eKtab
EN ع
الرسالة الأولى
Read free sample

الرسالة الأولى

by أحمد حسن القضاة

Page 1

«أُمّي العزيزة:

لكِ منّي تحياتي وأشواقي.. آملاً أن تصلك رسالتي هذه وأنتِ في أسعد أوقاتك، وأتم سعادتك.. داعياً الله سبحانه أن يبقيك ويحفظك..

أكتب إليك الآن من غرفتي المتواضعة في حي من أحياء دمشق الشعبية بعد أن عُدت ظُهراً من الكلية تغمرني السعادة، وتحيط بي البهجة، شاكراً الله تعالى أن أنعم عليَّ لمواصلة دراستي إلى هذا المستوى الذي يتمناه كل طَموح»..

وكنتُ قد الْتحقت بهذه الكلية- كلية الآداب- كما تعلمين، بعد الأخذ والرد الكثيرْين بين والدي وزوجته- ضرّتك- من جهة، وبيني أنا وأقاربي من جهة أخرى..

لقد أنجزتُ جميع الإجراءات المتعلقة بالقيد والقبول، واتخذتُ سكناي لدى عائلة محترمة، وسأبدأ منذ اليوم حياة دراسية جديدة، كُلها جدّ ونشاط، كي لا أخيّب ظنك فيَّ أو ظنَّ أقاربي الذين وقفوا إلى جانبي وانحازوا إلى صفي.. متمنياً من الله تعالى التوفيق والنجاح..

أمّي الحبيبة:

كنتِ فيما مضى من الأيام تتمنين على الله تعالى أن يطيل في عمرك لتَفْرحي بأولاد عندما يكْبرون ويصبحون شباباً، كما فرحتِ بهم حين ولدوا، لتقرَّ عيناك بهم، وتكْمل سعادتك في هذه الأيام بتوفيقهم..

أجل.! وكنتِ تتمنين من الله أن يحقق لك أملك فيثمر صبرك ببلوغ أبنائك السن التي يستطيعون بها أيضاً (حمايتك) من قسوة الزوج وظُلم القدر..

أوَ ما كنتِ تقولين بهذا في دعائك يومياً بعد صلاة الفجر، وبصوت مسموع؟

وما كان صبرك وانتظارك لليوم الذي سنصبح فيه رجالاً وما كان تحملك لشتى أنواع العذاب، وصنوف الجور والإجحاف في وقت كنتٍ تستطيعين فيه هجر هذا الزوج وبيته لتذهبي إلى بيت أهلك تعيشين عندهم معزَّزة مكّرمة.. ما كان كل ذلك إلاَّ حفاظاً على سمعتك مِن أن تلوك بها أَلْسِنَةُ الناس ولتكوني بجانبنا خوفاً علينا من عاديات الأيام وعواقب الزمن. فكان ذلك قرباناً منك لأجْل راحتنا، وتضحية لنيل سعادتنا وتلك – لعمْر الحق- هي صورة من صور الأمومة المقدسة التي باركها الله وأمرَ الناس بأن يقدّروها حق قدرها لسمو مكانتها، وجلال روعتها، وعظيم حنانها.. وبالتالي لشدة صبرها، وقوة تحملها في سبيل أبنائها.. فعجزَ أكثر الناس عن إيفائها حقها..

يا أمي العزيزة:

لقد كان أكْثرُ الناسِ من أقاربي لا ينْكرون لك فضلك في تحمل الصعاب من أجل راحة أبنائك، وحفاظاً منك على حُسن سمعتك وطيب معدنك.. وكانوا كثيراً ما يؤنّبون زوجك القاسي ويوبخونه على سوء معاملته لك ولأبنائك، ولكنه لم يَرْعَوِ ولم يرتدع عن غيّه وظلمه..

أما أنا يا أماه.!

أنا مَن كنتِ تظنين بأنني لا زلتُ صغير السن وقتذاك لا أعي لِما يدور حولي، ولا أدرك شيئاً من أمور الدنيا.!

فكثيراً ما كنتُ أتألم لألمك، وأبكي لبكائك، وأودّ بجدع الأنف أن أنتقم من هذا الأب القاسي الذي لا يرحم.. ضارباً عرض الحائط بكل الشرائع والقوانين التي نادت باحترام الآباء من طرف الأبناء..

ولكنَّني ما كنتُ أقوى على فعْل ذلك لأسباب لا تخفى على كل عاقل..

فمنها حداثة سنّي، وحاجتي المادية لأبي لتأمين مستقبلي، ولمآرب أخرى كنت أضمرها في نفسي ولا أستطيع الإفصاح عنها في حينها.. وبالتالي لقداسة (الأبوَّة) التي جُبلنا على احترامها وإطاعتها مهما كانت الظروف.. ولكن.!

إذا كان الإله سبحانه قد أمهل والدي من أن يأخذ نصيبه من العقاب الوافي في الدنيا، فلن يهمله غداً، وسيذيقه الجزاء الكامل يوم موقفه العادل..

Page 2

يا أمي الحبيبة:

إذا ما جلستِ في ساعة من ساعات فراغك بباب غرفتك لتستعرضي شريط ماضيك مع أبي..

وإذا ما تذكرتِ أيامك الحلوة والمرة مع زوجك المذكور..

وإذا ما مرت أمام خاطرك صورة تلك الظروف العصيبة فإياكِ إياك أن تلْعني الحياة أو تشْتمي الزمن.!

إياكِ إياك أن تَسْخطي على الأيام.!

بل اشكري معي الله..

اشكريه يا أمي على حلو الحياة ومُرّها.. ولا تيأسي من رحمة الله، فإن رحمته قد وسعت كل شيء..

واصبري مرةً أخرى.. ومراَّت..

واجعلي صبرك هذا امتداداً لصبرك الأول..

فإن الله مع الصابرين..

وإن الله لا بد سيعاقب الظالمين.. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 227]...

وختاماً: لكِ مني سلامي وأشواقي، وإلى شقيقي وشقيقتي قُبلاتي، وإلى جميع أقاربي تحياتي..

والسلام عليكِ ورحمة الله وبركاته

ولد البار صالح

* * *

كانت هذه هي الرسالة الأولى التي كتبها صالح لأمه من سورّية بعد أن شاء الله تعالى أن يلتحق في جامعة دمشق طالباً في السنة الأولى بكلية الآداب- قسم اللغة العربية، ضمْن زمرة من الشباب الأردنيين بكليات الجامعة المختلفة حيث لم تكن الجامعات الأردنية قد أُنْشئت بعدُ..

وهي رسالة كما نرى عاطفية رقيقة من جهة، ومحزنة مبكية من جهة أخرى.

ولا عجب في ذلك.! فإن الذي كتبها هو واحد من أولئك البؤساء المنتشرين في هذا العالم.. وإن التي ستقرؤها أو المرسَلة إليها هي واحدة من أولئك البائسات أيضاً. وقد جمعتهما أواصر الرحم ووشائج البؤس والشقاء..

وهي رسالة مطولة إلى حد ما.. كما أن كلماتها وألفاظها تبدو كالقذائف الموجَّهة أو الحُمم اللاهبة.. بل كأنها وُجّهت إلى هدف معيّن، وقصْد محدَّد، بغضّ النظر عن قوة هذه الكلمات والألفاظ أو ضعفها من الوجهة البلاغية والبيانية، لأن صاحبها – كما يبدو- لم يُعْنَ بمقاييس البلاغة أو موازين البيان، وإنْ كان بوسْعه – كطالب جامعي بكلية الآداب- أن يختار الكلمات المنمَّقة، والجُمل المنتقاة، والتعابير الفخمة ليضعها في أسلوب جزل، وقالب أدبي رائع، ولو اضطره ذلك إلى أن (يسطو) على أحد كتب الأدب فيسرقَ منه ما يشاء لرسالته تلك..

ولكن اهتمامه انصرف لتحقيق مضمون الرسالة وبلوغ هدفه من ورائها حتى وإنْ جاءت كلماتها سهلة متواضعة.

وقد يَسأل سائَل عن السبب الذي دعا صالحاً هذا لكي يرسل برسالته المذكورة إلى أمه في الأردن بَدلاً من أن يرسلها إلى أبيه... أو شقيقه مثلاً، كعادة الأبناء أو الأشقاء في مثل هذه المناسبات ولا سيَّما وأن والده ما زال – حتى كتابة رسالته- حيّاً يرزق، كما أنه يحْسن القراءة والكتابة..

فنجد الجواب في سياق الرسالة نفسها حيث بيَّن صالح فيها مدى علاقته بأبيه، وكيف (فترت) تلك العلاقة أخيراً لأسباب سوف نتبينها فيما بعد.

ثُم قدَ يسأل سائل أيضاً فيما إذا كانت أم صالح هذه متعلمة أو تحْسن القراء ة والكتابة؟

فالجواب بأنها أمّية لا تحسن القراءة أو الكتابة أبداً.

