eKtab
EN ع
السعادة الزوجية وبوليكوشكا
Read free sample

السعادة الزوجية وبوليكوشكا

by ليو تولستوي

Page 1

السعادة الزوجية 
- 1 -
كنا في حداد على وفاة أمي، التي ماتت في الخريف، وكنا نقضي الشتاء وحيدات في الريف: أنا وكاتيا وصونيا.
أما كاتيا فهي صديقة المنزل من قديم الزمان، وهي المربية التي نشَّأتنا، فكنت أحبها كثيراً، وكنت أذكرها الى أبعد عهد تبلغه ذكرياتي، وأما صونيا فهي أختي التي تصغرني. كان شتاءً حزيناً في منزلنا القديم في بوكروفسكايا. الجو بارد، والريح شديدة، والثلج أعلى من النوافذ. وزجاج النوافذ يغشاه الصقيع، فلا يشفّ عن شيء، ونحن لم نكد نخرج من المنزل طوال الشتاء. وكنا لا نُزار إلا لماماً. والذين يزوروننا لا يحملون الى منزلنا شيئاً من مرح أو فرح. فوجوههم حزينة جميعاً، وهم يتكلمون بصوت خافت، كأنما يخشون أن يوقظوا أحداً من نومه. لا يضحكون أبداً، ويتنهدون ويبكون في كثير من الأحيان حين ينظرون إلينا، إليَّ والى أختي الصغيرة صونيا خاصةَ، ونحن بثياب الحداد السوداء. لكأن الموت لا يزال حاضراً، ولكأن حزنه وهوله لا يزالان يهوِّمان في المنزل. كانت غرفة ماما مرتجة، فكنت اذا مررت ببابها المغلق حين أمضي الى النوم، أشعر بثقل يجثم على صدري، وأحس بشيء يجذبني الى تلك الغرفة الباردة المقفرة.
كنت حينئذ في السابعة عشرة من عمري. وكانت أمي، في سنة موتها نفسها، قد قررت أن نقيم بالمدينة لتدخلني في المجتمع. ولقد أحدث وفاة أمي في نفسي لوعة شديدة، ولكن يجب أن أعترف أنني كنت أحس عدا تلك اللوعة بشيء آخر: لقد كنت شابة وجميلة، كما يقول جميع الناس، فكان يحزنني أن أراني مضطرةً الى المكث في عزلة الريف شتاءً آخر يضيع من عمري سدىً. وقد اشتد هذا الاحساس بالقلق والعزلة والضجر في أواخر الشتاء حتى صرت لا أبارح غرفتي ولا أفتح البيانو ولا أقرأ البتة. فإذا حضتني كاتيا على أن أشغل نفسي بشيء بكيت أو أجبتها قائلة: «ما بي رغبة بهذا، أو لا أستطيع»، بينما كان في قرارة نفسي صوت يقول لي: «علام؟ علام تفعلين أي شيء إذا كانت أحسن سنيّ حياتك تضيع؟ علام؟». ولم يكن عندي على هذا السؤال جواب الا الدموع.
وكان يقال لي في ذلك الأوان اني نحلت وتبشّعت، لكن ذلك ما كان يهمني. علام؟ من أجل من؟... كان يخيَّل إليَّ أن حياتي كلها ستنقضي في هذا الركن النائي من العالم، قلقةً هذا القلق الذي لا دواء له، والذي كنت أملك وحدي قدرةً على الخلاص منه، ولا رغبة في الخلاص منه. حتى لقد خافت عليَّ كاتيا في أواخر الشتاء، وقررت أن ترحل بي الى الخارج مهما يكن الثمن. ولكن الرحيل الى الخارج كان يحتاج الى مال، وكنا نحن لا ندري ماذا بقي لنا من ميراث أمنا تقريباً. فكنا ننتظر الوصي علينا من يوم الى يوم، وكان سيجيء إلينا ليجعلنا على بيِّنة ممن أمرنا.
وقد وصل في شهر آذار (مارس).
قالت لي كاتيا يوماً، بينما كنت أطوِّف من ركن الى آخر كالشبح بلا هدف وبلا فكرة وبلا رغبة:
- الحمد لله! وصل سيرغي ميخائيلوفتش، وقد أرسل يسأل عنا، ويبلغنا أنه آتٍ إلينا في العشاء.
وأضافت كاتيا تقول:
- تحركي قليلاً يا كاتيا، والا فما عسى يكون رأيه فيك؟ إنه يحبك كثيراً!
 

Page 2

ان سيرغي ميخائيلوفتش هو أحد جيراننا القريبين وهو صديق المرحوم أبي، رغم أنه أصغر سناً منه. وعدا أن مجيئه يبدل مشاريعنا ويؤمِّلنا في الرحيل عن الريف، فقد تعوّدت منذ طفولتي أن أحبه وأن أحترمه. صدق ظن كاتيا: إن سيرغي ميخائيلوفنا هو، من بين جميع من لنا بهم علاقة، الشخص الوحيد الذي لا أحب أن أظهر أمامه بمظهر غير مستحب. كان جميع من في المنزل، من كاتيا وربيبتها صونيا، الى آخر حوذي، يحبه بحكم العادة، أما في نظري أنا فكان يمثل شيئاً آخر يختلف كل الاختلاف، وذلك بسبب كلمة قالتها أمي في حضوره، إذ أفصحت عن أمنيتها في أن تراني أتزوج رجلاً مثله. وقد بدا لي الأمر في ذلك الحين باعثاً على الدهشة، بل لقد صدمني صدماً. فبطلي كان يختلف عن هذا الرجل كل الاختلاف. كان بطلي نحيفاً، ممشوقاً، شاحباً، حزيناً. أما سيرغي ميخائيلوفتش الذي تخطى ريعان الشباب، فقد كان مديد القامة بدين الجسم دائم المرح في ما يبدو لي. ومع ذلك كانت هذه الكلمات التي قالتها أمي لا تبارح خيالي، حتى لقد كنت، قبل ست سنين، وأنا في الحادية عشرة من عمري، حين كان يخاطبني بصيغة المفرد، ويلعب معي، ويلقبني بلقب «البنت البنفسجة»، كنت أتساءل بشيء من الخوف ما عساني أفعل إذا هو رغب فجأة في أن يتزوجني!

وصل قبل موعد العشاء (الذي أضافت اليه كاتيا حلوى بالقشدة وسبانخ بالمرق). وقد رأيته من النافذة مقبلاً نحو المنزل في زلاجة صغيرة، ولكن ما إن انعطف عند ركن الشارع حتى هرعت الى الصالون لأتظاهر بالمفاجأة. غير أنني حين سمعت صوته الرنان ووقع خطوات كاتيا في الصالون لم أطق صبراً فهرعت الى لقائه. كان ممسكاً يد كاتيا، ويبتسم بصوت قوي. فلما رآني صمت وتأملني لحظةً من دون أن يحييني. فشعرت بحرج، وأحسست بالحمرة تصبغ وجهي.

