eKtab
EN ع
الرواية الفلسطينية والتراث
Read free sample

الرواية الفلسطينية والتراث

by سمير الجندي

Page 1
 المقدمة
 
الحمد لله الذي لم يحمّلنا ما لا طاقة لنا به، وقيَّض لنا من جميل عوْنِهِ دليلاً هاديًا إلى طاعتِهِ، ووهبَنا من توفيقه أدبًا صارفًا عن معاصيه، ولم يكلنا إلى ضعف عزائمنا، وحيرةِ آرائِنا، وسوءِ اختيارِنا، وقِلّةِ تمييزنا، وفساد أهوائِنا.
 
أمّا ما دفعني إلى دراسة هذا الموضوع، فهو إيماني بما يشكّله التّراث من أهميّة وقيمة بالنسبة إلى الأمّة التي تعمل على أن تبقى قويّة أمام الأمم، فمثل هذه الأمّة لا بدَّ لها في كل فترة من فترات الزمن أن تراجع حساباتها، وتعيد النظر في تراثها بين كل فترة وأخرى، لكي تعمل على تنقيته فتترك منه ما تترك، وتأخذ ما ينفعها من زاد تستطيع من خلاله أن تواجه الحاضر والمستقبل معًا، فالتراث، هو الرئة التي تتنفس الأمة من خلالها، وهو رصيدها الحضاري في سجل التاريخ، وأمةٌ بلا تراث، هي أمة متصدعة، لا جذور لها، ولا أصول؛ لهذا، فعملي هو محاولة للكشف عن أهمية التراث، ومدى قدرته على الفعل، وإثراء الحاضر والمستقبل في مجالات المعرفة. من هذا المنطلق، فإنني أرى أنَّ تلك الرؤية التي تتكئ على التراث، وهي تنظر إلى النص الروائي لترصد أثر هذا التراث في روايات ديمة السمَّان على مستوى الشكل والمضمون معًا للوقوف على مدى تأثير الماضي في الحاضر، وقدرة الحاضر على فهم الماضي من أجل بناء نفسه وبناء المستقبل.
 
وعندما بحثت في المكتبة العربية عن دراسات سابقة لروايات ديمة السمَّان، لم أجد من درَسها، وهذا سبب يضاف إلى الأسباب الآتي ذكرها لدراسة التراث في رواياتها، والتي أُلخصُها بالآتي:
 
1- يلمس القارئ، في روايات الكاتبة المقدسية، ميلَها إلى محاورة التراث، ولا سيّما الشعبي منه، من أجل إحياء هذا التراث، وتأكيد وجوده، بوصفه ممثلاً لأحد الركائز الأساسية في ربط الفلسطيني بأرضه، وماضيه، وبهويته الإنسانية والوطنية، ويرسخ القواعد الثابتة أمام حركة الاجتثاث والتغريب، ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية وإزالتها من الوجود.
 
2- تتنوع أنماط التراث التي تحاورها الكاتبة، لتشمل الآياتِ القرآنيةَ، والأحاديثَ النبويةَ، والمعتقداتِ الشعبيةَ،والأشعارَ العربية، والأمثالَ الشعبية الفلسطينية والعربية.
 
وقد استعنت بعدة مناهج نقدية، فأخذت منها ما يتناسب وحاجات البحث دون التعصب أو التحيز لمنهج معين، ولجأت للمنهج الوصفي، فوصفت شخصيات الروايات موضوع الدراسة، وعقّبت على تأثير التوظيف التراثي على وصف الشخصيات ورسم حركاتها، واستعنت بالمنهج النفسي الذي يهتم باللاشعور، وتأثيره في سلوك الإنسان، وأثره على الكاتبة في توظيف معلوماتها وخبراتها، وكيفية استخدامها لهذا التوظيف في سردها، كما استعنت بالمنهج التاريخي، في قراءة الأحداث التاريخية وتوظيفها في العمل الروائي، واستعنت بالمنهج الأسلوبي في تحليل بعض النصوص اللغوية ودلالاتها.
 
