Page 1
الإهداء
أهدي كتيبي هذا إلى كل الأخوة الذين أقنعوني بفكرة التغيير والحصول على السعادة الشاملة من خلال تفريغ ثلاثة أيام من وقتي للتواجد في بيئة جديدة صالحة وصحبة صالحة والقيام بأعمال صالحة كانت نتيجتها حصولي على سعادة حقيقية أتمتع بها الآن.
وهذا اعتراف مني بفضلهم وجهدهم وصبرهم وحكمتهم في التعامل معي وإقناعي لأنني كنت من أشد المعارضين لهذه الفكرة حيث كنت أقول في نفسي وماذا عساها أن تفعل هذه الأيام الثلاثة وكيف سأكون سعيداً بعدها وأنا طوال سنين عديدة أبحث عن السعادة ولم أجدها ولكن وبعد التجربة وشعوري بسعادة غامرة أصبحت من أشد أنصارها وها أنا أدعو الآخرين لخوض هذه التجربة وأرجو أن يكونوا أقل معارضة لها مني.
Page 2
لماذا ألفت هذا الكتيب
أقول وباختصار شديد، لقد كنت إنساناً عادياً، عشت طفولة طبيعية وأنهيت دراستي الابتدائية والثانوية والجامعية الأولى بنجاح عادي، كنت لا أحب الاختلاط كثيراً بالآخرين وكان همي إسعاد نفسي، ودخلت معترك الحياة العملية بوظائف وأعمال متعددة ولم أشعر بتغير كبير في حياتي فعشت لنفسي ولم أكن أفكر كثيراً في الحقائق الجوهرية التي من ضمنها لماذا خُلِقنا، ولماذا نعيش ونموت، وماذا بعد الموت، وما الذي يتوجب علينا عمله في هذه الحياة، وما هي حقيقة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، حقائق كثيرة لم أكن أعيرها الاهتمام الكافي نتيجة لرتابة الحياة من عمل وأكل ونوم وتسلية وفراغ والأيام تمضي اليوم مثل الأمس، وغداً مثل اليوم ولا جديد تحت الشمس كما يقولون خاصة على صعيد الفكر والوعي وتغير هذا الفكر لدى الإنسان فالحياة أصبحت مجموعة عادات نمارسها دون تفكير، وكنت حريصاً على تغيير ملابسي بما يُناسب الموضة مثلاً وأُغير في نوعية وجبات طعامي ولكن الفكر عندي لم أستطع تغييره واستمرت هذه الحياة سنين عديدة.
وفجأة التقيت برجال لا هم لهم سوى التذكير بالحقائق الجوهرية التي لم أكن أُعيرها كبير اهتمام ودخلت معهم في نقاشٍ عميق ومستمر لعدة أشهر، وفي النهاية اقترحوا علي أن أفرغ من وقتي ثلاثة أيام وأن أخرج معهم واترك أسلوب حياتي التقليدي وأُجرب أسلوباً آخر في هذه الأيام الثلاثة وبعد عدة أشهرٍ أخرى وافقت على خوض التجربة، وكان قراراً صعباً جداً عليّ لأني سأترك طريقة حياتي وأسلوبي الذي تعودت عليه بتفاصيله الكثيرة، وبدأتُ التجربة وأنهيت الثلاثة أيام وكانت المفاجأة المذهلة التي لم أكن أتوقعها، حيث أصبحت إنساناً آخر تماماً وببساطة مطلقة أصبحت إنساناً سعيداً 100% بسبب تغير المكان ونوعية الناس الذين عشت معهم أثناء التجربة وكذلك طبيعة المعلومات المتجددة التي حصلت عليها، فأصبحت أعرف لماذا خُلِقت ولماذا أعيش ولماذا أموت، وماذا يريد خالقي مني بالتفصيل، وماذا يتوجب علي عمله في حياتي، وكيف أعيش يومي، لقد عرفت برنامج حياتي كاملاً، بتفاصيله الرائعة والدقيقة فعرفت أنني يجب أن أطبق قوانين خالقي تطبيقاً دقيقاً وبمحبة فائقة لهذا الخالق العظيم لأنه أوجدني من العدم، وأنعم علي بكل النعم التي أتمتع بها، وخلقني في أحسن تقويم، وسخّر الكون لخدمتي كإنسان وعرفت أيضاً أنني يجب أن أُذكّر الآخرين بعظمة هذا الخالق حتى يُحبوه كما أُحبه ويطيعوه كما أُطيعه ويطبقوا قوانينه في نهاية الأمر وفي هذا سعادتهم الحقيقية لأن سبب تعاسة البشرية في الماضي والحاضر إنما يرجع لعدم تطبيق قانون الخالق العظيم في حياتها، والنتيجة الحتمية لتطبيق قانون خالقي العظيم على نفسي أولاً والطلب من الآخرين بضرورة تطبيقه ثانياً، هي إصلاح نفسي وسعادتها وإصلاح الآخرين وسعادتهم أيضاً. وهذا العمل على بساطته وصعوبته في نفس الوقت كان عمل الرسل عليهم السلام الذين بعثهم الخالق العظيم للناس فطبّقوا قانونه على أنفُسهم أولاً وذكّروا الناس به فحصلت السعادة لمن أطاع الرسل عليهم السلام، وحصل الرافضون كذلك على التعاسة والهزيمة وهذا ما يثبته تاريخ البشرية من زمن آدم وحتى اليوم، ولأن الخالق العظيم ختم الرسالات السماوية برسالة الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام أي الذي لن يأتي بعده رسول لذا أصبح لزاماً على الناس من بعده أن يقوموا بعمل هذا الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يذكروا بعضهم بضرورة تطبيق قانون الخالق العظيم كلما تاهت البشرية وانحرفت عن الصراط المستقيم بتطبيقها لقانون البشر الذي فيه تعاستها كما أشرت من قبل. نعم