Page 1
على مشارف الحب..
انتابه شعور بالحسرة على ما ضاع منهما من فرص السعادة، وعاد بتفكيره إلى سنوات خلت، لحظة رؤيته لها لأول مرة. كانت بسيطة في جمالها. تتدفق من ملابسها ملامح لامبالاة مرتبة. بدت له حينها، امرأة لاتملك قصة.أهملها.. ولم ينتبه أبداً أنها أمهلته.
كانا يلتقيان في أطر لا تفسح الكثير أمام العواطف أيّاً تكن، إلى أن جرّتهما المصادفات والأقدار، فانزلقا، وبلهف، فوق أمواج رغبة قادتهما نحو أوجاع سعادة فانية.
كانت لوحة حب طغت عليها ألوان شغف لا ينتهي.
إنَّ إدراكها للتفاصيل الأخيرة في لوحة سعادتها الحاضرة، أسقط من عينيها دمعة، اعتقد برهان في البداية، أنها ضريبة الشعور بالسعادة؛ فالمرأة تبكي حزناً، كما تبكي فرحاً، لكنها، وبكلمات بسيطة، قالت: إنها المرة الأولى وستكون الأخيرة.
وأضافت، بعد صمت صاخب: غداً موعد خطوبتي.
لم يتفوّه برهان بكلمة. وضع رأسه بين يديه، فهو لا يفهم كيف أنها ترتشف، بكل القوة التي أُوتيت، من منهل حبه، ثم تقرّر بعدها بلحظات، أن تكون وفية لزوج لاحق.
لماذا بكت؟ هل فرحاً بلحظات سعادة فجّرت مشاعرها، كحمم بركانية تتكشف إلى العالم، وهي التي تفاعلت سراً بعيداً عن أنظاره لفترة من الزمن؟ أم أنها انتحبت حزناً على أحاسيس ستفتقدها؟
بحسّها الأنثوي، شعرت بوقع الصدمة التي يعيشها برهان. مدّت يدها، ثم أمالت رأسه حتى تساقط في حضنها. وبلطف فائق، قالت، وهي تمعن النظر في عينيه، أن نبقى على مشارف حب، خير لنا من أن نغرق في ملذات نبنيها على تعاسة الآخرين.
أحبك، وقد اشتعلت بين يديك وقوداً لعواطفي التي نمت في غفلة منك. سأتزوج من سيطلب يدي غداً، لكنك ستظل حبيبي الوحيد، ثم أجهشت بالبكاء.
لم يكن برهان مُلْهَماً بكلمات مناسبة، نظر إليها محاولاً احتواء اللحظة، أن يستجمع أشلاءه المترامية فوق هذا السرير الذي اتسع للحظات، لجغرافية سعادته المنتهية.
حاول أن يسحب رأسه من بين أحضانها، لكنه شعر بها تتشبّث به. حركة لا واعية؟ أو ربما هي ما تبقى لديها من الوعي؟
إنها تعلم أن الخدوش التي تركتها يداه في فراغات جسدها هي نقوش أزلية، وأنّ الرسوم الموقعة بشغفه في أعماق كهوفها ستبقى بعد غيابه. وأمام عجزه عن فهم الأشياء، استسلم برهان لوعيها أو لاوعيها الضاغط. فما الفائدة من أن يعرف؟
حُضنُها كان السند الوحيد لرأسه. حاولت أن تقول شيئاً ما، لكنها عجزت بدورها.. بكت مقدّماً كل أقساط أيامها المقبلة، ثم استنشقت الهواء بقوة، ولملمت ما تبقى لها من الأنا، وقالت بصوت حازم:
أرفض أن أتحول إلى مجرد حرث تصنع يداك أخاديده عند كل لمسة، أو أن أكون لعبة لشفتيك تكتب ذكرياتي بهمسات تحمل كل أوجاعي.
أحبك، لكنني سأتزوج رجلاً يجهل مفاتيح قلبي. رجلاً لا يعرف انعطافاتك إلى شفتي، ولا يعرف تشكيل ذكرياتي بلمساته.
كانت نبرتها جافة وعنيفة، كأن الدموع التي نزلت من عينيها فتحت لهذه النبرة مسلكاً كان قد جفّ تماماً. خرجت من غرفة الفندق الفاخرة من دون أن تـنظر إلى تفاصيل حاضر اعتقدت أن لا مستقبل له.
غادرت ريما لتلتحق بتعاستها، وظل برهان يتمسك بأغطية ما زالت تفوح بمذاقها. رفض مغادرة حدود سعادته، واستمر ممسكاً بذكريات قصيرة حكمت حياته لسنين طويلة.
Page 2
الزمن..مقبرة بلا شواهد؟
عشر سنوات مضت على ذلك اللقاء القصير أو الفراق الطويل، وفي عصر يوم ماطر، وبعد أن عجز عن الاهتداء إلى مسلك بين زحمة الناس الحاملين للمظلّات، لجأ برهان تحت شرفة أحد مباني شارع ديدوش مراد في العاصمة الجزائر ليحتمي من تَحامُل المطر عليه.. انتفض محاولاً التخلّص من الماء الذي بلّل بدلته، ثم وقف في هدوء يَسْرَح بنظره في وجوه المارة الذين كانت ملامحهم باردة، وألوان وجوههم باهتة نتيجة بلل المطر المزعج.التأمل في سلوك الناس وهم يهرولون لتفادي المطر هواية قديمة جداً عند برهان. لكن تورّطه في الأحداث الأمنية والسياسية التي عرفتها الجزائر، أبعده عن ممارساته الطفولية لعلم الاجتماع. فقد حمله هذا الواقع الجديد للانتقال إلى فرنسا للعيش في أوساط المتطرّفين، والكشف عن شبكاتهم التي كانت تهرّب السلاح الى الجزائر تنفيذاً لأحقادهم.
