ولهذا يقول: «ما أسعد أولئك المؤمنين الذين يرون الموت مرحلة إلى حياة أخرى مجيدة جميلة». وهي روحانية تفيض بمعان صوفية من جهة هجومه النقدي على العلاقة بين رجال الدين والسلطان والمال، وامتداحه للفقر وحياة البسطاء وقناعتهم، واستشهاده في هذا الصدد بدعاء النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): «اللهم توفني فقيراً، ولا توفني غنياً... واحشرني في زمرة المساكين»! (ص181).
وتتصل تلك الصفات بصفة الإنسانية لديه، إذ يصفه محسن بأنه «يريد أن يخلق إيماناً للمحبة». كما تتصل بالمثالية الفكرية والخيالية فيه التي كانت صفة لمحسن عند أندريه وموضوعاً لسخريته منه. إن إيفان يقول: «الفاصل الوحيد بين الإنسان والحيوان هو الخيال» ويهتف: «آه... الخيال هو ليل الحياة الجميل! هو حصننا وملاذنا من قسوة النهار الطويل... إن عالم الواقع لا يكفي وحده لحياة البشر!» (ص113).
ولم يكن نقد إيفان هذا موجهاً إلى أوروبا من زاوية الضدية للرأسمالية والليبرالية، فبلده وهو طليعة المعسكر الشيوعي ـ حين ذاك! ـ والماركسية إجمالاً، موضوع تشنيعه العنيف وسخريته الشديدة، وكان ذلك ضمن أوّليات الدّهشة المحفوفة بالمفاجأة في تعرف محسن عليه.
لقد أنكر محسن عليه علاقته غير الودودة ببلده، مقرراً: «إن روسيا الآن هي جنة الفقراء!». فأجابه إيفان: «أتظن؟... إن جنة الفقراء لن تكون على هذه الأرض!» «أنت أيضاً ممن يعتقدون في هذه الخرافة!» (ص97). ولا تختلف الماركسية، في بيان إيفان لمحسن، عن جملة الصفات التي رآها في الغرب، فهي مادية عنيفة، لأن ماركس «نسي السماء، فأمسك الناس بعضهم برقاب بعض، ووقعت المجزرة بين الطبقات تهافتاً على الأرض». والماركسية هنا هي الفاشية هناك، إيمان «بزعيم من البشر، ونظام لا يؤدي إلى التوازن الاجتماعي... وإنما يؤدي إلى مطامع الاستعمار والوثوب على الضعيف من الشعوب» (ص98).
وفي مقابل هذا الهجاء العنيف للغرب، يمدح إيفان الشرق، وهو في مديحه للشرق، مثلما في هجائه للغرب، يقول ما لم يقله محسن، على الرغم مما يجمعهما من تشابه وتلاق. وعلة ذلك كامنة في إستراتيجية السرد التي تصطنعها الرواية، فالآخر المؤيد للذات قيمة برهان وشهادة، والذات ضعيفة الموثوقية حين تتحدث بخير عما يتصل بها، ولهذا قيل قديماً: «والحق ما شهدت به الأعداء»، كما قيل «الاعتراف سيد الأدلة» والعكس بالعكس وهو ضعف الموثوقية في صفة الآخر حين يقدح في الذات.
وبالطبع فإن مديح إيفان للشرق هو أضداد ذمه ونقائضه الموجهة إلى الغرب؛ فالشرق خيالي وروحاني وإنساني وأخلاقي وجميل وعادل وسعيد ومسالم... إلخ. وهي صفات في خطاب الرواية تجعل للشرق جهة عليا مكانياً كما هي الجنة، في مقابل سُفْلية الغرب وتحدُّره وسقوطه المشابه لمكان الجحيم!
«آه ياصديقي، إن الغرب إنما عاش أجمل حياته في ذلك الحلم السماوي، وذلك العالم العلوي الذي صنعه الشرق، وإن ضياع الغرب لم يبدأ إلا يوم أفاق من هذا الحلم، ونزل إلى عالم واقعه، يدب في هضابه المتحجرة...» «آه!... السماء... الجنة... الجحيم!... جرِّد عالمنا الأرضي من هذه الكلمات الثلاث التي بنيت في الشرق، تنهار في الحال أروع أعمالنا الفنية!» (ص114) «إن الغرب يستكشف الأرض، والشرق يستكشف السماء» «إن الرجل الشرقي لايزال يحس آداميته بالنسبة للشيء الذي يصنعه، ويخلقه بيديه، آنية من الفخار كان، أو حذاء، أو رداء... أو قطعة أرض يزرعها ويجني ثمارها! إنه لم ينقلب بعد ـ لحسن حظه ـ منشاراً آدامياً، أو مخرطة بشرية!» (ص186).
وبمنطق إستراتيجية الشاهد الموثوق التي وظَّف خطاب الرواية إيفان لأدائها، يقابل محسن شهادته تجاه الشرق تحديداً، الذي ينتمي إليه، بالنقض لها. فهو يُطْرِق أمام إيفان ويقول دون أن ينطق: «إن الفتاة الشقراء يوم حقنت فخذها بالموروفين السام لم تترك أبويها سالمين، لقد قضي الأمر، ولم يعد هنالك نبع صاف؛ فإن الزهد قد ذهب كذلك من الشرق! وإن رجال الدين هناك يعرف بعضهم اليوم كذلك اقتناء السيارات، وقبض المرتبات، وتورد الوجنات من النعم والمتع، وإن ثياب الشرق الجميلة النبيلة هي اليوم خليط عجيب من الثياب الأوروبية... وإن التعليم العام للقراءة والكتابة، وحق التصويت والبرلمان، وكل هذه الأفكار الأوروبية قد أصبحت في الشرق اليوم ثابتة... وإنه لمن السهل أن تقنع شرقياً اليوم بأن دينه فاسد، ولكن ليس من السهل أن تقنعه بأن الصناعة الكبرى هي عجلة إبليس التي يقود بها الإنسانية إلى الدمار...إلخ» (ص193).
ولا يخرج عن منطق إستراتيجية الشاهد الموثوق دور العائلة التي سكن لديها محسن، فآلامهم وشكواهم وسلوكهم موظفة في سبيل الإشهاد، على القاعدة نفسها التي تصدِّق الانتقاد الذاتي أو الاعتراف، بالقدر نفسه الذي تصدِّق شهادة الآخر والمغاير والضد في الثناء على الذات والاعتراف بفضلها.
Page 6
رواية متحيزة..!
أكثر من إشارة تجمع راوي «عصفور من الشرق»، وهو راو بضمير الغائب، مع بطلها محسن، فيغدو أحدهما الآخر بلا فارق. ولهذا يبدو الراوي، كما هي حال محسن، بموقف تقويمي في وصفه وإخباره، ومن ذات الزاوية القيمية التي يعتمدها محسن. والأمر نفسه يمكن أن نلحظه في علاقة الراوي بالروائي الكاتب توفيق الحكيم، بحيث يغدو الحكيم هنا كاتباً وراوياً في وقت معاً.
وقد نفهم للوهلة الأولى أن المراد من ذلك ما هو متداول في علم السرد تجاه صفة الراوي بضمير الغائب عموماً من انتفاء المبرر الفني في علاقته بما يروي، وهو ما يعني أن الكاتب لا يستخدم في سرده تقنيات تمكنه من الخفاء ـ مثلاً ـ خلف راو وسيط أو خلف الشخصيات.
وهذا إشارة أولى في هذا المعنى، لكن المسألة هنا تجاوز إلى فكر توفيق الحكيم ومواقفه ولغته، فالحكيم معروف بنظريته التي سماها «التعادلية»(9)، وهي فكر مثالي يقدم الفكر ويرى استقلاليته عن العمل من أجل حريته، وقد نطقت الرواية على لسان إيفان بكثير من أفكار الحكيم وبشكل صنع لإيفان مفارقة متعددة الجوانب مع مستواه وسياقه، فهو عامل ومع ذلك يصف العمال بأنهم «أجسام تسير بغير رؤوس فوق المناكب» (ص99) وهو غربي ويمدح الشرق، وملحد ويقر بفضل الدين... إلخ (ص101). وحرية الفكر التي لا يرى الحكيم الفكر منتجاً ولا قويماً بغيرها، تترافق مع مفارقة لها في نفيه عن نتاجه القصصي مقولة الفن للفن، وأنه اتخذ منه خادماً لأهداف أخرى غير مجرد الإمتاع، ويصفها بأنها أهداف قومية وشعبية وإصلاحية وإنسانية.