عرفت كل هذا وأكثر لقد تأكدت أيضاً أن مستقبلي ليس فقط في هذه الدنيا بل إن هذا المستقبل الحقيقي إنما هو بعد الموت حيث الحياة الأبدية التي لا موت فيها وبالتالي لا بد من تطبيق قانون الخالق العظيم الذي يشمل الدنيا والحياة الآخرة أيضاً حيث المستقبل الحقيقي والسعادة الحقيقية، ولهذا كله وبعد تجربة الأيام الثلاثة أصبحت أهتم بنفسي وبالآخرين وشعرت بسعادة لم أتذوقها من قبل لأنها سعادة شاملة على نطاق الفكر والتطبيق ليس معها كآبة ولا ملل بل حيوية كاملة ومتجددة ¬على مدار الساعة والدقيقة بل والثواني أيضاً لأن سعادتي لا تفارقني وأكاد ألمسها وأتذوقها لأنها في كل تفاصيل حياتي وهي سعادة فوق الوصف وأعترف أنني عاجز عن وصفها على الرغم من أنني أكتب هذا الكتيب عنها. وكلي أمل يا من قرأتم هذا الكتيب أن تمروا بنفس تجربتي وتُفرغوا من وقتكم ثلاثة أيام وليكن ذلك سريعاً فأنتم على موعد مع السعادة الشاملة والتي ستعجزون عن وصفها للآخرين كما هو حالي معكم. هل تعرفون لماذا؟! لأن الكلام شيء والتذوق شيء آخر. وبمثال بسيط فعندما يُحدثك شخص عن نوع لذيذ من الطعام فمهما تكلم فلن يصل إلى مرحلة تذوقك له فعندما تتذوقه تصرخ وتقول: إنه ألذ مما وصفته لي، أعطني المزيد من فضلك، وعندما تقرروا خوض هذه التجربة مثلي وتحصلوا على سعادتكم المنشودة عندها فقط ستلومونني لأنني لم أنشر هذا الكتيب من قبل.
page 2
Page 3
لمن أوجه هذا الكُتيب
إنني أوجه هذا الكتيب:
1. إلى كل من يريد السعادة الشاملة ويبحث عنها.
2. إلى كل من يشعر بالقلق النفسي.
3. إلى كل من يشعر بالخواء الروحي.
4. إلى كل من يظن بعبثية الحياة.
5. إلى كل من يشعر بالعزلة رغم وجود مليارات البشر على كوكبنا الأرضي.
6. إلى كل من يرغب بالتعاون مع الآخرين.
7. إلى كل من يريد أن يُصبح إنساناً عالمياً من خلال الجهد والحوار والفكر العام والمتميز والواضح والشامل والحركة المستمرة.
8. وإلى كل من يرغب بتحقيق الغاية من وجوده على هذه الأرض.
9. وإلى الموظف الذي أحيل على التقاعد وأصبح يشكو من الفراغ والملل ولا يجد إلا شرفة البيت يجلس فيها وحيدا أو المقهى والشارع متنفسا له , أقول له قم بهذه التجربة لتحيا من جديد ويصبح التقاعد نعمة وسعادة بدل أن يكون يأسا وتعاسة.
10. وإلى كل من يشعر بالجهل خاصة بالأمور المتعلقة بالدين وأحكامه وغيرها من الأمور ويرغب في التعلم السريع من خلال علم الصحبة أي التعلم من خلال المشاركة مع الآخرين وبشكل عملي لأنك سترى كل ما تجهله مطبقا أمامك رأي العين وليس مجرد كلام نظري كما في المدرسة مثلا وستكون النتيجة أن تترسخ هذه العلوم من خلال التجربة العملية حيث لا حاجة لحفظها بالذاكرة لمجرد الحفظ لان التطبيق هو الهدف الأساسي من هذه المعلومات.
11. وأخيراً أوجه هذا الكتيب إلى كل من تراوده فكرة الانتحار وإنهاء وجوده وأقول له قم بهذه التجربة وأنا أضمن لك بعدها أنك لن تُقدم على الانتحار بل ستحب الحياة وستبدأ من جديد.
Page 4
المقدمة
أخي الإنسان قارئ هذا الكتيب رجلاً كنت أو امرأة، شاباً في مُقتبل العمر أو فتاة.
تحية طيبة وبعد،
هذا الكتيب ليس كبقية الكتب التي تناولت موضوع السعادة من النواحي النظرية فقط لأنه يضع برنامج عملي للحصول عليها لذا فهو يدعوك إلى أن تُفرغ من وقتك أياماً ثلاثة تحصل بعدها على سعادة حقيقية وباعترافك أنت وهذا تحدٍ كبير لم يُقدِم عليه احد فيما أعلم وبتكاليف لا تتعدى مصروفك الشخصي فما عليك إلا أن تقدم على هذه التجربة باستسلام تام كما يستسلم المريض للطبيب وبعدها أنت الذي سيحكم على هذه التجربة ولن تغش نفسك بالتأكيد.
وهذا الكتيب يشبه حبة الدواء سواء كانت حلوة أو مرة أو برقية مستعجلة تستوجب الرد السريع، لذا قد لا تجد في هذا الكتيب الصيغة الأدبية الرشيقة والخيال الأدبي ولا الحبكة القصصية الجذابة لأن الاهتمام فيه منصب على كيفية الحصول على السعادة بطريقة عملية.
وأنا متأكد من أن الكثيرين قد مروا بهذه التجربة ولا أبالغ إن قلت أن عددهم يُقدّر بالملايين من البشر وكانت نسبة النجاح لا تقل عن 99% فماذا تنتظر اعتبرها رحلة سياحية أو تطبيق عملي لفكرة جيدة، ألا تستحق سعادتك الشاملة وليست السعادة الجزئية التي هي موجودة في الكثير من تفاصيل حياتنا كالمأكل والمشرب والملبس وبقية الشهوات ولكنها لذة مؤقتة سرعان ما تنتهي ولكن السعادة الشاملة شيء آخر ألا تستحق هذه السعادة الشاملة منك أن تفرغ ثلاثة أيام؟!
