eKtab
EN ع
الساحلية
Read free sample

الساحلية

by جمال الخياط

Page 1
الحكاية
 
هذه حكايتك الرمادية··
 
هذه معجزتك الممتدة سنينَ عجافاً··
 
هذه شائعتك التي روجت لطغيانها في ساعة محمومة بالشوق وموصومة بالتعب والجدال··
 
هي فعلاً حكايتك السمراء التي لن يصدقها بشر غيري· سوف ننسحب - أنا وأنتِ - تاركَين للحكاية السفيهة حرية الثرثرة وهوس الغثيان· سنراقب صخب غرائزنا المجنونة وتوتر عقولنا لانحرافات القلب، والمخبوء المبهر من شتى الأجناس·
 
هذه حكايتك المجنونة· لنتفق أولاً على أننا لا نهلوس وعلى ضرورة أن ينصت أحدنا للآخر بمنتهى الاهتمام· لنتفق قبل فوات الأوان، قبل أن يجيء وقت عصيب لا ينفع فيه الندم، ذلك قبل أن تلوث كلمــة النهايــة السوداء المساحة الشاسعة من بياض الشاشــة·
 
هي النهاية التي نترقبها أنا، وأنتِ، وشخصيات الحكاية المعروفون منهم والمجهولون، وجمهور الزمن الأغبياء، وصفوة رجال التاريخ، وكتب المعجزات، والإنس، ومعشر الفقراء، والبحارون المعوزون، والمضربون عن التاريخ من العمال والطلاب، والفاشلون في أعمالهم، والمراهقون الجدد الواقعون في شباك القلب، والمتأزمون في حياتهـــم التــي يحسونهــا تافهــة، والخريجون الكثيرون الذين وجدوا أنفسهم فجأة بعيداً عن آمالهم، وأتباع لا يُحصون عدداً أرادوا أن يكونوا بمحض إرادتهم الجزء الفضولي الفاتر من الحكاية الرماديــــة·
 
هي الحكاية التي تخصنا كلانا··
 
الحكاية السرمدية التي لا تجوز ملكيتها لأي طرف· هي قصتنا التي تؤرقنا· ما رأيكِ لو نتركها دون حسيب أو رقيب تعربد كيفما تشاء لعلنا نصحو معاً من غيبوبتنا الطويلة ونغادر الدوامة المخيفة سالمين· وحتى ذلك الوقت - النهاية - لنتفق بأن الحكاية مجرد أكذوبة·· أو حلمٌ مُزعج·
 
هذا ليس أسلوب خداع··
 
إنها قواعد اللعبة··
Page 2
الإمبراطورة
 
الظلام سيد الأشياء··
 
ظلام الليل هو سيد الحقيقة، وعندما يهبط من عربته السماوية المتلألئة يستل سهماً نارياً ثم يشعله بالخوف المسموم ويصوبه نحو قلبي بدقة· ويمضي القاتم يمارس طقوسه الروتينية متلذذاً بابتلاع نتف شمسية هاربة من سطوته· منذ صغري وهو يمارس لعبته القذرة معي· أدمنا اللعبة سوياً ومع ذلك لم نملها، وهذا شيء مذهل·
 
الخوف من الظلام··
 
من يصدق هراءً معتقاً كالذي يستبيح ذاكرتي· من يصدق أن فحلاً مثلي، وقد تخطى حاجز الثلاثين من عمره، ما يزال يخاف من الظلام كما لو أنه يكتشفه لأول مرة· ما أعاني منه ليس قلقاً على الإطلاق أو حالة مرضية خلقتها وساوس احتلت الدماغ وباتت تسرح في حقوله الخصبة تلون مشاهد مرعبة ومبعثرة·
 
أنا مرتعبٌ من مشاهد حقيقية تلاحقني عندما يخيم الظلام· عفواً·· لأكن صادقاً معكم وأعترف بأن المشاهد لا تلاحقني وإنما أنا من ينساق خلف رعبها، واضعاً نفسي الضعيفة وجهاً لوجه أمام بهرجتها· في الظلمة اللعينة تطفو المشاهد كجثث متعفنة، وتحلو الإثارة فتغدو إدماناً قسرياً وشركاً لا فكاك منه· وحدها الظلمة من تهيئ خشبة نموذجية لتلك المرأة التي تنتظر قدومي عندما يحل الظلام·
 
عندما يحل الظلام تظهر تلك المرأة، جالسة كإمبراطورة على الكرسي المهترئ بكامل زينتها واضعة ساقها اليمنى على اليسرى بكبرياء وهي تحدق باتجاهي وكأنها تستجدي اقتراباً· من حقي أيتها الغامضة أن أبخل عليك بهذا الاقتراب الذي قد يكون ثمنه غالياً فأنا لا أعرفك، والتجارب علمتني أن أتجنب مكر النساء وملاطفة الغرباء مهما كانت المغريات شهية·
 