ولم تكن لغة «عصفور من الشرق» لغة الواقع بما فيه من اختلاف وتفاوت ومن تداخل واختلاط، فالرواية موحَّدة في لغة مصقولة متعالية، لغة عالمة، إنها لغة المصلح. ولهذا كان محسن كما كان إيفان منفصلين عن الواقع الغربي، وكان محسن منفصلاً عن الشرق الذي ينتقده، وبالقدر نفسه يمكن وصف الشخصيات الأخرى في هذا الانفصال الذي أورث لغتها طابع التعالي النقدي المثالي، كما انفصل الشرق عن الغرب، والأرض عن السماء، والواقع عن الخيال. ولم تكن المقبوسات العديدة، التي تحيل على أسماء ومصادر مختلفة، وتتناثر في الرواية إلا دلالة تأكيد على تعالي الفكرة وتقدمها بالمعنى الذي يطابق صفتها عند الحكيم، ويحيلها إلى دور البطولة الحقيقي الأول في الرواية.
وهذا يقودنا إلى القيد الذي أحكم الخناق على الشخصيات وعلى الأحداث، فالراوي مستبد هنا بعلمه يتسلل إلى باطن الشخصيات ويدرك أسرارها، ويعبر عنها، والحوارات التي تتضمن صراع فكرتين أو رأيين تنتهي إلى تقويم حاسم بتغليب الرأي الذي يؤكِّد الصوت الوحيد في الرواية، وهو ما نراه ـ مثلاً ـ في حوار أندريه ومحسن حول الزمن.
يقول أندريه: «إن الزمن شيء لا تعرفونه أنتم معشر الشرقيين، ولا يعنيكم أمره!» فيجيبه محسن: «لقد تحررنا منه!» ثم يصيح به أندريه: « آه، أيها الشرقيون! أأنتم بلهاء أم أنتم حكماء؟ هذا ما يحير!» فيقول محسن: «تلك عبقريتنا» (ص73) وهو حوار ينم عن يقين محسن في مقابل أندريه، وهو يقين خطاب الرواية عموماً، الذي يمثل على سلطة الإحكام الصوتي فيها باتجاه أحادية يتعاورها ما ينطقه الراوي ومحسن وإيفان على حد سواء.
ونتيجة ذلك كله تطبع رؤية الرواية وتمثيلاتها للواقع، سواء الواقع الغربي أم الشرقي. إنها رؤية ضد العمل والعلم والكشف بقدر ضديتها للحرية والتنوع والاختلاف. ومن المؤكد أن الرواية تنطوي على سؤال الشرق في مقابل الغرب، وهو سؤال يضع مشكلة شرقية مبدئياً، قد نقول إنها كما قرأنا في معظم الأعمال التي تمثل مرحلة «عصفور من الشرق» ومنها رواية يحيى حقي «قنديل أم هاشم» (1944) مشكلة التخلف العلمي والعملي، مشكلة الفقر والجهل والمرض والخرافة، مشكلة الاستبداد والقهر الاجتماعي، ومشكلة الأخلاق الفاسدة والمنافقة.
لكن هذا كله لا يبدو في «عصفور من الشرق». وليس معنى ذلك أن الشرق في وضع الرضا والمثال، بل على العكس إنه فيها موضع الرفض والنقد، تماماً كما هو موضع الغرب، فالذي تراه الرواية هو شرق مفتوح على الماضي لا على المستقبل، على الفن لا على العلم، على التأمل والشاعرية، لا على العمل.
إن بنية الرواية تقوم على التقابل الحاد بين الواقع والخيال، وهما لفظان حاضران بقوة فيها من خلال كلام الراوي والشخصيات ومن خلال الحوار. وقد قسم هذا التقابل الشخصيات على قاعدة العلاقة بين الذات والمعاكس، فمحسن بوصفه عاملاً ممثلاً للذات في رغبته عن الواقع وهيامه بالخيال، هو إيفان العامل الذي لا يعمل ويحلم بمجتمع محكوم بأفكاره المثالية والخيالية. وهما معاً ضدٌّ لأندريه الذي يسخر من خيالية محسن، ويعمل في مصنع لساعات طويلة، ولسوزي ديبون التي تعمل في بيع تذاكر المسرح، والتي عشقها محسن وانتهت به غيرته عليها إلى الانفصال عنها.
ولذلك يصف الراوي انشغال محسن بعشق سوزي وهَجْره للكتب بأنه «عاش حياة الواقع» ويطرح محسن على إيفان سؤال الواقع قائلاً: «إن سر تعاستنا هو أننا نعيش في هذه الحجرات المغلقة.. إننا نجهل الواقع وطرائقه المباشرة.. لا شيء يكتسب بالخيال في هذه الحياة!» فيسخر منه إيفان قائلاً: «من علمك هذا الكلام أيها الشرقي!.. لا، لست أصدقك.. ذلك كلام لا ينبغي أن يقوله مثلك» (ص111).
هكذا يغدو الواقع هو سوزي وهو أوروبا، إنه الحياة في شقائها المادي ولذائذها، وهذا هو ما يرفضه محسن وإيفان بحثاً عن عالم غير مادي هو عالم الأفكار والمثل والروحانيات.
وتضيء تحولات الرواية رؤيتها من هذه الوجهة، فقد ابتدأت الرواية بمحسن الشاعر والمثالي وقارئ أفلاطون، وكان تحوله الأول إلى العشق بعد أن رأى سوزي، فانتقل من سكنه لدى العائلة إلى الفندق الذي تسكنه، وعاش معها لوعة الغرام ومباهجه، ثم تعرف على إيفان، ولم يطل الوقت حتى انفصل عن سوزي وهجرها إلى غير رجعة، وتحول إلى إيفان، فاستأجر غرفة مجاورة له، في حين اشتد المرض على إيفان وأخيراً مات وهو يدعو محسن أن يذهب إلى الشرق.
وهذه التحولات تنتقل ـ كما هو حال كل سرد ـ بين نقائض وأضداد مختلفة، لكنها هنا تؤكد الانحدار والسقوط بحيث ينتهي الموقف بوحدة محسن وانفصاله وتأكُّد حاجته إلى التحول من الغرب إلى الشرق أي العودة إلى المكان الذي منه أتى.
إن الرواية هكذا استدارة بالمجيء من الشرق والختام بطلب العودة إليه، وهي في ما صنعته من شخصيات وما توسلته من أحداث ترسم طريقاً لغاية مقررة في أفكارها التي كانت تقنياتها شفيفة في الإفصاح عنها وجسراً إليها. فقد أقامت بناءها على أساس من التقابل الحدِّي بين الشرق والغرب، الشرق الذي يعادل ـ بمثاليته المتخيلة ـ الذات ويتضمنها في الرواية، والغرب وهو الآخر المغاير والشر والجحيم.
وانطواء الرواية على بنية تقابل ثنائي تكوِّن الذات جزءاً من نظامها، جعلها رواية فرز وتقويم ومقارنة، بما ينتهي إلى أفضلية الشرق وانفصاله تماماً عن الغرب، وبرمزيات في التوصيف تمتح من المعجم الديني للسماء والجحيم، والعلو والهبوط، والروح والمادة.
لهذا تبدو هذه الرواية في رؤيتها وبنائها ذات أهمية في تحليل العلاقة بالآخر؛ فالطيب صالح يشير إلى هذه الرؤية وهو يتحدث عن روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» فيقول: «إن جوهرها هو فكرة العلاقة الوهمية بين عالمنا الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية. إن هذه العلاقة تبدو لي من خلال مطالعاتي ودراساتي علاقة قائمة على أوهام من جانبنا ومن جانبهم. والوهم يتعلق بمفهومنا عن أنفسنا أولاً، ثم ما نظن في علاقتنا بهم، ثم نظرتهم إلينا أيضاً من ناحية وهمية»(10).
لكن هل ترى الطيب صالح قدم في روايته الآخر الغربي بصورة موضوعية؟! وهل من نتاج ثقافي يمكن أن يقدم الآخرية في صورتها الحقيقية؟
أكثر من إشارة تجمع راوي «عصفور من الشرق»، وهو راو بضمير الغائب، مع بطلها محسن، فيغدو أحدهما الآخر بلا فارق. ولهذا يبدو الراوي، كما هي حال محسن، بموقف تقويمي في وصفه وإخباره، ومن ذات الزاوية القيمية التي يعتمدها محسن. والأمر نفسه يمكن أن نلحظه في علاقة الراوي بالروائي الكاتب توفيق الحكيم، بحيث يغدو الحكيم هنا كاتباً وراوياً في وقت معاً.
وقد نفهم للوهلة الأولى أن المراد من ذلك ما هو متداول في علم السرد تجاه صفة الراوي بضمير الغائب عموماً من انتفاء المبرر الفني في علاقته بما يروي، وهو ما يعني أن الكاتب لا يستخدم في سرده تقنيات تمكنه من الخفاء ـ مثلاً ـ خلف راو وسيط أو خلف الشخصيات.