من المشاكل التي واجهتني أثناء إعداد هذه الدراسة، قلة الدراسات والأبحاثِ في هذا الموضوع، وعدمُ وجود مكتبات عامة تفي بالغرض، وافتقارها لبعض المراجع التي احتجت إليها، الأمر الذي تطلب مني السفرَ إلى الأردنّ، للحصول على ما احتجت إليه من مراجعَ ومصادرَ تُعينني على إتمام بحثي  على أكمل وجه.
Page 2
التمهيد
 
السيرة الذاتية للكاتبة(1)
 
 
 
ولدت ديمة السمَّان في مدينة القدس سنة (1963)، ودرست في كلية شميدت، وأكملت تحصيلها العلمي في جامعة (بير زيت) بكالوريوس لغويات، حصلت على دبلوم عالٍ في إخراج أفلامٍ وثائقيةٍ قصيرة، وعملت محررةً في العديد من الصحف والمجلات المحلية منها: الأسبوع الجديد، ومع الناس، والصدى، ومرايا.
 
نُشر لها العديد من المقالات الأدبية والسياسية والتربوية، والنقدية، والقصص القصيرة، في عدد من الدوريات داخل فلسطين وخارجها، وعلى الصفحات الإلكترونية.
 
عملت مخرجة في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، وشاركت بإخراج عدة أفلام قصيرة، تمَّ بثَّها في محطات التلفزة داخل وخارج فلسطين. كذلك شغلت منصب مديرة دائرة الإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية بين الأعوام (1997-2005)، وتشغل حاليًّا منصب (رئيس وحدة شؤون القدس) في وزارة التربية والتعليم العالي، كما شغلت مناصب إداريةً في العديد من المؤسسات منها: اتّحاد الكتَّاب الفلسطينيين، ومركز القدس للديمقراطية، وفي عدة مؤسسات ثقافية واجتماعية تختص بحقوق الإنسان، وهي عضوٌ في الهيئة العامة في رابطة الصحافيين العرب في فلسطين، كما شاركت في لجنة تقييم الأفلام في مهرجان المبدعين العرب (2004) عن فلسطين في جمهورية مصر العربية. 
 
حصلت على جائزة أفضل رواية كتبت عن القدس العام (2008) في مهرجان "القدس زهرة المدائن" (اتحاد المثقفين المقدسيين)، وتمَّ تكريمها، أيضًا، من جامعة القدس، ومن ملتقى الأديبات المقدسيّات العام (2009).
 
__________________
 
(1) ديمة السمان، السيرة الذاتية للكاتبة، وزارة التربية والتعليم، 22/11/2010، (مقابلة شخصية). 
Page 3
الآثار الأدبية للكاتبة
 
1- الضلع المفقود، اتحاد الكتَّاب الفلسطينيين، القدس، (1992).
 
2- القافلة، دار الهدى في كفر قرع/ المثلث، (1992).
 
3- الأصابع الخفية ، دار الكاتب، القدس، (1992).
 
4- جناح ضاقت به السماء، دار الإبداع للنشر، أم الفحم، (1995).
 
5- برج اللقلق، (جزءان)، الهيئة العامة المصرية للكتَّاب، القاهرة، (2005).
Page 4
مفهوم التراث
 
قبل الخوض في البحث عن توظيف التراث في روايات الكاتبة ديمة السمَّان، أرى ضرورة تعريف مفهوم التراث في اللغة العربية كما ورد في لسان العرب، حتى نصل إلى المفهوم الحديث للكلمة لغةً ومصطلحًا.
 