لا أستطيع أن أتبين وجهك الذي تغلفه الظلمة فجبني يترصد خطواتي· أعذريني يا امرأة الليل الجميلة على تمنعي؛ فأنا لا أعرفك ولا أتذكر بأنه سبق أن التقيت مع امرأة في حياتي تحمل ملامحك الطفولية الفاتنة· أعترف أنني أسأت الظن بك في البداية· ساورني شكٌ محموم فظننتك جنية تعلقت في حبال هواي الإنسية· لم تكوني موضع طمأنينة في البداية· مثلما أخشى الظلام أخشى أيضاً الجنيات· لست متأكداً من أنك المرأة التي قضيت جلَّ حياتي أبحث عنها·· المرأة التي خسرت فترة مراهقتي بسبب التفكير في لقياها·· المرأة التي هجرت حياتي فجأة وتركتني لغزاً مثيراً للكثيرين من حولي· المرأة الوحيدة التي أحبها بصدق·
 
يا امرأة الليل البديعة لا تتوقعي أن أسلمك نفسي ببساطة· يا امرأة الظلام لا تنتظري أن أقدم لك ولائي في العتمة التي أخشاها حتى الموت· يا امرأة الليل هذه العتمة حاجز لن يجمعنا فلا تنتظري المستحيل من أجل مبايعة خاسرة·
Page 3
جالسة كإمبراطورة··
 
معتدة بجلالها وهي متربعة على الكرسي الخشبي المهترئ، تغلفها هالة شديدة الضياء تفضح قبح المكان من حولها بينما تحافظ على عتمة جسدها· مكانك لا يليق بأميرة مثلك· هذا المكان المتعفن يليق بالكلاب الضالة وحليفاتها الفئران العمياء· أستغرب كيف تتربعين بكامل زينتك على كرسي حقير لا يناسب هيبتك، وحضورك الموقر لهذه الخرابة النتنة لن يفلح البتة في اصطياد شاب يكاد قلبه يتوقف من شدة الخوف·
 
·· وأترك للسؤال حرية أن يصفعني كي أستفيق:"ماذا تفعل أميرة فاتنة في خرابة؟"
 
في المساءات المعتمة فقط تتزين وتتربع على عرشها لتستقبلني وأنا قادم إلى منزل العائلة الموغل في أزقة حي سيادي· أتغافل عن الرطوبة الخانقة ووحشة المكان والعتمة ونباح الكلاب الضالة، وأفكر طوال الطريق في تلك المرأة التي يبدو أنها عشقتني·
 
وحدي من يشاهدها··
 
وحدي من يقدس هيبتها··
 
وحدي من يكن لحضرتها كل التبجيل والاحترام··
 
ماذا تريد مني إمبراطورة الليل؟ سؤال قاتل يؤرقني كلما قضمت العتمة مؤخرة النهار·
 
لا بد لصمتي المشين من نهاية· من غير المعقول أن تظل المشاهد الزاهية حبيسة جمجمتي· ليس الحديث عنها ما يشغلني· ما يهمني في الحقيقة أن يرى الغير إمبرطورتي المبجلة وينبهروا بها مثلي، ويصدقوا ما يرونه بأعينهم الجاحظة، وأن يجروا أكواماً بشرية أخرى لتشاهد مراسيم تنصيب إمبراطورة الليل· عندها فقط سأرتاح، وفي تلك اللحظة النورانية الجليلة سأفكر في الخطوة القادمة·
 
ولكن أليس ما أطلبه وأتمناه حلماً بعيد المنال؟ يقيناً هو كابوس يؤرق الذاكرة ولا يتحقق· لا أدري؟ ولكنني حتماً سأصاب بالحمى والهذيان إذا استمرت المشاهد آخذة بحرارتها المتصاعدة·
 
آه·· وحدي من ينطحن في همٍّ أرَّق إمبراطورة الليل.
 
الغريب أنه لا أثر لها عندما تُزَف الشمس إلى النهار في موكب نورانيٍّ بهي· يبقى الكرسي وحيداً وساخناً، بائساً بين كومة الحجارة ونثار العلب المعدنية الفارغة· تنوع فريد من علب التونة، البيرة، الأجبان، والمشروبات الغازية· وحيداً بين مخلفات الثياب القديمة وقطع الزجاج المكسور وبقايا أعواد الثقاب والسجائر· لا بد لهذه الإمبراطورة غريبة الأطوار من عرش آخر، عرش نهاري بهيج يستأهل فتنتها الآسرة تتربع عليه في عالم بعيد· لا أدري لماذا لا ترغب أن أراه؟ سؤال جديد بزغ للتو لن أجد له جواباً بالتأكيد· هناك حتماً ضحية تتخبط في غثيانها على شاكلتي تمتحن الأسئلة وترجع خائبة مع كل محاولة·
 