وهذا إشارة أولى في هذا المعنى، لكن المسألة هنا تجاوز إلى فكر توفيق الحكيم ومواقفه ولغته، فالحكيم معروف بنظريته التي سماها «التعادلية»(9)، وهي فكر مثالي يقدم الفكر ويرى استقلاليته عن العمل من أجل حريته، وقد نطقت الرواية على لسان إيفان بكثير من أفكار الحكيم وبشكل صنع لإيفان مفارقة متعددة الجوانب مع مستواه وسياقه، فهو عامل ومع ذلك يصف العمال بأنهم «أجسام تسير بغير رؤوس فوق المناكب» (ص99) وهو غربي ويمدح الشرق، وملحد ويقر بفضل الدين... إلخ (ص101). وحرية الفكر التي لا يرى الحكيم الفكر منتجاً ولا قويماً بغيرها، تترافق مع مفارقة لها في نفيه عن نتاجه القصصي مقولة الفن للفن، وأنه اتخذ منه خادماً لأهداف أخرى غير مجرد الإمتاع، ويصفها بأنها أهداف قومية وشعبية وإصلاحية وإنسانية.
ولم تكن لغة «عصفور من الشرق» لغة الواقع بما فيه من اختلاف وتفاوت ومن تداخل واختلاط، فالرواية موحَّدة في لغة مصقولة متعالية، لغة عالمة، إنها لغة المصلح. ولهذا كان محسن كما كان إيفان منفصلين عن الواقع الغربي، وكان محسن منفصلاً عن الشرق الذي ينتقده، وبالقدر نفسه يمكن وصف الشخصيات الأخرى في هذا الانفصال الذي أورث لغتها طابع التعالي النقدي المثالي، كما انفصل الشرق عن الغرب، والأرض عن السماء، والواقع عن الخيال. ولم تكن المقبوسات العديدة، التي تحيل على أسماء ومصادر مختلفة، وتتناثر في الرواية إلا دلالة تأكيد على تعالي الفكرة وتقدمها بالمعنى الذي يطابق صفتها عند الحكيم، ويحيلها إلى دور البطولة الحقيقي الأول في الرواية.
وهذا يقودنا إلى القيد الذي أحكم الخناق على الشخصيات وعلى الأحداث، فالراوي مستبد هنا بعلمه يتسلل إلى باطن الشخصيات ويدرك أسرارها، ويعبر عنها، والحوارات التي تتضمن صراع فكرتين أو رأيين تنتهي إلى تقويم حاسم بتغليب الرأي الذي يؤكِّد الصوت الوحيد في الرواية، وهو ما نراه ـ مثلاً ـ في حوار أندريه ومحسن حول الزمن.
يقول أندريه: «إن الزمن شيء لا تعرفونه أنتم معشر الشرقيين، ولا يعنيكم أمره!» فيجيبه محسن: «لقد تحررنا منه!» ثم يصيح به أندريه: « آه، أيها الشرقيون! أأنتم بلهاء أم أنتم حكماء؟ هذا ما يحير!» فيقول محسن: «تلك عبقريتنا» (ص73) وهو حوار ينم عن يقين محسن في مقابل أندريه، وهو يقين خطاب الرواية عموماً، الذي يمثل على سلطة الإحكام الصوتي فيها باتجاه أحادية يتعاورها ما ينطقه الراوي ومحسن وإيفان على حد سواء.
ونتيجة ذلك كله تطبع رؤية الرواية وتمثيلاتها للواقع، سواء الواقع الغربي أم الشرقي. إنها رؤية ضد العمل والعلم والكشف بقدر ضديتها للحرية والتنوع والاختلاف. ومن المؤكد أن الرواية تنطوي على سؤال الشرق في مقابل الغرب، وهو سؤال يضع مشكلة شرقية مبدئياً، قد نقول إنها كما قرأنا في معظم الأعمال التي تمثل مرحلة «عصفور من الشرق» ومنها رواية يحيى حقي «قنديل أم هاشم» (1944) مشكلة التخلف العلمي والعملي، مشكلة الفقر والجهل والمرض والخرافة، مشكلة الاستبداد والقهر الاجتماعي، ومشكلة الأخلاق الفاسدة والمنافقة.
لكن هذا كله لا يبدو في «عصفور من الشرق». وليس معنى ذلك أن الشرق في وضع الرضا والمثال، بل على العكس إنه فيها موضع الرفض والنقد، تماماً كما هو موضع الغرب، فالذي تراه الرواية هو شرق مفتوح على الماضي لا على المستقبل، على الفن لا على العلم، على التأمل والشاعرية، لا على العمل.
إن بنية الرواية تقوم على التقابل الحاد بين الواقع والخيال، وهما لفظان حاضران بقوة فيها من خلال كلام الراوي والشخصيات ومن خلال الحوار. وقد قسم هذا التقابل الشخصيات على قاعدة العلاقة بين الذات والمعاكس، فمحسن بوصفه عاملاً ممثلاً للذات في رغبته عن الواقع وهيامه بالخيال، هو إيفان العامل الذي لا يعمل ويحلم بمجتمع محكوم بأفكاره المثالية والخيالية. وهما معاً ضدٌّ لأندريه الذي يسخر من خيالية محسن، ويعمل في مصنع لساعات طويلة، ولسوزي ديبون التي تعمل في بيع تذاكر المسرح، والتي عشقها محسن وانتهت به غيرته عليها إلى الانفصال عنها.
ولذلك يصف الراوي انشغال محسن بعشق سوزي وهَجْره للكتب بأنه «عاش حياة الواقع» ويطرح محسن على إيفان سؤال الواقع قائلاً: «إن سر تعاستنا هو أننا نعيش في هذه الحجرات المغلقة.. إننا نجهل الواقع وطرائقه المباشرة.. لا شيء يكتسب بالخيال في هذه الحياة!» فيسخر منه إيفان قائلاً: «من علمك هذا الكلام أيها الشرقي!.. لا، لست أصدقك.. ذلك كلام لا ينبغي أن يقوله مثلك» (ص111).
هكذا يغدو الواقع هو سوزي وهو أوروبا، إنه الحياة في شقائها المادي ولذائذها، وهذا هو ما يرفضه محسن وإيفان بحثاً عن عالم غير مادي هو عالم الأفكار والمثل والروحانيات.
وتضيء تحولات الرواية رؤيتها من هذه الوجهة، فقد ابتدأت الرواية بمحسن الشاعر والمثالي وقارئ أفلاطون، وكان تحوله الأول إلى العشق بعد أن رأى سوزي، فانتقل من سكنه لدى العائلة إلى الفندق الذي تسكنه، وعاش معها لوعة الغرام ومباهجه، ثم تعرف على إيفان، ولم يطل الوقت حتى انفصل عن سوزي وهجرها إلى غير رجعة، وتحول إلى إيفان، فاستأجر غرفة مجاورة له، في حين اشتد المرض على إيفان وأخيراً مات وهو يدعو محسن أن يذهب إلى الشرق.
وهذه التحولات تنتقل ـ كما هو حال كل سرد ـ بين نقائض وأضداد مختلفة، لكنها هنا تؤكد الانحدار والسقوط بحيث ينتهي الموقف بوحدة محسن وانفصاله وتأكُّد حاجته إلى التحول من الغرب إلى الشرق أي العودة إلى المكان الذي منه أتى.
إن الرواية هكذا استدارة بالمجيء من الشرق والختام بطلب العودة إليه، وهي في ما صنعته من شخصيات وما توسلته من أحداث ترسم طريقاً لغاية مقررة في أفكارها التي كانت تقنياتها شفيفة في الإفصاح عنها وجسراً إليها. فقد أقامت بناءها على أساس من التقابل الحدِّي بين الشرق والغرب، الشرق الذي يعادل ـ بمثاليته المتخيلة ـ الذات ويتضمنها في الرواية، والغرب وهو الآخر المغاير والشر والجحيم.
وانطواء الرواية على بنية تقابل ثنائي تكوِّن الذات جزءاً من نظامها، جعلها رواية فرز وتقويم ومقارنة، بما ينتهي إلى أفضلية الشرق وانفصاله تماماً عن الغرب، وبرمزيات في التوصيف تمتح من المعجم الديني للسماء والجحيم، والعلو والهبوط، والروح والمادة.