تنقل برهان بنظره باتجاه واجهات المحلات المتراصّة على طرفي الشارع دون البحث عن شيء محدد. تجمّد نظره في الواجهة المقابلة، وحاول أن يغور في تلك التفاصيل المعكوسة على المرآة. ملامح جمال لامرأة بثياب أنيقة، وحركة يدين تشير إلى تلك الفساتين المعروضة.
تأمل برهان مطولاً، تلك التفاصيل علَّها تكون مادة لقراءاته النفسية والاجتماعية، لكنها تلاشت تماماً مثل الحياة، تكاد تكون مجرد انعكاس لطيْفٍ يفضح محاسننا وعوراتنا.
قرر مواصلة مشواره بعد أن خفَّ المطر، وراح يسرع الخطى نحو المقهى اللعين حيث ينتظره سعيد مع بعض الأصدقاء؛ فالمسافة حتى ساكري كور لا تزال طويلة.
لم يدر برهان أن ملامح الصورة المنعكسة التي رآها هي حقيقة من ماضيه، وجزء من ذكرياته.
دخلت ريما المكان المخصّص للقياس، وهي تحمل أكثر من فستان متبوعة بالبائعة.
تفضّلي سيدتي.. لديك الوقت الكافي لتختاري من بين هذه النماذج.. إنها أزياء باريسية أنيقة وصلتنا نهار أمس.
شكراً، سأقيسها في الحين، وسوف أرى..
نزعت ريما ثيابها، ونظرت إلى جسدها الجميل شبه عار. كانت نظرة باردة لجسد طوّعتْه، فكان أداة مهنية في دورها كزوجة.. معارك ريما كثيرة مع نفسها، لكن عند كل انتصار تدرك أن خسائرها كبيرة.
قبل سنين، كان شعورها بجسدها يُخترق بخيوط سعادة لامتناهية، هو الذي دفعها لهجرة برهان. إنَّ شعورها بجسدها، بلا ذاكرة بعد، يُقبل مُشرّع الأطراف على إدمان الهيم في تلك الوديان هو ما دفعها إلى هجرته. حينها، أدركت ريما أن الحرية الحسية المطلقة هي عبودية نفسية مطلقة.
ارتدت ريما واحداً من بين الفساتين التي عرضت عليها، ونظرت في المرآة، باهتمام أكبر هذه المرة. الفستان الخفيف الذي ارتدته، لفّ جسدها الفاتح بلون غامق، والذي تلاصق مع جسدها شبه النحيف، أراها صورة ريما الأخرى، صورة امرأة ظلت تتنكر لها، امرأة عاشت فوضى حواس عارمة.
تساقط جسدها شبه النحيف على الكرسي، وانهار حصن أحاسيسها، وغمرها الماضي في لحظة. تذكرت كيف كانت لمسة برهان تنقش فيها خدوشاً لذكريات حسية، وكيف صالحتها يداه مع جسد كرهت تضاريسه. اعتقدت ريما أن الزمن مقبرة بلا شواهد للذكريات، لكنه (الزمن) أماط غبار السنين عن طرق السعادة في جغرافية جسدها الهامد كالبركان. متر واحد من الحرير كان كافياً ليبعثر ذكرياتها ويكسر كل الأسيجة التي بنتها حول ذاكرتها الجسدية. خرجت من غرفة القياس محاصرة بتفاصيل الزمن. اشترت الفستان "اللعين" ثم غادرت المحل دون رغبة في النظر إلى أشياء أخرى.
ارتمت في المقعد الخلفي للسيارة، وطلبت إلى السائق المرور عبر كورنيش باب الوادي. استفردت بها الذكريات، وتدعمت وحدتها في زحمة السير في العاصمة. طوال الطريق تنقلت بفكر شارد بين أمواج البحر الأبيض المتوسط الصاخبة في هذا الشتاء البارد، وحرارة الذكريات"المقيتة" التي لا تفارقها. نظرت بإمعان في أمواج البحر، تبحث عن إجابة مستحيلة، بشأن القدر؟
هل قدرهما واحد؟ أم أنهما مجرد وريقات تتلاعب بها عواصف الأيام وأمواج القدر؟ هل ما كان مع برهان حقيقة لقدر لاحق؟ أم هو مجرد وهم عابر أُخذ عنوة من قدر مجهول النيّات.
تمادت ريما طويلاً في التهرب من حبٍّ أخافتها عذوبة مذاقه، لكنها تأكدت أن وقفتها الاضطرارية اليوم على خراب ذكريات استماتت في نثرها على زوايا السنين المظلمة، ستكون بداية أو نهاية لاحقة لا محالة.
Page 3
الفاتحون الجدد؟
وصل برهان إلى المقهى للقاء أصدقائه. كان سعيد يرتدي قميصاً أبيض على غير عادته، وتغطي وجهه لحية كثّة، احتضن برهان وهو يلقي عليه السلام.. محملِّاً تحيته كمّاً ايديولوجيا ليعلن رحلته من اليسار إلى أقصى اليمين.ردّ برهان السلام ثم احتضن صديقه النقابي القديم، مهملاً إعلانه السياسي الفاضح، ثم توجه بالتحية إلى وحيد، احتضنه قائلاً، أيها النمس، أما زلت تعمل في وزارة الدفاع؟
طبعاً، ردّ وحيد وأضاف: أين تريدني أن أذهب؟ العمل هناك له متعته الخاصة على الرغم من خطورته.
استدار برهان باتجاه عبد المالك الواقف بانتظار تحيته، قبّله بحرارة، وقال له: أتمنى أنك غادرت مهنة التعليم. ضحك عبد المالك، وقال له ساخراً، أنت في حضرة رئيس بلدية مُعيَّن.