قال بلهجة بسيطة جازمة وهو يباعد ذراعيه ويقبل عليَّ:

- آ... هل يعقل أن تكوني أنت؟ هل يجوز للإنسان أن يتغيّر هذا التغيّر؟ ما أكثر ما كبرت! بنفسجة حقاً! أصبحت وردة حقاً!

وبيده الضخمة، شدَّ علي يدي شداً فيه مودة، ولكن فيه من القوة ما كاد يؤلمني. وحسبت أنه يهم أن يقبِّل يدي، فاقتربت منه، لكنه اكتفى بأن ضغط أصابعي وحدَّق الى عينيَّ بنظرته الحازمة الفرحة.

لم أكن قد رأيته منذ ست سنين. لقد تغير وشاخ، واسودَّ جلده، وصار له عارضان لا يناسبان وجهه البتة. ولكن سيرغي ميخائيلوفتش لا يزال يحتفظ ببساطة حركاته، ولا يزال يحتفظ بوجهه الطلق ذي القسمات الضخمة قليلاً، والعينين المتقدتين ذكاءً، والابتسامة الدمثة التي تكاد تكون ابتسامة طفل.

وما انقضت دقائق خمس حتى أصبحنا لا نعده زائراً، وانما نعده واحداً منا. فكذلك كان شعورنا جميعاً، بل كذلك كان شعور الخدم أيضاً. فلقد كان واضحاً من طريقتهم في خدمته أنهم مبتهجون بمجيئه أعظم الابتهاج.

لم يتصرف كما يتصرف أولئك الجيران الذي كانوا إذا زارونا بعد موت ماما يعتقدون بأنهم مضطرون إلى التزام الصمت وذرف الدموع. بالعكس: كان متدفق الكلام، شديد المرح، لم يشر الى وفاة ماما بكلمة واحدة، حتى إن قلة الاكتراث هذه قد بدت لي في أول الأمر مستغربة لا يليق أن تصدر عن صديق حميم مثله. لكنني أدركت بعد ذلك أن سلوكه هذا لم يكن قلة اكتراث بل كان صراحة، فكنت ممتنة شاكرة. وفي المساء جلست كاتيا في مكانها القديم من الصالون لتقديم الشاي، وهو المكان الذي كانت تجلس فيه أثناء حياة ماما. وجلسنا أنا وصونيا بقربها. وجاء غريغوار العجوز الى سرغي ميخائيلوفتش بغليون بابا القديم، بعد أن بحث عنه واهتدى إليه لهذه المناسبة، وأخذ صديقنا يذرع الغرفة على عهدنا به في الماضي.

قال وهو يتوقف عن سيره:

- ما أكثر ما حدث في المنزل من تغيرات هائلة إذا فكر الإنسان في الأمر!

فقالت كاتيا متنهدة وهي تعيد الى السماور غطاءه:

- نعم!

ونظرت الى ضيفنا وهمََّت أن تبكي!

واستأنف سرغي ميخائيلوفتش كلامه متجهاً إليَّ:

- أظن أنك تذكرين أباك؟

فأجبته:

- قليلاً جداً.

فهمهم يقول وهو ينظر إليَّ شارد اللب، ويسرِّح طرفه في ما فوق عينيَّ:

- ما كان أعظمه من خير أن يكون الآن حياً يعيش معكم.

ثم أضاف يقول بصوت أخفت أيضاً:

- لقد كنت أحب أباك حباً عظيماً.

وخيِّل إليَّ أن عينيه التمعتا مزيداً من الالتماع.

قالت كاتيا:

- وها قد حرمنا الله منها هي أيضاً!

ثم سرعان ما وضعت المنشفة على غلاية الشاي، لتخرج منديلها وتنفجر باكية. فعاد سرغي ميخائيلوفتش يقول وهو يشيح وجهه:

- نعم! يا لها من تغيرات رهيبة تلك التي حدثت في هذا المنزل!

وأردف يقول بعد صمت قصير:

- صونيا، أريني لعبك!

وخرج.

Page 3

فلما غاب نظرت الى كاتيا بعينين تفيضان بالدموع. فقالت كاتيا:

- يا له من صديق رائع!

والحق أني أحسست من عطف هذا الرجل الطيب بأنني أسترد حرارة روحي ورباطة جأشي.

وكانت تصل إلينا من الصالون زقزقات صونيا وجلبة سرغي ميخائيلوفتش في ملاعبتها. وأمرت بأن يحمل إليه الشاي. وسمعناه يجلس إلى البيانو وينقر على مفاتيحه بأصيبعات صونيا. ثم دوى صوته منادياً:

- ماريا ألكسندروفنا! تعالي الى هنا! اعزفي لنا شيئاً!

لقد سرَّني كثيراً أن أعامَلَ بمثل هذه السلطة التي تملأها المودة والصداقة. ونهضت ألحق به.

قال وهو يفتح دفتراً يضم معزوفات لبيتهوفن، مشيراً إلى لحن «التمهل» من سونانة «شبه فانتازيا»:

- اعزفي لنا هذا!

وأضاف:

- فلنر كيف تعزفين!

ونأى الى ركن من الصالون حاملاً بيده قدح الشاي.

Page 4

- 2 -

لا أدري لماذا عرفت أنني معه لا أستطيع أن أرفض، ولا أن أمهِّد للعزف بكلام عن ضعفي في العزف. فما هي إلا لحظة حتى جلست الى البيانو طائعة، وأخذت أعزف كما أستطيع أن أعزف، على تهيبي حكمه وخوفي من رأيه، لأنني كنت أعرف أنه يهوى الموسيقى وأنه في شؤونها عليم. ولقد كان اللحن المتمهّل يناسب ما كنت فيه من حالة استيقاظ الذكريات على أثر الحديث الذي جرى بيننا منذ هنيهة. وأظن أن عزفي لم يكن سيئاً. ولكنه لم يدع لي أن أعزف اللحن السريع (الشيرزو). وانما قال وهو يقترب مني:

- لا، هذا لن تجيدي عزفه. فاتركيه. أما في القسم الأول فقد عزفت عزفاً لا بأس به. يبدو أنك تفهمين الموسيقى.

أبهجني هذا الثناء المعتدل بهجة عظيمة، حتى لقد تخضب وجهي بحمرة شديدة. إنه لشيء جديد عليّ وممتع لي أن أرى صديقاً في منزلة أبي يكلمني بمثل هذا الجد فرداً لفرد لا رجلاً لطفل كما كان يفعل من قبل. وكانت كاتيا قد صعدت بصونيا لترقدها في فراشها، فبقينا نحن الاثنان في الصالون.

