Page 1
المقدمـــة
لقد قامت مجموعة من كتّاب الرواية العربية -لا سيما في الستينيات- بالعودة إلى التراث السردي العربي، في إطار حركة موسعة ثارت على تقاليد الكتابة الروائية التي أرساها كتّاب الرواية الرواد والجيل الذي تلاهم؛ فألفوا شكل الرواية الغربي مهيمناً على تجارب الكتابة باستثناء نادرٍ انشغل به بعض كتّاب الرواية الإحيائيين، ولم تقتصر العودة إلى التراث على ما استلهمته الرواية حسب، بل نجد امتداده في الشعر والمسرح والقصة القصيرة.
كان الاهتمام بكتاب "ألف ليلة وليلة" أبرز تلك الاستلهامات، وقد التُفت إليه في وقت مبكرٍ، أوائل القرن العشرين، ولا سيّما طه حسين وتوفيق الحكيم؛ اللذان كرسا غير قليلٍ من وقتيهما للإفادة من "ألف ليلة وليلة"، فكتبا روايتهما المشتركة "القصر المسحور". وكتب طه حسين رواية "أحلام شهرزاد"، وعطف الحكيم على روايته المشتركة آنفة الذكر بكتابة نص مسرحي بعنوان "شهرزاد". غير أن تلك العودة المبكرة إلى "ألف ليلة وليلة" لم تأتِ لتعبر عن تيارٍ عامٍ في الكتابة الروائية، وإنما غلبت الرؤية الإسقاطية على ما قاما به من التفاتٍ لهذا النص، وظل الشكل الأوروبي للرواية مهيمناً على أبرز أعمالهما الروائية، وهذا خلاف ما سنجده لدى روائيي الستينيات ومن تلاهم.
ومن نافلة القول إنَّ استلهام "ألف ليلة وليلة" لم يقتصر على الرواية حسب، وإنما كان في الشعر الحديث، كما نقع على ذلك في بعض قصائد بدر شاكر السياب كـ"مدينة السندباد"[1]، وصلاح عبد الصبور في "رحلة في الليل"[2]. وكذا الأمر في مجال المسرح، فنلمح ذلك في عمل سعد الله ونوس "الملك هو الملك"[3].
أما في القصة القصيرة، فمن أبرز المجموعات القصصية التي احتفت بألف ليلة وليلة: "حكايات للأمير حتى ينام"[4] ليحيى الطاهر عبدالله.
وارتباط ألف ليلة وليلة بالرواية العربية التجريبية هو مناط مباحث هذه الدراسة، فلقد تعمق الروائي الحديث في خصوصية ما يكتبه من سرد، فلم تعد الأشكال الغربية تلبي رغبات التعبير الروائي لديه. وأراد بعض الروائيين، كجمال الغيطاني مثلاً، أن يكتب نصاً روائياً مغايراً للنصوص العربية السائدة، فجاءت رواياته معبرةً عن انشغالٍ كبيرٍ بالسرود العربية القديمة، مثل: الخطط[5]، وكتاب التجليات[6].
ولقد تحولت النظرة إلى نص ألف ليلة وليلة بوصفه نصاً إباحياً قائماً على التسلية إلى استفادة عميقة من النهج الحكائي بنيةً ومضموناً، وأسهم في ذلك التحول تلك الكتابات النقدية التي تناولت ألف ليلة وليلة بالتحليل. وقد استهلت بكتاب سهير القلماوي -رائدة الدراسات حول ألف ليلة وليلة- الموسوم بالعنوان نفسه، وعبّد الوعي النقدي هذا الطريق للروائيين، شاحذاً مخيلاتهم بأفهامٍ جديدة حول نص ألف ليلة وليلة.
وعلى الرغم من جهد نجيب محفوظ المؤسس للفن الروائي العربي، فإنه لم يفد من السرود التراثية إلاّ متأخراً، وبتأثيرٍ من تيار الرواية المستلهم التراث، فكتب ضمن ما كتب "ليالي ألف ليلة" (1981)، وهي رواية تستحضر أجواء نص الليالي.