لهذا تبدو هذه الرواية في رؤيتها وبنائها ذات أهمية في تحليل العلاقة بالآخر؛ فالطيب صالح يشير إلى هذه الرؤية وهو يتحدث عن روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» فيقول: «إن جوهرها هو فكرة العلاقة الوهمية بين عالمنا الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية. إن هذه العلاقة تبدو لي من خلال مطالعاتي ودراساتي علاقة قائمة على أوهام من جانبنا ومن جانبهم. والوهم يتعلق بمفهومنا عن أنفسنا أولاً، ثم ما نظن في علاقتنا بهم، ثم نظرتهم إلينا أيضاً من ناحية وهمية»(10).
لكن هل ترى الطيب صالح قدم في روايته الآخر الغربي بصورة موضوعية؟! وهل من نتاج ثقافي يمكن أن يقدم الآخرية في صورتها الحقيقية؟
Page 7
أزمة التوجه
تنم رواية «عصفور من الشرق» ـ كما رأينا ـ عن حيرة، وفقدان للطريق الذي يتوه بذاتها الروائية بين شرق لا يفي بأفكارها وأحلامها ولا يسعدها، وغرب لم تر فيه ما يعوِّض نواقص الشرق ويرتق شقوقه. وتبدو هذه الرؤية عميقة في تجسيد الاصطراع والتوهان الذي عانت منه ـ ولاتزال ـ المجتمعات العربية الإسلامية، ممثلة في وجهات عديدة لمثقفيها، منذ بداية عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر.
وهي رؤية يمكن أن نلحظ فيها، بحسب ما رأينا في «عصفور من الشرق» الأحادية والفوقية والمثالية، لكنها في الوقت نفسه رؤية متصدِّعة وهذا هو ما يصنع أزمتها وشرعيتها السردية. والتصدُّع هنا هو تصدُّع ذاتها أي تصدُّع رغبتها التي تصطدم بالواقع، فتستحيل إلى ذات مأزومة لأن الواقع ليس شيئاً خارج الذات ومنفصلاً عنها، بل هو جزء من نظامها.
انتهت الرواية ولم تنته مشكلة عصفور الشرق، بل لقد وصلت إلى ذروتها التي أحالت السعة إلى ضيق، والوضوح إلى إبهام، وانكشاف الطريق إلى إعتامه وضياع معالمه.
وقد يكون لافتاً أن تصدر هذه الرواية في فترة تاريخية شهدت بروز طريقين يدّعيان ـ أو يُدّعى لهما ـ الوضوح بلا ارتياب، أولهما إيديولوجيا «الإخوان المسلمون» بقيادة حسن البنا وقد تأسست في مصر عام 1928م، وثانيهما ظهور كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938م. والوضوح المدّعى في الأولى، يأتي من حسمها خيار التوجه إلى الإسلام، ولهذا كان شعارها «الإسلام هو الحل»، لكنه طبعاً شعار غير واضح في الإطار الثقافي الحضاري والسياسي، بل هو أقرب إلى الانكفاء على الماضي، ورفض العصر والعلم والتقدم، وهو ما لا يقول به الإسلام نفسه في قراءته العقلانية.
وفي كتاب طه حسين، يأتي ادِّعاء الوضوح من حسمه خيار التوجه إلى الغرب، وما يزال المعارضون له يجتزئون عبارته: «علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكرَه، وما يُحمد منها وما يُعاب» لكن هذا يعني أننا أمام مهمة ضخمة، وأنها ليست من السهولة بحيث ندعي لها الوضوح والتبسيط، لأن بيننا وبينها زمناً ثقافيا، تماماً كما هو الأمر لدى أولئك الرافضين لها، ففي الحالين ليست المسألة في الواقع بل في تصورات الفكر ومثالياته التي تصفه، وليست المشكلة في الواقع بل في الثقافة.
إن الرؤية التي تنطوي عليها «عصفور من الشرق» لا تمتّ بصلة إلى رؤية «الإخوان المسلمون» والدولة الدينية، ولا إلى رؤية طه حسين التي بسطها في «مستقبل الثقافة» وتراميها إلى الدولة المدنية، فتوفيق الحكيم يشف في الرواية عن رؤية تصوفية دينية، ممتزجة بالشعبية والرومانسية، وهي رؤية مأزومة التوجه وغير واضحة الطريق، وهذا هو ما يثير التساؤل:
هل كان توفيق الحكيم يستجدي تعاطفاً شعبياً؟ أم كان يعبِّر عن مزاجية وهوى؟ أم إن رؤيته تجد في ظروف زمنها وصراعه الثقافي العلّة التي توجهها؟
لقد وصف تشارلز سميث الأستاذ بجامعة سان دييفو في كاليفورنيا، مرحلة الثلاثينيات الميلادية من القرن الماضي، وهي المرحلة التي ظهرت «عصفور من الشرق» قرب أواخرها، بـ«أزمة التوجه» وجعله عنواناً لمقالته التي نشرتها دورية جامعة كامبريدج «دراسات الشرق الأوسط»(11)، وفيه يعارض رأي ناداف سافران الذي يذهب إلى أن المثقفين تخلّوا عن جميع القيم التقدمية التي كانوا ينادون بها، وهو يعني هنا العودة إلى الموضوعات الإسلامية عند طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد.
ووجه الاعتراض الذي يورده تشارلز سميث يبدأ من ذكره كتاب مستقبل الثقافة لطه حسين الذي ظهر في هذه المرحلة مع كتاباته أيضاً الإسلامية، وينتهي بالقول إن تحول المثقفين إلى الخطاب الإسلامي، لم يكن يعني سوى الموضوع والطريقة أما موقفهم التقدمي فلم يتغير، وكل ما فعلوه هو محاولة الوصول إلى الأهداف نفسها بوسائل أخرى، لأن مكانة الموضوعات الإسلامية لدى الرأي العام المصري تغيرت، وهم في ذلك كما يضيف لا يخاطبون نخبة المثقفين بل الجمهور العريض من الناس.
وأتصور أن هذا الرأي صحيح من حيث ضرورة تولُّد النهضة من الثقافة المحلية، والبحث فيها عن أسس للبناء والتقدم، وتفكيك مركزية أوروبا التي صنعها الاستشراق لفعل النهضة ودلالتها. لكن رواية توفيق الحكيم تبقى دلالة أزمة من هذه الوجهة أيضاً، فهي تبحث عن اللاعقل، ومهووسة بخلاص عرفاني خارج حسابات العصر. ولهذا فإنها أقرب إلى معنى الانشقاق الثقافي الذي يؤسس لعقلانيته في مدلول الانشقاق ذاته، في النفور من الواقع المادي والبحث عن ملاذ روحي، وهو انشقاق مغتبط بنعيم التصوف وعزلته التي تأخذ حساباً فردياً وذاتياً بعيداً عن مدلول الجماعة أو الحضارة اللتين تعطلان فيه وظيفته.
تنم رواية «عصفور من الشرق» ـ كما رأينا ـ عن حيرة، وفقدان للطريق الذي يتوه بذاتها الروائية بين شرق لا يفي بأفكارها وأحلامها ولا يسعدها، وغرب لم تر فيه ما يعوِّض نواقص الشرق ويرتق شقوقه. وتبدو هذه الرؤية عميقة في تجسيد الاصطراع والتوهان الذي عانت منه ـ ولاتزال ـ المجتمعات العربية الإسلامية، ممثلة في وجهات عديدة لمثقفيها، منذ بداية عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر.
وهي رؤية يمكن أن نلحظ فيها، بحسب ما رأينا في «عصفور من الشرق» الأحادية والفوقية والمثالية، لكنها في الوقت نفسه رؤية متصدِّعة وهذا هو ما يصنع أزمتها وشرعيتها السردية. والتصدُّع هنا هو تصدُّع ذاتها أي تصدُّع رغبتها التي تصطدم بالواقع، فتستحيل إلى ذات مأزومة لأن الواقع ليس شيئاً خارج الذات ومنفصلاً عنها، بل هو جزء من نظامها.
انتهت الرواية ولم تنته مشكلة عصفور الشرق، بل لقد وصلت إلى ذروتها التي أحالت السعة إلى ضيق، والوضوح إلى إبهام، وانكشاف الطريق إلى إعتامه وضياع معالمه.
وقد يكون لافتاً أن تصدر هذه الرواية في فترة تاريخية شهدت بروز طريقين يدّعيان ـ أو يُدّعى لهما ـ الوضوح بلا ارتياب، أولهما إيديولوجيا «الإخوان المسلمون» بقيادة حسن البنا وقد تأسست في مصر عام 1928م، وثانيهما ظهور كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938م. والوضوح المدّعى في الأولى، يأتي من حسمها خيار التوجه إلى الإسلام، ولهذا كان شعارها «الإسلام هو الحل»، لكنه طبعاً شعار غير واضح في الإطار الثقافي الحضاري والسياسي، بل هو أقرب إلى الانكفاء على الماضي، ورفض العصر والعلم والتقدم، وهو ما لا يقول به الإسلام نفسه في قراءته العقلانية.