جميل، علّق برهان، الجزائر تتغير إذن. كل المناصب الآن تملأ تعييناً، من رئيس البلدية إلى رئيس الجمهورية، كأن الأمر يتعلق بوضع بيادق في مواقعها قبل الشروع في لعبة الشطرنج!
وكيف تُسيَّر شؤون البلديات؟
أسوأ مما كانت عليه أيام الإسلاميين، أجاب وحيد.
اغتنم سعيد الفرصة ليعلّق على جواب وحيد، وقال: هذا غير صحيح، هناك فرق بين أن تهتم بالكادحين كما فعل الإسلاميون وبين أن تخدم المحظوظين، فقط، كما تفعل أحزاب الإدارة اليوم.
ضحك عبد المالك، وهو يقول: نحن، يقصد حزب الإدارة، على الأقل لم نحوّل أحياء الجزائر إلى أسواق لدعاياتنا الشعبوية.
ردَّ وحيد بعصبيته المعهودة قائلاً: تعلم يا عبد المالك، أنني لا أدافع عن الإسلاميين لكن ما ارتكبه حزبكم من تزوير في مجال العقارات، فقط، أسوأ بكثير مما فعله الإسلاميون.
تدخل برهان، يا جماعة لسنا مضطرين اليوم، للدخول في مثل هذا النقاش، لا تزال الحياة بكاملها أمامنا لنتعرض لكل هذه المواضيع.
أصرّ وحيد على قول كلمته الأخيرة: اسمح لي أخي برهان.. يجب أن تعلم، أن الجزائر ابتليت بغزاة جدد وليس بأحزاب.
الإسلاميون كأنهم فاتحون جدد يريدون نشر الإسلام في بلد مسلم، وأنصار حزب الإدارة كأنهم معمّرون جدد يتمتعون بحقوق الشعب وكأنها امتيازات خاصة.
على كل، يقول برهان لأصدقائه، نعلم كلنا أن التناقض في السلوك الفردي والجماعي مردّه التناقضات الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد. اليوم نحن نتنكّر لإرث ديمقراطي لم نكتسبه بعد، ونتعصّب لدولة إسلامية هلامية لم يعرف التاريخ وجوداً لها حتى الآن...
يكفي أننا قـُتلنا بتهمة وهمية هي الديمقراطية، وقَاتَلَنَا الآخرون باسم هذه الدولة الإسلامية الهلامية..
لقد أبدعنا في سوء فهمنا لبعضنا بعضاً.
تدخل برهان ملطّفاً جو اللقاء، وجّه مجرى الحديث نحو عموميات غير مثيرة للمشاعر، لكن سؤاله عن أرزقي أحد أصدقائهم، أنزل السكينة على الطاولة، فتوجّم الجميع، قبل أن يخبره وحيد، بكثير من التأثر، أنه اغتيل داخل شقته بوحشية نادرة.
صمت وحيد قليلاً بعد أن غرقت عيناه في دموع لم تنهمر، ثم أضاف: لقد تمّ ذبحه على مسمع من ابنته وزوجته اللتين كانتا محتجزتين في الغرفة المجاورة.
سمعتاه يصرخ، واكتشفتا بعد خروج الإرهابيين أنَّ رأسه مفصول عن جسده. رؤيته على هذه الحال أدخلتهما في خوف وهلع إنسانيين لاعلاقة لهما بالمكان. سافرتا إلى فرنسا لمعالجة آثار الصدمة، واستقرتا هناك.
الجزائر.. لم تعد أرض حياة، لقد نذرت لتكون ملاذاً للغربان.
لم يشارك سعيد في الحديث، ظل صامتاً حتى استفزّه برهان بسؤاله، وهل أنت مع هؤلاء؟
سعيد: لا أعتقد أن الجماعات هي التي قتلته، لكن الحروب تخلق أوضاعاً تحدث فيها الكثير من التجاوزات.
برهان: الله يهديك، هل تسمي هذه الجريمة الشنعاء تجاوزاً؟
على كل، يقول سعيد، لا نملك سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة.. شعر الجميع بالحاجة إلى رفع الجلسة قبل أن يتحول ما كان لقاءً ودّياً بين الأصدقاء إلى معركة بين وجهتي نظر تتقاتلان خارج المقهى بالسلاح منذ عشر سنوات.
خرج الجميع، وافترقوا عند باب المقهى في صمت لم تقطعه سوى كلمات خافتة لوداع محشو بوعود لقاء، قرر برهان عدم الالتزام بها لفترة طويلة.
Page 4
الجهل... سعادة
همت الشمس بالمغيب، وتوقف المطر عن بهدلة المارة، وأصبحت وجوه الناس أقلّ امتعاضاً. سار برهان في الاتجاه المعاكس لأصدقائه، وبعد أمتار قرّر الاتصال بأيوب، الزّميل السابق له في قسم التحليل بوزارة الدفاع.- ألو أيوب أنا برهان.
- أهلاً برهان، أين أنت الآن يا أخي يجب أن أراك؟
- طبعاً، اتصلت بك لهذا الغرض.
- ما رأيك أن تمرّ عليّ في المكتب؟
- اتفقنا، ربع ساعة، وسأكون عندك إن شاء الله.
وصل برهان إلى مكتب زميله في وزارة الدفاع.. دخل مكتب السكرتارية، وقدّم نفسه لضابط الصف المسؤول، ثم قال له: أنا على موعد مع العقيد أيوب.
بمجرد أن اتصل ضابط الصف بالعقيد وأخبره بوجود برهان حتى خرج هذا الأخير إلى مكتب السكرتارية مرحباً بزميله. تعانقا بحرارة ثم دخلا المكتب.
أيوب: بصراحة، إنَّ عملك، يا برهان، في فرنسا أثار احترام كل المسؤولين.