القرار متروك لك فلا تتردد.
بعض ما قيل في السعادة
ويهمنا في هذا الكتيب
قالوا: السعادة هي رحلة طويلة وكاملة وليست مجرد محطة أو محطات في هذه الرحلة.
وقالوا: السعادة في العطاء وليس في الأخذ.
وقالوا: حتى تكون سعيداً يجب أن تعمل في عمل ذي هدف عظيم وأن تكون راضياً عن هذا العمل وأن تحبه أيضاً.
وللأسف لم يقولوا لنا ما هو هذا العمل العظيم وما هي تفاصيله وأرجو أن يكشف هذا الكتيب من خلال صفحاته القليلة عن طبيعة هذا العمل وبالتالي نحقق السعادة المطلوبة في حياتنا،
فتعال معي عزيزي القارئ لنبدأ في بحث موضوع السعادة من البداية وبالتفصيل.
Page 5
من منا لا يبحث عن السعادة؟!
من منا لا يفكر فيها؟!
من منا لا يستغرب صعوبة الوصول إليها بل واستحالة ذلك رغم التصور بأن بلوغها سهل وبسيط؟!
لماذا تهرب هذه السعادة كلما سرنا في أثرها نبحث عنها لنروي عطشنا الإنساني منها.
عندما تسال أحدهم أين تكمن السعادة؟ فمنهم من يقول في المال، وآخر في الشهوات، وآخر في الصحة، ورابع في الحرية أو الشهرة أو في الوظيفة العليا والمنصب الرفيع.
ولكن عندما تسمع غنياً يقول إن كل ما أعرفه أنني لست سعيداً ولم أعرف السعادة الحقيقية أبداً. عندها ألا ترى معي أن السعادة قد هربت من الدائرة المالية؟!
وعندما ترى صحيح الجسم غير قادر على أن يبتسم ألا يدل ذلك على أن السعادة غير موجودة في الدائرة الصحية بمفردها أيضاً؟!
وحين تشعر بالملل واضحاً بعد اللذة بأشكالها المتعددة هل يبقى شك في أن السعادة لا تكمن داخل هذه اللذات.
وهذه الحرية واختلاف الآراء لماذا لم توصلنا إلى هذه السعادة؟!
إن من ينظر إلى أحوال عالمنا بشكل عام يشك في أننا عقلاء أصلاً!!!
فالأفكار والبيئة والإنسان عرضة الآن للتلوث المعنوي والمادي.
أما عن أصحاب الوظائف العليا فهم سعداء من الخارج فقط!!
وفي داخل عالمنا الصغير – الأسرة- هل نجد سعادة حقيقية أم أن الخلافات الزوجية استطاعت وبجدارة أن تحوّل نعيم البيت الذي نحلم به جميعاً إلى جحيم حقيقي وليست نسبة الطلاق المرتفعة إلا من أبسط مظاهر هذا الجحيم.
أما ما يحدث قبل الطلاق وبعده فإنه خط إنتاج لمآسي إنسانية يندى لها الجبين تذوقنا بفضلها طعم التعاسة المر.
أحببت فقط من خلال السطور السابقة الإشارة ببساطة إلى وضع الإنسان من الناحية الواقعية لأنطلق بعد ذلك إلى إلقاء الضوء على الحل لهذه المشاكل والحصول بعد ذلك على السعادة المنشودة ويحق للقارئ أن يتساءل وكيف لك أيها الكاتب أن تدعي أنه بالإمكان الحصول على السعادة في ثلاثة أيام والعالم كله يلهث خلفها ولم يلحق بها؟! والجواب على ذلك وهو محور هذا الكتيب يكون بالتساؤلات التالية:
التساؤل الأول: أليست السعادة حالة من الرضا والسرور الشامل داخل النفس الإنسانية يجد له تعبيراً على الوجه بالإشراق الروحي وعلى الشفتين بابتسامة عريضة أو على الأقل كابتسامة لوجه الموناليزا الأقل عرضاً؟!ٍ
والتساؤل الثاني: أليست السعادة حالة من الفهم الكامل والمعرفة الكلية بكل ما له علاقة بالتساؤلات الأزلية وغيرها من التساؤلات؟!
من أين جئنا؟!
Page 6
ولماذا نعيش؟!
وإلى أين المصير؟!
والتساؤل الثالث: أليس كل نقص في هذه المعرفة الشاملة سيتسبب في نقص سعادتنا بل ربما تدميرها من الأساس.
والتساؤل الرابع: ألا يتوجب أن تكون السعادة من خلال برنامج حياتي عملي يعرف الإنسان من خلال تفاصيله الدقيقة ما له وما عليه وكذلك علاقته بالآخر أياً كان هذا الآخر فرداً أو مجتمعاً أو عالماً بأكمله أو ما بعد هذا العالم فالموت ميلاد لمرحلة جديدة لها علاقة بحياتنا الحالية.
والتساؤل الخامس: هل يستطيع الإنسان كمخلوق أن يُصلح نفسه بنفسه أو يُسعد نفسه بنفسه دون توجيه خارجي والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع ذلك وهذا ما يؤكده واقع عالمنا المفلس من الناحية الأخلاقية والملوث مادياً ومعنوياً، فالصنعة لا تصلح نفسها بل يصلحها الصانع والإنسان صنعة الخالق لا يُصلحه إلا من خَلَقه الذي يعلم بالقوانين التي تصلح هذه الصنعة؟!
والتساؤل السادس: أين الطريق إلى هذه السعادة حيث أننا لم نجدها في عزلة الفرد عن الآخرين وكذلك لم نجدها في الانغماس معهم حيث يكتوي الإنسان بنار التعامل اليومي مع هؤلاء الآخرين؟!