يغريني هذا الكرسي الحقير بالاقتراب لكنني لا أتحمس بما فيه الكفاية· أظل محتفظاً بمنطقة آمنة تضمن سلامة عودتي· المدهش أن هناك منطقة دائرية نظيفة جداً من الرمال الصفراء الناعمة حول الكرسي لمسافة ذراع·· وثمة أثر واضح للماء في طور تبخره الأخير حول الحلقة من الخارج، ودخان باهت يحاول التملص من عينيَّ الفضوليتين، أغلب الظن أنه رافق هروب الإمبراطورة الليلية·
Page 4
أخذت أتساءل··
 
هل ما شاهدته من بصمات وأدلة هي بقايا تنصيبٍ ملكيٍّ مبجل أم هي طقوس الرحيل إلى بقعة بعيدة، عصية على الذاكرة التي لم تعد بكراً ؟ صحيح أن جسدها يغيب عن المكان ولكن رائحتها اللزجة تشاكس عفن الخرابة·
 
أخاف أن تخطفني إلى مملكتها السماوية· تستطيع أن تفعلها وهي متربعة على كرسيها السحري· أخاف أن تنتقم مني وتعاقبني بسبب ترددي في قبول دعوتها المريبة· وكطفلٍ صغير تبولت في ثيابي من غير شعور· اكتشفت أن الخرابة تحولت إلى جهنم مصغرة· تيقنت بأن الإمبراطورة غاضبة وفي طريقها الحتمي للانتقام· تخيلتها تستلُّ جسدي وتحرقه ثم تعيده فحمة هشة·
 
هرولت كما لم أهرول في حياتي قط·· مثلما كنت أفعل في طفولتي·· رافعاً ثوبي وعقده حول خاصرتي·· تاركاً العنان لساقيّ كي تسابقا الريح· ركضت بجنون المسافة القصيرة حتى بيت العائلة· طلتي المروعة فضّت اجتماع العائلة الإسبوعي· كلهم موجودون، الإخوة، الأخوال والخالات، يجترون خلافاتهم في جلسة مسائية مملة· انبهروا وهم يشاهدونني لأول مرة في حالة مجنونة يرثى لها· لا أدري ماذا حدث بعد ذلك؛ فقد فقدت الشعور بالزمان والمكان وسقطت مغشياً علي·
 
تلك الحادثة لم تكن البداية· لم أجرؤ على إخبارهم بالحقيقة ليقيني بأنهم لن يصدقوا حكايتي· كلمة واحدة وسأجدهم يودعونني- دون أدنى تردد - مصحة الأمراض العقلية· أعرفهم جيداً ولست بجاهلٍ عن شعور بعضهم تجاه بعض، وتجاهي خاصة·
 
تظاهرت بفقد الوعي لكي أفكر في سبب آخر غير الحقيقة يقشع غيم المفاجأة المذهلة عن قلوبهم الحاقدة· كنت، رغم همي، أحاول الهروب من خلق مشكلة جديدة تضاف إلى قائمة متاعبي معهم، ويجب علي أن أنجح هذه المرة حتى لا تتضاعف مصيبتي· أخيراً وجدتها في خوفي المعتق من الكلاب· هذا هو الحل·· هربت من أنياب أحدهم· سأدعي بأنه دهمني في أول الزقاق وهربت منه بالكاد ولم يتركني إلا في آخر لحظة ليلحق بقطة شيرازية سمعها تموء بشهوانية· أعرف جيداً بأنه عذر سخيف سيكشف أخي الأكبر هشاشته عندما ينظر مباشرة في عيني، كما يفعل دائماً عندما يريد التأكد من صحة أقوالي بعد عراك في الحي أو تأخير عن موعد العودة المدرسية أو المسائية للبيت·
 
أصبحت في حالة تتأرجح بين الصحو والغيبوبة· أنظر إلى الجماعة وهم يتفحصون جسدي بتمعن· أيقظوني بصعوبة بعد أن وضعوا تحت أنفي قطعة قطنية مبللة بعطر نسائي رخيص تتطيب به أمي بعد خروجها من المطبخ·
 
كانوا حولي يشكلون دائرة خانقة، أمي الخائفة على حالي، وأبي الحانق على ضعفي، وإخوتي المتفاوتو المشاعر بين قلقهم على حالي وعدم مبالاتهم، وامرأتان من الجيران هرعتا في الحال عندماأطلقت أمي عويلاً انتحارياً أشبه بنعي الموتى لحظة سقوطي·
 
كنت خائفاً من التبريرات، لذلك اكتفيت بالصمت ورحت أحدق فيهم بتوتر· كانوا يتكلمون بانزعاج يشتت ما بقي في ذهني من بقايا الحلم / الوهم· إشتدت نبرة أصواتهم حتى وصلت لدرجة الصراخ الشديد بحيث أفقدني حاسة السمع بعد ذلك· أرى شفاههم تقذف كلمات صارخة لكنها لا تخترق طبلة الأذن·
 