وفي كتاب طه حسين، يأتي ادِّعاء الوضوح من حسمه خيار التوجه إلى الغرب، وما يزال المعارضون له يجتزئون عبارته: «علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكرَه، وما يُحمد منها وما يُعاب» لكن هذا يعني أننا أمام مهمة ضخمة، وأنها ليست من السهولة بحيث ندعي لها الوضوح والتبسيط، لأن بيننا وبينها زمناً ثقافيا، تماماً كما هو الأمر لدى أولئك الرافضين لها، ففي الحالين ليست المسألة في الواقع بل في تصورات الفكر ومثالياته التي تصفه، وليست المشكلة في الواقع بل في الثقافة.
إن الرؤية التي تنطوي عليها «عصفور من الشرق» لا تمتّ بصلة إلى رؤية «الإخوان المسلمون» والدولة الدينية، ولا إلى رؤية طه حسين التي بسطها في «مستقبل الثقافة» وتراميها إلى الدولة المدنية، فتوفيق الحكيم يشف في الرواية عن رؤية تصوفية دينية، ممتزجة بالشعبية والرومانسية، وهي رؤية مأزومة التوجه وغير واضحة الطريق، وهذا هو ما يثير التساؤل:
هل كان توفيق الحكيم يستجدي تعاطفاً شعبياً؟ أم كان يعبِّر عن مزاجية وهوى؟ أم إن رؤيته تجد في ظروف زمنها وصراعه الثقافي العلّة التي توجهها؟
لقد وصف تشارلز سميث الأستاذ بجامعة سان دييفو في كاليفورنيا، مرحلة الثلاثينيات الميلادية من القرن الماضي، وهي المرحلة التي ظهرت «عصفور من الشرق» قرب أواخرها، بـ«أزمة التوجه» وجعله عنواناً لمقالته التي نشرتها دورية جامعة كامبريدج «دراسات الشرق الأوسط»(11)، وفيه يعارض رأي ناداف سافران الذي يذهب إلى أن المثقفين تخلّوا عن جميع القيم التقدمية التي كانوا ينادون بها، وهو يعني هنا العودة إلى الموضوعات الإسلامية عند طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد.
ووجه الاعتراض الذي يورده تشارلز سميث يبدأ من ذكره كتاب مستقبل الثقافة لطه حسين الذي ظهر في هذه المرحلة مع كتاباته أيضاً الإسلامية، وينتهي بالقول إن تحول المثقفين إلى الخطاب الإسلامي، لم يكن يعني سوى الموضوع والطريقة أما موقفهم التقدمي فلم يتغير، وكل ما فعلوه هو محاولة الوصول إلى الأهداف نفسها بوسائل أخرى، لأن مكانة الموضوعات الإسلامية لدى الرأي العام المصري تغيرت، وهم في ذلك كما يضيف لا يخاطبون نخبة المثقفين بل الجمهور العريض من الناس.
وأتصور أن هذا الرأي صحيح من حيث ضرورة تولُّد النهضة من الثقافة المحلية، والبحث فيها عن أسس للبناء والتقدم، وتفكيك مركزية أوروبا التي صنعها الاستشراق لفعل النهضة ودلالتها. لكن رواية توفيق الحكيم تبقى دلالة أزمة من هذه الوجهة أيضاً، فهي تبحث عن اللاعقل، ومهووسة بخلاص عرفاني خارج حسابات العصر. ولهذا فإنها أقرب إلى معنى الانشقاق الثقافي الذي يؤسس لعقلانيته في مدلول الانشقاق ذاته، في النفور من الواقع المادي والبحث عن ملاذ روحي، وهو انشقاق مغتبط بنعيم التصوف وعزلته التي تأخذ حساباً فردياً وذاتياً بعيداً عن مدلول الجماعة أو الحضارة اللتين تعطلان فيه وظيفته.
Page 8
بلاغة المقاومة للطائفية: الرواية وتفكيك التعصب
منظور الخرق للمتصل الثقافي تجاه الآخر
حين نقرأ عنوان رواية الروائي اليمني علي المقري «اليهودي الحالي» (2009) ندرك أن ثيمتها الرئيسة تقوم على علاقة الذات بالآخر، وذلك لأن صفة اليهودي في العنوان هي نسبة دينية ولا معنى لنسبة كائن وإنمائه على هذا النحو إلا في مقابل ذات بالمعنى الذي يخصص الذات هنا في انتمائها الديني.
أما أن يكون اليهودي هو الآخر في هذه الرواية، فهي آخرية لا يدل عليها، فحسب، اسم المؤلف الذي يعلو العنوان معيناً نسبة إسلامية، بل تدل عليها النسبة ذاتها التي تتضمنها صفة اليهودي، لأنه لا معنى لمثل هذه النسبة من دون أن تكون في سياق آخريتها أو في مقام التلفظ بها لمجاورة المختلف عنها وحضوره في قبالتها.
وقد كانت عبارة العنوان هذه، ملفوظ فاطمة المتكرر للفتى سالم اليهودي، في متن الرواية من خلال حكاية الغرام بينهما التي تمثل صلب الرواية وقاعدتها السردية. ولهذا فإنها ملفوظ للدلالة على الآخرية، التي تصطحب في هذه الحالة بالضرورة سياق الوجود وسياق الذاكرة، لمضاعفة تلك الآخرية بدلالة القلة اليهودية في دولة اليمن كما هو معروف، وبدلالة التوتر والشحناء القديمة الجديدة تجاهها في الذاكرة العربية الإسلامية.
وتزداد تلك الدلالة إثارة من خلال تشخُّصها في ذَكَر يهودي وفتاة مسلمة، وليس العكس، فالأنثى في الثقافة دلالة ضعف وحماية، ودلالة كثافة للمحافظة على الهوية وتقديسها والصيانة الشديدة لنقائها.
أما دلالة «الحالي» التي وردت صفة لليهودي، وتعني الوسيم أو المليح، فتؤشر على منظور الرواية الذي يكسر نمط العلاقة الثقافية العربية باليهود، ويخرق متصل الخطاب لتوليد إثارة وخلق حدث بالمعنى الروائي والتداولي. وهو منظور تترامى به الرواية إلى ممارسة دور نقدي تجاه الثقافة لتوليد معان إنسانية ووطنية بمنجاة من التعصب والكراهية والاحتشاد بالبغضاء والمكائد المتبادلة.
ولم يقتصر هذا الدور النقدي على الثقافة العربية الإسلامية إجمالاً، ولا على الثقافة اليمنية خاصة، بل مارس الدور نفسه تجاه الثقافة اليهودية المليئة بالتعصب والكراهية. كما لم تقتصر الآخرية هنا على اليهود بل أظهرت آخرية أخرى في اليمن، تتمثل في أصحاب بعض المهن كالقصَّابين، في دلالة على أن فضاء التعصب لا يكف عن توليد أوهام الذات المشوِّهة لإنسانيتها وعقلانيتها.
وقد أضاف خطاب الرواية إلى منظور العكس والخرق، روايتها على لسان اليهودي سالم، الذي يرويها بضميره المتكلم، مؤلفاً مع فاطمة، ثم مع ابنهما وزوجته فحفيدهما الذي يستأنف رواية فصلها الأخير، ذاتاً ثالثة تخرج عن ثنائية الذات والآخر، وتجمع طرفيها المتنابذَيْن في الوقت نفسه مولِّدة مزيجاً من رؤية ثقافية إنسانية متسامحة ومضادة للتعصب والإقصاء والكراهية المتبادلة.
وهذا العكس أو الخرق من جهة الراوي هو ناتج القياس على مؤلفها اليمني العربي المسلم الذي منح آخره اليهودي الذي يشاركه في الصفة الوطنية لساناً ينطق ورواية تحكي بطولته التي كانت خرقاً ثقافياً صاعقاً بأكثر من معنى. ويتضح ذلك باستبدال افتراضي نتصور فيه أن المؤلف يهودي يمني، بحيث يبدو التطابق أو التجانس بينه وبين بطل الرواية؛ ففي هذه الحالة، وعلى الرغم من أن مغزى الرواية المضاد للتعصب وإقصاء الآخر لن يبرح، فإننا سنفتقد لخرق المتصل وما يولده صدورها عن معين ثقافي ذي كثرة وهيمنة من عكس التوقع وكسر العادة.
لهذا فإن الرواية من زاوية الاختلاف بين مؤلفها وبطلها تتجاوب مع ثيمتها وحدثها الأساس وتعزز صدقية رؤياها الإنسانية ودلالاتها النقضية تجاه الدولة الطائفية، التي تبدو بالضد من المعاني المدنية التي تؤلف العقد الاجتماعي على مبدأ المواطنة والعدالة والمساواة، وتنتج الحقوق وتحميها.