حدثني عن أبي، فذكر لي كيف انعقدت بينهما أواصر الصداقة، ووصف لي الحياة السعيدة التي عرفاها في الماضي حين كنت لا أزال مشغولة بكتبي ولعبي. فبدا لي أبي في قصصه، لأول مرة، انساناً بسيطاً جذاباً، كما لم أكن أعرفه حتى ذلك الحين. وسألني سرغي ميخائيلوفتش أيضاً عن ميولي، وعمَّا أقرأ، وعن كل ما أنتوي أن أفعل، وأسدى إليَّ بنصائح. فأصبحت لا أرى فيه النديم المرح والمازح الفكه الذي كان يغيظني ويخترع لي ألعاباً، وإنما أرى فيه رجلاً رصيناً بسيطاً ودوداً أضمر له الاحترام والمحبة من تلقاء نفسي بلا تصنّع. وصرت إذا كلمته أحسّ بسهولة وأشعر بمسرّة، ولكنني أحس رغم إرادتي بنوع من التوتر، حتى لأرتعش لكل كلمة أقولها، إذ كنت أرغب رغبة قوية في أن أستحق بنفسي هذه العاطفة التي لا يهبها لي إلا لأنني ابنة أبي.

وعادت إلينا كاتيا بعد أن أرقدت صونيا، فشكت الى سرغي ميخائيلوفتش ما كنت أعانيه من خدر الإحساس وخمول العاطفة، وذلك ما لم أحدِّثه عنه أنا بكلمة واحدة. فقال مبتسماً، وهو يهز رأسه لائماً:

- أخفت عني الشيء الأساسي.

فقلت أجيبه:

- ما عسى يمكنني أن أقول؟ ذلك كله يبعث على الضجر، ولسوف يزول وينقضي على كل حال.

(والحق أنني كنت قد أحسست منذ ذلك الحين بأن قلقي زال وانقضى، بل أحسست بأنه ما وجد في يوم من الأيام!).

قال سرغي ميخائيلوفتش:

- ليس حسناً أن لا يعرف المرء كيف يتحمل العزلة. أأنت فتاة في مقتبل العمر؟

فقلت ضاحكة:طبعاً!

- بل أنت إنسانة سيئة لا تحيا إلا إذا أحيطت بالإعجاب. فمتى رأيت نفسك وحيدة استسلمت لأفكار سود، فإذاً أنت لا ترضين عن شيء لأنك تريدين كل شيء للظهور ولا تبغين لنفسك أنت شيئاً.

قلت لأقول شيئاً ما:

- ما أجمل ما تراه فيَّ من رأي!

فقال بعد صمت:

- لا، ليس عبثاً أنك تشبهين أباك. هناك ما يسوِّغ هذا الشبه.

Page 5

ورمقني بنظرة طيبة متفرِّسة أثارت رضاي عن نفسي مرة أخرى، وأحدثت لي شعوراً لذيذاً بالحرج.

وفي تلك اللحظة إنما رأيت، وراء قسماته التي تبدو فرحة من النظرة الأولى، رأيت تلك النظرة التي ليس لغيرها مثلها، وهي نظرة مضيئة في البداية لكنها ما تنفك تزداد انتباهاً وحزناً.

قال:

- لا يجب عليك ولا يجوز لك أن تسأمي. عندك الموسيقى وأنت تفهمينها، وعندك الكتب والدراسة، وأمامك حياة كاملة تستطيعين أن تأخذي في الاستعداد لها حتى لا تصيبك ندامة أو حسرة من بعد. فاذا انقضت سنة وأنت على هذه الحال فات الأوان.

كان يكلمني كما يمكن أن يفعل أب أو عم، وأحسست بأنه يراقب نفسه حتى يبقى في مستواي لا يتعداه، فكان يضايقني أن أراه يعاملني معاملة من هي دونه مستوى، ولكن كان يرضيني في الوقت نفسه أن أراه يبدل مظهره في سبيلي أنا وحدي.

وقضى بقية السهرة يناقش كاتيا في شؤون المال، حتى إذا أراد أن ينصرف دنا مني وأمسك يدي، وقال:

- والآن أستودعك الله!

فسألته كاتيا:

- متى نلتقي مرة أخرى؟

فأجاب سرغي ميخائيلوفتش وكان لا يزال ممسكاً يدي:

- في الربيع. الآن أمضي الى دانيلوفكا (هي أرض أخرى من أملاكنا)، فأعرف ما أريد أن أعرفه، وأرتّب ما أستطيع أن أرتّبه، وبعد ذلك يجب عليَّ أن أسافر الى موسكو لأعمالي الشخصية. فاذا جاء الصيف كان في وسعنا أن نلتقي كثيراً.

قلت بحزن شديد:

- لماذا تتركنا مدة طويلة هذا الطول كله؟

ذلك أنني كنت قد أملت أن أراه كل يوم بعد الآن. فلما تصورت أن قلقي وسأمي سيعاودانني متى غاب، شعرت بخشية شديدة وحزن قوي على حين فجأة. ولا شك أن ما شعرت به قد تجلّى في نظرتي وظهر في صوتي، فقال لي بلهجة فاترة مسرفة في الفتور:

- عليك أن تشغلي نفسك بشيء، وأن لا تنقادي للضجر.

وأضاف يقول وهو يترك يدي ولا ينظر إليَّ:

- سوف أمتحنك في الربيع.

وكنا وصلنا الى حجرة المدخل، فأسرع يلبس معطفه، وتفرس فيًّ مرة أخرى. قلت أحدث نفسي: «عبثاً يحاول. أيظن أنه يسرني إذا هو نظر اليَّ؟ إنه رجل طيب، طيب جداً، ولكن هذا كل شيء».

ومع ذلك أرقنا في تلك الليلة مدة طويلة أنا وكاتيا، وتكلمنا، لكننا لم نتكلم عن سرغي ميخائيلوفتش، بل عن الصيف كيف نقضيه، وعن الشتاء التالي أين نكون فيه؟ وأصبح ذلك السؤال الرهيب: «علام؟» لا يخطر ببالي، وأصبح يبدو لي أمراً بسيطاً جداً وبديهياً جداً أن أحيا لأكون سعيدة، وأصبح يتراءى لي في المستقبل كثير من السعادة. لكأن منزلنا المظلم القديم في بوكروفسكويا قد امتلا حياة وضياء على حين فجأة.

جاء الربيع. انقضى حزني، وحل محله استسلام لأحلام الربيع، ونوع من حنين زاخر بآمال ورغبات، رغم أنني أصبحت لا أحيا كما كنت أحيا في أول الشتاء، لأنني أعنى الآن بصونيا، وأعزف على البيانو، وأقرأ. كان يتفق لي في أحيان كثيرة أن أعتزل في الحديقة، فأظل أطوِّف بين ممرات الأشجار لحظات طوالاً، أو أبقى جالسة على دكة. والله وحده يعلم ما الذي كنت أسترسل فيه من أفكار أو رغبات أو آمال. وكنت في بعض الأحيان، حين يكون القمر بدراً على وجه الخصوص، أبقى ليالي بكاملها جالسة الى نافذة غرفتي حتى الصباح، أو أخرج الى الحديقة بغير علم كاتيا لابسة قميص النوم وحده، فأركض على العشب المخضّل بالندى حتى أصل الى الغدير، بل لقد اتفق لي ذات مرة أن مضيت الى الحقل، ودرت حول الحديقة العامة وحيدة في الليل.