ولكن ابنها حينما كتب الرسالة باسمها كان يرمي من وراء ذلك إلى أن تقع الرسالة في يد أبيه عن هذا الطريق غير المباشر، بعد أن تُطْلعه عليها أمه بسبب أميتها وجهلها بالقراءة، من غير أن تعْرف- طبعاً – مضمونها. وعندئذ سيعْرف والده كل أو جلّ ما يعتلج في صدر ابنه من مشاعر وأفكار فلعلَّه يعود إلى حظيرته السالفة..

المهم في الأمر أن صالحاً كان قد أودع الرسالة مع زميله وقريبه (أمين) الذي الْتحق أيضاً في الجامعة بكلية الحقوق ورغب أمين هذا في السفر إلى الأردن ليستكمل مع أهله بعض الإجراءات الخاصة بدراسته الجامعية كإحضار مزيد من النقود والحاجات، ثم يعود إلى دمشق بعد يوم أو يومين.

أما إذا شئت أن تعرف السبب الذي كُتبت من أجله تلك الرسالة، على ذلك النحو الغريب فإليك القصة:

Page 3

في قرية متواضعة من قرى الأردن عاش عايد- والد صالح- ونشأ نشأة ريفية ساذَجة كغيره من أبناء القرى والأرياف قبْل قرْنٍ من الزمان..

كان والده قد توفي ولمَّا يَزل عايد في السنة الأولى من عمره.

ولمَّا كانت أم عايد في سن يخولّها الزواج بعد وفاة زوجها فقد كان عليها أن تتزوج، وأن يبقى ولدها بعد أن بلغ السادسة من عمره في كفالة ذوي زوجها الراحل؛ يقومون على تربيته والإشراف عليه إلى أن بلغ سن الرشد.

وهكذا نشأ الطفل عايد كما قُلنا نشأة ريفية متواضعة في زمن قلَّت فيه الثقافة والوعي وأساليب الحياة المزدهرة بسبب طبيعة ذلك العصر بشكل عام، وبسبب الحُكْم التركي البغيض للبلاد العربية، وما رافقه- في أواخر عهده- منن شرور وآثام، وآفات اجتماعية واقتصادية وسياسية..

وكان حظه من العلْم والتعلّم قليلاً، وتفكيره محدوداً وحياته بسيطة، وذلك راجعٌ طبعاً إلى (نوعية) الحياة في تلك الأيام وخلوها من المشاكل والتعقيد..

ومثْلما أراد الأتراك للعرب أن يقْضوا على روحهم الوطنية وحركاتهم التقدمية أرادوا لهم أيضاً التخلف وأن يخيم عليهم الجهل والفوضى والتأخر.. في شتى الميادين.

ولم يكن يوجد- والحالةُ هذه – مدارس بالمعنى الذي نعْرفه اليوم سوى كتاتيب بسيطة في القُرى تتولى تعليم الخط والحساب واللغة التركية، مضافاً إليها تحفيظ القرآن الكريم، وهذه الدراسة فيها ثلاث سنوات.. مع تعليم يسير لمبادئ اللغة العربية لا اهتماماً بهذه اللغة أو حُباً في الحفاظ عليها وتعليمها للناس بل (ستاراً) لتعليم لغتهم التركية، وطريقاً لكسب ودّ العرب وثقتهم. بل إن هنالك ما هو أدهى وأمرّ؛ فقد كانوا لا يعلّمون بهذه اللغة حسب قواعدها وأصولها الصحيحة، بل كانوا (يخْلطون) بها من لغتهم ألْفاظاً ومن العامّية العربية أيضاً، فتُصْبحَ جُملها عندئذ ركيكة ومعانيها مشوَّهة سقيمة، وتفقد مِسْحة الجَمال التي تنفرد بها عن غيرها من سائر اللغات، فتَفْسُدَ بذلك بلَاغتُها وفصاحتها.. تماماً كما يُفْسد الخَلُّ العسَل..

ولا عجب في ذلك، لأن ضربتهم الاستبدادية الأُولى كانت موجهة إلى صميم هذه اللغة، حتى أننا رأينا فيما بعد ذلك استبدال كتابة لغتهم التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية.. جاهلين أو متجاهلين أنها لغة محمد  الذي يزعمون بأنهم على دينه.. وأنها لغة القرآن الكريم الذي يدَّعون بأنهم رافعو رايته.. غير مدركين بأن الله تعالى لن يميت هذه اللغة مادامت الأرض والسماوات قائمة..

* * *

أمَّا التعليم في المدن فكان يعادل- تقريباً- المرحلة الابتدائية في أيامنا هذه. وكانت مواده مكونة من دروس التاريخ والجغرافية والقرآن الكريم واللغة التركية واللغة العربية.

ومع ذلك فقد كان هذا التعليم البسيط- في نظرنا نحن اليوم- كثيراً في نظر الغالبية العظمى من الناس في تلك الأيام وخاصةً أهل الريف نظراً لجهلهم المطْبق، واعتقاداً منهم بأن التعليم يصْرف الأبناء عن الأرض والعناية بها، ويبعدهم عن رعاية أعمالهم الزراعية والريفية المتشعبة..

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعدم توفر الوعي العلْمي أو الثقافي فيما بينهم، ولوجود المستعمِر الذي شل حركة تقدمهم- إنْ رغبوا في التقدم- وأخَّر عن المسيرة ركبهم كما بيَّنا آنفاً.

أُلْحِق الصبيُّ عايد بكتَّاب القرية. وبعد أن قضى فيه مدة الثلاث السنوات المقررة غادره ليتفرغ للعمل في الفِلاحة. فكان يغدو ويروح مع الفلاَّحين من أعمامه وأقاربه، يفعل كما يفعلون، ويكتسب كل يوم درساً جديداً في الحراثة والزراعة والحَصاد وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالزراعة.

وأصبح شاباً مفتول الساعد، عريضَ الجبهة، طويل القامة، مكتمل البنية، معتدل العُود.

وتزوج بإحدى بنات أحد أعمامه الذين تكفلوا برعايته صغيراً، وهي الفتاة (أمينة) التي كانت تصغره سناً وتكسو حلاوة وجهها سمرة خفيفة.. ولم يكن لها حظ من التعليم طبعاً، لأنه إذا كان التعليم عزيز المنال على الذكور فمِن باب أَولى أن يكون عزيز المَنال على الإناث.

وكان زواجه بها موفَّقاً. واستمر هذا الزواج الموفق سنوات.. إلى أن حدَث أخيراً ما قلَبه رأساً على عقب، كما سنَرى ذلك فيما بعد..

وتمضي الأيام..

كان عايد يقوم بعمله في أرضه بكل قناعة وسرور، وكانت زوجته أمينة تشاركه عمله بسرور وقناعة أيضاً... شأنهما في ذلك شأن جميع أهل القرية من رجال ونساء..

وتشاء العناية الإلهية أن ينتهي حكم الأتراك للوطن العربي كلّه- فقد كان في منحَدر أيامه الأخيرة- وأن تتلاشى بذلك تلك الإمبراطورية الغاشمة التي استنزفت طاقات العرب وعطلت سفينة تقدمهم عشَرات السنين..

Page 4

وفي ليلة من ليالي تموز (يوليو) من عام 1940، وبعد أن عاد الحصادون من عملهم في الحقول اجتمعوا كعادتهم في مضافة(1) المختار(2) يسمرون ويتجاذبون أطراف الحديث حول ما يهمّهم من شؤون الدنيا والدين..

كانت الحرب العالمية الثانية مسْتعراً أوارها، تحصد الأخضر واليابس في طريقها. وكانت الضائقة الاقتصادية تعمّ العالم بسبب هذه الحرب، والمجاعات منتشرة، والأوبئة متفشّية.

قال المختار، وكان شيخاً جليل القدر، حلو الكلام، ذا صوت جهوري يلْفت نظر المستمِع إليه:

«يا قَوْم! لقد أصبحت حياتنا اليوم مهددة بالمجاعة والخطر. وما علينا إلاَّ أن نتدبر أمورنا كغيرنا من الناس بأسرع ما يمْكننا..

ها أنتم كما ترون تذهبون كل يوم إلى الحقول وقد لمستم بأنفسكم أن المحاصيل الزراعية لهذا العام لا تبشر بالخير؛ إذ كان قد قلَّ سقوط الأمطار فتأخَر الموسم عن وقته فشحَّت الأرض بعطائها لنا ولماشيتنا..

وثمة شيء أهم: فهذه الحرب العالمية قد أثَّرت في مجرى حياتنا وحياة الشعوب من حولنا.. فكأن الطبيعة والحرب قد تأبطتا الشر ليبارزا به الإنسان في هذه الأيام.!

فإلى جانب الفقر والمجاعة العالمية هنالك ارتفاع الأسعار وسوء الأحوال المعيشية بشكل عام. وقد تركزت أنظار الناس نحو نتائج هذه الحرب وما يترتب عليها من نصر وهزيمة بين المتحاربين.