وهو مغزى يجاوز التاريخ إلى الحداثة، والماضي إلى المستقبل، والعزلة إلى الانفتاح، والتخلف إلى التقدم... تلك المتقابلات التي اتخذت الرواية إستراتيجيتها السردية في توليد الاصطراع لدى قرائها معها، وتكثيف حسها الإشكالي فيهم بما يجاوز انحصارها في التعصب ضد آخر اجتماعي بالتعيين، إلى التعصب ضد الذات الذي يولِّده حرمان هذه الذات من اكتشاف الإنسان فيها ووراءها، بحيث تؤول إلى ذات متوحشة!
منظور الخرق للمتصل الثقافي تجاه الآخر
حين نقرأ عنوان رواية الروائي اليمني علي المقري «اليهودي الحالي» (2009) ندرك أن ثيمتها الرئيسة تقوم على علاقة الذات بالآخر، وذلك لأن صفة اليهودي في العنوان هي نسبة دينية ولا معنى لنسبة كائن وإنمائه على هذا النحو إلا في مقابل ذات بالمعنى الذي يخصص الذات هنا في انتمائها الديني.
أما أن يكون اليهودي هو الآخر في هذه الرواية، فهي آخرية لا يدل عليها، فحسب، اسم المؤلف الذي يعلو العنوان معيناً نسبة إسلامية، بل تدل عليها النسبة ذاتها التي تتضمنها صفة اليهودي، لأنه لا معنى لمثل هذه النسبة من دون أن تكون في سياق آخريتها أو في مقام التلفظ بها لمجاورة المختلف عنها وحضوره في قبالتها.
وقد كانت عبارة العنوان هذه، ملفوظ فاطمة المتكرر للفتى سالم اليهودي، في متن الرواية من خلال حكاية الغرام بينهما التي تمثل صلب الرواية وقاعدتها السردية. ولهذا فإنها ملفوظ للدلالة على الآخرية، التي تصطحب في هذه الحالة بالضرورة سياق الوجود وسياق الذاكرة، لمضاعفة تلك الآخرية بدلالة القلة اليهودية في دولة اليمن كما هو معروف، وبدلالة التوتر والشحناء القديمة الجديدة تجاهها في الذاكرة العربية الإسلامية.
وتزداد تلك الدلالة إثارة من خلال تشخُّصها في ذَكَر يهودي وفتاة مسلمة، وليس العكس، فالأنثى في الثقافة دلالة ضعف وحماية، ودلالة كثافة للمحافظة على الهوية وتقديسها والصيانة الشديدة لنقائها.
أما دلالة «الحالي» التي وردت صفة لليهودي، وتعني الوسيم أو المليح، فتؤشر على منظور الرواية الذي يكسر نمط العلاقة الثقافية العربية باليهود، ويخرق متصل الخطاب لتوليد إثارة وخلق حدث بالمعنى الروائي والتداولي. وهو منظور تترامى به الرواية إلى ممارسة دور نقدي تجاه الثقافة لتوليد معان إنسانية ووطنية بمنجاة من التعصب والكراهية والاحتشاد بالبغضاء والمكائد المتبادلة.
ولم يقتصر هذا الدور النقدي على الثقافة العربية الإسلامية إجمالاً، ولا على الثقافة اليمنية خاصة، بل مارس الدور نفسه تجاه الثقافة اليهودية المليئة بالتعصب والكراهية. كما لم تقتصر الآخرية هنا على اليهود بل أظهرت آخرية أخرى في اليمن، تتمثل في أصحاب بعض المهن كالقصَّابين، في دلالة على أن فضاء التعصب لا يكف عن توليد أوهام الذات المشوِّهة لإنسانيتها وعقلانيتها.
وقد أضاف خطاب الرواية إلى منظور العكس والخرق، روايتها على لسان اليهودي سالم، الذي يرويها بضميره المتكلم، مؤلفاً مع فاطمة، ثم مع ابنهما وزوجته فحفيدهما الذي يستأنف رواية فصلها الأخير، ذاتاً ثالثة تخرج عن ثنائية الذات والآخر، وتجمع طرفيها المتنابذَيْن في الوقت نفسه مولِّدة مزيجاً من رؤية ثقافية إنسانية متسامحة ومضادة للتعصب والإقصاء والكراهية المتبادلة.
وهذا العكس أو الخرق من جهة الراوي هو ناتج القياس على مؤلفها اليمني العربي المسلم الذي منح آخره اليهودي الذي يشاركه في الصفة الوطنية لساناً ينطق ورواية تحكي بطولته التي كانت خرقاً ثقافياً صاعقاً بأكثر من معنى. ويتضح ذلك باستبدال افتراضي نتصور فيه أن المؤلف يهودي يمني، بحيث يبدو التطابق أو التجانس بينه وبين بطل الرواية؛ ففي هذه الحالة، وعلى الرغم من أن مغزى الرواية المضاد للتعصب وإقصاء الآخر لن يبرح، فإننا سنفتقد لخرق المتصل وما يولده صدورها عن معين ثقافي ذي كثرة وهيمنة من عكس التوقع وكسر العادة.
لهذا فإن الرواية من زاوية الاختلاف بين مؤلفها وبطلها تتجاوب مع ثيمتها وحدثها الأساس وتعزز صدقية رؤياها الإنسانية ودلالاتها النقضية تجاه الدولة الطائفية، التي تبدو بالضد من المعاني المدنية التي تؤلف العقد الاجتماعي على مبدأ المواطنة والعدالة والمساواة، وتنتج الحقوق وتحميها.
وهو مغزى يجاوز التاريخ إلى الحداثة، والماضي إلى المستقبل، والعزلة إلى الانفتاح، والتخلف إلى التقدم... تلك المتقابلات التي اتخذت الرواية إستراتيجيتها السردية في توليد الاصطراع لدى قرائها معها، وتكثيف حسها الإشكالي فيهم بما يجاوز انحصارها في التعصب ضد آخر اجتماعي بالتعيين، إلى التعصب ضد الذات الذي يولِّده حرمان هذه الذات من اكتشاف الإنسان فيها ووراءها، بحيث تؤول إلى ذات متوحشة!
Page 9
رواية التاريخ ومعارضته
إن «اليهودي الحالي» رواية تحكي عن التاريخ وليس عن الحاضر، فراويها يعلن في أولها بداية تدوينه لها، حين دخلت سنة 1054هـ (1644) وتبدأ أحداثها قبل سبع سنوات من هذا التاريخ، وتمتد إلى رواية الحفيد عما حدث له بعد عام 1125هـ بقليل. وهذا تجذير زمني تضاعفه الإحالة على أسماء أئمة الدولة اليمنية في ذلك الزمن: المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، وخليفته أحمد بن الحسن، الملقّب بالمهدي، والأمير علي بن المؤيد، الملقَّب بجمال الإسلام، والأحداث التي عاصروها، إلى جانب التجذير المكاني للرواية الذي ابتدأ في موطن سالم وفاطمة في قرية (ريدة) اليمنية ثم لهما ولابنهما وحفيدهما في صنعاء.
وليس لذلك ـ بالطبع ـ أي معنى ما لم نأخذ ما تنبني عليه الرواية، وكل رواية تاريخية ـ على نحو ما لاحظ جورج لوكاتش ـ من صلة محددة بالحاضر تجعل الحياة الحاضرة على ما هي عليه(12).
لكن اكتشاف صلة الرواية التاريخية بالحاضر، لا يعني ضرورة الإحالة على قصدية المؤلف، بحيث تغدو قراءة النص تقييداً للمعنى بتوهم حقيقة تشدُّه من خلفه هي ما أراده الروائي؛ فقراءة من هذا القبيل هي قراءة تفتيشية وبوليسية أكثر منها قراءة إنتاجية أدبية.
لذلك فإن الكشف عن مثل هذه الصلة التي تجمع بين الماضي والحاضر، وتعطف الجديد على القديم، هي إحالة على مقروئية النص التي تبتدئ منه لا من شيء قبله، وهو ما يؤدي إلى انفتاحه بالقراءة لا انغلاقه واتساعه بقرائه لا ضيقه. وقد كان تجذير رواية «اليهودي الحالي» في التاريخ، كما رأينا، إضفاءً لقيمة تداولية، بالتحديد لمقام سوسيوثقافي، يؤلف الرواية نظيراً لمرجع خارجي، ويطبعها بأثر لمعنى الواقع. ونتيجة ذلك تعني أن ما تولِّده الرواية من معنى هو ناتج علاقات واقع سوسيوثقافي، أحسنت الرواية اختيارها وبناءها، بما يجعلها دالة على ما يجاوز لحظتها ومكانها.