يصعب عليَّ اليوم أن أتذكر وأن أفهم الأحلام التي كانت تغذِِّي خيالي. وهبني تذكرتها فإنني لا أستطيع أن أصدِّق أن أحلامي كان لها ذلك المظهر، فهي تبدو لي غريبة أشد الغرابة، وتبدو لي خارجة عن الحياة أبعد الخروج.

وعاد سرجي ميخائيلوفتش من أسفاره في آخر شهر أيار، كما وعدني بذلك.

وزارنا أول زيارة في المساء، بينما نحن لا نتوقع وصوله البتة. كنا جالسات على الشرفة نتهيأ للشاي. الحديقة اخضرّت اخضراراً شديداً، وفي الرياض المزهرة اتخذت العنادل مقرها. وأشجار الليلك الكثيفة تبدو مرشوشة بلون أبيض ولون بنفسجي. والأزهار توشك أن تتفتح. وفي ممر أشجار البتول تبدو الأوراق شفافة عند غروب الشمس. وعلى الشرفة تسود طراوة الظل. وأنداء المساء القوية تستعد للسقوط على العشب الأخضر. ومن فناء المنزل وراء الحديقة كانت تصل إلى أسماعنا أواخر ضجات النهار، ويصل اليها وقع أقدام المواشي عائدة من مراعيها. وكان نيكون المجدوب يطوف ببرميل ماء أمام الشرفة في ممر الأشجار الصغير، فكان خيط نحيل من ماء بارد ينبع من هذه المرشة على الأرض المقلوبة حول الأشجار فيرسم دوائر سوداً. وعلى مائدة الشرفة التي فرش عليها غطاء نظيف، كان يلتمع السماور المجلو الذي يغلي ماؤه، وسط آنية فيها قشدة، وبسكويت، وفطائر. وكانت كاتيا تشطف الفناجين بيديها الربلتين. وكنت جائعة بعد الاستحمام فكنت ألتهم شريحة من خبز دهنتها بطبقة سميكة من قشدة. وقد عقدت منديلاً على شعري المبتلّ. وكنت ألبس بلوزة من نسيج رقيق، قصيرة الكمين. أبصرته كاتيا من النافذة قبل أن نبصره نحن، فهتفت تقول:

- آ... سرجي ميخائيلوفتش! كنا نتكلم عنك منذ لحظة واحدة.

Page 6
ونهضت لأمضي أبدل ثيابي، ولكن سرجي ميخائيلوفتش دخل الشرفة لحظة كنت أقطع العتبة. فقال وهو يبتسم لمرأى رأسي المعصوب بمنديل:
 
- أكلفة واحتفال ونحن في البرية؟ أتتحرَّجين من جريجوار؟... هل أنا بالنسبة إليك إلا جريجواراً آخر؟
 
وفي تلك اللحظة بعينها بدا لي أنه كان لا ينظر اليَّ كما كان يمكن أن ينظر إليَّ جريجوار، فشعرت من ذلك بارتباك.
 
قلت وأنا أبتعد:
 
- سأرجع حالاً.
 
فصاح يسأل:
 
- ما مأخذك على هذه الثياب؟ إنك تشبهين بها فلاحة فتية!
 
قلت أحدّث نفسي وأنا أبدل ملابسي في غرفتي بسرعة: «ما كان أغرب نظرته اليَّ! الحمد لله على أنه جاء أخيراً، فلن نضجر بعد الآن!». ونظرت الى نفسي في المرآة، ثم هبطت الدرج راكضة ركضاً سريعاً، لاهثةً لهاثاً شديداً، من دون أن أخفي تعجّلي، ورجعت الى الشرفة.. كان سرجي ميخائيلوفتش جالساً أمام المائدة يكلم كاتيا عن شؤوننا المالية. فلما رآني ابتسم، ولكنه لم يتوقف عن الكلام. كان في رأيه أن أمورنا المالية على خير حال. وإنما ينبغي لنا أن نقضي الصيف في الريف، ثم نستطيع بعد ذلك أن نسافر الى بطرسبرغ لدراسة صونيا، أو أن نسافر الى الخارج.
 
قالت كاتيا:
 
- ليتك تستطيع أن تصحبنا الى الخارج. فإننا إذا كنا وحدنا، نضيع هناك كما يضيع المرء في غابة.
 
أجاب سرجي ميخائيلوفتش يقول نصف جادٍ ونصف هازل:
 
- آ... ما أعظم ما يكون فرحي بأن أدور حول العالم معكن...
 
هتفت أقول:
 
- لا بأس... فلندر حول العالم!
 
- وأمي؟... والأعمال؟ دعينا من هذا على كل حال، وحدثيني كيف قضيت وقتك؟ هل ألمَّ بك الضجر أيضاً؟
 
فلما ذكرت له أنني، أثناء غيابه، قد أكببت على العمل ولم أشعر بسأم، وهذا ما أسرعت تؤكده كاتيا، أثنى عليَّ بالكلام والنظرة، كأنني طفلة، وكأن من حقه أن يعاملني معاملة طفلة. وقد رأيت أن عليَّ أن أحدثه بتفصيل دقيق وصراحة كاملة، عن كل ما عملته من أشياء جيدة، وأن أعترف له أيضاً بكل ما قد لا يرضى عنه. وكانت العشية جميلة رائعة، فلم نقم حين انتهت فترة الشاي، بل بقينا جالسين على الشرفة، وبدا لي الحديث شائقاً جداً فلم أتنبه الى الصمت الذي كان يتكاثف حولنا ويطبق علينا. وكان أريج الأزهار يزداد حلاوة فنزداد سكراً، وكان الندى يتلألأ على العشب، وغير بعيد منا غنى عندليب على أجمة من أشجار الليلك، ثم صمت لسماعه ضجة أصواتنا، وكانت السماء الزاهية بالنجوم تبدو كأنها هبطت إلينا.
 
ولم ألاحظ أن الليل قد أحدق بنا إلا حين غار وطواط تحت طنف الشرفة بغير ضجة، وتخبط حول منديلي الأبيض، فاستندت الى الحائط أهم أن أصرخ، ولكن الوطواط غاب ثانية في ظلام الحديقة صامتاً سريعاً.
 
فقال سرجي ميخائيلوفتش مقاطعاً نفسه:
 
- كم أحب قريتكم بوكروفسكويا هذه! إنني أستطيع أن أبقى جالساً على هذه الشرفة حياتي كلها.
 