أ‌- المفهوم اللغوي للتّراث: 
 
جاءت كلمة تراث من الجذر اللغوي (ورث)، وقد قُلبت الواو تاءً، وتعني كلمة (تراث)؛ ما يتركه الإنسان بعد موته من ماديات ومعنويات، واتسع معناها المجازي إلى الأشياء الأخرى مثل المطر والحزن والمرض.(1) وهذا ما يسميه الناس اليوم "الميراث". 
 
ووردت كلمة (تراث) في الشعر العربي بمفهومها المعنوي والمادي: فقد فاخر عمرو بن كلثوم بقومه، وتباهى بأنه ورث المجد والشّرف عنهم، حين قال في معلقته:(2)
 
ورثنا المجد قد علمت مَعَدٌ       وَرثتُ مهلهلاً والخيرَ منه
 
وعَتَّاباً وكلثومًا جميعًا
 
ورثناهُنَّ عن آباء صدقٍ
 
نُطاعنُ دُونه حتى يبينا
 
زُهيراً نِعمَ ذُخرُ الذَّاخِرينا
 
بهم نلنا تراث الأكرمينا
 
ونورثها إذا متنا بنينا
Page 5
ب‌- المفهوم الاصطلاحي: 
 
التراث: "هو ما ترثه الأجيال اللاحقة عن الأجيال السابقة، في تاريخ قومٍ، أو شعبٍ، أو أُمة، من مأثور التقاليد والعادات، ومن منجزات العقل والإبداع، في حقول العلم، والفكر، والأدب، والفن، على اختلاف الموضوعات والأغراض والأنواع والاتجاهات، فهو ذاكرة الشعوب، تستحضره الثقافة السائدة، وتجسده أنماط الفكر والسلوك، وتختزنه مناخات البيئة، وتؤصله مناهج التربية".(3) وعليه، فإن التراث بمعناه العام؛ هو كل ما خلَّفه لنا السلف من أشياء مادية ومعنوية، انتقلت عبر الزمن من جيل إلى جيل.
 
أما التراث الذي يتعامل معه هذا البحث، فهو ذلك الجزء المعنوي من التراث، ويشمل على كلٍّ من التراث الديني، والتراث الأدبي، والتراث التاريخي، والتراث الشعبي أي (الإنساني)، وهذا التراث هو الذي يشكل ذاكرة الأمة ووعاءَها الحافظ.
 
________________________
 
(1) ينظر: ابن منظور، لسان العرب، ط3 (طبعة جديدة محققة)، بيروت: دار صادر، 2004، مادة ورث.
 
(2) الحسين بن الحسين الزوزني، شرح المعلقات السبع، بيروت: دار الكتاب العربي، 1425/ 2004، ص 119- 120.
 
(3) ميشال عاصي وزميله، المعجم المفصل في اللغة والأدب، ط1، بيروت: دار العلم للملايين، 1987، 1/ 371.
Page 6
الرواية الأولى: الضلع المفقود
 
 
 