تساؤلات كثيرة قد لا تنتهي ويبقى الأهم أن نجيب على الغرض من هذا الكتيب وهو أين طريق السعادة وكيف نجدها وما هو برنامجها إن كان لها برنامج عملي وللإجابة عن هذا السؤال الصعب أقول يا أخي القارئ اسمح لي أن أضرب لك مثلاً تعرفه جيداً فأنت عند شراءك لأي جهاز لا بد أن يعطيك البائع " كتالوج" لهذا الجهاز، فإذا كان الإنسان يتعامل هكذا مع صنعته فكيف بالذي خلق وصنع هذا الإنسان ألا يتوجب أن يكون هناك "كتالوج" لصيانة هذا الإنسان من التعاسة والدمار من أجل سعادته في كل مراحل وجوده سواء في هذه الحياة أو ما بعد الموت.
والسؤال الذي يفرض نفسه أين هذا الكتالوج وكيف وصل إلينا وللإجابة عن هذا السؤال نقول: لأن الإنسان مخلوق فإنه يترتب على ذلك أمور في غاية الأهمية منها مثلاً:
أولاً:إنه لا يحق لهذا الإنسان أن يضع القوانين التي تحكم حياته إلا في أضيق الحدود والتي يسمح بها قانون الخالق العظيم ضمناً لأن وضع القوانين هو من شأن الخالق لهذا الإنسان وليس أدل على ذلك من إفلاس القوانين البشرية على مستوى الكرة الأرضية في إسعاد الإنسان حيث لا تعدو هذه القوانين أن تكون مشكلة حقيقية من حيث الإجراءات والتطبيق والتغير الدائم لعدم ملاءمتها للمستجدات الحياتية للإنسان، والنتيجة هي تعاسة الإنسانية كما نرى والسبب بسيط فالصنعة لا يصلحها إلا قانون الصانع والإنسان صنعة الخالق فكيف له أن يصلح نفسه بنفسه فما بالك بإسعادها؟!
ثانياً: أن الصانع الخالق لا بد أن يرسل رسلاً لهذا الإنسان يبينون له الطريق إلى سعادته بواسطة قوانين تصلحه وتسعده، لذلك قانون الخالق ضرورة لا بد منها وإرسال الرسل عليهم السلام ضرورة أيضاً ولقد شهد التاريخ فترات كان الإنسان فيها سعيداً وحراً يتمتع بالعدالة المطلقة وبرفاهية اقتصادية حقيقية وربما أن الكثير من الناس لا يعلمون ذلك لأن الإعلام العالمي مشغول بالشهوات والعنف والمطامح المادية ومهملاً لكل ما هو روحي وأخلاقي حتى أصبح الإنسان تعيساً بفضل هذه النظرة المادية الطاغية على جميع جوانب الحياة .
ثالثاً: ولأن الإنسان مخلوق فلا بد له من هدف ومقصد من وجوده فالأرض مثلاً تخدم النبات والنبات يخدم الحيوان والأرض والنبات والحيوان والسماء كذلك كلهم في خدمة الإنسان لأنه المخلوق الأرقى على هذه الأرض والسؤال المهم هو: هذا الإنسان في خدمة من إذاً؟؟
وما الغاية من وجوده على هذه الأرض وتحت هذه السماء؟
وللأسف فالإنسان بنفسه لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال. والجواب يجب أن يكون من الذي خلق هذا الإنسان. والجواب يتلخص في أن هذا الإنسان يجب أن يكون في خدمة الخالق وطاعته من خلال تطبيق قانون هذا الخالق العظيم أي افعل كذا ولا تفعل كذا أي يطيع أوامره ويجتنب نواهيه على مدار الأربع والعشرين ساعة يومياً وبذلك يكون الإنسان ضمن قواعد الكتالوج أي قانون الخالق العظيم وفي ذلك سعادته المطلقة وخير من طبق قوانين الخالق هم الرسل "عليهم السلام" الذين أحضروا لنا هذه القوانين ويترتب على ذلك نتيجة هامة جداً وهي أن هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام هم القدوة الحقيقية لنا وأن عمل هؤلاء الرسل"عليهم السلام" يجب أن يكون عملنا نحن كبشر أيضاً. والسؤال الآن هو: ما هو عمل هؤلاء الرسل"عليهم السلام" والجواب ببساطة هو تبليغ البشر برسالة السماء أي قوانين الخالق العظيم وضرورة تطبيقها وبذلك فهم يربطون الناس بخالقهم ويربطون الناس بعضهم ببعض فيصبح هدفهم مشتركاً وتقل خلافاتهم فيحب بعضهم بعضاً ويصبحوا أخوة كالأسرة الواحدة وتنتهي المشاكل من بينهم، ولكن الإنسان يميل دائماً إلى أن يطبق قانونه الخاص به لكي يلبي شهواته ورغبات نفسه. وللأسف الشديد فقوانين الإنسان اليوم هي المطبقة وقانون الخالق مهمل وهذا سر تعاسة البشرية الآن والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو أي قانون للخالق العظيم يجب أن نطبق لأن الرسل عليهم السلام الذين أرسلهم الخالق كثيرون؟ والجواب بسيط وهو أن آخر قانون للبشرية والمبلّغ لها من آخر رسول"عليه السلام" من الخالق يجب أن يطبق لأنه القانون الأخير ولأنه يتصف بالشمولية التي تناسب البشرية في قمة كمالها كما هو حاصل الآن، فبداية تَكَوُن البشرية عند وجود آدم وحواء وأولادهما يلزمها قانون يناسب هذه البداية أما عند اكتمال نضج البشرية فلا بد من قانون نهائي ليس بعده قانون ورسول أخير ليس بعده رسل وهذه إرادة الخالق وليس للإنسان رأي فيها.
وللذين يعترضون نضرب لهم هذا المثال البسيط افرض يا أخي أنك تعمل في شركة وأصدر مديرها قانوناً للموظفين ثم بعد سنة أصدر قانوناً آخر فهل سيقول الموظفون للمدير نحن لن نطبق هذا القانون الآخر لأنك أصدرت قانوناً قبله؟! والجواب لا طبعاً فكلهم سيلتزمون بالتعليمات الجديدة لمدير الشركة. إذا كنا هكذا نطيع البشر في قوانينهم فكيف بقانون خالق البشر؟!!