ولم يكن للتاريخ في هذه الرواية هيمنة بادية، فليس لمن يقرأها أن يستشعر وثائقية تاريخية تماهي الرواية في المرجعي، أو تقنِّعها به، وتستعيره لها. فأبطال الرواية الفاعلون، وأولهم اليهودي الحالي، مختلَقون، والحبكة التي تجمعهم وترتب سيرورة الأحداث وتطور الصراع بينهم ومعهم وبهم، خيالية. وهذا يعني أن العلاقة بالتاريخ، هنا، هي علاقة اصطناع لخلفية تجري الرواية عليها أحداثها وحبكتها الخيالية، وتنشئ عالمها المنفتح على قضايا عاطفية وسياسية واجتماعية لم يكن لكتب التاريخ أن تحفل بها.
وهي على عكس الشائع في العودة ـ روائياً ـ إلى التاريخ وتوظيفه واستلهامه حيث تبرز النزعة القومية التي تستشعر أمجاد الماضي وتقصد الكشف عن صفحاته الناصعة والفهم لانكساراته، والدوران حول القيادات التاريخية وأرباب السلطان ومن في معيتهم، حتى وإن كان ذلك ـ كما هو بارز في روايات تاريخية عديدة ـ بمعنى انتقادي، أو يصنع إسقاطاً ورمزية على الواقع الحديث والمعاصر. إننا، هنا، خلافاً لذلك، بصدد تاريخ مسكوت عنه وأبطال منفيين وهامشيين ومجهولين تاريخياً.
أما تجذير هذه الشخصيات وأحداثها في حقبة ماضية، من تاريخ اليمن، وذلك باصطناع خلفية من القرن السابع عشر الميلادي تتخلق فيها الرواية وتتأطر بها، فإنه يستثمر التاريخ الذي يتوتَّر دوماً في علاقة مع الحاضر والمستقبل من جهة الرغبة في مجاوزته أو من جهة الرغبة في العودة إليه والإجلال له، وهما وجهتان لا تنفصمان عما يؤلفه التاريخ في حسابات الهوية الاجتماعية والثقافية، التي تستند بالضرورة إلى شكل سردي للماضي.
هنا تبدو إشكالية العلاقة مع الآخر في صلب التكوين التاريخي للهوية الثقافية الاجتماعية، وقد كانت تلك الفترة التاريخية في اليمن داعمة لصدقية ما تؤشر عليه الرواية من تعصب وإقصاء للآخر، بسبب تخلف مستويات التعليم فيها ومجافاة الاستنارة العقلانية وهما أمران متصلان بتغول السلطة واستبدادها في ذلك الزمن واستمداد شرعيتها واستمرارها من وقود خطاب ديني شديد الانغلاق والتعصب.
وبالطبع فإن فكرة الآخر واصطلاحه بالمعنى الفلسفي والحقوقي الإنساني والاجتماعي والثقافي فكرة حديثة عالمياً. وقد أخذت دلالتها المجرِّمة للتمييز والعنصرية والإقصاء للمختلف، ضمن ترقِّيات الوعي الإنساني المتدرجة، في معاني الحرية والعدالة والمساواة، ونهضة الفكر العقلاني النقدي، ونشأة نظم الحكم الديمقراطية والمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية.
إن «اليهودي الحالي» رواية تحكي عن التاريخ وليس عن الحاضر، فراويها يعلن في أولها بداية تدوينه لها، حين دخلت سنة 1054هـ (1644) وتبدأ أحداثها قبل سبع سنوات من هذا التاريخ، وتمتد إلى رواية الحفيد عما حدث له بعد عام 1125هـ بقليل. وهذا تجذير زمني تضاعفه الإحالة على أسماء أئمة الدولة اليمنية في ذلك الزمن: المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، وخليفته أحمد بن الحسن، الملقّب بالمهدي، والأمير علي بن المؤيد، الملقَّب بجمال الإسلام، والأحداث التي عاصروها، إلى جانب التجذير المكاني للرواية الذي ابتدأ في موطن سالم وفاطمة في قرية (ريدة) اليمنية ثم لهما ولابنهما وحفيدهما في صنعاء.
وليس لذلك ـ بالطبع ـ أي معنى ما لم نأخذ ما تنبني عليه الرواية، وكل رواية تاريخية ـ على نحو ما لاحظ جورج لوكاتش ـ من صلة محددة بالحاضر تجعل الحياة الحاضرة على ما هي عليه(12).
لكن اكتشاف صلة الرواية التاريخية بالحاضر، لا يعني ضرورة الإحالة على قصدية المؤلف، بحيث تغدو قراءة النص تقييداً للمعنى بتوهم حقيقة تشدُّه من خلفه هي ما أراده الروائي؛ فقراءة من هذا القبيل هي قراءة تفتيشية وبوليسية أكثر منها قراءة إنتاجية أدبية.
لذلك فإن الكشف عن مثل هذه الصلة التي تجمع بين الماضي والحاضر، وتعطف الجديد على القديم، هي إحالة على مقروئية النص التي تبتدئ منه لا من شيء قبله، وهو ما يؤدي إلى انفتاحه بالقراءة لا انغلاقه واتساعه بقرائه لا ضيقه. وقد كان تجذير رواية «اليهودي الحالي» في التاريخ، كما رأينا، إضفاءً لقيمة تداولية، بالتحديد لمقام سوسيوثقافي، يؤلف الرواية نظيراً لمرجع خارجي، ويطبعها بأثر لمعنى الواقع. ونتيجة ذلك تعني أن ما تولِّده الرواية من معنى هو ناتج علاقات واقع سوسيوثقافي، أحسنت الرواية اختيارها وبناءها، بما يجعلها دالة على ما يجاوز لحظتها ومكانها.
ولم يكن للتاريخ في هذه الرواية هيمنة بادية، فليس لمن يقرأها أن يستشعر وثائقية تاريخية تماهي الرواية في المرجعي، أو تقنِّعها به، وتستعيره لها. فأبطال الرواية الفاعلون، وأولهم اليهودي الحالي، مختلَقون، والحبكة التي تجمعهم وترتب سيرورة الأحداث وتطور الصراع بينهم ومعهم وبهم، خيالية. وهذا يعني أن العلاقة بالتاريخ، هنا، هي علاقة اصطناع لخلفية تجري الرواية عليها أحداثها وحبكتها الخيالية، وتنشئ عالمها المنفتح على قضايا عاطفية وسياسية واجتماعية لم يكن لكتب التاريخ أن تحفل بها.
وهي على عكس الشائع في العودة ـ روائياً ـ إلى التاريخ وتوظيفه واستلهامه حيث تبرز النزعة القومية التي تستشعر أمجاد الماضي وتقصد الكشف عن صفحاته الناصعة والفهم لانكساراته، والدوران حول القيادات التاريخية وأرباب السلطان ومن في معيتهم، حتى وإن كان ذلك ـ كما هو بارز في روايات تاريخية عديدة ـ بمعنى انتقادي، أو يصنع إسقاطاً ورمزية على الواقع الحديث والمعاصر. إننا، هنا، خلافاً لذلك، بصدد تاريخ مسكوت عنه وأبطال منفيين وهامشيين ومجهولين تاريخياً.
أما تجذير هذه الشخصيات وأحداثها في حقبة ماضية، من تاريخ اليمن، وذلك باصطناع خلفية من القرن السابع عشر الميلادي تتخلق فيها الرواية وتتأطر بها، فإنه يستثمر التاريخ الذي يتوتَّر دوماً في علاقة مع الحاضر والمستقبل من جهة الرغبة في مجاوزته أو من جهة الرغبة في العودة إليه والإجلال له، وهما وجهتان لا تنفصمان عما يؤلفه التاريخ في حسابات الهوية الاجتماعية والثقافية، التي تستند بالضرورة إلى شكل سردي للماضي.
هنا تبدو إشكالية العلاقة مع الآخر في صلب التكوين التاريخي للهوية الثقافية الاجتماعية، وقد كانت تلك الفترة التاريخية في اليمن داعمة لصدقية ما تؤشر عليه الرواية من تعصب وإقصاء للآخر، بسبب تخلف مستويات التعليم فيها ومجافاة الاستنارة العقلانية وهما أمران متصلان بتغول السلطة واستبدادها في ذلك الزمن واستمداد شرعيتها واستمرارها من وقود خطاب ديني شديد الانغلاق والتعصب.