ولقد تفاوت وعي الروائيين العرب عامةً بألف ليلة وليلة، فعُبّر عنه تارةً وفق آليات تماثل أو تطابق، واستثمرت جماليات التجاور والاتساع النصيَّيْن تارة أخرى؛ مما جعل بعض الكتابات الروائية تراوح بين لغتيْن: تراثية ومعاصرة.
ومن أبرز ما تتوخى الدراسة تبيينه، درجات استلهام الروائيين لنص الليالي. فبعض الأعمال الروائية تخفي مرجعياتها، ولا يستدل على علاقاتها بنص الليالي عبر قراءة عابرة؛ لخلوها عنونةً ومتناً من أي إشارة مباشرة، مثل رواية "أبواب المدينة" لإلياس خوري -على سبيل المثال لا الحصر-، لكنّ القراءة المتفحصة تظهر عمق تأثير نص الليالي على بنيتها العامة. ويؤمل أن تبين الدراسة سُبل الاستلهامات النقيضة لنص الليالي، فثمة من استعمل بنياتٍ وظفت المحاكاة الساخرة، والتناقض والمفارقة في تشييد نص روائيٍّ يقلب دلالة الحكايات، ويحمّلها تعبيراتٍ وقضايا معاصرة، كرواية واسيني الأعرج "رمل الماية: فاجعة الليلة السابعة بعد الألف".
Page 2
واسْتُثمِرَ نص الليالي كذلك في التنبيه إلى الجنسوية بمفهومها الحديث، وإعادة تعريف الذكورة والأنوثة، انطلاقاً من نص الليالي، بالاتكاء في ذلك على فرادة شخصيتي الحكاية الإطار: شهرزاد وشهريار، ولعل رواية مي التلمساني (دنيازاد) مثال على ذلك.
وقد التفت بعض الأعمال الروائية إلى الطابع العجائبي لبعض الحكايات في نص الليالي، فلاءمت بين أجوائها وأجواء الرواية العجائبية، كما نلمح ذلك في رواية نجيب محفوظ (ليالي ألف ليلة)، وتلاقح هذا الدأب مع تياراتٍ فكريةٍ حديثةٍ وقديمة، كالكتابة الصوفية والسريالية، مثل رواية: "رحلة ابن فطومة" (1983) لنجيب محفوظ.
وتبدو موضوعة الجنس المتكررة في نص الليالي حافزاً أساسياً في تشكيل حساسية جديدة للكتابة الروائية، فلقد أوغل بعض كتّاب الرواية في الاهتمام بوصف المشاهد الحسية، والتعويل على المكبوتات الجنسية محاكين في ذلك مركزية هذه الثيمة في نص الليالي.
ولأن نص الليالي، صالح لأن يُعدّ -بوصفه جنساً أدبياً-كتاباً جامعاً لحكايات شعبية، أو قصصٍ قصيرة، أو قصص طويلة -ليس بالمفهوم التكنيكي الغربي-، فإنّ الأعمال القصيّة التي استلهمته أفادت من طبيعة تداخل الأجناس الأدبية فيه، فوجد كلٌّ ضالته.
لم تحظَ ألف ليلة وليلة بدراسة شاملة تبين تأثيرها في الرواية العربية -فيما يعلم الباحث-، عدا دراسة تبين أثرها في أدب الأطفال[7]. ولقد تعددت الدراسات التي تناولت توظيف التراث في الرواية العربية، و من أبرزها: دراسة مراد عبد الرحمن مبروك بعنوان (العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر)[8]، ودراسة صبري مسلم حمادي الموسومة بـ(أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية الحديثة)[9]، ودراسة محمد رياض وتّار (توظيف التراث في الرواية العربية)[10]، ودراسة رفقة دودين (توظيف الموروث في الرواية الأردنية المعاصرة)[11]، ودراسة محسن جاسم الموسوي (ثارات شهرزاد: فن السرد العربي الحديث)[12].
وقد ركزت هذه الدراسات على توظيف التراث بشكل عام، فدراسة "وتار" تناولت توظيف الحكاية والسيرة الشعبية، وتوظيف التاريخ والنص الديني، والتراث الأدبي وتراث البيئة المحلية. وتناولت دراسة "مبروك" الشخصية التراثية، والنص واللغة والشكل التراثي. وتناول "حمادي" دراسة أساليب تعامل الروائي مع التراث الشعبي، وتأثير الشخصيات الأسطورية والخرافية والتاريخية في الرواية العراقية، ووظائف هذا الاستخدام. أما "دودين" فقد ركزت على أثر الموروث الديني في الرواية الأردنية والأجناس الأدبية، من مثل: المقامة، والسيرة الشعبية، والموروث الشعري والفكري السياسي والاجتماعي.