قالت كاتيا:
 
- فما يمنعك أن تبقى؟
 
وعاد يتكلم فقال:
 
- نعم، أن أبقى. الحياة لا «تبقى».
 
سألته كاتيا:
 
- لماذا لا تتزوج؟ لو تزوجت لكنت زوجاً كاملاً.
 
فقال متضاحكاً:
 
- لأنني أحب أن «أبقى قاعداً». لا، يا كاترين كارلوفنا، لا أنا ولا أنت نصلح الآن للزواج. منذ مدة طويلة أصبح الناس لا يرون أنني رجل يصلح لأن يتزوج، وقد عدلت أنا عن الزواج منذ مدة أطول أيضاً، وأؤكد لك أنني من ذلك في صحة أحسن وعافية أكمل.
 
بدا لي أنه يتكلم بمرح مصطنع.
 
قالت كاتيا:
 
- دعك من هذا الكلام! أتكف عن الحياة وأنت في السادسة والثلاثين من عمرك؟
Page 7

وتابع سرجي ميخائيلوفتش كلامه فقال:

- طبعا. لا أتمنى الآن إلا أن «أبقى جالساً». أما الزواج فيتطلب شيئاً آخر. اسأليها هي (أشار إليَّ). إنها المرشّحة للزواج. أما نحن فلا يكاد يحق لنا إلا أن نبتهج بسعادتها.

أدركت في صوته نوعاً من حزن خبيء، ونوعاً من جفاء لم يخف عني. ولبث صامتاً لحظة. ولم نقل أنا وكاتيا شيئاً. وأردف سرجي ميخائيلوفتش يقول وهو يدور على كرسيه:

- تخيَّلي مثلاً أنني ارتكبت خطأ غريباً فادحاً فتزوجت فتاةً عمرها سبعة عشر ربيعاً هي ماش... ماريا الكسندروفنا. هذا مثال كامل، يسرني أن أقع عليه. هذا خير مثال ممكن.

أخذت أضحك من دون أن أفهم ما الذي يسرّه هذا السرور كله، وماذا كان يريد أن يقول.

قال لي مازحاً:

- اعترفي وأنت تضعين يدك على قلبك: ألا يكون بلاء لك أن تربطي حياتك بحياة شيخ سئم الحياة ولا يريد إلا أن «يبقى قاعداً»، على حين أن الله وحده يعلم ماذا يختمر في نفسك وماذا تشتهين وتتمنين.

شعرت بحرج، وصمت لا أدري بماذا أجيب.

فأضاف يقول ضاحكاً:

- لست أصارحك بحب، ولكن قولي لي صادقةً: هل بزوج مثلي تحلمين حين تتنزّهين في ممر الأشجار وحدك عند طلوع الصباح؟ ألا يكون مثل هذا الزواج شقاء لك؟

بدأت أقول:

- ليس شقاء...

فبادر يتم جملتي فقال:

- ولكنه ليس سعادة...

- قد أكون مخطئة...

فقاطعني مرة أخرى قائلاً:

- أرأيتِ؟ وهي على حق تماماً، وإني لأشكر لها صراحتها، وإني لسعيد جداً بأن هذا الحديث جرى بيننا.

ثم أضاف يقول:

- بل إني لأذهب الى أبعد من ذلك فأقول: إن زواجاً كهذا الزواج يكون شقاء كبيراً لي أنا نفسي.

قالت كاتيا:

- ما أغرب أمرك! إنك لم تتغير.

وغادرت الشرفة لتصدر أوامرها بإعداد العشاء.

لم نقل بعد مغادرتها الشرفة كلمة واحدة، وكان كل شيء حولنا صمتاً. العندليب وحده أخذ يغرد، لا كما غرَّد في الليلة البارحة تغريداً متقطعاً متردداً، وإنما غرّّد تغريده الجميل الذي يطلقه في الليل متصلاً هادئاً بغير تعجل. وانتشرت ألحانه في الحديقة، فأجابه عندليب آخر كان بعيداً في الوادي تحت، أول مرة في هذا الفصل. فأما الذي كان أقرب إلينا فقد صمت لحظة كأنما ليحسن الإصغاء، ثم استأنف زغرداته بمزيد من الحماسة، فكان صوتاهما يترجّعان في عالمهما الليلي الموصد دوننا، ترجعاً هادئاً رائعاً. ومرَّ البستاني عائداً الى المزرعة التي يقيم فيها، وغاب وقع قدميه الثقيل في الطريق الضيق. وعند سفح التلة صفّر أحد الناس صفيراً حاداً مرتين، ثم عاد كل شيء صامتاً. وسُمع لأوراق الأشجار حفيف خفيف، وارتعش قماش الطنف، وحمل النسيم الى الشرفة شذى بقي فيها. وكنت أحس بحرج من التزام الصمت بعد الذي قيل، ولكنني لا أعرف كيف أقطع هذا الصمت. نظرت الى سرجي ميخائيلوفتش، فرأيت في شبه الظلمة أن عينيه الساطعتين تحدقان اليَّ.

Page 8

- الحياة حلوة!

فتنهدت لا أدري لماذا!

قال:

- ماذا؟

فكررت كلامه:

- الحياة حلوة.

وصمتنا مرةً أخرى، وشعرت بارتباك من جديد. لم يبارح خيالي أنني آلمته اذ سلَّمت بأنه أكبر سناً من أن يصلح لي زوجاً، فأردت أن أواسيه وأن أعزيه ولكن لم أعرف كيف السبيل الى ذلك.

قال وهو ينهض:

- آن الاوان، استودعك الله. أمي تنتظرني على العشاء. ما كدت أراها طوال اليوم.

- ولكنني كنت أريد أن أعزف لك سونانة جديدة!

قال ببرود في ما بدا لي:

- في مرة أخرى!

- استودعك الله!

لاح لي، أكثر من أي وقت مضى، أنني آلمته، فشعرت من ذلك بأسف وحسرة. وشيعناه أنا وكاتيا الى درجات الباب، ولبثنا في الحوش لحظة ننظر الى الطريق التي أخذ يبتعد فيها. حتى إذا غاب عن أسماعنا وقع حوافر الحصان الذي كان يركبه، رجعت الى الشرفة، وعدت أسرِّح بصري في البستان. فكنت في ضباب الندى، حيث سكنت ضجات الليل، ما أزال أرى وأسمع، خلال مدة طويلة، ما كنت أحب أن أرى وأن أسمع.