صدرت رواية الضلع المفقود عن دار العودة للدراسات والنشر في القدس العام (1992)، بالتعاون مع اتحاد الكتَّاب الفلسطينيين، وتقع الرواية في (284) صفحة من الحجم الكبير، وتدور أحداثها في البلدة القديمة من القدس الشريف، في حي الواد الذي تصفه في الصفحات الأولى من الرواية قائلة: "حي الواد منحدر قديم.. ينساب من جبال القدس العتيدة.. شكلته منذ آلاف السنين الطبيعة.. عُرف قبل أن يعرف الزمن له تاريخًا.."(1)، ويمتد زمن الرواية بين أواخر حكم الأتراك مرورًا بأيام المجاعة و(السفر برلك) وانتهاءً بنكبة فلسطين العام ثمانية وأربعين، وتصف لنا حياة الأسرة الفلسطينية وطبيعة أعمالها وعاداتها وتقاليدها، وارتباطها في مدينتها ومسجدها الذي سرى إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعرج منه إلى السموات العلى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأبطال روايتها (سليم العطار) الذي يعمل بالعطارة والطب الشعبي، وعائلته المقدسية، فسليم الذي لم تنجب له زوجته ولدًا يحظى بالصدفة بعروس أخرى من أصل هندي (عنبرة) شاءت الظروف أن يتعرف إليها  بعد وفاة زوجها الهندي في موسم الحج، يتزوجها على الرغم من معارضة أهل الحي على زواجه، لكنه يرزق بولد منها (عيَّاش) بعد أن تقوم بمعالجة زوجها بالطريقة الهندية التي تعرفها تمام المعرفة، وهي بخلط أنواع من الأعشاب واستعمال سُم الحية ودم البومة والغراب؛ كدواء ما جعل أهل الحي ينظرون إليها بعين الحسد والغيرة، بل إنهم يصفونها بالساحرة، وتعرج الكاتبة على الصراع الذي كان دائرًا بين عائلتي الحسيني التي يمثلها في الرواية (سليم العطار) وعائلة النشاشيبي (التي يمثلها الحاج زهدي لقمان) ويعمل بالسقاية على زعامة الحي و(المقصود زعامة القدس)، وتبين الأساليب التي استعملها كل طرف للإيقاع بالطرف الآخر، لتصل حد القتل والحرق والنهب، فعنبرة تتعرض للحرق لأن عائلة (لقمان) المنافسة لعائلة سليم العطار تعتبر أن عنبرة زوجة سليم العطار هي التي قتلت زعيمها (الحاج زهدي لقمان) بوضع السُّم له بالدواء، فيكون هذا الحادث مِفْصلاً مهمًّا في الرواية، إذ يستغل بعض المنتفعين هذا الأمر لصالحهم فيصبح (شداد) الذي كان راعيًا للأغنام قائدًا لشباب عائلة سليم العطار، فيسرق ويقتل وينهب ويحرق ما تطاله يداه من أملاك عائلة لقمان الأمر الذي يسبب الألم لسليم العطار، فيختفي في ظروف غامضة عن الساحة، ويرجح الجميع بأنه قُتل على أيدي عائلة لقمان، فيحتشد شباب عائلة العطار الذين يتزعمهم شداد فيقومون بحرق بيوت عائلة لقمان فيهرب من الحي الذين لا يمكن لهم الدفاع عن أنفسهم، وتقوم (أمينة) أخت سليم العطار بإرسال عياش إلى جده وأخواله في الهند خوفًا على سلامته، لتنتقل أحداث الرواية إلى الهند، فالمكان في الرواية له أهمية كبيرة إذ أن القدس غير الهند، فتصف لنا الكاتبة الريف الهندي، وتتغير الشخصيات في مساحة واسعة من زمن الرواية، ينشأ عيَّاش في رعاية جده وأخواله، فيتعلم عن الأعشاب وفوائدها ويصبح خبيرًا بالعلاج بالأعشاب، إلاَّ أنه يقع في حب ابنة (المهراج)، ما يسبب الخوف والقلق عند عائلة جده الذي يعمل مزارعًا هو وعائلته في أرض المهراجا، فالفروق الطبقية كبيرة في هذا البلد، والمهراجا صاحب السلطة لن يقبل بهذه العلاقة، فإذا علم بها فإنه سيقتل عياشًا، ويطرد الجد وعائلته من الأرض التي يعيشون عليها، فصار عياش بين نارين؛ إما (مريم) التي يحبها وتبادله هذا الحب، أو جده واستقراره وأمنه، ويكتشف بأن ابنة خاله (عائشة) تحبه أيضًا، وتتمسك بحبها له بكل جوارحها حتى أنها تحيك ضد مريم المؤامرات، فيحاول جده إقناعه بصعوبة هذا الحب وأن ابنة المهراجا على الرغم من صدق مشاعرها إلا أنها ليست من ثوبه، فيقرر عيَّاش الرجوع إلى فلسطين، فيصل إلى ميناء حيفا على متن إحدى السفن، ثم ينتقل إلى بيته في القدس لتستقبله عمته أمينة بحفاوة بالغة، فتدعو أبناء العائلة شبابها ورجالها حتى ينصبوه زعيمًا على العائلة مكان والده، فيجابه بمعارضة كبيرة من شداد الذي تتضرر مصالحه بوجود هذا الشاب، فتنقسم العائلة بين مؤيد ومعارض لعيَّاش بتحريض من شداد الذي كون شلة من الزعران والبلطجية، ثم تكتشف العائلة جرائم شداد فتقصيه عن العائلة، وتنفيه خارج المدينة ليصبح عيَّاش الزعيم الوحيد للعائلة.
Page 7
مرت الأيام، وعمَّ الرخاء، وزادت الأرزاق على أهل الحي في ظل زعامة عيَّاش، العطار الطبيب، إلى أن جاءت (عائشة) ابنة خال عياش قادمة من الهند، فقد حضرت لكي تكون بجانب حبيبها عياش فيتزوجها من باب رد الجميل، وتتوالى الأحداث، ويشارك عياش مع الشباب المجاهدين في مقاومة الزحف الصهيوني على فلسطين، فيصاب العديد منهم، وتتحد الجهود بين عياش وعائشة في تلك المقاومة، فعائشة تداوي جرحى المقاومة، وعياش يتزعم الشباب في مواجهة العدو. ومرت الكاتبة، أيضًا، على ذكر الأحداث التاريخية المتعلقة بفلسطين مثل قرار التقسيم العام سبعة وأربعين من القرن الماضي، وانتهاء الانتداب البريطاني العام ثمانية وأربعين، ووصف سريع لسقوط المدن الفلسطينية تباعًا في يد الصهاينة، وتدفق اليهود على فلسطين، وتضيق الحالة بعد نكبة فلسطين فيغادر عيَّاش إلى الهند، وهناك يقابل حبيبته مريم التي تخبره بما صنعت بها عائشة وإنها حاولت قتلها بالخدعة والمكر، وأنها لم تنس عياشًا لحظة واحدة، فيتأثر بما قالته، ويتفقا على الاقتصاص من عائشة، إلا أنَّ ضميره لم يسمح له بذلك، فيرجو مريم طالبًا منها العفو والسماح، وفي النهاية يرجع إلى فلسطين ليكمل حياته مناضلاً يقاوم العدو إلى أن يتلقى رصاصة قاتلة في صدره فينضم إلى قافلة الشهداء.(2)
 