أما "الموسوي" فقد اتخذ من شهرزاد رمزاً للدلالة على أنّ الرواية تعد استمراراً لحكي شهرزاد، دارساً خصوصية الرواية العربية، مركِّزاً على التجريب والحداثة والسرد فيها.
وثمة مجموعة من الدراسات تطرقت إلى الروايات المدروسة في هذه الدراسة، فبعضها درسها بمعزل عن تأثير ألف ليلة وليلة من مثل: دراسة كمال أبو ديب لرواية هاني الراهب المعنونة بـ(ألف ليلة وليلتان: نحو منهج بنيوي في تحليل الرواية)[13]، وبعضها درس الرواية من جوانب متعددة أحدها علاقتها بألف ليلة وليلة مثل دراسة شاكر النابلسي (مذهب للسيف .. ومذهب للحب: رؤية نقدية جديدة لأدب نجيب محفوظ من خلال روايته الشاملة "ليالي ألف ليلة")[14]، وسيشار إلى باقي الدراسات في مواضع مختلفة في هذه الدراسة.
تقتضي طبيعة استلهام الروايات لألف ليلة وليلة أن يستوعب البحث غير منهج من مناهج الدرس الأدبي المعاصر، فالتلخيص وكشف الجو العام للرواية يقتضي منهجاً وصفياً، في حين تتطلب مناقشة العنوان والتناص وآليات السرد والحبكة والشخصية الروائية، الإفادة من الشكلانية. وتكون الإفادة من المنهجية التاريخية التحليلية مناسبة لمناقشة نسخ ألف ليلة وليلة وترجماتها ووصفها.
والإفادة من هذه المناهج تكون بمقدار ما يخدم البحث، دون ركون إلى تصور مسبق أو أحادي النظرة، يقحم تصورات نظرية لا تتلاءم مع الروايات.
Page 3
جاءت الدراسة في أربعة فصول:
تناول الأول (الرواية العربية والتراث)، البحث عن هوية إبداعية وأسباب عودة الروائيين إلى التراث وكيفية هذه العودة وعواملها.
أما الفصل الثاني (ألف ليلة وليلة بين الماضي والحاضر)، فقد تناول:
- أهمية ألف ليلة وليلة وترجماتها
- آراء الكتّاب العرب قديماً وحديثاً في أصول ألف ليلة وليلة
- آراء الكتّاب المستشرقين في أصول ألف ليلة وليلة التراثية
وقد تناول الفصل الثالث (استلهام عنوان ألف ليلة وليلة في الرواية العربية):
- العنوان والنص
- وظيفة استلهام العنوان والنص
- أنواع العنوان ووظائفه
- القصر المسحور/طه حسين وتوفيق الحكيم
- أحلام شهرزاد/طه حسين
- ألف ليلة وليلتان/هاني الراهب
- أبواب المدينة/إلياس خوري
- ليالي ألف ليلة/نجيب محفوظ
- دنيازاد/مي التلمساني
والفصل الرابع (تجليات الليالي في الرواية العربية) درس:
- مفهوم التناص عند النقاد الغربيين
- مفهوم التناص عند النقاد العرب
- رمل الماية: فاجعة الليلة السابعة بعد الألف
- ليالٍ أخرى وقلب الحكاية الإطار
- ليالي [كذا] عربية[15]
- رحلة ابن فطومة والسندباد البحري
الفصل الأول -الرواية العربية والتراث
البحث عن هوية إبداعية
لعل كارثة عام ألف وتسمعمئةٍ وسبعة وستين كانت حافزاً أساسياً وراء البحث الإبداعي العربي عن هويته الإبداعية، مما جعله يراجع ذاته ويبحث عن أسباب هذه الهزيمة وطريقة محاكاة هذا الواقع وتصويره، فكانت "النتيجة تصاعد الرغبة في تغيير الشكل الأدبي المستعار من رواية البرجوازية الأوروبية تحديداً. وتأصيل شكل قومي، مجانس للتاريخ النوعي وصاعد منه، بقدر ما هو رافض لنهاياته التي لم تكن سوى تكرار لمآسيه الكبرى السابقة التي بدت كما لو كانت تكرر نفسها في الحاضر الذي انتهى إلى كارثة العام السابع والستين"[16].