أحسست بإمبراطورة الليل ترفرف فوق رؤوس الجميع· عندما اتسعت الدائرة من حولي، نظرت إلى السماء فوجدتها تتربع متكئة بيد على كرسيها الطائر في الهواء، وتحرك باليد الأخرى مروحة يدوية مذهبة صوب وجهي· أحسست بهواء بارد له فعل الطمأنينة في قلبي· كانت تأمرني بالإشارة أن أطبق فمي وأصمت· كان ذلك مستحيلاً على المدى الطويل· ثم قدرت هي على هذا المستحيل بأن أنزلت يديها المطاطيتين وسكبت سائلاً لزجاً في فمي يضاهي برودة المروحة ليهدئ من روعي· سمعتهم يحمدون الله على سكينتي· نظرت إلى السماء مجدداً فرأيت إمبراطورة الليل وهي تستعد لطقوس الرحيل المقيت·
 
·· ليتهم ينظرون معي
 
·· استدرجتهم
 
استدرجت الأغبياء لمصيدتي وجعلتهم يصوبون نظراتهم إلى السماء، تماماً حيث أنظر ويستغربون· أيقنت بأنهم من فئة المغضوب عليهم ولا يستطيعون رؤيتها مثلي· تركوني وشأني لدرجة أن أحداً منهم - على كثرة عددهم - لم يتطوع ليسألني عن نظراتي التائهة· رأيت على وجوههم الشك والريبة فأشحت وجهي حتى أتفادى سهامهم المسمومة·
Page 5
كل ما أتذكره تمتمات الجارة الحمقاء وهي تقول: اللهم احفظ عبدك المسجى على أرضك من شرور الجن·· ومن غدر الإنس·· اللهم آمين .
 
كان كل شيء قد انتهى على خير· وجدت نفسي أدعو في قلبي تتمة لقول الجارة: "للهم احرس الإمبراطورة من صعاليك الليل ومن غدر العتمة، وأعنّي على رؤيتها"·
 
كانت الليلة الأولى منذ عشر سنوات التي أنام فيها في بيت العائلة، وأترك بيتي الخاص يضج بزوجتي الملولة من شقاوة الأولاد· منذ زمن طويل كنت أتمنى لو تتاح لي هذه الفرصة·· أن أنام في غرفتي وعلى السرير الذي احتضن أجمل أحلام طفولتي· وها قد جاءت الفرصة، ولكنني في وضع لا يسمح لي باجترار سعادة اللحظة تحسباً لحضور إمبراطورة الليل التي قد تهبط مرة أخرى في أي وقت للقائي والسؤال عن حالي· ألم أنزوِ هنا بسبب رعبي منها؟ أليست هي من حفزني لهذا الخوف الأزلي؟ أليست هي هروبي؟ كنت أفكر طوال الوقت في كيفية اللقاء ونوعية الأحاديث التي يجب أن تقال في حضرة إمبراطورة، وماهية الطقوس التي يجب أن تمارس· ورحت أهتف بأعلى صوتي··
 
يا ملكة الليل قد خذلني التعب··
 
يا امرأة الليل ما عدت أستطيع تحمل أنّة القلب··
 
يا امبراطورة الأحلام··
 
يا سيدة الفوضى والغموض··
 
يا مليكتي المحبوبة··
 
أيتها المجهولة·· المتوجة ملكة وسط حراب الظلام·· ترجلي بعيداً عن عربتك السماوية واكشفي اللثام عن هويتك· إذا كان النهار لعنتك فأنا أمنحك بركة المصابيح الكهربائية ولهفة الشموع· تعالي هنا في صومعتي المتواضعة حيث خبزت أيامي المضنية وأتلفت الكثير من صخب أحلامي· اتركي بهرجة النفايات ورائحة العفن فهنا ستحفك رائحتي العطرة وأنت معززة مكرمة دائماً وأبداً في قلبي وذكرياتي·
 
يا مليكتي غريبة الأطوار··
 
سيدة العجب واللهو المباح·· تنازلي عن كبريائك الزائف واقتربي ما دام جو العزلة مخيماً على الغرفة الرطبة· اسمحي لي بأن أكنس العتمة حول وجهك؛ فلربما أعرفه وتكونين تلك المرأة التي أثمرت في ذاكراتي واحة الأماني، التي اجتثوها بشراسة من واقعي في غفلة من عواطفي الغضة·
 