___________________
 
(1) ديمة السمان، الضلع المفقود، ط1، القدس: دار العودة للدراسات والنشر،1992، ص3.
 
(2) ينظر: ديمة السمان، الضلع المفقود (الرواية).
Page 8
 الرواية الثانية: القافلة
 
 
 
صدرت رواية القافلة عن منشورات دار الهدى، كفر قرع، المثلث، في (238) صفحة من القطع الكبير، وتدور أحداث الرواية بين مدينة يافا الساحلية والصحراء الفلسطينية، ومدينة القدس والشتات الفلسطيني، فيمتد زمنها من بداية القرن الماضي إلى نهايته (مائة عام تقريبًا).
 
وتتحدث الرواية عن (حمدان) البدوي وعائلته، الذي ترك الصحراء ليعمل في مدينة يافا، ينقل البضائع من الميناء إلى بقية المدن الفلسطينية بوساطة وسيلة النقل الأساسية آنذاك وهي الجمل، لكنه يجابه من قبل ابنه الوحيد (صابر) الذي يشعر بأن مكانه الصحراء وليس البحر والميناء، يقول لأبيه بأنه لا يتحمل وجوده في يافا، لأن مكانه الصحراء التي تجري مخاطرها في دمه، أما (حمدان) فتقضُّ مضجعه الكوابيس والأحلام الرهيبة، فتحاول (ريحانة) زوجته مواساته والتخفيف عنه، إلى أن جاء رجلٌ بدويٌّ لزيارتهم ذات مساء، وكان اللقاء حميمًا بينهم، لتكتشف (ريحانة) بأن زوجها على صلة نسب وقرابة مع الزائر، ويفاجأ (حمدان) بأن ابنه (شاهر) الذي كان رضيعًا عندما ابتلعت الصحراء زوجته وأبناءه ما يزال على قيد الحياة، فتكون البشرى له ولابنه (صابر) الذي صار له أخٌ يستند عليه.
 