وبالطبع فإن فكرة الآخر واصطلاحه بالمعنى الفلسفي والحقوقي الإنساني والاجتماعي والثقافي فكرة حديثة عالمياً. وقد أخذت دلالتها المجرِّمة للتمييز والعنصرية والإقصاء للمختلف، ضمن ترقِّيات الوعي الإنساني المتدرجة، في معاني الحرية والعدالة والمساواة، ونهضة الفكر العقلاني النقدي، ونشأة نظم الحكم الديمقراطية والمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية.
Page 10
لكنها عملياً لاتزال إشكالية تعيش مآسيها الدول المتخلفة والمتقدمة بدرجات متفاوتة، وهذا يعني، ضمن ما يعني، أنها دلالة تكوينية في مفاهيم الذات والهوية والسلطة والمجتمع واللغة والثقافة، كما يعني أن تمثيلها سردياً، كما في حالة «اليهودي الحالي» التي نحن بصددها، لا يقفها عند دلالة تاريخية ومحلية، وإنما يجاوز بها إلى الكلي والعام الذي يغدو رهان مقروئية الرواية وقيمتها الإبداعية، ويدرجها في عداد القراءة النقدية للتاريخ التي تستحيل إلى نقد للهوية ومفاهيم تكوينها الشوفينية.
ولم تقتصر علاقة رواية «اليهودي الحالي» بالتاريخ، في اختيار خلفية تاريخية لأحداثها في زمن يسبق تاريخ كتابتها بأكثر من ثلاثة قرون، بل تبدو علاقة أخرى لها بالتاريخ، في محاكاتها للمؤلفات التاريخية في التراث الإسلامي، التي تتشارك في أسلوب التاريخ الحولي، ومن أمثلة ذلك تاريخ الطبري (224 ـ 310هـ) وتاريخ ابن الأثير (555 ـ 630هـ) وغيرهما.
وهي طريقة تدوّن الأحداث على تاريخ السنين، وتربط بين السنوات بعبارة: «ثم دخلت سنة كذا» أو «ثم جاء في سنة كذا»... وما يشبهها. وقد استطاع ابن الأثير أن يجاوز بهذه الطريقة ما كان يحدث فيها من تمزيق للحادثة التي تمتد في عدد من السنين؛ وقال للتنبيه على ذلك: «فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد، وذكرت كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت، فأتت متناسقة قد أخذ بعضها برقاب بعض»(13).
طريقة ابن الأثير هذه هي طريقة اليهودي الحالي في رواية أحداثه التي تغدو تاريخاً لعلاقته بفاطمة وما ينشأ عن ذلك من علاقة بالشخصيات الأخرى والأحداث الاجتماعية في تتابع زمني يصل إلى نحو 80 عاماً، تبدأ هكذا: «ودخلت سنة أربع وخمسين وألف في ما يؤرخ به المسلمون للزمن»(14). ثم تتواتر العبارات التي تتداخل مع عبارات ابن الأثير والمؤرخين المسلمين، مثل: «وفيها» أي وفي السنة نفسها، و«مرت أشهر وأيام» (ص44) و«في هذه السنة مضت الأيام في أحداث لا تنتهي» (ص91) «ودخلت سنة 1077هـ»... إلخ.
وهذه العلاقة التي تجمع رواية «اليهودي الحالي» بتاريخ ابن الأثير والطبري وغيرهما، تبدو نوعاً من المعارضة التي تندرج لدى جيرار جينيت في ما أسماه تجاوز النص (Transtextuality) (وترجمته العربية الأكثر شيوعاً التعالي النصي) ويخص هنا ما تقيمه الرواية من علاقة مع تلك الكتب التاريخية، من زاوية التقليد والتحويل لها (15)hypertextualiity.
وإذا عدنا إلى الرواية فسنجدها تنشئ من خلال علاقة المعارضة تلك، توتراً مع الكتب التاريخية، يمنحها غنى دلالياً، ويخلق منها نصاً جديداً، يتضمن المشاكلة للكتب التاريخية التراثية ويختلف عنها في الوقت نفسه. وقد تحقق للراوي في الرواية بذلك قدراً من تلبس لبوس المؤرخ التراثي، وتقمص شخصيته، ومن ثم الانتماء إلى فضاء نصه الجامع على وجه المعارضة والمحاكاة.
لكن إبراز بطولة المرأة في الرواية، واستدارتها على حدث الغرام بين مختلفين في الدين، وما ينتج عن ذلك في أطروحة الرواية من الدعوة إلى قيم التسامح والسلام والاحترام والتعايش المشترك، ومن تمثيل مآسي الآخر المختلف في المجتمع، يجعلها مغايرة لمادة الكتب التاريخية التراثية، ومصادمة لها؛ فالتاريخ في تلك الكتب هو تاريخ الرجال، والبطولة الغالبة هي بطولة ذكورية مقرونة بالقتال والحروب ومدارها على الانفراد بالسلطة والقيادة والثروة، بحيث تغدو العصبية التي يتأسس عليها إنتاج السلطة وتداولها لحمة التاريخ وسداه، والضد لما تترامى إليه الرواية.
ولم تقتصر علاقة رواية «اليهودي الحالي» بالتاريخ، في اختيار خلفية تاريخية لأحداثها في زمن يسبق تاريخ كتابتها بأكثر من ثلاثة قرون، بل تبدو علاقة أخرى لها بالتاريخ، في محاكاتها للمؤلفات التاريخية في التراث الإسلامي، التي تتشارك في أسلوب التاريخ الحولي، ومن أمثلة ذلك تاريخ الطبري (224 ـ 310هـ) وتاريخ ابن الأثير (555 ـ 630هـ) وغيرهما.
وهي طريقة تدوّن الأحداث على تاريخ السنين، وتربط بين السنوات بعبارة: «ثم دخلت سنة كذا» أو «ثم جاء في سنة كذا»... وما يشبهها. وقد استطاع ابن الأثير أن يجاوز بهذه الطريقة ما كان يحدث فيها من تمزيق للحادثة التي تمتد في عدد من السنين؛ وقال للتنبيه على ذلك: «فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد، وذكرت كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت، فأتت متناسقة قد أخذ بعضها برقاب بعض»(13).
طريقة ابن الأثير هذه هي طريقة اليهودي الحالي في رواية أحداثه التي تغدو تاريخاً لعلاقته بفاطمة وما ينشأ عن ذلك من علاقة بالشخصيات الأخرى والأحداث الاجتماعية في تتابع زمني يصل إلى نحو 80 عاماً، تبدأ هكذا: «ودخلت سنة أربع وخمسين وألف في ما يؤرخ به المسلمون للزمن»(14). ثم تتواتر العبارات التي تتداخل مع عبارات ابن الأثير والمؤرخين المسلمين، مثل: «وفيها» أي وفي السنة نفسها، و«مرت أشهر وأيام» (ص44) و«في هذه السنة مضت الأيام في أحداث لا تنتهي» (ص91) «ودخلت سنة 1077هـ»... إلخ.
وهذه العلاقة التي تجمع رواية «اليهودي الحالي» بتاريخ ابن الأثير والطبري وغيرهما، تبدو نوعاً من المعارضة التي تندرج لدى جيرار جينيت في ما أسماه تجاوز النص (Transtextuality) (وترجمته العربية الأكثر شيوعاً التعالي النصي) ويخص هنا ما تقيمه الرواية من علاقة مع تلك الكتب التاريخية، من زاوية التقليد والتحويل لها (15)hypertextualiity.
وإذا عدنا إلى الرواية فسنجدها تنشئ من خلال علاقة المعارضة تلك، توتراً مع الكتب التاريخية، يمنحها غنى دلالياً، ويخلق منها نصاً جديداً، يتضمن المشاكلة للكتب التاريخية التراثية ويختلف عنها في الوقت نفسه. وقد تحقق للراوي في الرواية بذلك قدراً من تلبس لبوس المؤرخ التراثي، وتقمص شخصيته، ومن ثم الانتماء إلى فضاء نصه الجامع على وجه المعارضة والمحاكاة.
لكن إبراز بطولة المرأة في الرواية، واستدارتها على حدث الغرام بين مختلفين في الدين، وما ينتج عن ذلك في أطروحة الرواية من الدعوة إلى قيم التسامح والسلام والاحترام والتعايش المشترك، ومن تمثيل مآسي الآخر المختلف في المجتمع، يجعلها مغايرة لمادة الكتب التاريخية التراثية، ومصادمة لها؛ فالتاريخ في تلك الكتب هو تاريخ الرجال، والبطولة الغالبة هي بطولة ذكورية مقرونة بالقتال والحروب ومدارها على الانفراد بالسلطة والقيادة والثروة، بحيث تغدو العصبية التي يتأسس عليها إنتاج السلطة وتداولها لحمة التاريخ وسداه، والضد لما تترامى إليه الرواية.