و في كل يوم تصلنا أنباء متضاربة عنها. والذي يعنينا في هذه المنطقة من العالم أن اليهود – لعنهم الله – قد أخذوا يتجمعون من أطراف العالم ويهاجرون إلى فلسطين تحت حماية الإنجليز. وقد صمم الثُواَّر والمناضلون من عرب فلسطين ومن ورائهم المجاهدون والمتطوعون من أبناء الدول العربية والإسلامية على الحفاظ على الأرض، والدفاع عن الوطن، وعدم تحقيق إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وأقسموا بأن يضحّوا في سبيل بلادهم بكل مرتخص وغال..

ونتيجة لذلك فقد وقعت عدة اشتباكات بين العرب، وعصابات اليهود المسلحة، وقامت الثورات في المدن والقرى الفلسطينية..

ثم تابع المختار كلامه مسترسلاً وقد أخذته نشوة الحماس الديني والوطني.. فاحمرَّ وجهه وعلا صوته وقال:

«لقد سمعتم بأن المتطوعين والمجندين يفدون من البلاد العربية والإسلامية يلبّون نداء الجهاد والاستشهاد، يدفعهم إلى ذلك دافع الذود عن الوطن والشرف والدين..

كما سمعتم بأن باب التجنيد النظامي والاختياري في الجيش العربي الأردني مفتوح هذه الأيام على مصراعيه لمن يستوفي شروط الالتحاق بالخدمة العسكرية..

وإن الزمن الذي كانت تشمئز فيه نفوسنا من الانخراط في سلك الجندية، زمن الحكم التركي البغيض، قد ولىَّ ولن يعود. وأصبحت الخدمة العسكرية اليوم شرفاً ووساماً على الجبين لكل من يرتدي بزَّتها المميَّزة.

وشتان بين أن يذهب أحدنا إلى الجندية طائعاً راغباً فيها – كما هو الشأن اليوم- وبين أن يساق إليها سَوقاً كالبهائم كما كان الحال في الماضي القريب.. وأبناؤنا أحوج إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية (كجنود نظاميين) خيراً من التحاقهم (كمتطوعين لوقتٍ محدَّد) لِما يمتاز به الجنود النظاميون من تنظيم صحيح، وتدريب جيد، ورواتب شهرية منتظمة- ولا سيّما في هذه السنين العجاف. وعلى العموم، فالخدمةُ العسكرية اليوم يتمنى الالتحاق بها كل شاب طموح.

فبادروا لتدارك ما فاتكم من المكاسب والخير وأرسلوا أبناءكم إلى مراكز التجنيد قبل أن يحيط الخطر بكم وتحيق المجاعة بأُسَرِكم».

فأمَّن بعضُ الحاضرين على قوله وحَوْقلَ الباقون.

أمَّا الشباب فما أن تناهت إلى أسماعهم كلمات المختار وردَّدتها أوساط القرية حتى دبَّ الحماس في رؤوسهم وصمّم كثير منهم- وفيهم عايد- على الذهاب إلى مراكز التجنيد في أول فرصة ممكنة.

فكأن هذا الرجل قد نبّههم إلى التجنيد، وإلى الالتحاق بالجيش، وكأنهم لم ينتبهوا إلى هذه الحقيقة قبل اليوم.!

* * *

لم تكن طرق المواصلات البرّية في الأردن حتى زمن قريب كمثْل ما هي عليه اليوم من التقدم والسرعة والراحة.

فمثلا كان الطريق البري الذي يوصل قرية عايد بالمدينة القريبة منها (مركز اللواء) طريقاً ترابياً ضيقاً يمر في منطقة جبلية شجرية، كثيرة من المنعطفات والالتواءات.

ولم تكن وسائط السفر أيضاً متوفرة كما هي اليوم. أما ما توفر آنذاك فلم يكن بحال يسمح له بالسفر يومياً نظراً لما كان يلاقيه من (أعطال) وتوقف عن الحركة نتيجة خلل فني في بعض أجزائه المهترئة أو لعدم توافر الركاب يومياً من وإلى المدينة أو لاعتبارات أخرى كثيرة..

وكانت المسافة بين المدينة والقرية لا تتجاوز الثلاثين كليومتراً. أمَّا واسطة السفر المخصصة للعمل ما بينهما فكانت سيارة ركاب من نوع (جي إم سي) بحُمولة سبعة ركاب.

كانت سيارة قديمة، أكل الدهر عليها وشرب.. كما يقول المثل. وكانت لسوء حالتها (الصحية) لا تعْمل على (البنزين) وحده كوقود، بل مع البنزين (الدَفْش والسَحْب والصبر وطُول البال).. وذلك كلما عنَّ ببالها (التوقف) في أي جزء من أجزاء الطريق. فكانت – والحالةُ هذه- تسير على (الخط) يوماً وتتوقف عن الحركة يوماً أو يومين، لغايات الإصلاح في أحد كراجات السيارات في المدينة.

Page 5

قرَّ رأي بعض الشباب – كما قدمنا- على الذهاب إلى مراكز التجنيد في أقرب فرصة ممكنة.. وقد حانت هذه الفرصة الآن بعد أن ارتأت الجماعة من شيوخ القرية ووجهائها أن يسافر في كل سانحةٍ ثلاثةٌ أو أربعةٌ من الشباب اللائقين (في نظرهم) للجندية نظراً لحاجة أهل هؤلاء الشباب وذويهم لمساعدتهم في شؤونهم القروية من جهة، واتّباعاً لأوقات التجنيد ونظمه التي تحدد العدد المطلوب في كل منطقة أردنية من جهة أخرى.

واتفق الجميع- هذه المرة- على إرسال الشباب الثلاثة: عايد ومحمود وناصر إلى مركز التجنيد الرئيسي في العاصمة عمَّان. فأعدّ الثلاثة ما يلزمهم من حاجيات متواضعة و(زوَّادة) سفر للتوجه أولاً إلى عاصمة اللواء ومنها ليسافروا إلى عمَّان.

* * *

كان محمود شاباً في العشرين من عمره- في مثل سن عايد تقريباً- وبيْنه وبين عايد شبه خَلقي كبير كذلك لولا أن محموداً يَضْرب لونه إلى السُمرة الخفيفة المحببة.. ناهيك عما يمتاز به عن عايد من صفات حميدة وسلوك حسن وتواضع ومستوىً تعليمي أعلى وذكاء وتوقد ذهن.. كل ذلك مما حبَّب إليه الناس أكثر من عايد.

كان قد الْتحق – كغيره- في صباه بالكتّاب. ثُم رأى والده بعد ذلك أن يرسله إلى المدينة ليحصل على قسط من التعليم الرشدي (الابتدائي) يخوله فيما بعد لكي يصبح في عداد الموظفين في الحكومة.. فكان حظه أن أكمل تعليمه الرشدي هذا ولكنه لم يَحْظ بالوظيفة الحلم التي أرادها وتمناها له أبوه لاعتبارات وأسباب كثيرة. فعاد عندئذ إلى أرضه يعمل فيها صابراً محتسباً ومنتظراً أية فرصة سانحة كي يلتحق بطابور الموظفين.. وتزوج من إحدى قريباته.. تلك الفتاة (وضحا).. ولم يكن زواجه بها موفقاً كل التوفيق بسبب سوء سلوكها معه وغلظة مزاجها وشراسة طبعها وسرعة غضبها، مما لا ينسجم ذلك مع سلوكه الحسن ومزاجه الهادئ وحلمه وصبره.

ومع ذلك، فقد كان صابراً، وراضياً بنصيبه من هذا الزواج غير المتكافئ، ولَم يَحدث مرةً أن تذمر أو تشكى لأحد من أهله عن سوء تصرفات زوجه معه. ولم يكونا قد أنجبا أولاداً بعد، حيث كانا حديثيْ عهد بالزواج.

* * *

أما ناصر فكان أكبرهم سناً، قصير القامة، حاد الطبع عصبي المزاج، يستفزه أدنى قول لا يتأتي كما يشتهي ويغضب ويزفر لأتفه سبب.

ولم يلتحق بكتّاب أو.. بتعلم حَرْفاً. وكان متزوجاً من إحدى قريباته، وله من زوجته (وطْفا) ولد واحد. ولم يكن سعيداً بزواجه أيضاً، إذ كانت وطفا عصبية المزاج كمثله، وسريعة الغضب والانفعال. وكثيراً ما كان يدب بينهما الخلاف والشجار لأوهى سبب، ويبدو ذلك واضحاً على مَسْمع أو مرأى الأقارب والجيران، على نقيض من محمود وزوجته اللذين لم يُسْفرا عن شجارهما للناس كما أسلفنا.

* * *

كان من الطبيعي أن يسافر أولئك الشبان الثلاثة إلى المدينة (مركز اللواء) بواسطة السيارة العمومية القديمة التي تحدثنا عنها سابقاً، لأنها كانت الواسطة الوحيدة للتنقل من القرية إلى المدينة وبالعكس كما قُلنا..

ولكنْ ما بالك وهم قد آثروا السفر راجلين (سيراً على أقدامهم) بدلاً من السفر بواسطة تلك السيارات.؟!