فكان اللجوء إلى التراث الشعبي جزءاً من عملية التأصيل؛ أي تأصيل شكل روائي فني عربي مغاير للأشكال الروائية الغربية والعربية المقلِّدة للرواية الغربية.
ولا يهدف هذا الفصل تقديم دراسة تفصيلية لآراء النقاد حول أصول الرواية العربية: أهي فن غربي خالص، أم أنها فن عربي متطور عن الفنون النثرية التراثية؟[18] لكن الباحث يبدي وجهة نظره التي تتمثل في أن الرواية العربية التي نشأت في بدايات القرن العشرين (المدن الثلاث: الدين والعلم والمال لفرح أنطون، وزينب لمحمد حسنين هيكل) -على سبيل المثال لا الحصر-، فن غربي خالص[19]، بمعنى أن تقنيات هذا الفن هي غربية، وقد نشأت الرواية العربية متأثرة بالرواية الغربية.
كما يزعم الباحث أن وجود عناصر مشتركة بين الرواية الحديثة والسرد (القصص) التراثي، لا يعني أن الرواية موجودة في التراث، أو هي متطورة عن أشكال سردية تراثية؛ لأن الأشكال السردية المختلفة الموجودة في التراث، مثل: السيرة الذاتية والغيرية وقصص الأخبار (القصص القرآني) والمقامة، يمكن عدها أجناساً أدبية مستقلة عن الرواية الحديثة، وإن التقت معها جزئيا. ويمكن تسويغ هذا الالتقاء أنّ الأجناس المذكورة تنتمي إلى جنس أدبي كبير هو النثر، فمن الطبيعي أن يكون ثمة مجموعة من السمات المشتركة بين الفنون النثرية المختلفة، مع احتفاظ كلّ فنٍ بخصوصيته، وهذا ما ينطبق على الرواية تحديداً. وانطلاقاً من هذا الرأي، يمكن مناقشة الأسئلة الآتية عن علاقة الرواية العربية بالتراث:
- هل العودة إلى التراث نوع من الانكفاء عليه ورفض الواقع المعاصر، وذلك لتأكيد الهوية الثقافية العربية عبر الرجوع إليها في زمن القوة؟
- هل العودة إلى الأشكال التراثية تأكيد لاستمرارية الماضي في الحاضر؟
- هل العودة إلى التراث محاولة لإعادة قراءته حتى نستطيع قراءة الحاضر قراءة مختلفة؟
- هل العودة إلى التراث نوع من فرض مشروعية الجنس الروائي؟ مما قد يؤدي إلى إقناع القارئ العربي أنّ هذا الجنس غير منفصل عن تراثه.
- ما درجة حضور التراث بنيةً ومضموناً في العمل الأدبي؟ وهل يكون هذا الحضور إحيائياً إسقاطياً، أم توظيفياً إبداعياً؟
Page 4
عوامل رجوع الرواية العربية إلى التراث
بدأت الرواية العربية متأثرة بالرواية الغربية الإنجليزية والفرنسية، ترجمة وتقليداً، وحين انتهت هذه المرحلة "ابتدأ إبداعنا القصصي، دخل فيه بالتأكيد وعلى القطع كل موروثنا القصصي، وأثر فيه لا شك ما حمله لنا تراثنا من أشكال فنية قصصية سابقة"[20].