ما قلته سابقاً يمثل الإطار الفكري للسعادة وأجد لزاماً علي أن أتكلم عن الإطار العملي؟ والجواب هو الاقتراب من مضمون حياة الرسل "عليهم السلام" وكذلك من عملهم المتمثل بتبليغ الناس بقوانين خالقهم العظيم كما قلنا سابقاً بعد أن طبقوه على أنفسهم. وهذا يشكل أسس السعادة الحقيقية أي على الإنسان حتى يكون سعيداً أن يتخذ الرسل"عليهم السلام" قدوة له ويتشبه بهم قدر المستطاع في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم وكلامهم وعملهم وعبادتهم وفكرهم وهمومهم وبهذه الطريقة الشاملة في الحياة نكون قد مارسنا السعادة عملياً لا نظرياً. لذلك فالسعادة لها أربع أسس هي:
1. إيمان قوي بالخالق.
2. عمل صالح حسب قانون الخالق.
3. التذكير الدائم للآخرين بضرورة تطبيق هذا القانون من خلال صحبة صالحة.
4. الصبر على النتائج المترتبة على ذلك لأن هذه الأسس تخالف شهوات الإنسان ورغبات نفسه ولكي نتمرن على تطبيق هذه الأسس لا بد من وجود
1. بيئة إيمانية صالحة.
2. صحبة صالحة.
3. عمل صالح.
Page 7
والمقصود بالبيئة الإيمانية هو المكان المناسب فالذي يريد أن يصبح حداداً مثلاً يذهب للمحددة والنجار يذهب للمنجرة والذي يريد أن يزيد إيمانه ويصبح مؤمناً حقيقياً فإلى أين سيذهب؟! لا بد أنه سيذهب إلى بيت الله فهو البيئة المناسبة لزيادة الإيمان، والعمل الصالح لن يخرج عن كونه التطبيق الفعلي لحياة الرسل"عليهم السلام" لإصلاح مجتمعاتهم حسب قانون الخالق العظيم الذي هو مجموعة من القواعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هدفها إصلاح هذا الإنسان وإسعاده وتفاصيل هذه القواعد كثيرة جداً لا يتسع هذا الكتيب لشرحها وهذا هو مضمون التجربة التي أدعو الجميع إليها وبعد التمرن في هذه البيئة الإيمانية عملياً يصبح الإنسان قادراً على ممارسة حياته الفردية داخل أسرته ومجتمعه وعالمه بعد هذه التجربة الفريدة والمتميزة بطريقة أكثر إيجابية من قبل.
ولحسن الحظ فإن مثل هذه البيئة الإيمانية وصحبتها الصالحة والمقصود بالصحبة الصالحة هم الأفراد الذين قرروا أن يخوضوا تجربة الأيام الثلاثة معاً. هذه البيئة الإيمانية لحسن الحظ موجودة دائماً لكي نتمرن بداخلها على الاقتراب من حياة الرسل "عليهم السلام" وهي لن تكلف سوى المصروف الشخصي كما قلت سابقاً وهذا دليل على أن السعادة قد تتحصل عليها بلا ثمن ولكن الصعوبة تكمن في القرار بخوض التجربة وإذا ما اتخذت القرار فستتعرف على الآخرين وتناقشهم وتتشاور معهم وتعطي رأيك بحرية مطلقة فما أروع أن يشارك الإنسان الآخرين في عقولهم وفي داخل هذه البيئة الجديدة ستبدأ بالتخلي عن الصفات السيئة وما أكثر هذه الصفات لدينا كبشر فقد نتصف بالكبر والبخل أو الكسل أو الجبن أو سوء الظن بالآخرين أو الجهل أو الغرور أو سرعة الغضب .... الخ ولحسن الحظ فإن هذه البيئة الجديدة ستطرد كل هذه الصفات السيئة من خلال الصحبة الصالحة والعمل الصالح بسرعة عجيبة يخرج بعدها من يدخل هذه التجربة وكأنه إنسان جديد لأن التغيير الحقيقي لن يكون إلا بتغيير ما بداخل النفس الإنسانية من صفات سيئة ولنأخذ مثلاً صفتين وهما صفة البخل والأنانية فهما كفيلتان بوقف العجلة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع ولا يمكن علاج ذلك إذا لم توجد البيئة العملية للتغيير وكذلك الإرادة والرغبة في هذا التغيير فالكلام النظري لن يفيد كثيراً في عملية تغيير الإنسان للأفضل فإذا وُجِدت البيئة العملية والإرادة أصبح التغيير الشامل للفرد والمجتمع والعالم بغالبيته في متناول اليد. ورب قائل يقول إنّ هذا التغيير مستحيل والرد على ذلك نلخصه في الآتي:
1. إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
2. إن الشجرة العظيمة أصلها بذرة صغيرة.
3. إن الإنسان أصله حيوان منوي بسيط.
4. لذلك لا غرابة في أن تكون تجربة الثلاثة أيام هي بداية للتغيير الشامل على نطاق الفرد والمجتمع.
5. لنتذكر معاً قول الفيلسوف الإنجليزي برناردشوعندما قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة!!