عاد إلينا سرجي ميخائيلوفتش مرة ثانية فثالثة، وزال الحرج الذي خلَّفه ذلك الحديث الغريب زوالاً تاماً ثم لم يتجدد أبداً. وظل سرجي ميخائيلوفتش يزورنا مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع طوال الصيف. فبلغت من تعودي عليه وألفتي له أنني صرت أحس بضيق إذا طال غيابه عنا. وكان يعاملني معاملة رفيقة شابة غالية، ويسائلني ويحضني على صراحة كاملة، ويسدي اليَّ نصائح، ويشجعني، وقد يؤاخذني أحياناً أو يحذرني. وأدركت رغم الجهد المستمر الذي كان يبذله من أجل أن يبقى في مستواي لا يتعداه، أدركت أن في نفسه عالماً بأسره لا يرى حاجة إلى إدخالي فيه. فكان ذلك يقوِّي ما أضمر له من احترام، ويجذبني إليه مزيداً من الجذب. وعلمت من كاتيا ومن بعض الجيران أنه عدا أمه العجوز التي كانت تعيش معه وكان يحيطها بأنواع المداراة والمراعاة، وعدا أعماله الخاصة ووصايته علينا، كان يتولى إدارة النبالة في المقاطعة، فيلقى في هذا العمل مصاعب ضخمة. أما عن رأيه في المسألة، وأما عن مشاريعه في المستقبل، وأما عن اقتناعاته وآماله، فإنني لم أستطع أن أعرف شيئاً في يوم من الأيام. فما أن أذكر شيئاً عن أعماله، حتى يبرطم برطمة خاصة به، كأنما هو يقول لي: «أرجوك، ما شأنك أنت وهذا؟»، ثم إذا هو يوجه الحديث الى موضوع آخر. وقد ساءني ذلك في أول الامر، لكنني ما لبثت أن وجدت أن من الطبيعي جداً أن لا يتكلم إلا في الشؤون التي تتصل بي أنا.

أمر آخر ساءني في البداية وحلا لي بعد ذلك، هو قلة اكتراثه بمظهري الجسمي، حتى ليكاد يزدري المظهر الجسمي ازدراء. فلا بنظرة من نظراته، ولا بكلمة من كلماته، أفهمني في يوم من الأيام أنني جميلة، حتى لقد كان يبرطم أو يضحك إذا قيل لي بحضوره إنني جميلة، بل كان يحب أن يجد فيَّ عيوباً وكان يحب أن يغيظني. أما أنواع التزين وتسريح الشعر التي كانت كاتيا تحب أن تجمّلني بها في المناسبات الكبرى فكانت لا تثير فيه إلا السخرية والتهكّم والاستهزاء، فكان ذلك يحزن مربيتي الطيبة الشهمة، كما أنه حيَّرني في أول الأمر. إن كاتيا، وقد قطعت بينها وبين نفسها بأنني أعجب سرجي ميخائيلوفتش، لم تستطع أن تفهم كيف لا يحب الرجل أن يرى المرأة الغالية على نفسه في أحلى زينة. أما أنا فسرعان ما أدركت ما كان يريد. كانت تضطرم في نفسه رغبة قوية في أن يؤمن بأنني مبرّأة من كل ميل الى الغندرة. فما أن أدركت ذلك حتى لم يبق بي أثر من آثار الغندرة، لا في ثيابي ولا في تسريحات شعري ولا في سلوكي. حتى لقد أسرفت في البساطة في مرحلة من العمر لم أكن قادرة على البساطة بعد. وكنت أعلم أنه يحبني، ولكنني لم أكن قد تساءلت بعد أهو يحبني كما تُحَبّ طفلة أم كما تُحَبّ امرأة.

كنت أقدّر هذا التعلّق بي، وأشعر بأنه يرى أنني خير فتاة على وجه الأرض، فكان كل ما أتمناه هو أن تدوم هذه الخديعة. وعلى غير إرادة مني كنت أغشّه. لكنني كنت وأنا أغشّه، أتحسَّن. أصبحت أفلح في التعبير عن الجوانب الجميلة من نفسي، لا من جسمي، تعبيراً أتمَّ وأصدق، بوقار أكبر وكرامة أعظم. بدا لي أن يديَّ ووجهي وحتى عاداتي - سواء أكانت حسنةً أم سيئة – قد قدَّرها هو منذ النظرة الأولى وصار يعرفها، فلا أستطيع أن أضيف الى مظهري الخارجي أي شيء إلا ويكون خداعاً. أما نفسي فهو يجهلها. ولأنه يحبها، ولأنها كانت في ذلك الأوان تتفتح وتنمو، فقد كان في إمكاني أن أغشّه في أمرها. ولم أحرم نفسي من ذلك. ما أعظم ما صارت علاقاتنا سهلة منذ أدركت تلك الحقيقة! اختفى ذلك الحرج الذي لا داعي اليه، وانقضى ذلك الارتباك في حركاتي انقضاءً تاماً. كنت أعلم أنه يعرفني كلي سواء أرآني من أمام أم رآني من جانب، سواء أرآني جالسةً أم رآني واقفة، سواء أكان شعري مرفوعاً أم كان شعري مسبلاً متموّجاً، وكان يبدو لي أنه راض عني معجب بي، كيفما كنت. أظن أنني ما كنت لأشعر بأي فرح لو خالف عاداته مرةً فقال لي، كما كان يفعل الآخرون، إن وجهي جميل. ولكن ما أعظم ما كنت أشعر به من بهجة حين أبدي ملاحظة أو أعبر عن فكرة، فاذا هو ينظر إليَّ ويقول لي بصوت متأثر يريد أن يضفي عليه طابع الهزل والمزاح:

Page 9

- نعم، نعم، «هناك ما يسوِّغ». انك لفتاة رائعة. وإني لحريص على أن أقول لك ذلك.