من أنتِ؟
 
يا سيدة الليل والحطام·· يا امرأة الحلكة والوحدة·· يا ملكة الغياهب والسؤال·· لماذا نبت فجأة من حطام الخرابة معتلية عرشك المتواضع؟ ولم أكون الضحية المختارة؟ هناك العشرات بل المئات ممـن يقطنون حي سيادي، أو يقطعون هذا الدرب المظلم من الأحياء المجاورة لمنطقة محطة السيارات القديمة· أغلبهم يحتقرونك دون أن يعلموا حقيقتك·· يستهزؤون من تواضع عرشك المزعوم·· يشمئزون من وساخة مملكتك، وليس هناك من ولاء يقدمونه لك سوى بصاقهم، تبولهم، تبرزهم أوحتى استمنائهم النجس في لحظة خلوة·
 
مليكتي··
Page 6
يا سيدة المفاجآت والبهرجة·· يا امرأة التحول والكبرياء أنا بانتظار قدومك وأعلن بحب بأنني لست خائفاً منك· أنا خائف من الظلام الدامس· كنت وما زلت أعتبره وحشاً كاسراً يلهو بأعصابي بسماجة دنيئة· لم أعد خائفاً منك أيتها المبجلة· سأمنحك فرصة اللقاء ما دمت تصرين على جعلي المخطئ الوحيد لدى بلاطك· هاأنذا أمنحك فرصة العمر فاقتنصيها قبل فوات الأوان·
 
كان صوتي المبحوح يخفت تدريجياً بينما تستقر نظراتي للأعلى دائماً، على السقف حيث أنتظر هبوط موكبها الملكي الزاهي· ولم أشاهدها· أعرف أنها تسمعني حتى لو لم أصرخ أو أتكلم· أعرف أنها تقرأ لغة عيوني وأنها تتجول حول غرفتي أو داخلها، ولا أعلم لماذا هي متمنعة عن وصلي حتى الآن·
 
كان ذلك أشبه بالحلم·· حلمي القديم·· المتجدد حين وجدتها تتربع قربي على السرير، تجمعت صورتها بطريقة مذهلة· دخان أشبه بالضباب يتسرب من كل فتحات الغرفة ويتجمع عند قدمي حيث تجلس· حضرت مليكتي أخيراً تتدثر بدخان ناصع البياض منكسة رأسها في الأرض، تاركة لشعرها الطويل فرصة حجب معظم وجهها الذي أتلهف لرؤيته· أحسست بقدميّ باردتين أول الأمر ثم لم أعد أحسهما جزءاً من جسدي·
 
مليكتي··
 
يا لعنة السحر وعنفوان الوشم الأبدي·· ملكة القدرة والمستحيل، ارفعي وجهك الوضاء ودعيني أبدأ مسيرة اكتشافك اللذيذة·· أخرجي من غلالة الدخان وكوني رعية· دعيني أستخرج أنوثتك جانباً وأدغدغ مشاعر الحب في قلبك·· هذا الدخان البغيض أمقته·· أسمحي لي بأن أقدم لك نصيحة خالصة·· هذا الدخان لن يمنحك الغلبة في لعبة الحصار·· هذا التكثف الضبابي الأخرق يهدم صروح نضارتك البهية·
 
مليكتي··
 
الوقت يمضي سريعاً ولعبة التمنع التي نتبادل أدوارها لن تعيننا على لذة الاكتشاف الجميل· أخشى أن تغادريني إلى دنياك المجهولة قبل أن نشرب نخب اللقاء الأول· ماذا تنتظرين؟ ها هي أمنيتك الغالية تتحقق دون أدنى مشقة منك؟ من يدري فلربما أنت العقل المدبر لهذا المخطط الغرائبي؟ كل شيء جائز وممكن في هذا الجو الجنائزي· كل شيء يصبح ممكناً عندما تخرج الأسئلة عن ألفتها وتغدو كلماتها مفترسة تتلف أعصابي·
 
ماذا تنتظرين؟
 
لقد بدأت أضجر من تصرفاتك، التي يبدو أنها تجنح للأفعال الصبيانية، وهذا الدخان المنبعث من حولك بكثافة بدأ يضايقني· إنه يتغلغل إلى داخلي مخترقاً مسام جسدي حاملاً معه جرعات من الخمول والدهشة· أرجو ألا يكون طابورك الخامس يتقصى نقاط الضعف ومعاقل الخوف في نفسي· لا حاجز يجب أن يفرقنا بعد الآن· لا بد وأنك تشهدين الآن بأنني قد تخلصت من خوفي وأرقي ومن ظنوني الشريرة حتى ألتقي بك ونفضح السر الكبير·
 