ابتسم برهان ثم قال: احترام لا أستحقه، فالنتيجة هي خلاصة مجهود جماعي. المشكلة اليوم هي أن كل المجهودات تصطدم دائماً بأهداف خفية تؤجل نهاية الحرب وتقوّض كل فرص الانتصار على الفساد والتطرف.
لم يكن برهان مرتاحاً داخل المكتب. عرض على صديقه التعجيل بالمغادرة، والتوجه نحو مطعم"الكاراكويا"؛ فالمكان يبعث في رواده الإحساس بالراحة، يعزلهم عن عوالمهم المثقلة بأحداث الاغتيال والذبح والاختطاف.
خرجا من المكتب، في الطابق الأرضي، وسارا باتجاه مواقف السيارات. وبمجرد أن استقلّا السيارة، سأله برهان هل هناك تطورات تستدعي أن أكون على علم بها؟
- أي نوع من التطورات تريد أن تعرف؟ السياسية أم المهنية؟
السياسية طبعاً، فالبلاد تبدو من الخارج مشلولة تماماً كأنها تعيش خارج التاريخ.
أنت تعلم يا برهان أن المتاح حالياً، هو هذا التوازن المؤقت داخل السلطة. ربما هذا ما يفسر شعورك بعدم وجود حراك سياسي؟
أضاف: بصراحة أشعر أن الوضع ليس بهذا السوء. مؤسسات الدولة تعمل بشكل طبيعي وتؤدي مهامها اليومية.
عندما شعر برهان أن زميله يريد تفادي الحديث في السياسة، رد عليه قائلاً، يا أيوب، كلنا عسكر ونتمنى تفادي الحديث في السياسة، لكن عدم فهمنا لما يحدث حولنا هو الذي يدفعنا للسؤال؟
أيوب متفادياً الغوص أكثر في الحديث: على كلٍّ لمكة ربٌّ يحميها. السلطة الحالية رتبت كل شيء بهدف تأمين استمراريتها، وهذا وضع يريحني على المستوى الشخصي، فما يهمني هو أن أرتّب، بدوري، لاستمراريتي في هذا المنصب حتى أستفيد من تقاعد مريح من الناحية المالية. الجزائر ليست مملكتي كما أنني لم أدَّع يوماً طموحاً سياسياً.
طيب قال برهان، إنه من حقك، لكن هذا لا يمنعك من فهم الأحداث، فمن الغباء أن تموت أحمق.
اسمع يا برهان، حتى ننهي الحديث في مثل هذه المواضيع، أنا أجهل الكثير ولكنني سعيد بذلك، ففي وسطنا هذا، الجهل سعادة وعقد تأمين على الحياة.
كفّ برهان عن مضايقة زميله بالأسئلة، واقتصر حديثهما داخل المطعم على مواضيع عامة.
Page 5
البحث عن منارات
استفاق برهان باكراً، وخرج يبحث في شوارع العاصمة عن روائح الحياة الصباحية. خرج يتحسس حرارة الحياة في وجوه الطلبة وهم يسارعون للحاق بآخر قطار باتجاه جامعة باب الزوار، أو بالحافلات المتوجهة إلى الجامعات في بن عكنون، أو تلك السلسلة البشرية الطويلة التي تبدأ يومها بانتظار مملٍّ في محطات التاكسي. كان برهان يهوى الاستيقاظ باكراً؛ فالنشاط وحركة الناس في هذا الوقت مقياسان جديّان لحركية المجتمع، قبل أن تتطفل عليه عوامل أخرى هي من صنيع الأنظمة القائمة.ذاك الصباح، لاحظ برهان على الوجوه المسرعة وشماً لعلامات استفهام كثيرة عن مستقبل لم يعد في الإمكان التخطيط له... عن الهدف من التوجه إلى العمل وقد انتهت قيمته الاجتماعية..
إنَّ عدم النظر في عيون الآخرين تمرين نجح فيه الجميع. يسير المارة فوق رصيف واحد لكنهم يشعرونك بعدم انتمائهم إلى الحيز نفسه. يتحاشرون في كل ما تبقى لهم من مساحات تضيق فيها الأنفاس ولا يتحادثون لأنَّ بلدهم على شساعته ضاق بأحلام شبابه.
صدم برهان لما لاحظ في مجتمع الصباح تعابير صارخة لمجتمع فقد هويته، وأصالة أمازيغية تتقزم في مطالب ابتزازية للسلطة، وإسلاماً يُختزل في إيديولوجية قاتلة، وأنفة ثورية تهان في حرمان تام من الحرية.
الجزائر، مجتمع سُلبت منه كل معالمه التاريخية.
ظل برهان يتجول بين المارة في الشوارع الرئيسية للعاصمة، ديدوش مراد، والعربي بن مهيدي، وزيغود يوسف وحسيبة بن بو علي، حتى شعر بأن الحركة لم تعد طبيعية مئة بالمائة، حينها قرر التنقل باتجاه بن عكنون في أعالي العاصمة. كان يريد أن يلتقي بعض أصدقائه من أساتذة العلوم السياسية والإعلامية.
داخل التاكسي، في طريقه إلى المعهد، رأى داخل سيارة سوداء متوقفة بجواره سيدة تشبه ريما.. كانت متوقفة في زحمة السير. حاول التأكد من نسبة الشبه بين المرأتين، لكنه فوجئ بريما الحقيقية على بعد أمتار منه. طلب من سائق التاكسي محاولة الاقتراب أكثر من سيارة المرسيدس السوداء ليلقي التحية عليها، لكن زحمة السير حالت دون ذلك.
وبمجرد أن أعطى شرطي المرور الأمر لانطلاق السيارات، قال برهان لسائق سيارة الأجرة: رجاء أن تتبع هذه السيارة، فتبعها حتى ساحة حيدرة.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً. توقفت السيارة السوداء، في شارع خلفي للساحة المركزية، وتوقفت التاكسي على بعد أمتار منها، دفع برهان أجرة نقله إلى السائق ثم ترجَّل.
