eKtab
EN ع
الريح ظلاً
Read free sample

الريح ظلاً

by إيهاب حمادة

Page 1

الإهداء

إلى...

Page 2

قارئة الفنجان

اتكأتْ جدّتي على مسندها الخشبيّ المطرّز بألوان الصدفِ العاجي، وقبالتها التلفاز وقد اتّسع سطحه لعشرات الفناجين المرسلةِ من شاغلي الحارة القديمة، وأمامها انتصبت النارجيلة ذات القصبة الخشبية الموشّاة بحبات السرو، وقد علاها تاجٌ نحاسيٌّ، زادت الرسوم الفرعونية من أبّهته، وعن يمينها الباب الخشبيّ المعتّق بكفّي جارنا “أبي ماهر”، فبدا تحفة أثرية توسّطته نضوةٌ بنيّة.

وإن أنسَ فلا أنسى ذلك البساط الأحمر المزركش بقرصٍ شمسيٍّ مذهّب، عبرتْ فيه أسراب من الحمام الأسود، وقد مال عليها السائل الذهبي فأبدعَها مذهّبة الأجنحة، انثالت منها جدائلُ صفراء لامست زوايا البساط.

لم تكن جدّتي قارئة فنجان، ولكنَّ سوء حظ «سميّة» خلعَ عليها تلك البِدعة، فكان بيتُها محجّةَ الصبايا.

سميّة فتاةٌ بلّوريّة الوجه، تشلح شعرها على كتفيها غمامتين سوداوين تشبهان تلك الغمامة المستقرّة على كتف الصنوبرة الشاهقة في جوار منزلها - هذا ما قالته الجدّة -.

عيناها صيوانان واسعان تتيه فيهما الدروب، وتسافر على ألق لا أعهده في غيرها من الحسناوات اللواتي كنّ يصطرعن على باب جدّتي، وأنا أقف مسمّر القدمين تسافر عيناي مع

الوجوه، فتخلع عليها الدهشةُ الطفولية البريئة غموضَها.

ربّما تحسّستُ الجمال بخاطر لم يكن ليولد بعدُ،

ربّما...

لا أدري...

Page 3

يقاطعني صوت النترجيلة، وكحّةُ جدّتي المعهودة والجمرات يأتلقن في عينيها، لا على الفخارة المخرّمةِ كبيت النحل.

- تناولي فنجان باسمة.

أدلت رحابُ بدلوها.

كان الفنجان صينيّ النشأة، غائم اللون، نبت عليه غصن ورد ذو رَقتين استلّت الجدّة يدها اليمنى وعليها بقايا طائر كحليّ كأنه النسر، كان بقيّة ما تركه الصبا، تطيّرت ...

تغيّر لون وجهها...

عاد شبح سميّة إلى مخيّلتها، أكل الشيب رأسها، وكأن المذهّبة طُرِّزت بوشيٍ أبيض، غارت عيناها الجميلتان – كانتا جميلتين – تعرّجت آماقها، لمع فضّيها في فمها.

- ماذا قرأتِ يا جدّة ؟

صوتٌ خفيف الظلّ ، قد يكون صوتي، لستُ متأكداً، أحجمت جدّتي عن الكلام، غامت الدنيا في عينيها، رفثتِ الفنجان ذا اليد الطويلة، صرخت بصوتها الجهوريّ، أرغتْ وأزبدتْ، ثمّ ترقرقت دمعتان فكفكفتهما بكمّيها الراجفين.

الجدّةُ كانت سمية، قرأت ذات يومٍ فنجانها، وركبتها لعنة القراءة.