وبسبب الأوضاع الثقافية التي سادت الوطن العربي في بداية القرن العشرين، اتجه نظر الكتَّاب إلى الغرب بوصفه مثلاً أعلى للتقدم والازدهار، وحاولوا الاستفادة من منجزاته الحضارية لا سيما في مجال الرواية، ظناً منهم أنّ مواجهة الواقع والتمرد عليه يَعْنيان الثورة على التراث العربي القديم، ومنافسة الحضارة الأوروبية والتفوق عليها. وقد أدى اندفاعهم بهذه الرغبة إلى وقوعهم فريسة للتبعية في كثير من الأحيان، وأصبحت قيمهم ومثلهم لا تنبع من الواقع الذي يعيشون فيه[21]. وبعد نكسة 1967 أصبح السؤال أكثر إلحاحاً عن ضرورة استقلالية الشخصية العربية والبحث عن القيم التي تشكل هذه الشخصية؛ مما أدى إلى ضرورة العودة إلى التراث العربي، وتوظيفه للتعبير عن الواقع المعيش، وخلق خصوصية قومية للرواية العربية.
ونلاحظ أن أوائل الروائيين الغربيين من مثل: دانييل ديفو (1660-1731)، وصموئيل ريتشاردسون (1689-1761)، وهنري فيلدنغ (1707-1754)، قد "انفصلوا انفصالاً قاطعاً عن التراث وأطلقوا الأسماء على شخصياتهم بالطريقة التي توحي أن الواجب يقضي اعتبارهم أفراداً معينين في الوسط الاجتماعي المعاصر"[22]. لذلك فإنَّ حبكة الرواية متميزة عن معظم القصص التراثية السابقة "باستخدامها خبرة الماضي على أنها سبب الفعل الراهن، أي إحلال العلاقة السببية العاملة خلال الزمان محل اعتماد القصص القديم على المواربات والمصادفات، الأمر الذي يميل إلى إضفاء بنية أشد تلاحماً على الرواية، بل وما هو أهم من ذلك هو الأثر الذي يبقى على رسم الشخصيات من جراء إصرار الرواية على العملية الزمانية"[23]. ومع ذلك فإن الرواية ما هي إلا امتداد لموروث في غاية القدم والتبجيل[24]، علاوة على كونها متطورةً عن الملحمة، أو هي مظهر "من مظاهر روح الملحمة تحت تأثير مفهوم حديث وباهت عن الواقع"[25].
وقد يكون السبب في عودة الرواية العربية إلى التراث هو طبيعة المضمون الروائي الذي يتفق "في كثير من عناصره وجزئياته مع ما هو مألوف في التراث ومع ما ينسجم مع طبيعة القيم والأفكار والتقاليد العربية. وهي جزئيات وعناصر لا تنفصل عن الشكل إن لم تكن شكلاً خالصا مما يمكن أن تعد استمرار الصور معروفة في التراث والواقع"[26].
كما قد تكون العودة إلى الأشكال التراثية المختلفة للإفادة من هذه الأشكال، وليس يهدف استدعاؤها لمجرد التأكيد على وجود تراث سردي عربي في مقابل الرواية الغربية. وقد تكون من أجل "الإفادة من تنويعات شكلية تراثية من مثل السير الشعبية، وكتب الأنساب، والطبقات، والتراجم، والتراث الشعبي من مثل حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها. ينبغي ألا تُعدّ العودة إلى الماضي بحثاً عن شكل عربي أصيل، أو عودة إلى أشكال منجزة، مثلما ينبغي ألا تعد صورة وحيدة مقترحة لشكل الرواية"[27].
إنّ تشكيل العمل الروائي هو الذي يفرض درجة العودة (الحضور أو التوظيف) إلى التراث السردي العربي القديم، أو قد يفرض درجة الإفادة من هذا التراث.
وقد أورد الغيطاني أسباباً عدة إلى العودة للتراث، نجملها بما يأتي:
1- إنّ العودة إلى التراث تعزز فهم الواقع المعيش الذي يدخل في نسيجه؛ لأن التاريخ هو الزمن في ديمومته وصيرورته[28].
2- جاءت العودة للتراث في الكتابة الروائية بوصفها ردة فعل على الاستعمار، وخلق وعي بالذات "من خلال مرحلة الاستقلال الوطني والكفاح ضد الاستعمار، خاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين"[29].
3- هذا السبب قد يبدو مناقضاً للثاني، ولكنه الوجه الآخر له. إذ حدث خلال السبعينيات تراجع عن منجزات التحرر الوطني لبلادنا. وتعرضنا لموجات من الغزو الاستعماري الجديد الذي لا يستهدف الجوانب الاقتصادية حسب، بل يهدف إلى تشويه الذات وقلب القيم الحضارية لمجتمعنا[30].