ذلك بأنهم تشاوروا وتحاوروا قبل السفر وأدلى كلٌ منهم بوجهة نظره فقال عايد:

«إن السفر بواسطة هذه السيارة يكلفنا دفع أجرة لسائقها ونحن لا نملك من النقود إلا القليل الذي جمعناه بشق الأنفس ولن يغطي مصروفاتنا في المدينة، وأنتم تعْلمون بأن هذا السائق الماكر (صاحب السيارة) لا يَقْبل الأجرة إلاَّ (نقداً). كما أنه يأبى أن يمهلنا للدفع فيما بعد، وحُجته في ذلك حاجتُه دائماً للنقود كثمن للبنزين وللتزييت والتشحيم والتصليح والترقيع..الخ.

فأجابه محمود:

«هذا صحيح.. ولكن ما العمل إذن؟ إنه يترتب علينا- والحالةُ هذه – بأن ننتظر مدة كافية من الزمن كي يتسنى لنا جمع المزيد من النقود فماذا تقولان؟».

فقال ناصر:

«يا رجل! هل أنت مغفل أم مجنون فتؤخرَ سفرنا وأنت تعلم بأنه يجدّ في كل يوم شيء جديد في هذه الدنيا؟

«وافرضْ جدلاً بأننا أرجأنا سفرنا أسبوعاً أو شهراً فما الذي تتوقعه خيراً في هذا التأخير؟ أمزيداً من النقود؟ كلا.! لأننا بحثنا وفتشنا في أكثر من مصْدر لكي نحْصل على ما حصلنا عليه من القروش القليلة بكل جهدٍ ومشقة كما لمسْتما ذلك بأنفسكما. وإنّي أقسم لكما بأنني اسْتلفتُ خمسين قرشاً من المُرابي (فلاح) لقاءَ أنْ أردَّ له سبعين قرشاً بعد انقضاء عام، أو تسعين قرشاً بعد عامين إنْ عجزتُ عن سداده في العام القادم. وقد حرَر صكاً بذلك موقعاً من شاهدين اثنين بالإضافة إلى (بصمتي) وتوقيعه. وأبى أن يقرضني أكثر من خمسين قرشاً.

وكلّنا يعرف بأن النقود عزيزة المنال في قريتنا بل في العالم أجمع بسبب الحروب والمجاعات.

وما لنا ولهذه السيارة؟ وما الداعي لنتّخذ سفرنا بها وعندنا من أقدامنا ما يغْنينا عنها؟! ومتى كنا نأبه لركوب السيارات وقد كنا نذهب إلى سُوق المدينة الأسبوعي سيراً على الأقدام مصطحبين معنا دوابَّنا المحملة ظهورُها أو ماشيتنا لبيعها في السوق؟

هذا بالإضافة إلى أن المسافة من هنا إلى المدينة لا تبعد كثيراً كما تعْلمان. وإنّي أستطيع السفر من هنا إلى المدينة ومنها إلى عمَّان أيضاً ماشياً على قدميّ دون أن أجد في ذلك صعوبة تُذكر..».

وهكذا استطاع ناصر بقوله هذا أن يذْكي في زميليه نار الحماسة. فوافقوا جميعهم على السفر صبيحة اليوم التالي سيراً على الأقدام..

وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، مع صياح الديكة سافروا مودَّعين بالدعاء والدموع من جانب ذويهم..

فبالدعاء كي يوفقهم الله تعالى في مسعاهم ويحقق مطلوبهم فينقذوا أهليهم من فقرهم المُدْقع..

وبالدموع لِما في سفرهم هذا من لوعة وفُرقة، وعذاب (وغربة) لمْ يألفوها في الريف.. إنك لو حاولت أن تخيّر الرجل الريفي بين أن تسلخ جلده عن لحمه وعظمه أوْ أن يبتعد عن قريته شهراً مثلاً أو أن يهاجر منها.. لاختار الخيار الأول إلاَّ أن يكون أمراً قسرياً أو خارجاً عن إرادته، أو أن تضطره (الظروف) الاستثنائية إلى الاغتراب أو الهجرة.. عندئذ يستسلم للأقدار ويسلّم أمره لله الواحد القهار.

فهو (مَشْدُود) إلى أرضه، بل هو صورة صادقة للانتماء للوطن والأهل والعشيرة..

* * *

وسافروا إلى المدينة..

ولا تسل كم عانوا من متاعب وصعوبات ومشاق في طريقهم.. كشأنهم في كل مرة يسافر بها أحدهم راجلاً للتبضع من المدينة.

ووصلوا المدينة ظهراً.. فاستراحوا قليلاً، وتناولوا بعض الطعام في مطعم شعبي اعتادوا أن يتناولوا طعامهم فيه كلما حلوا في المدينة أو زاروها. ثم امتطوا الحافلة العامة (سيارة الباص) المتجهة صوْب العاصمة عمَّان..

ويشاء الله تعالى أن يوفَّق عايد ومحمود في تلك الرحلة فيجند كل منهما جندياً نظامياً في الجيش الأردني.. أما ناصر فيعود أدراجه بعد أيام إلى القرية نتيجة إخفاقه في الفحص الطبي.. يعود وقد ملأ الحزن قلبه وعمَّ الأسى فؤاده، حاملاً معه ملابس رفيقيه المدنية، فيتحلق الأهل حوله- بعد وصوله إلى القرية- ولا سيَّما النسوة يسألونه عن أحوال عايد ومحمود فأخذ يهوّل الأمور من عنده؛ ، ويتحدث لهم عن مستقبلهما الغامض الرهيب، حيث المعارك والحروب التي ستواجههما، وعن الإنجليز واليهود.. وكأنه في رحلته القصيرة هذه إلى عمَّان قد ألمَّ بكل دقائق الحرب العالمية وأسرارها، وبالموقف الدولي!! وكأن زميليه – في نظره- قد كتب الله لهما يأن يدخلا هذا (الجحيم) الملتهب ليجدا (مصيرهما) البائس فيه.. وأصبح هو- بفضل الله- من (الناجين) فيحمد الله تعالى على نجاته وعودته سالماً بجلده إلى أهله.. فتذرف عندئذ دموع النساء والرجال على حد سواء..

وما كان ذلك إلاَّ (ردة فعل) وانعكاساً لما يحمله في قلبه من موجدة وغضب حيال حَظه العاثر وفشله في الفحص الطبي فلا يكون في عداد المجندين..

ولكنّ أحد الحاضرين- وكان رجلاً محنكاً- سأل ناصر- بعد أن اشتم رائحة الكذب في حديث ناصر- ما دام الأمر من الشدة والهول كما تقول يا ناصر، فلماذا إذن لم تقنع صاحبيك بالعودة معك والعدول عن التجنيد؟

فقال ناصر: لقد بذلت ما بوسعي لردّهما عن الالتحاق بالجندية بعد أن عرفنا الحقيقة من الناس هناك ولكنهما لم يستجيبا لي..

فقال السائل المحنك: سنرى مدى صدق حديثك فيما بعد.. عندما يحْضر الاثنان في أول إجازة لهما إن شاء الله..

فقال ناصر- وقد فطن إلى مسألة الإجازات بعد غابت عنه سابقاً- لكن! هل تظن يا هذا بأنهما سوف يحضران في إجازة بعد أشهر أو بعد سنة مثلاً؟ إن ذلك مستحيل، لأن الحرب قائمة، والإجازات ممنوعة، والسلامة من المعارك غير مأمونة..

وعندئذ قامت إليه والدة محمود، وكانت عجوزاً في الستين، وأرادت أن تصفعه على وجهه لولا أن منعها أحد الحاضرين، ثم قالت لناصر:

(فال الله ولا فالك)(3). أبْعدَ الله الشر عنهما يا وجه الشؤم يا ناصر!.

Page 6

وتمرُّ الأيام..

وكان قد نزل إلى الدنيا مولود جديد هو (صالح)، فيتلقاه أهله ولاسيّما والده (عايد) بالفرحة التامة والسرور البالغ.. إذ يحْضر عايد في إجازة خاصة بعد أيام من الولادة ، حيث لم يكن حاضراً في البيت آنئذٍ، ويطمئن على صحة الوالدة والمولود.. وكانت العادة أن تتم ولادة النساء في البيوت لا في المستشفيات، أما في حالات عسر الولادة- ونادراً ما كان حدوثها- فقد كانت تجرى في المستشفيات أو على يدي طبيب، أو تَبْقى المرأة تعاني الآلام والعذاب إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

وبعد ولادة صالح بأيام قليلة أطلَّ على الدنيا مولود آخر جديد هي (صفاء) ابنة محمود.. فيتلقاها الجميع بالدعوة عليها وعلى اليوم الذي ولدت فيه، كما هي العادة لدى الشرقيين يتفاءلون ويفرحون لولادة الذَكر، ويتشاءمون ويغضبون لولادة الأنثى.. لكن والدها (محموداً) كان على النقيض منهم.. فلم يغضب أو يتشاءم لدى سماعه نبأ ولادة ابنته، بل سر بها سروراً قد يعْدل سرور عايد بولده صالح..