Page 4

بردةٌ للريح

هذي الرياحُ المسرجاتُ إلى بساتين النخيلْ

تُهدي العويلْ

ستخيطُ يوماً ثوبها لشموسنا المخباهْ

بين أحداق الرمالِ وكوّةِ الأثر الجميلْ

الريح من ألفٍ تقولْ

من ألف غاديةٍ وجيلْ

فاستمعْ يا حقلُ

ولْتصغِ الحقولْ

ستخيط يوماً ثوبها المشغول َ من حدقِ الفصولْ

ودمِ الأصيلْ

فتبارك القتلُ الذي

يحيا به الأثرُ القتيلْ

الريحُ من كانت تقولْ

فيجيبها نسغ الحقولْ

ويجيبها النخلُ الذي كانتْ

تشدّ الرحل َ نحوه للوصولْ

وعويلها كان الصهيلْ

وبهِ تجوزُ المستحيلْ

Page 5

محترَف الألوان

وعادتْ لي طرائقُ كنتُ أعــشقُها

من الذكرى التي لم يعفُ ناطقُهـا

جدائلُ راعفاتُ اللحنِ يقبــضُها

إليـهِ العـزفُ أوتــاراً ويطلــقُهـا

فتلوي والهوى المحنيُّ في رئتي

يبثُّ الوجدَ تســـــبقهويسبقُهـا

على حافاتها الألــــوانُ محترَفٌ

مــن المثّالــة، الشلالُ أرشقُـهـا

يُبيحُ الرســـمَ في أفيائهــا شجراً

وأكمــلُ رسمِها الأشجارُ أورقُها

Page 6

أنا والريح

هـــذا الليل الراشح بالأنس شتاءً

يرسل أوراق الثلج البيضاءْ

تحايا للريح المشلوحةِ خلف الشباك

كخابية الماءْ

للريح حكايا يقرأ أحرفها القنديل الناضح في كوة غرفتنا

وعيون سمراء لبضع نساءْ

أجملُ نومٍ لي والريحُ غناءْ

فتبدّل وجه الأشجار رتيبا

وتعيدُ جديداً رسم الأشياءْ

Page 7

بيتنا

لي منزل ٌ

ظلُّه

من غيمةٍ مثقلهْ

وشرفتاهُ

- لو ترى -

ضفائر ٌ مرسلهْ

يخيطُ وجهَ الماءْ

منهما الضياءْ

ويصطفي فيهما منزلَهْ

وسحرهُ يمشّطُ الجدارْ

Page 8

ويترع ُ النهارْ

قداحَهُ الجرارْ

فتنتشي مثمَلهْ

ومنزلي، الصفصافُ خاطَ بردَه الشفيفْ

ستائرًا مُسدلهْ

كلّما يبوحُ سرُّه اللطيفْ

يسرّحُ الأخيِلهْ

النهرُ، ياصغيرتي، ينتمي إليهْ

كذلك السنبلهْ

والأرض، ياصغيرتي تشتهي يديهْ

وتشتهي العندلهْ

صوتَه الرخيم َ في الصباحْ

وصوتَ سقفِه المطرّزَ الوشاح

كالجناحِ هَدّله

Page 9

ذكرى

في ليلةٍ، قرأتْ خيوطُ البدرِ شرفةَ منزلي

قرأتْ على جفنِ الجدارِ قصائداً، كُتبتْ

هناكَ بأنملي

كنّا نبوحُ بعشقنا المخبوءِ شبهَ التمتماتِ

نخافُ أن تفضي الدوالي دمعَها الفضيّ فوق شفاهنا

أن تنطفي

ونخافُ أن يذوي الكلامُ على لظى أفواهنا

أن يختفي

كنّا نغنّي – صامتينِ – غنـــاءنا

«ما الحبُّ إلّا للحبيبِ الأوّلِ».

Page 10

يد الريح

أنافذة ٌ تلك كانت تضيء الشواطئَ

أم أنّ رملَ الشواطئ كان يضيءْ

وكنتُ أنا من يحثُّ الخطى

فوق ظلّ الخطى أمِ الريحُ كانت يداها تفيءْ

وفاتنتي تلك كان المدى

فوقها مشلحاً طرّزته السنونو بأبهى احترافٍ

لها حين كانت تجيءْ

لمَمْتُ بقاياكِ جسراً

جمعتُ الشروق إلى ظلّهِ واحترفتُ الغناء على رقص ثغرٍ

جبانٍ وظل جريءْ