ولماذا كنت أنال تلك المكافآت التي كانت تملأ قلبي اعتزازاً وفرحاً؟ لانني أزعم مثلاً أنني أفهم حب جريجوار العجوز لابنته الصغيرة، أو لأنني أتأثر الى حد الدموع بأبيات من الشعر أو برواية من الروايات، أو لأنني أفضِّل موتسارت على شولهوف. وكنت أستغرب أنا نفسي تلك الغريزة الخارقة التي كانت تتيح لي أن أدرك ما هو حسن، وأن أحب ما يجب أن أحب، على حين أنني كنت أجهل كل الجهل ما هو حسن وما هو جدير بالاهتمام. كان جل عاداتي القديمة لا يرضيه، فكان يكفي أن يدلني بحركة من حاجبه، أو بنظرة من عينيه، أو بمط شفتيه مطاً يدل على شيء من الاشمئزاز، معبراً بذلك عن أنه لا يؤيد ما سوف أقول، كان يكفي هذا حتى يبدو لي فعلاً أن ما كنت أحبه قد أصبح لا يعجبني. وكان يتفق في بعض الأحيان أن يهمَّ بابداء ملاحظة من الملاحظات، فإذا أنا أعرف ما سيقوله من قبل أن يقوله. وكان حسبه أن يلقي عليَّ سؤالاً وأن ينظر الى عينيَّ، فاذا بنظرته توقظ في نفسي الفكرة التي يتوقعها هي نفسها. جميع أفكاري وجميع عواطفي حينذاك لم تكن أفكاري أنا وعواطفي أنا، وإنما هي أفكاره وعواطفه التي صارت أفكاري وعواطفي على حين فجأة، ونفذت الى حياتي فأضاءتها. ومن دون أن أشعر أصبحت أرى جميع الأمور رؤية جديدة، سواء أكانت تتصل بكاتيا، أم بخدمنا، أم بصونيا، أم بي وبمشاغلي. الكتب التي كنت حتى ذلك الحين لا أقرأها إلا دفعاً للضجر ومنعاً للسأم أصبحت فرحاً من أكبر أفراح حياتي، لا لشيء الا لأننا تبادلنا بعض الأحاديث عن الكتب، أو قرأناها معاً، أو جاءني ببعضها. قبل ذلك كانت الدروس التي أعطيها لصونيا التزاماً ثقيلاً ومهمة شاقة أقوم بها مضطرةً وأتولاها شعوراً مني بالواجب. فلما حضرها سرجي ميخائيلوفتش مرةً، أصبح التقدم الذي تحققه صونيا في دراستها فرحة كبرى لي. كان تعلم معزوفة موسيقية جديدة يبدو لي أمراً مستحيلاً، أما الآن فلعلمي بأنه سيسمع عزفي أصبحت أكرر التمرن على مقطع واحد أربعين مرة، حتى صارت المسكينة كاتيا تسد أذنيها بقطن. ولكني أثابر في غير كلل ولا ملل. وأصبح للسوناتات القديمة رنين آخر، أصبحت أعزفها عزفاً مختلفاً، عزفاً أحسن كثيراً. حتى كاتيا التي كنت أعرفها وكنت أحبها كنفسي تبدلت الآن في نظري. في ذلك الوقت انما أدركت أن لا شيء يجبرها على أن تخدمنا كأم وكصديقة وكخادمة، وأدركت كل ما تتصف به تلك الانسانة المحبة الودود من روح التضحية والبذل والاخلاص، وأدركت كل ما أنا مدينة لها به. فما زادني ذلك إلا حباً لها وتعلقاً بها. وإن سرجي ميخائيلوفتش أيضاً هو الذي علَّمني أن أنظر الى خدمنا وفلاحينا نظرةً جديدة تختلف عن نظرتي الأولى. كنت حتى ذلك الحين، أي حتى السابعة عشرة من عمري، أعيش بين هؤلاء الناس غريبةً عنهم، لا يجمعني بهم شيء سوى ما يجمعني بأناس لا أراهم ولا ألقاهم. ما من مرة خطر ببالي أن هذه المخلوقات تحب أو ترغب أو تتألم مثلي. وحديقتنا وغاباتنا وحقولنا التي أعرفها منذ زمن طويل صارت عندي جديدة رائعة. ولم يذهب سدى قول سرجي ميخائيلوفتش أن أكبر سعادة في هذه الحياة هي أن يعيش الانسان في سبيل غيره. لقد استغربت قوله هذا في حينه ولم أفهمه. ولكن هذه العقيدة تسللت الى قلبي من دون أن يتدخل في ذلك عقلي. كشف لي سرجي ميخائيلوفتش عن عالم كامل من الأفراح في الحاضر، من دون أن يبدِّل من حياتي شيئاً، ومن دون أن يضيف الى مشاعري كلها شيئاً الا نفسه. منذ طفولتي كان كل شيء حولي يبدو لي أخرس، والآن يكفي أن آراه حتى ينطق كل شيء بليغاً كل البلاغة، فينبجس في نفسي ألف شعور، ويفيض قلبي سعادة.

وكنت في ذلك أثناء الصيف أصعد الى غرفتي أحياناً كثيرة، وأستلقي على سريري، فلا أشعر بما كنت أشعر به في الربيع من قلق وغَمّ، وإنما تغزوني رغبات قوية وآمال مشرقة، وتستولي عليَّ سعادة الحاضر العارمة، فلا أستطيع أن أنام، فأنهض عن سريري، وأمضي أجلس على سرير كاتيا، فأقول لها إنني سعيدة كل السعادة، وهذا ما أحس أنها لم تكن بحاجة الى أن أقوله لها، لأنها كانت تستطيع أن تلاحظه من تلقاء نفسها، ولكنها كانت تقول إنها لا ترغب في شيء، وتؤكد أنها سعيدة جداً، وتقبّلني، وكنت أصدِّقها، وكان يبدو لي أنه لا بد أن يكون جميع الناس سعداء، وأن من العدل أن يكون جميع الناس سعداء. ولكن كاتيا كان من حقها أن تنام أيضاً، حتى لقد كان يتفق أن تتظاهر بالغضب فتطردني عن سريرها وتنام. أما أنا فآخذ أستعرض في سريري أسباب سعادتي. وقد أنهض أحياناً لأصلي، مرتجلة صلواتي، فأحمد الله على ما خصني به من سعادة عظيمة.

ويكون كل شيء في الغرفة صمتاً. فلا يُسمع فيها الا تنفس كاتيا هادئاً ساجياً، وصوت دقات الساعة الصغيرة المعلقة بالحائط. وألتفت، وأهمس بابتهالاتي، وأرسم شارة الصليب، أو أقبِّل الصليب الذي أحمله في عنقي. وتكون الأبواب موصدة، وتكون النوافذ مغلقةً مصاريعها، وتدندن ذبابة أو بعوضة. وأتمنى أن لا أترك هذه الغرفة أبداً. وأود أن لا يطلع الصبح، حتى لا يتبدد هذا الجو الذي يغمرني. وتتراءى لي أحلامي وخواطري وصلواتي أشبه بكائنات حية تهوِّم حول سريري أو تقف بجانبي. إن كل فكرة تخطر ببالي هي فكرة له، وان كل عاطفة أحسها هي عاطفة منه. وكنت أجهل حينذاك ما الحب، وكنت أظن أن هذا يمكن أن يبقى وأن يدوم، وأن هذا الشعور يوهب للانسان وهباً.