قرر (حمدان) ارتياد الصحراء، فسُرَّ صابر لسماعه هذا الخبر، فسافر (صابر) إلى الحجاز يرأس قافلة الزيت، وسافر حمدان إلى المغرب، ولكنه أراد إحضار ابنه شاهر من بيت جده، أما (ريحانه) فتقنع ابنها (صابر) بالذهاب معه لزيارة أهلها في الحجاز، لكنها تبيت في سرها نية البقاء عند أهلها إذ إنها لا ترغب بالعيش مع ضرة. 
 
تتعرض قافلة (صابر) إلى الانشقاق في صفوفها؛ بسبب الشرير (هُمام) الذي يحاول جاهدا النيل من خبرة (صابر) في قيادة القوافل، فيتيهُ عدد كبير من رجاله الذين انشقوا عنه في الصحراء، فيلجأ (صابر) ومن معه إلى أحد شيوخ الصحراء وهو (الشيخ صالح)، الذي يعتني بالقافلة عناية فائقة، ويلفت (صابر) نظر ابنة الشيخ (حسناء) التي تقع في حبه، لكن (هُمام) الحاقد حاول جاهدًا ضرب إسفين بين الشيخ صالح وصابر ونجح في ذلك إلى أبعد حدود في البداية، لدرجة أن (الشيخ صالح) حاول إنزال أشد عقوبة بصابر، على الرغم من توسّل حسناء، التي أدركت بذكائها كذب (هُمام). 
Page 9
وتدور أحداث متوالية في مضارب الشيخ صالح ومنها انتصار صابر على (عبدون) قاطع الطريق الذي يرهب قبيلة الشيخ صالح من وقت لآخر، فيصبح صديقًا لصابر يعاهده على الوفاء مدى الحياة، لدرجة أنه يجلب لصابر ألف ناقة يعطيها ثمنًا للكاهنة مقابل التخلي عن الدليل الذي يبرئ صابر من تهمته، وبعدها يتزوج صابر (حسناء).
 
يعود حمدان بصحبة فلذة كبده (شاهر)، الذي لم يتعد الثامنة من عمره، فيطير صابر بأخيه فرحًا، إلا أن صحة حمدان تسوء بسبب هجر زوجته له، فيتفق صابر وحسناء على تقديم المساعدة له، فيقنع صابر أباه بالسفر إلى مضارب زوجته في الحجاز، وتذهب حسناء بصحبتهما، وبطبيعة الحال يذهب (الشيخ صالح) على رأس جاهة كبيرة إلى أهل ريحانة، وتتضافر الجهود لإرجاع ريحانة إلى زوجها لتلتئم الأسرة من جديد، أما (شاهر)، فيزداد ارتباطه بالبحر فيبرع بالصيد حتى يصبح من كبار الصيَّادين، ويملك العديد من مراكب الصيد.
 