* * *

قُلنا إن التفاوت كان موجوداً ما بين عايد ومحمود في شتى المجالات منذ الصغر، وقد ظهر جلياً واضحاً في حياتهما العملية والعسكرية..

كانت طبيعة عملهما تتطلب أن يتفرق كلٌ عن الآخر بعد أن اجتازا فترة التدريب الأساسي في مركز التدريب، ليعمل كل منهما في ميدان خاص، ووحدة مستقلة.

وفي الوقت الذي وصل فيه محمود بالترقية إلى رتبة ملازم في الجيش كان عايد قد وصل إلى رتبة وكيل ضابط.

هذا من حيث الرتب والترقيات (وإنْ كان للحظ فيها نصيب). أما في غير ذلك فقد كان سلوك محمود حسناً، وعلاقته برؤسائه ومرؤسيه ممتازة، مما حببه إليهم وحببهم إليه.. على النقيض من عايد، حيث كان سلوكه سيئاً، وعلاقته برؤسائه ومرؤسيه غير مرضية، ولاسيّما مرؤسيه مما جعلهم يكرهونه ولا يحترمونه إلاَّ في نطاق الضبط والربط العسكري.

* * *

وأخيراً.. جاء اليوم الذي توقفت فيه طبول الحرب وأصوات المدافع والبنادق عن الحركة.. وانتهت الحرب العالمية الثانية بانكسار ألمانيا النازية وانتصار دول الحلفاء- كما هو معلوم – فزالت على الأثر دُول وقامت على أنقاضها دول أخرى، وفتح التاريخ في سِفْره الضخم صفحة للعالم بيضاء جديدة..

ولكن.! لقد انتهت الحرب الكونية ما بين منتصر ومنكسر، كما هي النهاية دائماً في الحروب والمعارك وعاد بعدها كلٌ إلى بلاده يعيد تنظيمها وإعمارها، ويخطط لمستقبلها، ويعمل على ازدهارها..

عاد جميع المتحاربين إلى بلادهم، وانتهت الويلات وسكتت أصوات المدافع والقنابل.. إلاَّ في فلسطين وبعض الأقطار حيث امتدت الثورات والاشتباكات في فلسطين- مثلاً- إلى ما يقْرب من ثلاث سنوات أخرى بعد الحرب العالمية المذكورة.. كما هو معلوم.

وكان عايد ومحمود قد اشتركا فعلاً في بعض معارك فلسطين- كلٌ في موقعه- وأبليا فيها بلاء حسناً.. ولكنهما خرجا من الحرب سالمين ليُقتل أحدهما (محمود) في ميدان التدريب، وليبقى الآخر (عايد) حيّاً يكْمل لنا القصة كما سنرى..

ففي صبيحة يوم من أيام التدريب المعتادة خرج الملازم محمود مع فئة من جنوده إلى ميدان الرماية للتدرب على رماية القنابل اليدوية..

وكما هو الواجب على كل مدرب أو قائد مجموعة أن يقوم بالتطبيق العملي، بادئاً بنفسه أولاً، بعد أن ينهي شرح الدرس نظرياً، ولا سيّما في الدروس العسكرية، فقد تناول محمود قنبلة يدوية حيَّة وأخذ يهيؤها للعمل، ولكن الموت عاجله ساعتئذ فانفجرت القنبلة بين يديه فتناثرت أشلاء جسمه في الهواء، وأصابت شظاياها بعض الجنود بجراح وجُن جنون جنوده لهذا المشهد المأساة، وانخرطوا في البكاء على قائدهم المحبوب، وأخذوا يجمعون أشلاء جسمه المتناثرة ليعودوا بها إلى معسكرهم تمهيداً للإذن بنقلها عاجلا ًإلى أهله في قريته.. كما تم إخلاء المصابين من الجنود وإسعافهم..

وعادوا به، بل بأشلاء جسمه إلى أهله في اليوم التالي في موكب عسكري جنائزي مهيب.. ودفن في مقبرة القرية بين بكاء الأهل والجنود وأهل القرية وبعض القرى المجاورة..

* * *

وكان لا بد من مغادرة وضحا بيت الزوجية بعد استشهاد زوجها محمود بأسابيع قليلة.. إلى بيت أهلها مع طفلتها الصغيرة صفاء.

عادت وقد ارتدت أثواب الحداد التقليدية، وأظهرت للناس من الحزن على فقيدها ما جعلهم يجزمون بأنها زوجة وفيَّة لزوجها وقد لا تتزوج بعد وفاته.. أو ستمتد بها الرغبة عن الزواج إلى سنوات قادمة..

ولكن هذا الحداد ما لبث أن تقلص ظله بعد شهور قليلة، ثم ازداد فتوراً وانحساراً مع مرور الأيام، وعادت إليها نضارتها، وأصغت إلى طبيعة الأنوثة، فنزعت أثواب الحداد أولاً بأول، وبدأت في تناسي زوجها الراحل والبحث عن زوج بديل بوسائلها الخاصة.. وإن يكن رجلاً متزوجاً فلن (ترفض) ذلك الزوج إن توفر فيه الغنى أو الجاه..

Page 7

بعد جلاء الأتراك عن الوطن العربي حل مكانهم في استعمار بلادنا الانجليز والفرنسيون بعد معاهدة سايكس – بيكو المعروفة حيث تقاسموا فيما بينهم تركة الرجل المريض (تركيا) بانتدابهم على الأقطار العربية.

إذ في الوقت الذي كان الإنجليز يتفقون فيه مع الشريف حسين على استقلال البلاد العربية فإنهم كانوا يغدرون به ويُجْرون من وراء ظهره مفاوضات سرية مع فرنسا لاقتسام البلاد العربية والحيلولة دون قيام دولة موحدة فيها. وقد قضت الاتفاقية على أن تكون سوريا ولبنان حصة فرنسا بالانتداب، وأن يكون العراق والأردن حصة بريطانيا.. الخ.

والذي يعنينا هاهُنا بأن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في البلاد العربية قد تغيرت إلى الأحسن مما كانت عليه إبان حكم الأتراك.

فقد تحسنت أحوال التعليم كثيراً في معْظم مدن الأردن وقراه بعد جلاء الأتراك عن البلاد؛ فأُوجدت المدارس الحكومية- بالإضافة إلى الكتاتيب والمدارس الأهلية- للذكور والإناث، وعُدلت المناهج المدرسية، ولم يتدخل المستعمر الجديد في شؤون البلد الداخلية الصِرفة.

كما تحسنت بعض مَرافق الحياة الأخرى كالاتصالات الهاتفية ووسائل النقل والمواصلات والأمور الصحية والزراعية والتجارية.

وأما في الجيش فقد أُنشيء جيش نظامي متواضع (بقيادة انجليزية طبعاً) وتم تدريبه وتسليحه بشكل بدائي ومحدد، وعلى أُسس من الضبط والربط العسكري وبرواتب شهرية منتظمة لمنتسبيه. كما تم تزويده بما يلزمه من عربات وآليات ولوازم ولباس موحد لأفراده من جنود وضباط وطعام ومأوى.

وقد دخلت البلاد- فعلاً- في عهد جديد من التقدم النسبي..

وقس على هذا ما حدث لسائر أقطار الوطن العربي.

* * *

وتمر الأيام..

ويحين موعد قبول صفاء في المدرسة الابتدائية.. فيلحقها أعمامها بمدرسة البنات الابتدائية الحكومية في القرية المجاورة لقريتهم. إذ اقتضت الظروف إيجاد مدرسة ابتدائية للإناث لكل مجموعة قُرى في أكبر قرية منها.

وقد ظهرت على صفاء أمارات الذكاء والنجابة منذ الصغر، فبزَّت زميلاتها وكان ترتيبها في النتائج المدرسية السنوية من الأوائل.

كما أُلْحق صالح بمدرسة الذكور الابتدائية الحكومية وقد بدت عليه- أيضاً- علامات الرغبة في التعلّم- وإن كانت ليست بالدرجة التي عليها صفاء- وظل الاثنان يرتقيان في صفوفهما إلى أن أنْهيا الصف الخامس الابتدائي. وفي هذا الوقت كان عايد قد أصبح – بحكم الظروف والأقدمية- برتبة ملازم أول في الجيش.

* * *

كثيراً ما تكون نتائج جهودنا وأتعابنا وبالاً علينا وسعادة لغيرنا، ويكون ما ادخرناه خلال سنوات بَعْثَرةً لغيرنا في أيام أو ساعات.

ذلك من غير أن يكون لنا نصيب في الإفادة منه، أو من غير أن يعْبأ بنا وبجهودنا من يتولّى بعثرته وحْده. بل كثيراً ما بنى أناس كي يهدم بناءهم آخرون.

تِلْكم هي سنّة الحياة وطبيعة البشر.!

وفي النساء من ليس لديهنَّ عهد ولا ضمير، فتتزوج إحداهن وتُظهر لزوجها وبطرق خادعة ماكرة بأنها تحبه وتخلص له، وتقسم بأغلظ الأيمان لزوجها أن لو فرقت بينهما الأقدار- بموت الزوج مثلاً- فلن تتزوج من غيره أبداً.. حفاظاً على العهد، وإخلاصاً للحب..