4- محاولة خلق "أشكال فنية جديدة"[31] مغايرة للكتابة الغربية والتراثية في آنٍ، مما يشكل تجربة خاصة للكاتب.
ولعل نكسة حزيران (1967) كانت سبباً سياسياً وقومياً أدى إلى مراجعة الذات العربية (الثقافة العربية) لنفهسا، فأخذت تتساءل عن سبب هذه الهزيمة التي أدت إلى فقدان الذات ثقتها بنفهسا وبحاضرها؛ مما ساعد في التشكيك بمعطيات الحاضر، ومحاولة الرجوع إلى التاريخ (التراث) للبحث عن ظروف مشابهة تساعد على فهم الواقع المعيش بعد الهزيمة. وهل هناك في التاريخ العربي ما يلتقي مع الواقع المعيش؟ وهل التاريخ يعيد نفسه باختلاف الزمان والمكان؟ علماً أنَّ التاريخ لا يعيد نفسه إلا بشكل محاكاة ساخرة؛ لأن التاريخ لا يعيد نفسه أحداثاً بل عبراً.
لقد كانت مرحلة نهاية الستينيات من القرن العشرين تمثّل إعادة التوازن للحاضر عن طريق الرجوع إلى الماضي، وعن طريق رفض الآخر بالتخلي عن الشكل الروائي الغربي، والبحث عن شكل روائي عربي، يستلهم الأشكال القصصية التراثية الشعبية من مثل: ألف ليلة وليلة -على سبيل المثال لا الحصر-.
وقد وعى بعض الكتّاب قيمة العودة إلى تراثهم القصصي مستلهمين بنيته، لا سيما بعد هذه النكسة التي أحدثت هوة سحيقة في بنية المجتمع العربي؛ نتيجة شعورهم بفقدان الهوية، فجاء ارتباطهم بالتراث نابعاً من وعيهم بالحاضر وإدراكهم للماضي. فكان التراث هو المنهل الذي استقى منه بعض الروائيين "مادتهم الإبداعية للتعبير عن التحديات القائمة. ففي ظل واقع يموج بالهزائم العسكرية والنفسية، لا يجد الكتّاب مناصا من التمسك بجذورهم القومية"[32]، وذلك من أجل فهم أكثر وعياً لذاتهم وواقعهم، ومن أجل التخلص من التبعية للآخر.
أما على مستوى المضمون، فقد لجأ الكتّاب إلى اتخاذ الشخصيات التراثية قناعاً للتعبير عن واقعهم المعيش، يسوقون آراءهم من خلالها، دون أن يتحملوا المسؤولية المباشرة عن هذه الآراء؛ مما أتاح لهم حرية أكبر في التعبير واستخدام الشخصيات التراثية بطريقة إسقاطية على الحاضر. وقد مكَّنهم هذا الاستخدام من أن يستتروا من بطش السلطة في جانب، وفي جانب آخر فقد حقق ذلك غنى من الناحية الفنية[33]. لا سيما إذا كان استلهام التراث مقوماً أساسياً للرواية "وعنصراً أساسياً فاعلاً في السرد، وليس مجرد "خلفية" أو "ديكورا" للرواية"[34].
وفي مصر تحديداً، فإنَّ "فكرتي القومية المصرية والشخصية المصرية، قد ربطتا بين المفكرين والأدباء المصريين وبين الواقع، ودفعتهم إلى التأثر بالثقافة والأدب الغربيين مما ساعد على ظهور الرواية الفنية التي ترتبط بالواقع من ناحية. ومن ناحية [أخرى]، فقد مهد ذلك لازدهار الرواية التاريخية بوصفها تعبيراً عن حماس قومي يهدف إلى بعث أمجاد الماضي، ويستلهم من هذا التاريخ المعاني التي تدفع إلى طريق المستقبل"[35].