ماذا تنتظرين؟
 
سلبيتك تقتلني· كيف ذلك وأنت الملكة الملهمة·· الذات العظمى التي بيدها الأمر المطاع والنهي القطعي· انكفاؤك على نفسك جرم خطير في حقي· هذا السلوك يؤلب عليك مكر الأتباع وطمع الحاشية·· صدقيني· أخرجي من قوقعتك الدخانية· استكشفي عالمي بنفسك ودون وسائط تافهة· لا تمنحي الضغائن الشريرة فرصة الوشاية فأنا أحترق شوقاً وأنت تتلذذين بشهوة الترقب· وهذا الدخان بات غصة في حلقي، وأنت بالطبع لن تسمحي له بالتمادي في إذلالي· لن تمنحيه فرصة الانتقام· أليس كذلك؟ تدركين جيداً كم أمقت الدخان فهو بارع في اللهو السمج بكتم أنفاسي·
 
عدت لا أرى شيئاً· لا الإمبراطورة المشاكسة ولا قدمي الغائبتين· مجرد دخان بغيض يتمادى في تسليته السخيفة وهو يستعمر الغرفة، وأنا على وشك التقيؤ بسبب ضيق التنفس المزمن· وأخيراً تقيأت في حضني ثم على السرير· حدث ذلك إثر نوبة سعال حادة انتابتني فجأة· أحسست بحركة رشيقة من إصبع نحيف، إصبع امرأة بالتحديد يدخل بلعومي ويقيؤني·
Page 7
لقد فعلتها··ربما تستعد مليكتي الآن لطقوس الرحيل إلى ذلك العالم الفضي حاملة معها ضحية جديدة هذه المرة، صيداً سميناً أتعبها كثيراً بتمنعه ودلاله الذي لا يتماشى وسنه الثلاثيني· بدأت أحس جسدي خاملاً· ثمة أيدٍ ترفعني من سريري وتطير بي في الفضاء· اليد ذاتها·· نسائية·· ناعمة بدأت تمسح على وجهي بحنان فتفقد عيناي بريقهما وتصبح الرؤية عندي ضبابية·
 
ها قد عاد الظلام··
 
ألم أقل لكم بأنه السيد الحقيقي للأشياء· إنه الوحيد، حسب اعتقادي، الذي يتلذذ بتكفيني· يصحبني في الرحلة السحرية حيث الرفقاء مريبون وغير ودودوين· يهمس لمتحديه بفخر·· "هذه ضحيتي منهارة بسبب شقاوتي". حضوره الكئيب يخيفني فقط، ولكن ما يرعبني حقاً حضانته المخبولة للشواذ من المخلوقات، وفاتنات الشر، ومكائد السحرة، ومشنقة الكون· أحس نفسي في مكان غير غرفتي· هذا المكان ليس غريباً· رائحته مميـزة، والغريب أنني لا أستطيع تحديد مصدر هذه الرائحة·
 
سكون فجائي رهيب··
 
جسدي أصبح في حالة سكون أيضاً· تلاشى الشعور الجميل بالطيران· بدأت الرؤية تتحسن تدريجياً· كان الدخان يتراجع كسيراً، مهزوماً أمام نظراتي تاركاً للظلام إتمام المهمة· جسدي على حصير ممزق وفي غرفة لا تنتمي إلى بيتنا· هل هذه هي مملكتك المزعومة؟ ما بالك لا تمارسين لهو مخافتك في هذا المكان الذي لا يقل حقارة عن الخرابة· انتفضتُ من مكاني متحاشياً فأراً مندفعاً صوبي، هارباً من خوف ما· هذه الغرفة الصغيرة رغم نتانتها تشعرني بالطمأنينة· بحثــت عــن البــاب لأخــرج إلى الحوش· آه الآن عرفت هذا البيت جيداً· إنه بيتنا القديم الذي تركناه عندما كنت في سن الخامسة إثر هجـرة والدي إلى تلك البلاد الصحراوية ليشتغل في صناعة النفط·
 
هنا البلاعة المكشوفة حيث اعتادت والدتي في أوقات الضحى أن تنظف السمك وتغسل أواني المطبخ، وفي نهاية البيت دكة إسمنتية اعتاد والدي أن يحطم ( نارجيلته) عندما يفقد عملاً بسبب مزاجيته· وها هي شجرة النخيل تبدو منتحرة بفعل لهو الزمن لكن بقاياها لا تزال شامخة في بقعتها، ناقمة منذ ذلك الوقت على لهونا بإسقاط ثمارها التي لم تنضج بعد·
 
ماذا أفعل هنا في منتصف الليل؟
 
من يخطط لمواجهتي أمام ذكرياتي؟
 
امرأة الليل تخطط لأمر ما· يا امرأة الرهبة والوجل لماذا تريدين أن تواجهيني بذكرياتي مبكراً؟ احتفظت بهذه الورقة الرابحة لسن الشيخوخة، حينها أكون أكثر تفرغاً لتحليل الأحداث، ولكي أبتعد أيضاً عن محراب الذنب· ما هي علاقتك بهذه المواجهة الخاسرة؟ كيف عرفت ما يدور برأسي؟ هذا الهاجس المحموم بالعودة ظل أسير أحاسيسي فكيف استوليت عليه يا امرأة الليل؟
 