ولكنها سرعان- بعد موته- ما يُكتشف كذبها حيث لا يمضي طويل وقت إلاَّ وقد تناست زوجها الراحل وبحثت عن زوج غيره ولا سيّما إن تكن في سن يسمح لها بالزواج..

هذا في بعض النساء. وقد يكنَّ معذورات – كنساء- في ذلك، ولكنْ ما بالك في صنف من الرجال الذين تذهب بهم نزواتهم إلى عدم (القناعة) بزوجة واحدة فيعْمد أحدهم إلى الزواج بأكثر من زوجة بمجرد أن ترتفع منزلته الاجتماعية أو يكثر ماله.. متنكراً لقواعد الأخلاق والاستقامة، غير عابيء بشريكة حياته الأولى، ناكراً جميلها وصبرها أيام بؤسه وفقره..

وإذا ما سألته: لمَ تتزوج يا هذا فإن لك من امرأتك وأولادها ما يغنيك عن هذا الزواج الثاني؟ لأجابك: بأن الإسلام يسمح له ولكل قادر على الزواج أن يتزوج مثْنى وثُلاث ورُباع..

فهو جاهل أو متجاهل.. حيث يتخذ من الإسلام ذريعة وباباً لدرء (شذوذه) ونزواته.. في الوقت الذي لا يسمح له الإسلام بتعدد الزوجات إلاَّ في حالات خاصة كزيادة عدد النساء على الرجال بسبب الحروب، أو عقم الزوجة، أو مرضها مرضاً مزمناً حيث الإبقاء عليها بمنعها من التشرد، أو إكثار النسل في الأمة عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.. كما أن هناك من الرجال الأقوياء في أجسامهم مَن لا يستطيعون الامتناع طويلاً عن المباشرة الزوجية، وبسبب ما يعترض المرأة من ظواهر طبيعية في جسمها كالحيض والنفاس فإن المسألة تكون خطيرة قد تؤدي بالزوج إلى الزنا.

كل هذه الأمور التشريعية قد بيَّنها الدين من باب عدم العسرة، أو حصر الزوج المضطر للزواج فوق زوجته التي في عصمته.. لما في هذا الدين الحنيف من يسر وتسامح وتسهيل للأمور.

وفوق ذلك- وهم الأهم- فقد أوجب الإسلام على من يلجأ إلى التعدد أن يتحرى العدل بين زوجاته، فقال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ) [النساء: 3]. فالعدل شرط أساسي من شروط التعدد.. كي لا تسود الفوضى والظُلم والتفكك رباط الزوجية المقدس.

* * *

أُدخل عايد مستشفى الأمراض النفسية للمعالجة من مرض نفسي ألمَّ به. ومكث في المستشفى شهراً، ثم غادره إلى قريته ليقضي إجازته المرضية بين أهله وذويه..

ومع أنه أبل من مرضه، إلاَّ أن مرضه هذا قد أحدث في طباعه وسلوكه وتصرفاته مع زوجته وأقاربه (انقلاباً) شاملاً؛ فأخذ يقسو على الزوجة لأتفه الأسباب، ويسيء معاملته لها بين الحين والآخر وعلى مشهد من الناس.. حتى تقوض صرح الحب الذي كان يظللهما سقفه، وابتعدت السعادة عنهما وحل محلها الشقاء ونكد العيش..

لكنّ زوجته أمينة لم تبادله كرهاً بكره، ولا إساءة بمثلها.. ولم تُطلع أهلها أو أقاربها على ما يجري في بيتها- وإن كان ما يجري لا يخفى عليهم- بل صبرت واحتسبت وأسلمت أمرها إلى الله تعالى فعسى أن يَصْلح حالُ زوجها فيعودَ إلى حظيرته الأولى ويشفى من مرضه.

وكانت – إلى جانب ذلك – تطيعه جيداً، وتقوم على شؤونه وخدمته وتلبية طلباته- وقد كثرت الآن بعد الذي أصابه من مرض- أكثر مما تفعله له في أي يوم مضى..

وبقي هذا حالها معه في كل مرة يأتي فيها بإجازة إلى القرية.

انتشرت إشاعات كثيرة في القرية خلاصتها أن عايداً سيتزوج من الأرملة وضحا زوجة المرحوم محمود.

وأثبت صحة هذه الإشاعات تلك المعاملة القاسية التي بدأ عايد في الآونة الأخيرة يعامل بها زوجته أمينة، وكثرة زيارات عايد لأهل وضحا في كل إجازة له إلى القرية وما يتْبع ذلك من الهدايا لها ولأهلها..

وبات الجميع يتوقعون إعلان خطبته عليها وزواجه بها في وقت قريب جداً..

وفعلاً تمت الخطبة بعد أشهر، وحدد الطرفان موعداً للزواج، بعد أن ضربَ عايد بكل اعتبار معنوي أو أدبي لزوجته الأولى، متناسياً أيامهما المشتركة الماضية.. بحلوها ومرّها، وعشرتهما الطويلة كزوجين وفيين..

وقد رأينا آنفاً الأسباب التي تدعو الرجل للتعدد، ولمسنا بأن عايداً لم تكن له حاجة أو سبب مبرر لهذا الزواج الثاني، لأن أمينة تنجب له البنين والبنات، وتحبه وتخلص له، بالإضافة إلى أنها تصغره سنّاً وجَمالها لا بأس به.. وبالتالي فقد شاركته أفراحه وأتراحه، وسعادته وشقاءه.. سنوات وسنوات..

Page 8

وتزوج عايد وضحا..

ولم يمض على زواجهما بضعة أيام حتى كانت أمينة تستعد لاستقبال مولودة جديدة هي سعاد.

ولكن عايداً كان في شغل شاغل عنها وعن مولودتها هذه بسبب زواجه الجديد، فلم يُعْنَ بها- كعادته قَبْلاً- لدرجة أنه لم يدخل إلى غرفتها وقْتَ نُفاسها عدا مرة واحدة ولم يوعز إلى (عروسته) بأن تقدم إلى ضرتها مساعدة أو عوناً في مثل تلك الحالات، بل قام بعض أهل أمينة وعلى الأخص والدتها برعايتها والعناية بها فترة الأسبوع الأول لولادتها.

وأما وضحا فلم يختلف شأنها عن شأن زوجها في عدم تقديم العون لأمينة من تلقاء نفسها، كما هو الحال لدى أكثر الزوجات الضرائر في مثل تلك الأحوال، اللهم إلا في الأوقات التي يجتمع فيها المهنئون والمهنئات عند أمينة..

وذلك لكي تُظهر للناس أنها لا تفتأ تشرف على ضرتها وتقوم على خدمتها..

وكأن تلك المرأة قد ملكت زمام أمر ذلك الرجل – عايد- من أول يوم وقع نظره عليها، أو كأن عايداً نفسه قد ترك لها الحبل على الغارب في كل ما تقوم به من عمل أو تتصرف به من تصرف.!

* * *

وكانت صفاء قد انتقلت مع أمها إلى بيت عايد نظراً لتعلقها بأمها من جهة، ولكونها لا زالت طفلة صغيرة ولا بأس في انتقالها إلى بيت زوج أمها من جهة أخرى..

ولكن هذا الانتقال لم يكن فعلياً مائة بالمائة ولم تتخذ صفاء بيت عايد (مقراً) دائماً لها- ولاسيّما بعد أن كبرت سنّها- بل كانت تزور- أيضاً- بيت جدّها لأبيها وتقضي فيه أكثر أوقاتها. فكانت – والحالة هذه – حرة في اختيار أي من البيتين..

وهنا كانت قد وصلت في دراستها إلى الصف السادس الابتدائي.

ولم يمانع عايد في انتقالها مع أمها على تلك الصورة الانتقالية المتقطعة، مراعاة منه لخاطر أمها بحساب أنها زوجته الأثيرة لديه، وإكراما ًلروح أبي الطفلة، وبالتالي (وهو الأهم من ذلك كله) فلأنه لا ينفق عليها من جيبه الخاص حيث أن لها راتباً شهرياً كانت قد أمرت به الحكومة بعد وفاة أبيها.

* * *

كان بيت عايد- حتى زواجه الثاني- مكوناً من غرفتين ومطبخ واحد؛ وقد جعل غرفة للضيوف ومثلها للأسرة.. أما بعد زواجه الثاني فقد عمل على زيادة عدد الغرفتين بإضافة غرفة ثالثة خصصها لزوجته الثانية، وأبقى المطبخ مشتركاً بين الزوجتين.

وقد اتخذ مقرّه (شبه الدائم) في غرفة وضحا فقط- وإنْ كان لا زال بعيداً بحكم وظيفته- فوضع فيها أشياءه وحاجياته الشخصية، وكان إذا ما حضر في إجازة يتوجه مباشرة إلى غرفتها ويقضي إجازته لديها.