Page 6
التمثال... قيمته في ماضيه
سار وراء ريما يبحث عن سبيل منطقي للتحدث إليها، فهي سيدة متزوجة، ويجب أن لا يبدو كلامه معها معاكسة أو إزعاجاً لها.دخلت ريما محلاً لبيع الإلكترونيات، فتبعها برهان إلى الداخل، لكنه لم يجرؤ على الكلام معها. توجه إلى البائع وطلب منه أن يريه نموذجاً لهذا النوع المتطور من مسجلات الصوت المعروضة داخل الواجهة. أما هي فقد دخلت المحل لاقتناء هدية لابنها عادل بمناسبة عيد ميلاده الحادي عشر.
ظل برهان يراقبها، وهو يكلم البائع بذهن شارد. نظر خفية إلى وجهها ثم إلى قوامها الذي لم يتغير كثيراً. حاول، في غفلة منها، استنطاق ملامحها وحركاتها علّها تعطيه أجوبة عن استفساراته الكثيرة. ظل يراقبها بكثير من السرية لأكثر من ربع ساعة، عُرضت خلالها على برهان أنواع كثيرة من أجهزة التسجيل. وبمجرد أن رآها تتوجه نحو صندوق المحاسبة، اختار برهان، على عجالة واحدة مما عرض عليه، ترتيباً للقاء عفوي مع ماضيه.
وقف خلف ريما، شمّ رائحة عطرها، استحضر في لحظة ساحرة كل حواسه للشعور بالوجل المتدفق من جسد يعرف تفاصيله. أغرق عينيه في سواد شعر يشبه لياليه الحزينة. وقف في صمت ينتظر أن تنتهي من إجراءات الدفع. خاف أن تنصرف دون أن تشعر به واقفاً كالتمثال، قيمته في ماضيه. وهي تكلم البائع، سمعها برهان تتلو رقماً فسجّله، في مذكرة هاتفه. حملت ريما هدية ابنها وخرجت من دون أن تلتفت إلى الماضي الجاثم خلفها، وخرج برهان من المحل بعد أن اشترى مسجلة لا حاجة له بها. سار باتجاه الساحة الرئيسية من دون رغبة في الذهاب إلى هناك. ابتعد عن ساحة معركة سجلت عليه للتو فشلاً آخر مع ريما.
سار من دون وجهة معينة، ومن دون أن يسلك طريقاً محدداً، مثل كل الأجساد التائهة الأخرى حيث ترى العشرات من الناس في غدو ورواح دائمين من دون أن تستشفّ من غدوهم ولا من رواحهم هدفاً معيناً.
كان يمر من شارع إلى آخر مثلهم تماماً، حتى دخل مطعماً بدا له خالياً من الناس.
كان يبحث عن هدوء يمكّنه من استرجاع أنفاسه. جلس الى طاولة في الطابق الأرضي، وزجّ بنظره في الصفحة الأولى للجريدة في انتظار قهوة طلبها قبل الجلوس.
تقدم منه النادل وسأله بأدب: هل أنت السيد برهان؟
- نعم أنا هو، ما الأمر؟
النادل: هناك سيدة في الأعلى تريد دعوتَكَ لتناول القهوة.
برهان: أنا؟ ومن تكون السيدة؟ قال النادل، إنها صاحبة المحل. لوهلة، تمنى برهان أن تكون ريما، ربما تفادت الحديث معه في مكان عام فقط. صعد إلى شرفة المقهى المطلة على الطابق الأرضي من دون أن يسأل عن اسم المرأة.
ابتسم عندما رأى نفسه أمام امرأة في الأربعين، أنيقة من دون تكلف. قال وهو يسلّم عليها، إنها مفاجأة سعيدة.
- كيف أحوالك يا دلال؟
- كما تراني.. وماذا تفعل هنا؟ سمعت أنك انتقلت للعيش في الخارج.
- صحيح، كان ذلك لمدة محدودة فقط، وها أنا قد عدت إلى الجزائر.
- أخبريني عنك.
Page 7
دلال: أنا صاحبة المطعم، إضافة إلى أنني أملك محلاً لتأجير السيارات، أمّ لطفلين، أسكن في حي بوشاوي، تضحك، ثم تضيف، هذا كل ما في الأمر.
- وماذا يشتغل زوجك؟
- كادر في الخطوط الجوية الجزائرية.
- صحيح أننا لم نتقابل منذ أيام الجامعة، أليس كذلك؟
- تقريباً.. لكنني متتبعة جيدة لأخبارك.
- وممن تحصلين عليها؟
- من الأصدقاء والصديقات. في كل مرة نتقابل، نستذكر حكايات زملائنا في الكلية.
- ومن من الصديقات أنت على اتصال بهن؟
- كثيرات... زهور، وسعاد، وريما، ولويزة... وأخريات. على كل يتطلب تفصيل الأمر وقتاً أطول. وبنظرة غنج مفرط تسأله دلال ماذا لديك مساء اليوم؟
- لا يبدو أنني أملك مخططاً محدداً حتى الآن.. لماذا؟
- دعني أدعوك الليلة، وسنستحضر بعضاً من تفاصيل الماضي.
- موافق لكن بشرط أن تضمني نقلي، فأنا لا أملك سيارة حتى الآن.
- أبشر، إن أردت سأحجز لك سيارة من وكالتي وأسلمك إياها الليلة.
- اتفقنا، نلتقي إذن في حدود الساعة الثامنة أمام فندق سان جورج.
وقف الاثنان لوداع يلتقيان بعده بساعات. اقتربت منه دلال، لدرجة أنها لم تترك عنده مجالاً للخجل، ضمّته إلى صدرها وقالت، وهي تشد على يده: موعدنا الليلة.