يا مليكتي··
 
أستحلفك أن تنهي اللعبة حالاً لأني ما عدت أحتمل· سئمت من بقائي الهدف في كل مرة· طوال عمري لم تسعفني الفرصة لكي أكون سيد اللعبة ولو للحظة· دائماً كنت مبعث السخرية أختار منفاي بنفسي منسحباً بهدوء الجبان· إذا كانت محاولتك إحداها فإنها لن تغير شيئاً من الوضع المزري الذي يكتنف حياتي· تعميق الجرح لا يوازي هزة الألم البكر· اكشفي أوراقك كاملة فليس هناك داع للتستر على قبح اللعبة القادم·
 
يامليكتي أنا جوع الألم··
 
مليكتي المبجلة أنا غيم الآه··
Page 8
هذه الثرثرة لا تقدم ولا تؤخر، إنها فقط سلوى مخدرة لجروح القلب· تركت هاجس الظلام ينتحر على شاطئ اللهفة وخرجت من البيت المهجور· كان الباب موصداً، مهاناً بفعل الصدأ الذي التهم فواصله الحديدية منذ خروجنا الأخير، لذلك قفزت فوق السور الواطئ· تلقفني الظلام الدامس، وكانت كل الدلائل تشير إلى عودته المظفرة من معركة ضارية خاضها ضد القمر، صرعه فيها وكبل محيطه بغيوم من أتباعه·
 
كنت أرى بوضوح تام لا يقبل الشك أن ثمة آثار أقدام صغيرة ومضيئة تتوغل في الأزقة لتقودني الى مكان ما فتبعتها على الفور· كانت تختفي عندما أسبقها وأتركها خلفي لتعود من جديد وتستلم القيادة· أحسست بدقات قلبي تتصادم فيما بينها· هذا الطريق أعرفه جيداً· كنت أبكي كلما تأكدت ظنوني من الوجهة التي كانت تقصدها الأقدام، التي لم أعد قادراً على تخطيها· أصبح قلبي يضج بالشوق، والقلق، والخوف، والترقب·
 
أعرف أين ستتوقف هذه الخطوات المسحورة· ذلك البيت هو البقعة الوحيدة التي كانت تبعث في نفسي ثقة وراحة سرمدية· كنت صغيراً، وظنوا أنهم عندما يلقمونني ضغينتهم ويلفقون كذبة سوداء عن غيابها سأصدقهم· فلتعلمي يا امرأتي بأنني - رغم عقلي اليافع آنذاك- وقفت في وجوههم البليدة واستنكرت وشايتهم الرخيصة· منذ ذلك الوقت وهم يكرهونني ويحسبونني نبتة شيطانية زرعت في بستان العائلة·
 
أنا الغصة التي كدرت بلعومهم··
 
أنا اللغز الذي استعصى على فهمهم··
 
أنا اللعنة التي تلاحق ضمائرهم وتكشف ألاعيبهم الماكرة··
 
أنا الذي أنتظر ثلاثين عاماً أو أكثر من أجل أن يكذب اتهاماتهم الدنيئة ولم يصدق كلمة واحدة من قاموس الألم والخداع واللؤم المتقن في حقك·
 
أنا قادم يا امرأتي الجميلة··
Page 9
الآن علمت أنك امرأة الليل وملكته المتوجة وأن انتظاري أتعبك· أعلم أنك تعدين لي مفاجأة كبرى احتفاءً بلقائنا المنتظر· أنا مستعد يا امرأتي لكل احتمالات السعادة، وميادين الفرح قد شيدت في قلبي منـذ رحلت في انتظار هذه اللحظة النورانية، لذلك لم أصدق هذا الرحيل المزعوم·
 
كانت الخطوات المضيئة قد اختفت منذ لحظات قليلة ولكنني كنت خارج دائرة الوعي، في حالة ثرثرة جميلة مع نفسي، مستعيداً قدرتي المسلوبة على الفرح· كنت في حاجة ماسة لقليل من الشجاعة حتى تعينني على تحمل الموقف الجديد/الغامض فوجدتها في نفس عميق مع إغماض العينين·
 
الحمد لله لست أحلم··
 
هذا هو بيت مربيتي·· امرأتي الجميلة·· إمبرطورتي الليلية· كنت قد حضرت إلى هذا المكان مراراً خلال الثلاثين سنة الماضية على أمل عودتها، وفي كل مرة يخيب ظني· أطرق الباب بجنون وحرارة سائلاً عن رجوعها رجوعها الميئوس منه، وفي كل مرة يعيدني الجيران إلى بيتنا منهك القوى ومحطم القلب، كسير الخاطر·
 