والشواهد العملية للتجربة تؤكد ذلك فنسبة نجاحها كما قلت لا تقل عن 99% وبقدر ما سيحافظ الإنسان على أجواء هذه التجربة في حياته العادية بعد ذلك بقدر ما سيبقى سعيداً وكذلك فإن ذكريات هذه التجربة لن تُنسى أبداً. وأنا أقول هذا من خلال تجربتي الخاصة التي مضى عليها حتى الآن 16 سنة وكذلك من استطلاع آراء الآخرين الذين مروا بهذه التجربة، والسؤال الأهم الآن هو مع من سنخوض هذه التجربة والجواب هو مع هؤلاء الدعاة الذين يُقال لهم رجال الدعوة الذين يتواجدون في الكثير من دول العالم والآن عزيزي القارئ ما عليك إلا أن تخبر هؤلاء الدعاة برغبتك في الخروج معهم وإن لم ترهم شخصياً فاسأل عن أقرب " مركز لجماعة الدعوة والتبليغ" واذهب إليه واخبرهم برغبتك في الخروج معهم لمدة ثلاثة ايام وعلى الفور سيرتبون كل شيء لأنهم هم الوحيدون القادرون على إيجاد هذا البرنامج العملي للسعادة وستلتحق بالجماعة التي ستخرج معها لتبدأ رحلة السعادة الشاملة. وبالنسبة للنساء فالمرأة تخرج مع زوجها أو ابنها أو أخيها ضمن ترتيبات خاصة بالنساء وأرجو من الجميع رجالاً ونساءً سرعة القرار في خوض هذه التجربة مع تمنياتي للجميع بالسعادة الكاملة.
Page 8
بعـض أسـرار وخصـائص
دعـوة الرسـل وعملهـم عليهـم السـلام
لا بد لي من الاعتراف في بداية البحث في هذا الموضوع بأنه لا يمكن الإحاطة بكافة الأسرار والخصائص لدعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام لأنهم لم يختاروا أنفسهم لهذا العمل وإنما وقع الاختيار عليهم من الله سبحانه وتعالى لذلك فهناك الكثير من الأمور الغيبية التي اضطلع عليها الرسل عليهم السلام كحقائق مشاهدة بالنسبة لهم، أما بالنسبة لنا فهي مجرد خبر ومعلومات نقرؤها في بطون الكتب ومن الطبيعي أن يتأثر الإنسان بما يسمع ولكن تأثره بما يراه أكبر بكثير لذلك كان إيمان الرسل برسالتهم السماوية إيمان قائم على مشاهدات وظروف أخرى خاصة بهم نتيجة اختيار الخالق العظيم لهم وهو العالم والخبير بخصائص من سيحمل هذه الرسالة.
كان لا بد من هذه المقدمة البسيطة لهذا الموضوع والآن سألخص هذه الخصائص لدعوة الرسل عليهم السلام في النقاط التالية:
أولا: وضوح الرؤية أو الصورة أو المرجعية وكذلك الهدف وبسبب هذا الوضوح الشامل فما جاء به الرسل عليهم السلام يجيب على كل التساؤلات التي تخطر على بال الإنسان وهي كثيرة جدا كما أشرنا إلى ذلك من قبل ومن هذه التساؤلات مثلا لماذا أنا موجود، وما هو مصيري بعد الموت، وهل هناك حياة بعد الموت، وما هو المطلوب مني عمله في هذه الحياة، ولماذا كل هذا الوجود، ولماذا الموت أصلا..... الخ، تساؤلات لا نهاية لها فإن لم تكن الإجابة واضحة للإنسان فإنه سيتخبط وستكون النهاية دمارا وشقاء لأن الإنسان بدون هذا الوضوح في الرؤية سيتصرف حسب رغباته وشهواته ومصلحته الشخصية وبالتالي ستتضارب المصالح بين الأفراد والشعوب وتكون المشاكل والحروب وانعدام الأمن للإنسانية جمعاء.
وأبسط مثل على وضوح الرؤية التي جاء بها الرسل عليهم السلام هو التوحيد أي أنه لا اله إلا الله كعقيدة راسخة ثابتة للبشرية حتى قيام الساعة وهذه العقيدة تنفي تعدد الآلهة وبالتالي تنفي تعدد القوانين التي تحكم البشرية لأنه من البديهي أن يطبق قانون الخالق لا قانون المخلوق، كما نرى في عالمنا المعاصر وهذا الوضوح لا بد منه لكي تنهض البشرية وتسير على أسس واضحة وبسيطة ومنطقية ولا تتناقض من أبسط القواعد العقلية وحتى نفهم ضرورة الوضوح نقول إن الأرض ثابتة نتعامل على أساسها عندما نزرعها ونبني عليها والسماء والبحار والشمس والقمر كلها تسير على أسس وقوانين ثابتة ولذلك يسهل على الإنسان فهمها والتعامل معها، ولكن لو تغيرت هذه القوانين كل شهر أو كل أسبوع فكيف سنتعامل مع الأرض والسماء في ظل هذا التغير المستمر واغلب الظن أننا لن نستطيع عمل أي شيء له قيمة في ظل هذا التغير المستمر للقوانين من حولنا لذلك فالخطوة الأولى للبشرية جمعاء هي توحيد القانون الذي يجب أن تسير عليه وبالأساليب التي وضعها هذا الخالق العظيم والذي هو على كل شيء قدير والذي هو يحيي ويميت واليه ترجع الأمور أما ما نلاحظه اليوم فإن البشرية تسير في حياتها اليومية في جو من عدم الوضوح نظرا لتعدد الآلهة المعبودة من قبل الإنسان وبالتالي هناك تعدد للقوانين وتناقض فيما بينها وأصبح الإنسان لا يدري في أي اتجاه يسير نظرا لهذا التعقيد الغير مبرر بل أصبح الإنسان يعتبر نفسه إلها مصغرا لأنه يمارس وضع القوانين على حسب رغباته ومصالحه ونسي هذا الإنسان الضعيف والذي نهايته إلى زوال أن وضع القوانين هو من شأن الخالق وحده جل جلاله لأنه الخبير ولأنه بكل شيء عليم في مقابل هذا الإنسان الذي لا يعلم الكثير عما يحيط به من مخلوقات لا تعد ولا تحصى من حوله لذلك لا بد للبشرية كلها من أن تعيد حساباتها وترتب أولوياتها خصوصا من نقطة البداية هذه ألا وهي وضع القوانين التي يجب أن تطبق من خلال إيمان الإنسان بخالقه وكذلك إيمان الإنسان بوجوب وضرورة تطبيق قانون هذا الخالق العظيم.