كان إنذاراً صارخاً استنفر كل مشاعر برهان.
خرج من المطعم، وقد استعاد ثقته بنفسه؛ فحرارة استقبال دلال له أنسته تجاهل ريما لوجوده خلفها قبل دقائق فقط.
قرر التنازل عن فكرة زيارة أصدقائه في معهد العلوم السياسية. عاد إلى وسط العاصمة، تاركاً للمصادفات أمر ترتيب لقائه بأصدقائه وزملائه.
توجه إلى مطعم "شالي روج" مباشرة، هناك التقى بالكثير منهم. فالمطعم قبلة لهم عند موعد الغداء. كانت فرصة اختصرت لديه الكثير من المجهود ليحصل على أخبار هذا وذاك.
بعد ساعتين من التسامر مع أصدقائه، قرر برهان التوجه إلى الفندق ليستريح قليلاً؛ فالليل، كما هي العادة، يحمل معه فرص سمر أحلى.
- وماذا يشتغل زوجك؟
- كادر في الخطوط الجوية الجزائرية.
- صحيح أننا لم نتقابل منذ أيام الجامعة، أليس كذلك؟
- تقريباً.. لكنني متتبعة جيدة لأخبارك.
- وممن تحصلين عليها؟
- من الأصدقاء والصديقات. في كل مرة نتقابل، نستذكر حكايات زملائنا في الكلية.
- ومن من الصديقات أنت على اتصال بهن؟
- كثيرات... زهور، وسعاد، وريما، ولويزة... وأخريات. على كل يتطلب تفصيل الأمر وقتاً أطول. وبنظرة غنج مفرط تسأله دلال ماذا لديك مساء اليوم؟
- لا يبدو أنني أملك مخططاً محدداً حتى الآن.. لماذا؟
- دعني أدعوك الليلة، وسنستحضر بعضاً من تفاصيل الماضي.
- موافق لكن بشرط أن تضمني نقلي، فأنا لا أملك سيارة حتى الآن.
- أبشر، إن أردت سأحجز لك سيارة من وكالتي وأسلمك إياها الليلة.
- اتفقنا، نلتقي إذن في حدود الساعة الثامنة أمام فندق سان جورج.
وقف الاثنان لوداع يلتقيان بعده بساعات. اقتربت منه دلال، لدرجة أنها لم تترك عنده مجالاً للخجل، ضمّته إلى صدرها وقالت، وهي تشد على يده: موعدنا الليلة.
كان إنذاراً صارخاً استنفر كل مشاعر برهان.
خرج من المطعم، وقد استعاد ثقته بنفسه؛ فحرارة استقبال دلال له أنسته تجاهل ريما لوجوده خلفها قبل دقائق فقط.
قرر التنازل عن فكرة زيارة أصدقائه في معهد العلوم السياسية. عاد إلى وسط العاصمة، تاركاً للمصادفات أمر ترتيب لقائه بأصدقائه وزملائه.
توجه إلى مطعم "شالي روج" مباشرة، هناك التقى بالكثير منهم. فالمطعم قبلة لهم عند موعد الغداء. كانت فرصة اختصرت لديه الكثير من المجهود ليحصل على أخبار هذا وذاك.
بعد ساعتين من التسامر مع أصدقائه، قرر برهان التوجه إلى الفندق ليستريح قليلاً؛ فالليل، كما هي العادة، يحمل معه فرص سمر أحلى.
Page 8
قصر الحمراء...
وصلت دلال قبل الثامنة بقليل إلى فندق سان جورج، فصعد برهان إلى جانبها، وتوجها نحو بيتها في بوشاوي. هناك اكتشف برهان حيّاً هادئاً وبيتاً جميلاً، دوِّنت على بابه عبارة: "قصر الحمراء".دخلا البيت، طلبت منه التصرف من دون تكلّف. شكراً، رد برهان، ثم سألها متى سيأتي زوجك؟
لم تجب دلال، لكنها دعته لرؤية تفاصيل البيت الأخرى.
كانت دلال في حالة سكر لم تشرب لها بعد، كانت ملامحها تفضح محاولات خفية للتستر على حالتها النفسية. في الحديقة الخلفية للبيت، كشفت له عن المكان الذي جهّزته لتناول العشاء. في الحديقة شبه المضاءة بعدد من الشموع الموزّعة بإتقان عند زواياها، نصبت خيمة، وفي داخلها وضعت مائدة طعام تقليدية يحيط بها أثاث أندلسي.
فهم برهان نية دلال، وأدرك، بكل سعادة، أنه وقع ضحية شرك، لم يكن يتقن تحضيره بهذه الشاعرية.
كانت دلال تتقدمه خطوة عندما دخلا الخيمة، استدارت وقالت له: أنت الملك اليوم.
أشكرك على كل هذا الاهتمام، ثم اقترب منها، نظر في عينيها وهما تلمعان لهفة، وقال لها: ما كنت أعتقد، يوماً، أن الحظ سيكون سخياً معي إلى هذه الدرجة.
ليس للحظ أي دخل في ما يجري. صحيح أنه ساقك إلى مطعمي لكنني تكفلت بترتيب الباقي.
في حركة مرتابة، لامست يدا برهان خصراً منهكاً يرتعد لهفة، ثم اقترب، مطمئناً، إلى شفتيها يمسح عنهما ألوان الخجل والتردّد.
كادت قبلته أن تعصف بكل ترتيبات السهرة الطويلة، لهذا انسحبت دلال بلطف، وطلبت من برهان التريث إلى حين.