هذه محاولة جديدة··
 
طرقات لا تنتهي··
 
ولن يمنعني شيء من الطرق العنيف حتى في مثل هذا الوقت المتأخر· هذه المرة الأمر يختلف، لم أحضر وحدي، معي خطواتك الجهنمية· يقيناً سأجدك في مملكتك وأنت تتزينين، وتتعطرين، وتتقلدين عقود الورد والياسمين لتعودي نضرة وشابة من أجلي· أووه·· شبابك لا يهمني، أريد فقط أن أرى وجهك الوضاء وأحتضن جسدك· أريد أن أبكي بعمر سنين الجدب الماضية على صدرك الحاني وأقص عليك هموم قلبي ومتاعبي، تلك التي أصبحت حملاً ثقيلاً لا أستطيع تحملها وحدي·
 
كان قلبي المشتاق يطرق الباب بدقاته العنيفة· مزيداً من الطرقات، وعندما حاولت كلتا يديّ أن تجرب حظها، كان صرير الباب القديم يتسلل إلى أذني نغماً طروباً· انفتح الباب قليلاً وكان ثمة ضوء قوي ينبعث من الداخل· لم أستطع النظر من خلاله· جمدتني المفاجأة ولم أتحرك· عندها سمعت صوت نوارة العذب كما لو أنه تهويدة:
 
- ادخل يا صغيري المدلل مملكتك المضيئة ولا تخش أحداً·
 
ترددت قليلاً حتى أستوعب ما يجري أمامي في سكون هذا الليل البليد· وجدت الخطوات المضيئة تستقر تحت قدمي المتجمدتين لتدخلني إلى البيت في هدوء··
Page 10
بيت نوارة
 
بيت نوارة لم يكن له مدخل كهذا الدهليز الطويل· أتذكره جيداً كما لو دخلته بالأمس· الباب الخشبي المزخرف يفضي إلى الحوش المربع الصغير، غير المبلط· بيت آخر هذا الذي أدخل إليه· دهليز طويل نهايته مظلمة، ولا ضوء إلا حيث أمشي· ثمة أيضاً نسمات لاسعة البرودة تنبعث من مسام الجدران الطينية تنسيني رطوبة الزقاق· أرفع رأسي بصعوبة ولا أجد السقف الواطئ المبطن بجريد النخيل، والذي كان يشتمه ابن نوارة الوحيد عندما يصطدم برأسه ويجبره على الانحناء بعد رجوعه قبيل فجر كل يوم من حفلة سكر·
 
هل يعقل أن يكون هذا الحطام هو حصنك المنيع أيتها الملكة نوارة؟
 
أم تكون قلعتك أيتها الإمبراطورة؟
 
لماذا تتركينني أتخبط في ساحة الأوهام هذه دون دليل، تتلاطمني تيارات الأسئلة بينما أنت غائبة في ملكوت آخر، تخططين لأمر ما؟
 
توقفت بصعوبة تاركاً الخطوات المضيئة تواصل مغامرتها المجنونة، حتى يتسنى لي اكتشاف مملكتك الجديدة، هذه التي كنت تحلمين بها في الماضي الجميل· لماذا لم تخبريني بأن مملكتك بيئة قمرية؟
 
هذا الدهليز فضاؤك الرحب، وأنا أحلق فيه كرائد فضاء بدلته الحلم· أسبح بين صباحاتك وأغتسل بابتسامتك، وأتمرغ بين كتل حنانك الدافئة· أشياؤك الكثيرة تحلق معي دون أن يكون لها شكل مميز، لون أو رائحة· أراها ولا أستطيع وصفها، أحسها ولا أستطيع إمساكها·
 
أنظر للأسفل ولا أرى إلا دخاناً متقوقعاً على ذراته· جاءني هاتف داخلي أن أجدف، وأجدف، وأظل أجدف حتى لا أغرق فتضيع مني الإمبراطورة من جديد، وللأبد· فعلت ذلك متشككاً؛ فإذا بي أبحر بنعومة في هذا الفضاء الذي توشح بقوس قزح·
 
كان الصوت الأليف يمدني بالتفاؤل والأمل، كانساً بنشاط ذرات التشاؤم العالقة في خيالاتي· يعدني بمدن أبدية للسعادة وبمكيال فرح يعادل وزنه كرة أرضية· ومازلت أجدف تلبية لنعومته، وإرضاءً لذاتي·· هذه التي بدأت تتمرد على رعبي·
 
كنت أتغافل - وهذا يترآى لي - عن جبال شاهقة قال الصوت بأنها بقايا حقد بشري· وكنت أصطدم مراراً بأجساد متحجرة يحذرني الصوت إياه من الاقتداء بعادتهم·· الغدر· وكنت فرحاً لأنني اكتشفت بأن الصوت الرخيم الذي كان ينصحني إنما هو صوت مليكتي الغائبة، صوت الحبيبة الأزلية نوارة·