بهذا الوضوح وبهذه البساطة يجب على الإنسانية كلها أن تبدأ الخطوة الأولى حتى تستطيع النهوض من جديد وتلغي كل القوانين الفاسدة التي تسبب عدم الوضوح في الوقت الحاضر وفي كل المجالات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية وأبسط دليل صارخ على ذلك أن الإنسان ما زال إلى ألان يطالب بالحرية والعدالة والمساواة وهي من أبسط الحقوق التي يأمر بها الخالق العظيم ولأن الإنسان طبق قوانين من صنع إنسان آخر ادعى لنفسه الحق في وضع القوانين فقد وصلت البشرية كلها إلى هذه النتيجة التي نراها اليوم في صورة ما نشاهده من ظلم واستبداد وقتل وفساد شامل في البر والبحر والجو.
لذلك فإن الحل للإنسانية جمعاء يكمن في الرجوع إلى نقطة البداية الصحيحة والتي لا بد منها ألا وهي إله واحد وقانون واحد ولحسن الحظ فإن هذا القانون موجود وبكل تفاصيله وما علينا إلا التطبيق بالرجوع إلى الرسالة الخاتمة لرسالات الأنبياء عليهم السلام والتي وصلتنا عن طريق الرسول الخاتم للرسل محمد عليه الصلاة والسلام.
Page 9
ثانيـا: إن كل ما جاء به الرسل عليهم السلام هو ليس من عند أنفسهم وإنما هم مبلغون عن الله عز وجل ومذكرون للناس به ومبشرون ومنذرون وبالتالي هم دعاة إلى الله سبحانه وتعالى وليسوا دعاة إلى أنفسهم وإلا لأصبحوا بذلك آلهة وليسوا رسلا.
ثالثـا: إن الرسل ليهم السلام استخدموا في نشر وإبلاغ دعوتهم إلى الناس أعظم وسيلة اتصال تأثيرا في العالم وحتى أيامنا هذه وهي وسيلة الاتصال الشخصي وهذا ما أثبته العلم الحديث لم في لغة الجسد من تأثير قوي على المدعو ألا وهو الإنسان المستهدف بهذا الاتصال الشخصي وقد يقول قائل بأن التلفاز أكثر تأثيرا أو الكتاب أو الرسالة ولكن بكبسة زر أستطيع أن أغير المحطة التلفزيونية إلى محطة أخرى أو أن أغلق التلفاز ولكن لا يستطيع الإنسان المدعو أن يغير أو يخرس الإنسان الذي يتكلم معه وجها لوجه أو أن يمنع التأثير الذي يحدثه ذلك المتكلم وهذا سر كبير من أسرار عمل الأنبياء والرسل عليهم السلام في نشر دعوتهم لأن المدعو يصبح مكشوفا بالنسبة للداعي وغالبا ما يظهر حقيقة موقفه النهائي بالموافقة أو الرفض أثناء المقابلة الشخصية وبالتالي تتضح الصورة تماما بالنسبة للداعي وهذا هو المطلوب تماما لمعرفة العدو من الصديق في نهاية الأمر.
رابعـا: ومن ضمن ما جاء به الرسل عليهم السلام هو غذاء الروح لهذا الإنسان فليس بالخبز وحده يحيا هذا المخلوق البشري الذي هو سيد المخلوقات في هذا الكون، وغذاء الروح هذا هو ما عجزت عن تقديمه كل النظم البشرية القديمة والحديثة كالرأسمالية المتوحشة في صورتها الأخيرة أو في صورتها الأولى الأقل وحشية وكذلك عجزت عنه الشيوعية أو الاشتراكية وما إلى ذلك من مسميات بشرية مزخرفة ومغرورة بل إن هناك من يقول بأنه ليس هناك شيء اسمه اشتراكية بل رأسمالية الدولة في ما كان يسمى بالمعسكر الشيوعي أو الشرقي ورأسمالية الفرد في المعسكر الغربي وحتى في الجانب الاقتصادي فإذا كان هناك نجاح في جانب الإنتاج فهناك بالمقابل فشل في عدالة التوزيع وكانت النتيجة كما عبر عنها أحد الفلاسفة الساخرين في النكتة الشهيرة عندما سئل عن رأيه في الرأسمالية فقال هي إنسان يظلم إنسان ولما سئل عن رأيه في الاشتراكية فقال هي عكس ذلك تماما...!! حقا إنها نكتة جميلة.
لذا فقد جاء الرسل عليهم السلام بالمبدأ المتوازن الذي يؤدي إلى الرفاهية الاقتصادية القائمة على عدالة التوزيع وإنتاج متوازن يناسب الحاجة وكذلك جاءوا بالرفاهية الروحية إن جاز هذا التعبير لجعل الإنسان أكثر سعادة في نهاية المطاف من خلال تعاليم إلهية محكمة وفي كل المجالات سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وغير ذلك من الأمور لأن التركيز على الجانب الاقتصادي وإهمال الأمور الأخرى للإنسان لن يحقق في نهاية الأمر سوى الفشل الذريع للإنسانية فكيف سينجح الاقتصاد في ظل الفساد وعدم العدالة، وغياب الحرية الحقيقية للفرد وكذلك غياب الوضوح للإنسان في كل ما يتعلق بوجوده وحاضره ومستقبله في الدنيا وبعد الموت أيضا لهذا كله ليس غريبا أن نرى اهتمام العالم كله بالمبادئ الاقتصادية للنبي الخاتم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليقيم على أساسها اقتصادا عالميا جديدا يمزج بين غذاء الجسد وغذاء الروح حتى يحصل الإنسان على السعادة في النهاية وهذا لن يحصل من خلال مبادئ اقتصادية تتصف بالجشع المطلق القائم على الأنانية ومصلحة الفرد فقط من خلال ما يسمى بالفائدة البنكية على رأس المال بل يقوم على أساس المشاركة ومصلحة المجتمع بشكل عام وهذا لن يكون إلا بإتباع قوانين الخالق التي تأخذ بعين الاعتبار جميع متطلبات الإنسان المادية والروحية في حاضر الإنسان ومستقبله القريب والبعيد حتى نتجنب ما نعانيه من أزمات اقتصادية وسياسية مدمرة بسبب تطبيق قوانين إنسانية عاجزة أثبتت التجارب قصر نظرها وفشلها في نهاية المطاف وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن الإنسان كمخلوق لا يستطيع أن يضع القوانين الأفضل لنفسه لان وضع هذه القوانين من شأن الخالق عز وجل فقط.