غابت دلال لدقائق معدودة لتعود متسلّلة، وهي ترتدي لباساً أبيض أضاء لونها المائل إلى السمرة حيث كان برهان قد اتخذ لنفسه مكاناً مريحاً داخل الخيمة. استلقى فوق مطارح الصوف، وأسند نفسه بمخاد بينما استلقت هي إلى جانبه، مخدرة برغبة قوية في ممارسة الجنس. أغمضت عينيها، وراحت تبتسم بارتياح لكل لمسة تلهب جسدها. استنفرت كل مشاعرها الكابحة لرغباتها، وانطلقت تملأ فراغات نفسها المتعطشة منذ طلاقها قبل سنتين.
انتثرت فوق المطارح، وهي في حركة استحضار قصوى لوصلات تملأ مواقعها الحسية المغمورة حيث أمعنت في إطالة الشعور بالامتلاء. لقد كانت في حالة من اللاوعي ضاعفت من وعيها الحسي. امتطت فَرَسَ رغبتها الجامحة تثير غبار نفسها الرثة. احتمت من خجل انهزامها الممتع؛ لحظات تكامل، تمنت لو أنها تدوم الدهر كله. فَرَجّةُ الجنس هي لحظة اندماج مع الذات، لحظة هَيْمٍ في مدار نفوسنا العائمة في فضاء الحياة.
سحبت دلال جزءاً من الغطاء عن جسدها، ثم نظرت في عيني برهان وكأنها تعتذر منه. قالت: من النادر أن تتعقل امرأة، في لحظات حقيقتها. لقد فقدت صوابي، وما كان لي أن أتجاوز نفسي.
مطمئناً قال برهان، أمتعني كثيراً فقدانك لذاك الصواب، أليس المطلوب في مثل هذه اللحظات هو هذا الفقدان المبهج للعقل؟
ابتسمت دلال، ثم حاولت النهوض لترتيب طاولة العشاء.
تمسّك بها برهان قائلاً: دعينا من العشاء.
مستحيل، فأنت ضيفي الليلة، لماذا لا تأتي معي إلى المطبخ، نتبادل أطراف الحديث وأنا أحضّر الأكل.
Page 9
في المطبخ، ظل برهان يراقب حركات دلال. كان ينظر إلى جسدها الندي على الرغم من أنها أم لطفلين. راقب تناسقه في داخل هذا الفستان القصير. نظر بتمعن إلى ساقيها الجميلتين وهي نصف عارية، إلى أسفل ظهرها الإفريقي وقد لفّه الفستان كاشفاً تعنّته المبهر.
كانت دلال تتكلم عن صعوبة الحياة في الجزائر على الرغم من حالة اليسر التي تعيشها على صعيد الأمور المالية؛ فالمال لا يصنع السعادة لأصحابه في بلد نذره مسؤولوه لتمجيد الفقر.
انتهت دلال من تحضير بعض الأطباق الخفيفة. اقتربت من برهان لتسأله عن حياته؟ أين قضى كل هذه السنوات منذ تخرجه من الجامعة؟
أجابها عن أسئلتها من دون تفاصيل، فهو مشغول بتفاصيل هذا التناقض المثير في جسدها الرشيق. شعرت به وهو ينظر إليها نصف عارية، وكأنه يخلع أبواب تعقّلها ثانية.
كانت بداية لطريق تهاويها.
لقد كانت رائعة الجمال وهي تشعر بحجم جنونها يكبر بداخلها، كأنه برج سعادتها المشيّد.
بعد تناول العشاء، دعت دلال برهان إلى أخذ زجاجة الويسكي إلى غرفة النوم. فهي لا تريد له أن يهدر وقته في الكلام والشراب فقط.
داخل الغرفة تفاجأ برهان بدلال تطلب منه كأس ويسكي.
- هل تشربين الكحول؟
- في الحقيقة لا.. لكن المناسبة وجو الثقة يشجعان على تخلص الإنسان من كل وعيه.
ناولها كأساً من الويسكي.. وتناول أخرى ثم أشعل سيجاراً.
استلقيا جنباً إلى جنب على سرير عزوبيتها.
- دلال: لماذا لم تتزوج حتى الآن؟
- برهان ساخراً: حتى أعطي الفرصة لأكبر عدد ممكن من النساء.
- دلال: أصارحك القول، إنك تزرع هدوءاً لذيذاً في المرأة بعد ثورتها العارمة. شكراً، ثم قال لها: أخبريني الآن عن زميلاتك اللواتي يذكرنني بخير. من يدري قد أحظى بواحدة منهن؟
- دلال، من منهن بالضبط؟
- ريما مثلاً ما أخبارها؟
- دلال: ريما.. تزوجت رجلاً ثرياً جداً اسمه جمال، لكنها لا تبدو سعيدة، ومع ذلك، فهي تفضل الاحتماء بمركزه وثروته.
- وفي أي مجال ينشط زوجها؟
- على ما أعتقد، في التصدير والاستيراد.
- ولماذا ليست سعيدة؟ فهي من اختارت هذا النوع من الزواج؟
- يبدو لي، ولست متأكدة من الأمر، فريما - كما تعرفها- كتومة جداً، إنها أحبت شخصاً آخر، وتزوجت بمن هو أثرى منه، النتيجة أنها تشكو الآن انعدام الشغف في علاقاتهما.
- ومن أين لها بأخباري؟
- زوجها كثير العلاقات، وذراعه طويلة كما يقال، تماماً مثل ذراعي في هذه اللحظة.
كانت دلال قد تسللت تحت اللحاف الحريري، ترتب لفترة لاوعي لم ينته إلا مع أشعة الشمس الأولى.
كانت دلال تتكلم عن صعوبة الحياة في الجزائر على الرغم من حالة اليسر التي تعيشها على صعيد الأمور المالية؛ فالمال لا يصنع السعادة لأصحابه في بلد نذره مسؤولوه لتمجيد الفقر.