ولعل من أهم أسباب العودة إلى التراث الشعبي في الرواية العربية الفلسطينية تحديداً، تأكيد الهوية الثقافية العربية، لا سيما في أعمال إميل حبيبي (رواية سرايا بنت الغول مثلاً) للحفاظ على الهوية العربية في مواجهة سياسة التهويد العنصرية الصهيونية. "فالمقاومة المسلحة تقاوم الغزو المادي الصهيوني، والمقاومة الأدبية تتصدى للغزو الروحي والثقافي. ويقدم إميل حبيبي تجربة فريدة حية وأنموذجاً فذاً يؤكد أصالة الفن القصصي والروائي العربي وإمكانات إبداع رواية عربية أصيلة نابعة من تراثنا وروحنا وقيمنا وهمومنا ولا تقع في أسر الشكل الروائي الغربي"[36]. فالعودة إلى التراث العربي هي تأكيد على أن الفلسطيني جزء من الأمة العربية وليس من الكيان الصهيوني، وهذا يعكس موقفاً ثقافياً وسياسياً في آن.
Page 5
كيفية العودة إلى التراث في الرواية العربية
لعله من الضروري أن تكون عودتنا إلى التراث العربي وقراءته وتوظيفه، عودةً حداثية (قراءة عصرية) هدفها "جعل المقروء [التراث] معاصراً لنفسه على صعيد الإشكالية النظرية والمحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي؛ أي قراءته في محيطه الاجتماعي التاريخي من جهة، وفي الوقت ذاته جعله معاصراً لنا، من جهة أخرى، على صعيد الفهم والإيديولوجيا"[37].
ماذا يعني ذلك في التوظيف أو الاستلهام الروائي للتراث ولألف ليلة وليلة تحديداً؟
قد يعني هذا الاستلهام نوعاً من إيجاد حلقة وصل بين المكوّن الرئيسي للقارئ العربي -الذي هو في معظمه تراثي أساساً- وبين الأعمال الروائية، مما قد يؤدي إلى أنْ يتفاعل القارئ مع العمل الروائي بشكل أفضل، الأمر الذي قد يشعره أنَّ النص الروائي المعاصر لم ينفصل تماماً عن ماضيه و حاضره.
وقد يتيح "إعادة قراءة الماضي بطريقة نقدية، وأيضاً إعادة ربطه بالحاضر، لأن التاريخ، بالإضافة إلى كونه كلاً متصلاً، أو سلسلة مترابطة، فإنه لا يمكن فهم الكثير من وقائع الراهن دون ربطها بما قبلها، بالأسباب التي أدت إليها. وبهذا المعنى فإن الرواية التاريخية، بنماذجها الجدية، بمقدار ما تستعير من الماضي أحداثاً وأشخاصاً ووقائع، وشواهد أيضاً، فإنها تفعل ذلك من أجل التعامل مع واقع راهن، ومع مشاكل قائمة. بكلمات أُخرى: إن الرواية التاريخية، بالمعنى الجدي، حين تلجأ إلى الماضي، تختار من هذا الماضي ما يناسب المرحلة الراهنة وما يستجيب لها"[38].
وقد لا تكون عملية توظيف التراث واستحضاره عملية استنساخية، بل عملية إبداعية دائمة التشكل، وأنَّ جوهر التراث يمكن أن يكون "في حراك مستمر، أي أنه خاضع لعملية إبداع دائمه"[39]. وذلك بإنجاز جديد للتراث، يكون الواقع هو المحرك له، بمعنى أن الواقع هو الذي يفرض شروطه على التراث، أو هو المحرك الأساس الذي عن طريقه يتم توظيف التراث في الأعمال الأدبية في ضوء الواقع، وليس العكس. فالمعطيات المباشرة للواقع هي "التي نتحرك عليها وهي الأصل المباشر لأحوالنا. إنها منبع الحياة والعقل، والمصدر الذي تتفجر منه مشكلاتنا وقضايانا المصيرية. وأول ما ينبغي التصدي له هو الواقع، لأنه هو الحياة. وليس معنى ذلك أن عقولنا وأفكارنا ينبغي أن تتشكل وفقاً للواقع باعتبار أنه ذو قوانين نهائية ملزمة، وإنما معناه أن فهم حركة الواقع وبنيته شرط ضروري لكل فعل، وأن توجيه الواقع وتغييره من خلال هذا الفهم أمر لا مفر منه. وهذا يعني أن الفكر يمكن أن يلجأ إلى تغيير أحكامه وأساليبه في النظر والعمل، في ضوء الواقع، وأنَّ هذا الواقع يجري مجرى لا يتناسب مع متطلبات الفكر"[40].