هذا بالنسبة للسكنى. أما من حيث المصروفات وما يتعلق بالمؤنة الشهرية فقد جعلها مناصفة بين الطرفين أو الزوجتين – بناءً على تعليمات وضحا له- فجعل لأمينة وولديها حصة من كل صنف من الأصناف التي يشتريها للبيت وجعل لوضحا (وحدها) حصة تعادل الحصة الأولى غير مدرك عدد الأنفس في الطرف الأول وما يستهلكونه بالنسبة للطرف الثاني، كما جعلت وضحا من نفسها السيدة القائمة على شؤون التوزيع والصرف.

* * *

وهكذا انصرف عايد كليةً إلى زوجته الجديدة ومنحها من نفسه وقلبه وماله أضعاف ما كان قد منحه لزوجته الأولى (أمينة) في يوم من الأيام.

أمَّا أمينة فقد (اعتزلت) مع ولديها في غرفتهم... تعنى بهما، وتقوم على تربيتهما. وقد حملت عبء المسؤولية وحدها بعد أن تخلى عن حملها الوالد..

وأما صالح، فلم يكن ما يجري في البيت يسترعي انتباهه بكثير أو قليل، لأنه لم يكن قد (نضج) عقله بعدُ، ولم يكن قد وصل إلى السن التي تجعله يفهم بها حقيقة الأمور..

* * *

ولمَّا كانت وضحا من صنف النساء اللاتي يتملكن زمام الأمور لدى الرجال ويلعبن بقلوبهم وعقولهم بمجرد أن يقلْن كلمة معسولة أو يطْلقن ضحكة رنّانة- وقد عُرفت بضحكة رنانة خاصة- فقد كانت هي الآمرة الناهية الوحيدة في البيت، وجعلت من نفسها المسؤول المباشر على الجميع بما في ذلك ضرتها وأولادها. وطغت بشخصيتها القوية على الزوج والضرة والناس من حولها.

ولم تقف وضحا عند هذا الحد، بل كثيراً ما كانت تعترض سبيل أمينة وتغار من صمتها فتتحرش بها لتنشب عندئذ (معركة) بينهما، تبدأ بالسبّ والشتم، وتنتهي- أحياناً – بالأيدي ثم بالخصام والكف عن الكلام أسبوعاً أو شهراً أو أكثر أو أقل.. حسب نوعية المعركة الناشبة بينهما..

وأحياناً كانت تقع (الخناقات) في الأوقات التي يكون فيها عايد مجازاً في البيت، حيث لا يمتلك القدرة على إسكات صوت وضحا المعتدية.. بل غالباً ما كان يقف في صفها وينهال شتماً أو ضرباً على أمينة..

وتمرُّ الأيام..

Page 9

غالباً ما يظل القَدر إلى جانب الأقوياء ردحاً طويلاً من الزمن.. بل شد ما يكون الحظ إلى جانبهم أكثر أيام العمر؛ يشد أزرهم، ويثبّت أقدامهم ويتسبب في إحباط الضعفاء والمساكين كي لا يلحقوا بركب المحظوظين.

فالذي منحه القدر لوضحا كان شيئاً كثيراً بالنسبة لها.. ولم تكن تتوقع حدوثه في يوم من الأيام..

ومع ذلك فقد أبى إلا أن يكْمل لها العطاء لتكمل هي الأخرى دورها في تلك المسرحية التي تم تمثيل أدوارها في بيت عايد..

لقد اكتملت فرحتها وابتسم لها القدر بعد أن وضعت مولودها الأول من عايد- ولداً ذكراً – هو (حامد) في الوقت الذي كان به عايد حاضراً في إجازته السنوية الطويلة.

ولا تسل عن مدى الفرحة التي غمرت قلبي عايد ووضحا ساعتئذ، ثم لا تسل عمّا قدَّماه من ألوان الطعام وأصناف الحلوى احتفاءً بمولودهما وابتهاجاً بمقْدمه..

كما لا تعجب للمتناقضات التي جرت وتجري في حياة كل من الزوجتين؛ أي موقف كل منهما تجاه الأخرى.

فقد رأينا سابقاً موقف وضحا (السلبي) تجاه أمينة في فترة ولادة الأخيرة ونفاسها.. ويفترض الآن في أمينة، وفي فترة ولادة وضحا أن يكون موقفها (سلبياً) تجاهها، وأن تعاملها بالمثْل، وذلك شيء منطقي..

ولكن أمينة الطيبة القلب، الصابرة المحتسبة كما عهدناها في جميع أدوراها تقريباً.. لم تقابل الإساءة بمثلها ولا نكران الجميل بندّه، بل قامت على خدمة ضُرتها وقدمت لها من ضروب المساعدة والعناية الشيء الكثير..

كل ذلك من غير أن يصْرف لها عايد أو وضحا كلمة شكر واحدة.

* * *

لقد احتملت أمينة أذى كبيراً..

احتملت العذاب والجور من الزوج والضرّة معاً.. فصبرت واحتسبت من أجل أولادها وحفاظاً على (سمعتها) بين أقاربها ورضىً بنصيبها من الزواج في هذه الحياة.. وأملاً في أن يشب ابنها صالح بعد سنوات قريبة، فيثأر لكرامتها المجروحة، وينتقم لها من ضرتها القوية ويعيد أباه إلى حظيرته الأولى.. والناس.. آه من الناس الذين لا يرحمون مسكيناً أو ينصرون مظلوماً..

الناس هؤلاء.. كالقَدر يميلون دائماً إلى صف القويّ ويقفون إلى جانبه..

الناس هؤلاء.. ولا سيّما المنافقون منهم الذين يرون الحق باطلاً فيبتعدوا عنه، والباطل حقّاً فيقتربوا منه.. على نقيض مما يتطلبه الدين والأخلاق..

الناس هؤلاء.. لم ولن يرحموها إن هي غادرت بيت الزوجية إلى بيت أهله وخلّفت وراءها أولادها، ولا سيَّما وهذا زوجها يرفض طلاقها، بعد إذ طلبته منه مرَّات.. بحجة أنه غير (مقصر) في أداء (حقوقها) الزوجية كما يدَّعي..

فإن هي هجرت الزوج فسيجعل الناس من عملها هذا (قصة) تلوك بها ألسنتهم، ويتندرون بها في مجالسهم إلى أن يجدوا قصة غيرها فيّدَعوها..

وحتى زمن قريب.. ظل أهل الريف في الوطن العربي يولون السمعة الطيبة منزلة عالية في منازل (الشرف) التي يفهمونها وتوارثوا مفهومها أباً عن جد.. بل كثيراً ما قضى نحبه في سبيلها الكثيرون منهم..

فالسمعة الطيبة والشرف والكرامة والنخوة وغيرها من الصفات الحميدة عادات متأصلة فيهم إلى جانب الدين وعدم الإشراك بالله..

إنهم يقدسون جميع هذه الخلال ويحافظون عليا أشد الحفاظ، بل يفتدونها بأرواحهم وأنفسهم..

قُلنا آنفاً إن القَدر غالباً ما يظل إلى جانب الأقوياء.. ولكن.! أنْ يظل إلى جانبهم على (طُول الخط) فذلك أمر مستحيل.!

قد يتوقع الأقوياء منه ذلك فيركنوا إلى (صداقته) وتحالفه معهم.. في الوقت الذي يسخر فيه منهم ويستهزيء بهم، بل يقهقه ضاحكاً شامتاً من هؤلاء الذين لا يعرفون سره ومكنونه.

وهذا ما حدث فعلاً لعايد ووضحا معاً؛ إذ وقع ما لم يكن بالحسبان، أو – على الأقل- لم يكونا يتوقعان حدوثه بهذه السرعة وفي هذه الأيام..

فقد أنهيت خدمة عايد العسكرية بعد أن وصل في الترقية إلى رتبة (نقيب) وحُرم من راتب التقاعد إثر إدانته بتهمة اختلاس مالية من الوحدة التي كان يتولى قيادتها..

ونتيجة لذلك، فقد أصيبت وضحا بخيبة أمل كبيرة ونكسة شديدة.. لا طمعاً في الحصول على مال فقط، بل لأنها كانت تؤمل في زوجها أن يصل إلى أعلى الرتب وأسنى المناصب ولا سيّما وقد تبسم له السعد وواتاه الحظ وتفتحت أمامه سبل التوفيق، بل لقد بدأ خطواته الأولى في شارع النجاح.

وهُنا كان صالح قد وصل في دراسته إلى الصف الأول الإعدادي..

وأخذ ينمو ويكبر.. فأصبح فتى طويل القامة، حلو القسمات، حسن الهيئة والصورة.

ولم يكن إنهاء خدمة والده من الجيش ليعْنيه من قريب أو بعيد- كعادته- بل انصرف إلى دروسه وحياته الخاصة.

* * *

استقر عايد في بيته بعد إنهاء خدمته العسكرية.. وانقضت أيام وشهور فكان لا بد له- بعد ذلك- من أن يتخذ (عملاً) أو يبحث عن وظيفة، ولا سيّما وهو لا زال شاباً وقادراً على العمل..