انتهت دلال من تحضير بعض الأطباق الخفيفة. اقتربت من برهان لتسأله عن حياته؟ أين قضى كل هذه السنوات منذ تخرجه من الجامعة؟
أجابها عن أسئلتها من دون تفاصيل، فهو مشغول بتفاصيل هذا التناقض المثير في جسدها الرشيق. شعرت به وهو ينظر إليها نصف عارية، وكأنه يخلع أبواب تعقّلها ثانية.
كانت بداية لطريق تهاويها.
لقد كانت رائعة الجمال وهي تشعر بحجم جنونها يكبر بداخلها، كأنه برج سعادتها المشيّد.
بعد تناول العشاء، دعت دلال برهان إلى أخذ زجاجة الويسكي إلى غرفة النوم. فهي لا تريد له أن يهدر وقته في الكلام والشراب فقط.
داخل الغرفة تفاجأ برهان بدلال تطلب منه كأس ويسكي.
- هل تشربين الكحول؟
- في الحقيقة لا.. لكن المناسبة وجو الثقة يشجعان على تخلص الإنسان من كل وعيه.
ناولها كأساً من الويسكي.. وتناول أخرى ثم أشعل سيجاراً.
استلقيا جنباً إلى جنب على سرير عزوبيتها.
- دلال: لماذا لم تتزوج حتى الآن؟
- برهان ساخراً: حتى أعطي الفرصة لأكبر عدد ممكن من النساء.
- دلال: أصارحك القول، إنك تزرع هدوءاً لذيذاً في المرأة بعد ثورتها العارمة. شكراً، ثم قال لها: أخبريني الآن عن زميلاتك اللواتي يذكرنني بخير. من يدري قد أحظى بواحدة منهن؟
- دلال، من منهن بالضبط؟
- ريما مثلاً ما أخبارها؟
- دلال: ريما.. تزوجت رجلاً ثرياً جداً اسمه جمال، لكنها لا تبدو سعيدة، ومع ذلك، فهي تفضل الاحتماء بمركزه وثروته.
- وفي أي مجال ينشط زوجها؟
- على ما أعتقد، في التصدير والاستيراد.
- ولماذا ليست سعيدة؟ فهي من اختارت هذا النوع من الزواج؟
- يبدو لي، ولست متأكدة من الأمر، فريما - كما تعرفها- كتومة جداً، إنها أحبت شخصاً آخر، وتزوجت بمن هو أثرى منه، النتيجة أنها تشكو الآن انعدام الشغف في علاقاتهما.
- ومن أين لها بأخباري؟
- زوجها كثير العلاقات، وذراعه طويلة كما يقال، تماماً مثل ذراعي في هذه اللحظة.
كانت دلال قد تسللت تحت اللحاف الحريري، ترتب لفترة لاوعي لم ينته إلا مع أشعة الشمس الأولى.
Page 10
العودة.. إلى السرية
قبيل منتصف النهار بقليل رنّ هاتف برهان طويلاً قبل أن يقرر الرد عليه. ألو... برهان معك أيوب، صباح الخير يا أخي، أين أنت؟- صباح الخير، لا أزال نائماً، هل هناك جديد؟
- طبعاً، سنلتقي بعض الأصدقاء حول مائدة غداء.
- برهان، مَنْ مِنهم، فأنا لا أريد أن التقي الجميع؟
- أيوب، هيَّا انهض وخلصنا، موعدنا الساعة الواحدة في نادي الضباط ببني مسوس.
- برهان، طيب، سأكون هناك.
انسحب برهان متثاقلاً من عرينه... وتوجه نحو الحمام. أما دلال فأسرعت إلى المطبخ لتحضير القهوة.
- دلال، صباح الخير..
- صباح الخير.. وبينما كان يشرب القهوة بلهف أخبرها أنه مضطر للمغادرة على عجل. هناك أصدقاء ينتظرون وصولي على الغداء.
- هل أحضرتِ لي سيارة؟
- طبعاً.. مفاتيحها فوق الطاولة عند الباب.
- سأتصل بكِ بعد الغداء.
- إن لم تتمكن، أنت تعرف العنوان الآن، ومفاتيح البيت داخل السيارة.
- برهان، على كل سأرى كيف تتطور الأمور، وأتصل بك بعد ذلك.
دخل برهان نادي الضباط في المركب العسكري ببني مسوس، وسأل عن أيوب، فتمّ توجيهه إلى غرفة مجاورة للقاعة الرئيسية. دخل الغرفة فوجد نفسه أمام ضابطين من زملائه القدامى.
أهلا بالضيف، قال أيوب وهو يتقدم ليسلّم عليه. ثم أضاف: تتذكر " الخاوة " طبعاً؟
- وكيف أنسى، فارس ودحمان، تخرجنا من الجامعة مع المجموعة نفسها؟
وبمجرد أن جلس الأربعة حول الطاولة، قال أيوب متوجها إلى برهان: لقاؤنا اليوم هو اجتماع عمل.
فارس ودحمان، مسؤولان عن الأمن في ولايتين حدوديتين، ويريدان منك التعاون معهما في وضع خارطة لطرق تهريب السلاح من أوروبا إلى الجزائر عبر المغرب.
فالتحكم في تسرّب السلاح إلى الداخل هو عامل أساسي في السيطرة على الوضع الأمني. طبعاً، أنت تعرف أن طرق تهريب السلاح متداخلة مع تهريب المخدرات التي يعرف الجميع مصدرها في المنطقة.
لا يخفى عليك، يسترسل أيوب، أن علاقة الجزائر متشنجة مع المغرب. لهذا نحن نعتقد أن المغرب قادر على ضبط الأمور لكنه لن يفعل؟
استمع برهان إلى أيوب وهو يتكلم بالجدية التي يتطلبها الموضوع، ثم قال: وما المطلوب مني بالضبط؟
- بحسب التوطئة التي سردتها الآن، الأمر يفوق المساعدة في رسم خارطة لطرق تهريب السلاح إلى الجزائر!