وقد يعني أن تكون علاقتنا بالتراث وتوظيفه علاقة معاصرة لنا "ولكن فقط على صعيد الفهم والمعقولية، ومن هنا معناه بالنسبة لنا نحن. إنَّ إضفاء المعقولية على المقروء من طرف القارىء معناه نقل المقروء إلى مجال اهتمام القارئ، الشيء الذي يسمح بتوظيفه من طرف الأخير في إغناء ذاته أو حتى في إعادة بنائها"[41].
وتوظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة يستحسن أن يكون توظيفاً إبداعياً ومعاصراً في آنٍ، وإلا تحولت الرواية إلى رواية تاريخية تراثية هدفها إعادة صياغة الماضي وتقديمه بأشكال أو أجناس أدبية جديدة، "فالتاريخية هي استدعاء الزمان للتفكير بالوجود، ولكن، لا الوجود الفردي، بل الوجود في العالم ومع الآخرين، بكل غناه الدلالي والتأويلي"[42].
والعودة إلى التراث لا تكون من أجل تقويضه، وإنما من أجل تثويره وتوظيفه. ويكون ذلك بتسليط الضوء على حقب تاريخية مشابهة وليس مطابقة للواقع، من أجل الكشف عن ماهية الواقع والأسباب التي أدت إلى هذه الماهية. وربط الواقع بالماضي لا يكون عشوائياً؛ لأن الواقع المعاصر لا يتشكل من خلال الماضي (التراث) حسب، بل من خلال معطيات الواقع تمهيداً لفهم المستقبل، فالمستقبل يكون نتاج الماضي والحاضر، وإدراك تكوين الحاضر المتشكل ينبئ بما سيؤول إليه الحاضر في المستقبل، أي أننا نكون إزاء كاتب مثقف عضوي لا تقليدي -بمفهوم غرامشي-[43]، فالأول هو الذي يرتبط بالواقع من أجل فهمه وتغييره، أما الثاني فهو الذي يقبل الواقع دون نقد؛ لأنه مأسور بنظرة ماضوية تقديسية.
إنّ علاقة الكاتب الروائي بتراثه السردي من الممكن ألا تكون علاقة استنساخية، بل علاقة محاورة وتثوير. بمعنى أن هذه العلاقة لا تعكس الانكفاء عليه والاكتفاء به، وإنما هضمه ومجاوزته، أي أن يكون الكاتب متصلاً ومنفصلاً عن التراث في آن. وليس "ثمة تناقض بين التجديد والاستعارة من التراث. فالتجديد في هذا الإطار ينصب على دفع أقصى إمكانات التقدم الكامن في التراث، مع خلق ما كان غائباً أو جنينياً أو مغيباً في السياق التراثي"[44]. فالفنان هنا لا ينقطع عن تراثه ولا يقع في إسار الفن الغربي، وإنما يحاول توظيف تراثه في كتاباته المعاصرة دون إغفال لمنجزات الفنون المختلفة في العالم. وبهذا يخرج الكاتب من التبعية سواء أكانت للتراث أم للآخر؛ ليشكل تجربته الخاصه مستفيداً من الاثنين معاً. وهذه المزاوجة بين التراث والآخر ليست توفيقية أو تلفيقية نظريا؛ لأن الواقع هو الذي فرض هذا الوعي بما ينوء به من "تداخلات وتعارضات ذات طبيعة جدلية"[45]، فالماضي مستمر في الحاضر، والحاضر يتشكل وفقاً للماضي والواقع المعيش.
أي أن العودة إلى التراث في الرواية العربية المعاصرة "ليست مسألة ترتبط بعلائق فكرية أو إيديولوجية بين زمن الحاضر باعتباره زمن الكتابة، والماضي من حيث هو الزمن الذي يرحل إليه الروائي، بل إنها مسألة تطمح من خلال المحاورة التي تقيمها بين عنصرين إلى خلق لغة هي مزيج من لغة الحاضر بتقنياته وأنماط كتابته ولغة عصر سالف بعاداته اللغوية والفكرية"[46].