صحيح أنه ليس بحاجة ملحّة إلى المال بسبب حوزته على مبلغ كبير كان قد جمعه بطرق مشروعة وغير مشروعة أثناء خدمته العسكرية، ولكن هذا لا يمنع من مزاولة العمل لأن القعود عن العمل مرض بدني ونفسي..

فجرب أن يطرق أبواب الوظائف التي تليق بمقامه كضابط سابق في الجيش، ولكنه لم يفلح.

وعندئذ قرر بينه وبين نفسه أن يمارس العمل (الحُر) على أن يكون هذا العمل الحر بسيطاً في مظهره وقيّماً في جوهره، وأن لا يتجاوز حدود قريته..

لقد رغب في أن يضع لأولاده من بعده (رصيداً ) ممتازاً من الفدادين الزراعية فيحفظ بذلك مستقبلهم.. فأخذ يشتري قطع الأراضي الزراعية من بعض أهل القرية المحتاجين بأثمان بخسة مهتبلاً فرص احتياجهم لبيعها..

فهذا والد يريد تزويج ابنه وليس معه من المال ما يكفي لنفقات العرس وولائمه فيضطر إلى بيع بعض أرضه لهذا الغرض فيتلقفه عايد وينقده الثمن..

وذاك رجل قد وقع في ضائقة مالية مما يضطره إلى بيع بعض الدونمات من أرضه أو بستانه.. فيهرع إلى عايد ليبيعه ويتسلم منه الثمن إلى أن أصبح لدى عايد عشرات الدونمات الصالحة للزراعة أو المغروسة بالأشجار المثمرة كالزيتون والكرمة وغيرها..

ثم اشترى سيارة ركاب صغيرة للعمل ما بين القرية والمدينة لمَّا أن رأى حاجة القرية إلى مثل تلك السيارة، وعيَّن لها سائقاً من سكان المدينة براتب شهري معلوم.

ولكن تلك السيارة لم يكتب لها التوفيق والعمر الطويل بصحبته.. إذ نشب خلاف حاد بينه وبين السائق حول (غَلّة) السيارة، فطرد السائق، وباع السيارة ولمَّا يكن مضى على شرائها بضعة أشهر، وآلى على نفسه أن يشتري سيارة عمومية غيرها..

لم تغيّر وضحا من طبعها السيء شيئاً، ولم تكفّ عن التحرش بأمينة ضرتها، والإساءة إليها بمناسبة وغير مناسبة.

وقد تفاقمت أعمالها الشريرة وازداد طبعها سوءاً إثر طرد زوجها من الجيش. وأصيبت بعقدة نفسية عجيبة؛ إذ نسَبت سبب طرد عايد من (دعوة) أصابته من أمينة أو قد تكون أمينة أو أهلها قد صنعوا لعايد (سحراً) عن طريق أحد السحرة المشهورين في المنطقة..

هكذا صوَّر لها عقلها المريض، وجهلها هذه الفرية السخيفة فسكبتها في رأس عايد فانطبعت لديه، وصدقها وكيف لا يصدقها وقد كان يبدو إزاء شخصيتها القوية كالنعجة العجفاء أمام ذئب كاسر؟!

وتمر الأيام..

وتضع وضحا مولودة تسميها فدوى..

Page 10

كلنا يعرف بأن التعليم- في جميع مراحله- يتطلب نفقات باهظة؛ فهناك رسوم التبرعات المدرسية، وأثمان الكتب والقرطاسية واللباس وما إلى ذلك..

وتبدأ تلك النفقات بالارتفاع التصاعدي كلما ارتقى الطالب أو الطالبة إلى صف دراسي أعلى..

وإذا ما قيست تلك النفقات بقلّة توافر النقود وتداولها في تلك الأيام العجاف لوجدنا أنها فعلاً باهظة بالنسبة لعامة الناس..

والطالب، وبخاصة من هو في إحدى المراحل المتوسطة والثانوية والجامعية بحاجة إلى (رعاية) خاصة واهتمام زائد من حيث تقديم متطلباته ولوازمه المدرسية وما إليها، كي يستطيع مواصلة دراسته على الوجه المُرضي..

وتلك حقيقة ملموسة .. بعرفها أولياء أمور الطلاب، كما يعرفها أيضا الطلاب أنفسهم..

ولكن.! ما بالك وصاحبنا عايد كان في تجاهل عن هذه الأمور إلاَّ في ما يتعلق بمصروف صالح اليومي الذي لا يتجاوز قروشاً قليلة، مع تقديم الرسوم وأثمان الكتب وما يراه ضرورياً في بداية العام الدراسي..

ولو شئت أن تعْقد مقارنة بين ابن الرجل الغني (صالح) وبين أترابه وزملائه من أبناء العمال والفلاحين الفقراء لوجدتهم أحسن منه حالاً، وأسعد بالاً، وأندى معيشة، وأجمل هنداماً.. ناهيك عن توفر الحنان الأبوي لأولئك الزملاء وفقدانه لصالح.. مما كاد أن يولّد لديه عقدة نفسية، أو أن ينعكس ذلك على دراسته سلباً فيفشل في الدراسة أو في الحياة..

* * *

أراد عايد أن يختبر حظه هذه المرة بمزاولة نوع جديد من أنواع العمل الحر فاشترى خمسين عِجْلاً صغيراً، وأحضر لها من يتعهدها من أقاربه- تحت إشرافه- بعد أن خصص قطعة أرض قريبة من القرية، وبنى فيها زريبة مؤقَّتة.. إلى أن كبرت العجول وسمنت فباعها بأسعار ممتازة..

ثم اشترى خمسين عجلاً غيرها، وتعهدها إلى أن حان موعد بيعها فباعها. ولكنه وجد في هذا النوع من العمل- إن استمر يمارسه- تعباً وإرهاقاً فآثر أن ينصرف عنه إلى غيره.

* * *

كان الناس من أهل القرية وخاصةً ذوو المنافع والمصالح الشخصية والمنافقون منهم يزورون عايد ويسمرون في بيته، ولا سيّما بعد إنهاء خدمته من الجيش، ويستمدون منه قروضاً وسلفات ربوية..

وكان عايد قد اتخذ من غرفة وضحا مَقراً دائماً له- كما أسلفنا- وقد حشدت وضحا من هؤلاء المنافقين (بطانة) لها و(شلّة) تعمل في صفها وتدافع عنها في المستقبل- إذا ما هبَّت أمينة ضرتها أو هبّ أهلها أو ابنها يطالبون باستعادة حقوقها المهضومة، أو خوفاً من عودة زوجها إلى أمينة وإلى أيامه الماضية معها، سواء أكان ذلك بتأثير من الناس أو بتأنيب من ضميره.

وبلسان حلو، ودبلوماسية خاصة جذبت إلى صفها عدداً كبيراً من الرجال والنساء من أقاربها، فاطمأنت نفسها من جهة زوجها.

* * *

وتمر الأيام..

كانت مدرسة ذكور القرية إعدادية فقط. ومثلها كانت مدرسة الإناث في القرية المجاورة.

فلما أن أكمل صالح وصفاء المرحلة الإعدادية بنجاح، كان لزاماً أن ينتقلا إلى مدارس المدينة الثانوية لمواصلة تعليمهما هناك..

فأعدت الترتيبات اللازمة لهما بعد موافقة الأهل والأقارب شريطة أن يستقر صالح في المدينة فيستأجر بيتاً مع زملائه أو يذهب ويعود يومياً بالسيارة العامة من القرية إلى المدينة وبالعكس. أما بالنسبة لصفاء فيجب أن لا تستأجر لها بيتاً في المدينة- كما هو الحال بالنسبة لصالح- لكونها (أنثى) ولا تستطيع أن تعيش بمفردها هناك مثلما يستطيع (الذكر) أن يفعل ذلك.. وعليها أن تغدو وتروح يومياً بالسيارة العامة، ولا سيّما وقد تحسنت الآن وسائط السفر وازداد عدد السيارات العمومية بين المدن والقرى.

* * *

والآن، حان موعد دخول (حامد) ابن وضحا في المدرسة الابتدائية..

وقد بدت عليه أمارات الكسل والبلادة من أول يوم يُلحق فيه بالمدرسة.. وبلغ من ذلك حداً جعل معلميه وحتى والدّيه يضيقون به ذرعاً، وخاصةً أمه التي أثار حفيظتها وكشف عن حقيقتها ما تكنّه من حسد نحو صالح الذكي الموفق..

ولنا الآن أن نقف وقفة أخرى فنقارن بين موقفين متناقضين اثنين كان قد وقفهما عايد من ولدْيه صالح وحامد.

فقد رأينا تجاهل عايد من متطلبات صالح الشخصية ورأينا (المعاناة) اليومية التي رافقت صالحاً أثناء دراسته منذ الصغر، وهو الطالب الذكي النابه، بينما نجد الآن عايداً يلبي متطلبات حامد- على صِغر سنه وبَلادته- ويحظى هذا بالرعاية من والده، لا لشيء إلاَّ لكوْنه ابْناً لوضحا، الزوجةِ المحْظية لدى زوجها، هي وأولادها بطبيعة الحال..