خامسـا: لقد أولى الرسل والأنبياء عليهم السلام اليوم الآخر أي يوم القيامة ويوم الدين حيث يحاسب الإنسان على كل أعماله، اهتماما كبيرا حتى يترسخ في نفس الإنسان وعقله بأنه محاسب على كل صغيرة وكبيرة يعملها وبذلك يتشكل لديه جهاز رقابة ذاتي ليتحكم في كل تصرفاته وهذا أمر في غاية الأهمية لأنه يمنعه من السير خلف شهواته الجامحة واللا محدودة وهوى نفسه ولولا جهاز الرقابة الداخلي هذا لفسدت الحياة تماما كالسيارة التي لا يوجد فيها مكابح للسرعة فما قيمتها في المنحدرات والسير السريع لذلك فالإنسان الذي لا يؤمن باليوم الآخر والحساب والعقاب هو إنسان متفلت من كل قيد وبالتالي فهو يشكل خطورة واضحة على نفسه وعلى المجتمع ودعوة الرسل عليهم السلام إنما جاءت للمحافظة على هذا الإنسان وهذا المجتمع.
سادسـا: إن جوهر دعوة الرسل عليهم السلام إنما هي رحمة للعالمين والعالمين جمع عالم فهناك عالم الإنس وعالم الجن وعالم الطير والحيوان والنبات....الخ، وجوهر الرحمة إنما هو المنهج الإلهي للبشر أي القوانين التي يجب أن يسير عليها هذا الإنسان في حياته الدنيا فمن رحمة الخالق بنا فقد أرسل إلينا هذه القوانين بواسطة الرسل عليهم السلام ليريحنا من عناء إيجاد وصياغة هذه القوانين لأن عقولنا البشرية لن تستطيع وضع قوانين شاملة للإنسان بحيث تغطي جميع جوانب قضاياه في هذه الحياة الدنيا وما بعد الموت لأن مرحلة ما بعد للموت هي مرحلة غيبية فكيف نضع لها القوانين ونحن لا تعلم الغيب وواقع البشرية الآن يثبت أننا عاجزون عن وضع قوانين مناسبة في هذه الحياة الدنيا ويبدو هذا واضحا من خلال طبيعة القوانين التي بين أيدينا حاليا أو من خلال إجراءات تطبيقها وهذا يدل على ضعف جهاز الرقابة الذاتية لدينا كنتيجة لعدم وجود الإيمان الحقيقي بالخالق العظيم ومنهجه منذ البداية وبالتالي عدم أخذ قوانين الخالق سبحانه وتعالى بعين الاعتبار مما ترتب عليه فساد أحوالنا في الدنيا كما هو واقع البشرية هذه الأيام وكذلك خسارتنا لحياتنا بعد الموت.
هذا كله تتجلى رحمة الله الخالق العظيم لهذا الإنسان بأن أرسل إليه القوانين الشاملة والمناسبة والتي تريحه من كل تعب وكأنه يقول لهذا الإنسان هذه هي القوانين وما عليك ألا أن تطبقها لكي تكون سعيداً في الدنيا والآخرة، وها هم الرسل عليهم السلام سيعلمونك كيفية تطبيقها أيضا.
وشمولية هذه القوانين تتجلى في رسالة الرسول الخاتم للرسل محمد بن عبد الله عليه السلام لأن البشرية قد اكتمل نضجها والدليل على صحة هذا القول أن أحد المفكرين وهو "مايكل هارت" عندما قرر أن يختار أعظم مئة إنسان من بين البشر على مر العصور وأن يختار من بينهم الأعظم في تاريخ البشرية كلها فقد وقع اختياره على الرسول محمد بن عبد الله عليه السلام نظرا لعظمة القوانين والمبادئ التي جاء بها وكذلك عظمة التأثير الذي أحدثته وضخامة النقلة النوعية في تاريخ البشرية مع الأخذ بالاعتبار سرعة وسماحة هذا الانجاز وسمو هذا التغيير وروعته فهل هذا الاختيار كان صدفة أو لا قيمة له أم أنه يعبر عن الحقيقة الساطعة بان ما جاء به هذا الرسول العظيم هو ببساطة قانون الله الخالق سبحانه للبشرية جمعاء ومع ذلك فإن القسم الأعظم من هذه البشرية ما زال يغض الطرف عن رسالة هذا النبي العظيم مع اعتراف العلماء بأن البشرية ستركع يوما ما أمام هذه القوانين لتطبقها لا لتمدحها وتثني عليها فقط ولعل انتباه الإنسانية بأكملها إلى الجانب الاقتصادي في رسالة محمد عليه السلام في ظل الأزمة الاقتصادية الأخيرة كما أشرت سابقا في هذا الكتيب أن يكون البداية للانتباه إلى كافة الجوانب من هذا الرسالة الخالدة والصالحة لكل زمان ومكان لأنها رسالة الخالق العظيم ولأن تطبيق الجزء لا يغني عن تطبيق الكل وللأسف فإن هذا يغيب عن بال علماء الاقتصاد عندما يتصدون لحل المشكلة الاقتصادية لأن علاقة الاقتصاد بالنواحي الاجتماعية والسياسية وكذلك الجوانب الروحية علاقة قوية جدا لا بد من أخذها بعين الاعتبار إذا أردنا حل المشكلة الاقتصادية عالميا ومن جذورها.