Page 10

- 3 -

في ذات يوم من أيام الحصاد ذهبنا الى الحديقة أنا وكاتيا وصونيا بعد الظهر، وجلسنا على دكتنا المفضَّلة في ظل أشجار الزيزفون التي تعلو الوادي ونطل منها على منظر الغابات والحقول. وكان سرجي ميخائيلوفتش قد غاب عنا ثلاثة أيام. لذلك كنا ننتظره في ذلك اليوم بعد الظهر، لا سيما وأن الوكيل أبلغنا أنه وعد بالمجيء لرؤية الحقول، ثم أبصرناه يصل الى حقل الشليم على صهوة حصانه في نحو الساعة الثانية فعلاً. أمرت كاتيا بأن يُحمل الينا درّاق وكرز، اذ كانت تعلم أنه يحبهما، ونظرت إليَّ مبتسمة، وتمددت على الدكة لتغفو. فانتزعت أنا غصناً معقوفاً من شجرة زيزفون، فابتلت يدي بعصارة أوراقه والقشرة، وأخذت أهوِّي على كاتيا، مستمرةً في قراءتي، ملقيةً على الطريق الذي سيسلكه سرجي ميخائيلوفتش نظرات متكررة. وكانت صونيا مكبة على عملها بقرب جذور شجرة كبيرة من أشجار الزيزفون، تبني للعبها عرزالاً. وكان النهار حاراً، ولا يزال الهواء ساكناً خانقاً، إنما كانت تتكاثف غيوم سود، وكانت العاصفة تهدد بالهبوب منذ الصباح، وكنت مضطربة كاضطرابي دائماً قبل هبوب العاصفة. ولكن الغيوم لم تلبث أن أخذت تتبعثر في الأفق، وعادت الشمس تظهر في سماء صافية، فكانت تُسمع أصوات رعد بعيدة، وعلى غيمة ثقيلة، جامدة عند الأفق، مختلطة بغبار الحقول، أخذت تتعرج بروق باهتة في أوقات متباعدة. أصبح واضحاً أن العاصفة ستفوتنا، في هذا النهار على الأقل. وفي أجزاء الطريق التي تُرى من الحديقة كانت تسير العربات، فتارةً تكون بطيئة ويكون لها صرير وتكون محمَّلة بحُزَمِ السنابل الى أعلاها، وتارة تجري في الاتجاه الآخر فارغةً، ترتجف فيها سيقان الفلاحين وتتموج فيها قمصانهم. وكان غبار كثيف يركد وراء السياج بين أوراق الأشجار الشفافة في البستان. وأبعد من ذلك، في جهة العنابر، يُسمع ضجيج الأصوات ذلك نفسه، وتُرى حزم السنابل الذهبية تلك نفسها متقدمةً على مهل في محاذاة السياج وكأنها تسير وحدها في السماء. وعلى مرأى مني تشيَّد البيادر في صورة إهليلج، وتبرز ذراها الحادة، ويتحرّك الفلاحون فوقها ويسعون. وفي أمام، على الحقل الأغبر، كانت تتقدم العربات أيضاً، وكانت تُرى حُزَم السنابل الذهبية كذلك، وكانت تسمع ضجة العجلات والأصوات والأغاني. فإذا نظرت الى طرف من أطراف الحقل رأيت الأرض تُعرّى شيئاً بعد شيء، ورأيت صفوف نبات الارطماسية العطرة يملأ الأخاديد. حتى اذا ملت ببصرك يمنةً الى تحت، على مرج محشوش، بانت لك الأثواب الزاهية التي تلبسها الحازمات، ورأيتهن يخفضن قاماتهن ويحركن أذرعهن، ورأيت المرج يتخذ شكلاً منظَّماً بينما الحزم ترتفع فيه غزيرة. فكأن الصيف يتحول أمام عينيَّ الى خريف. والحر والغبار يسودان كل مكان، إلا هذا الركن المفضَّل الذي نحن فيه من الحديقة. وجمهرة العاملين تتحرك وتصخب وتتكلم في كل جهة من الجهات وسط هذا الحر وهذا الغبار تحت شمس حارقة.

كانت كاتيا تغط غطيطاً رفيقاً لذيذاً تحت المنديل الابيض الذي سترت به وجهها فوق دكتنا التي يغمرها الظل. وكانت ثمرات الكرز السود الملأى بالعصارة تلتمع في الطبق. وكانت أثوابنا نضرة نظيفة. وكان الماء في الإبريق يلعب فرحاً تحت أشعة الشمس. وكنت أنا أشعر بسعادة كبيرة.

قلت أحدّث نفسي: «ما حيلتي؟ أي ذنب أجترح إذا كنت سعيدة؟ ولكن كيف أقاسم أحداً سعادتي؟ كيف ولمن أهب نفسي كلها مع سعادتي العظيمة؟».

غابت الشمس وراء ذرى أشجار البتول، وانبسط العجاج فوق الحقول، وأصبحت الأشياء البعيدة تبدو واضحة مزيداً من الوضوح في الضياء المائل، وانقشعت الغيوم انقشاعاً تاماً، وفي جهة العنابر، من خلال الحقول، أصبحت ترى ذرى ثلاثة بيادر جديدة نزل عنها الفلاحون وغادروها، والعربات وما يصاحبها من صياح مجلجل، تقوم بآخر رحلة في هذا اليوم. والنساء قد وضعت كل منهن أدواتها على كتفها، وعقدت أربطتها على خصرها وسارت في طريق العودة صادحةً بالغناء، ولكن سرجي ميخائيلوفتش لمَّا يجيء بعد، رغم أنني رأيته يهبط من الأكمة. وفيما كنت أنتظر إذا هو يظهر فجأة في ممر الأشجار، وقد أتى من جهة لم أكن أتوقع أن يأتي منها (إذ دار حول الوادي). وها هو ذا يقبل عليَّ بسرعة، متهلل الأسارير فرح الوجه جاعلاً قبعته بيده. لما رأى كاتيا نائمة عضَّ على شفتيه وأغمض عينيه وسار على رؤوس الأصابع. وسرعان ما لاحظت أنه كان في تلك الحالة من المرح الذي ليس له سبب ظاهر، والذي كنت أحبه كثيراً فيه، وكنا نسميه جميعاً باسم «السُّكْرِ المتوحّش». كان أشبه بتلميذ هارب من المدرسة، وكان كيانه كله، من الرأس الى القدمين، يشع هناءة وسعادة وحدةً كحدة المراهقين.

قال بصوت خافت وهو يتقدم مني ويصافحني:

- هيه... طاب يومك أيتها البنفسجة الفتية... كيف الصحة؟

ثم قال راداً على تحيتي:

- أوه... أنا صحتي رائعة. سني اليوم ثلاثة عشر عاماً. أشتهي أن ألعب لعبة النط على الظهور، وأن أتسلق الأشجار.

قلت له وأنا أنظر الى عينيه الضاحكتين وأحس بأن «سكره المتوحش» قد سرت إليَّ عدواه:

- أنت في ذروة «السُّكر المتوحش»، هه؟

فأجاب وهو يغمز بعينه ويحبس ابتسامة في فمه:

- نعم. ولكن لماذا تضربين أنف كاترين كارلوفنا؟

لم أكن قد لاحظت أنني وأنا ما أزال أحرك غصن الشجرة أثناء كلامي معه قد أسقطت المنديل عن وجه كاتيا ولمست وجهها بأوراقه. فأخذت أضحك. ودمدمت أقول همساً، كأنني أحب أن لا أوقظ كاتيا:

- ولسوف تزعم أنها لم تنم.