وتعرّج الكاتبة على مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الفلسطيني، تلك المرحلة التي أعقبت هزيمة الأتراك، وبداية الانتداب البريطاني على فلسطين، والثورات الفلسطينية التي نشبت في (1936)، والإضراب المفتوح، ومشاركة صابر وشاهر وحسناء وحمدان في الصراع، وتصف لنا محاولة الثوار الحصول على الأسلحة للمقاومة، فكل يستخدم أدواته وخبراته لتحقيق ذلك، كما تصف لنا مقدار تعامل الضباط الإنجليز مع العصابات اليهودية. تطول المدة الزمنية، ويشارك في الثورة أبناء صابر حمدان، وسلطان، وعدنان، الذي يضيع في البحر مع الذين غادروا يافا لتلتقطه امرأة وتأخذه معها على إنه ابنها بعد أن فقد ذاكرته، وتسقط قرية دير ياسين، وتعيش البلاد نكبتها الأولى العام ثمانية وأربعين، وتمر الأحداث تباعًا لتصل إلى الاجتياح الإسرائيلي على لبنان (1982)، فيعود عدنان إلى أسرته بعد أن يتقابل مع أبناء عمه عدنان حمدان وعدنان سلطان، في المعتقل الإسرائيلي، فيجتمع شمل العائلة من جديد، إلا أن عدنان شاهر يقرر العودة إلى بيروت ليكون مع أمه التي ربته (سلمى)، لكنه يصل متأخرًا، فقد خطفتها يد المنون، فيقرر الالتحاق بجيش التحرير الفلسطيني بحسب رغبة أمه الأخيرة.(1)
 
_______________
 
(1) ينظر: ديمة السمان، القافلة.
Page 10
 الرواية الثالثة: الأصابع الخفية
 
 
 
صدرت رواية الأصابع الخفية عن منشورات دار الكاتب في القدس العام (1992)، وتقع الرواية التي صمم غلافها الفنان قاسم منصور في (201) صفحة من القطع الكبير.
 
تدور أحداث الرواية في أعالي البحار بعيدًا عن اليابسة، وتركز الرواية على قصة جوهرة ابتلعها البحر بعد أن عمل جد (عناد) الذي يحمل بطل روايتنا اسمه، فتذكر لنا الكاتبة بأن الحالة الاقتصادية السيئة جعلت (شيخ البحر) (عناد الجد) التحول إلى القرصنة، فجمع العديد من البحارة، وجعل منهم عصابة قراصنة يغيرون على السفن، فيقتلون ويغرقون وينهبون كل ما تطاله أيديهم. وفي هذه الرواية اختلاف عن سابقتيها بأن الخيال يطغى على السرد الروائي، فهي تحلق بنا فوق الصور الخيالية، وتغوص بنا في عمق المحيطات، موظفة الكثير من الأمثال الشعبية والألفاظ القرآنية والأبيات الشعرية، مستعينة بالخيال العلمي تارة، وطورًا بما تحفظه من قصص تراثية كألف ليلة وليلة التي تعتمد على الحكاية الأسطورية، فكان (الجد عناد) لا يترك قتيلاً أو جريحًا على الشواطئ، بل كان يدفن ضحاياه في البحر، إلى أن أغاروا صدفة على سفينة تحمل علية القوم، فتعرض الأميرة على القراصنة جوهرة ثمينة جدًّا مقابل سلامتها ومن معها، إلا أن بعض القراصنة حرق وجه الأميرة بالمشعل، فما كان من (عناد) الجد إلا أن حاول إطفاء اللهب الذي شبَّ بالأميرة. ماتت الأميرة، وكانت سببًا لتحوله الجذري، فناصب القراصنة العداء.
 
أصبح عناد أسيرًا لكوابيسه؛ فهو يرى الأميرة المقتولة في أحلامه تحاول الاقتصاص منه، وتحمله سبب موتها وحرقها، وأخذ البحارة ينصبون له العداء، فيقوم بصنع كمين لهم، ثم يحرق السفينة بمن فيها من قراصنة وأموال وخصوصًا جوهرة الأميرة، فهو الذي صنع القراصنة، وهو الذي قضى عليهم مرة واحدة، فقتل حتى مساعده (عنبر) وهو يخاطبه قائلاً: "الجوهرة الآن في قاع البحر يا عنبر.. ليس من غواص يستطيع أن يستخرجها سواك أيها الخائن الغادر".(1)