Page 1
النَّفسُ البَشَريَّة
نحن أعرف بأنفسنا
نحن نعرف أنفسنامعن بن زائدة
يخيل إليَّ وأنا أطالع سير أولئك الصحب الكرام والأجداد الأوائل أنَّ أولئك القوم الكرام قد نشؤوا في أرض فاضلة بين السحاب ، حصباؤها لآلئ قطر لا حجارة طريق ! .
وهواؤها رخي عليل لا غبار عليه صفيق ، وفضاؤهم واسع أبيض لا تعلوه أسقف لا تحده جدر .
لذلك اتسعت آفاقهم ، ونصعت سريرتهم ، وارتقت أنفسهم وأراني كلما قرأت سيرهم وتقصيت أخبارهم يمتلأ صدري بأخلال المشاعر وأمشاج اللواعج ثم ينحاز من بينها شعوران :
شعور بالرضا والطرب إعجاباً بما رأيت من أمرهم افتناناً بما عرفت من خبرهم وشعور بالحسرة والألم وإحساس بدنو الدرك وصغر الشأن لأننا لا نستطيع نحن أبناء هذه الحقبة أن نبلغ شأنهم أو نرقى إلى علاهم ، فإن البون شاسع والملتقى عسير فكأن السمع والبصر والفؤاد عندهم قد أضحى خيراً فلا يرون إلا فضلاً ولا يسمعون إلا حقاً ولا ينطقون إلا صدقاً .
أو كأن الفضيلة قد تجسدت في شخصيتهم أو تجلَّت في طلعتهم فلا نحسُّ منهم إلا نبلاً ولا يبدو منهم إلا طيباً .
فلو سُئل أحد أصحاب التيه والعجب ممن يريدون علوَّاً في الأرض ماذا تتمنى ؟ لأجاب دون تردد : احترام الأقارب وتقدير الأباعد ! . .
فإذا قاطعناه مستنكرين وهل تحترم أنت نفسك أولاً ؟ حجظت عيناه ثم نظر إلينا بشزرٍ وبلادة واستنكار قائلاً : وما علاقة هذا بذاك ؟
لقد فات هذا الأحمق أن من يروم الطابق الخامس في المبنى لا بدَّ أن يمر بالطابق الرابع ومن أراد أن يبلغ الأعلى من السلم لا بد أن يبدأ بالصعود من الأدنى .
فإذا لم يحترم الإنسان نفسَه فلن يبلغ منزلة احترام الآخرين وتقدير الذات لا يتأتى لأحد ما لم يؤد الواجب للواجب برضا نفسٍ وطيب خاطر ولا تنبغي له تلك المنزلة ما لم يكن الصدق مع النفس ملء إهابه ومعالم طريقه ، فإذا ما بلغ ذلك المرتقى الصعب ارتدى رداء الفضل وتجلبب عباءة النبل .
حينئذ يأتيه تقدير الأغيار طوعاً أو كرهاً ولو كانوا من ألد الخصام دون أن تطلبه نفس أو تسعى إليه حثيثاً ! .
ولعل من أصدق مظاهر احترام الذات أن يؤدي الإنسان الواجب دون رقيب أو شهيد وكأن الفضل طبعاً فيه أو جبلّة جبل عليها لذلك صرخ معن في وجه لائمه بإصرار حين رمى كيس الدنانير للمرأة " إن كانت لا تعرفنا فإننا نعرف أنفسنا " .
هذه هي العزة الني ننشد والمنزلة التي نصبو إليها فمن لم تكن عزّته من داخله وعظمته من ذاته فليس له من سواها نصيب ! .
إن سلوك خير يقصر عنه كل قلم ويضيق عنه كل قرطاس إنَه المعروف في السر والعلن والفضل بلا خوف ولا طمع ! . .
الكنز في أعماق النفس
كل ما يوجد بعيداً عن متناول اليد ، وكلُّ ما يوجد أمامنا شيء صغير للغاية إذا ما قيس بما يوجد في أعماق أنفسنارالف والدو أمرسون
زُيِّن للإنسان أن يبحث عن كل ما هو ثمين نادر من نفائس اللآلئ ومن روائع ا لجواهر ولا يزال يخطف بصره بريق الذهب ووميض الورق .
فهو لا يفتأ يلتمس لك الكنوز من ظانّها ، ويلهث طالباً إياها من مواطنها ، فتراه يكدُّ الذهن ويبذل الطوق ويفني العمر في سبيل ما يبتغي ولكن عبثاً إنَّ سعيه هباء ، ورجاءه سراب ، لأنه ضلَّ الطريق ، وتاه عن الدرب ، فكيف يهتدي إلى ما عنه يبحث ويمسك بما منه تفلَّت ؟ ! .
فلا عجب إذن أن يؤوب من بحثه خالي الوفاض ، قاطع الرجاء ينفض يديه من مناه كما تُنفض كفاه من ترب مَنْ في القبر وراءه وما خيبة رجاء ذلك الأعمى الضال إلا أنه :
كالعيس يقتلها الظمأ والماء فوق ظهرها محمول
فهو لم يدقق النظر ، ولم يحسن البحث ، ولم ينته إلى الغوص ، ولو أدرك ذلك السر الكبير لسعى حثيثاً إلى رحلة الأعماق في أغوار النفس وشعاب الباطن ، فثمة المنجم الوحيد لكل النفائس ، والمحارة اليتيمة لكل اللآلئ ، وكلما مضى الغواص بعيداً في تلك الأعماق ، وغاب طويلاً في الأغوار وجد فيها ما لا يُقدَّر ، واستخرج منها ما لا يقيم وحظي منها بما لا أشباه له ولا نظائر .
وليس العظماء والمبدعون من صفوة البشرية إلا أناس ارتدّوا إلى ذواتهم وتعرفوا إلى أنفسهم فاستخرجوا من نفائس مخبآتها ، وتخيروا من نادر كنوزها .
إنهم معشر طلبوا الماء من ينبوعه والتمسوا العطر من أزهاره لقد عرفوا الموضع واهتدوا إلى ا لمنجم فشمروا الساعد وأجادوا الغوص ! .
فما أجدرك يا صاح أن تقتفي أثرهم وتسير على هديهم ، فإن لم تجد في نفسك ما تبتغي فلا تبتئس ولا تشكو بل اجعل من نفسك صعيداً مباركاً وثرى طيّباً ، يتنامى فيه أجود الزرع ويستوي على عروشه أطيب الغرس . . .
Page 2
لا أجد ما أشتهيه
لا أجد ما أشتهيه وما أشتهيه لا أجده ! . .أعرابي
هكذا الحياة نضارة أيكةٍ ، الحسن فيها لا يكمل ، فإذا ما اخضرَّ منها جانب جفَّ جانب .
فقد تجود بشيء ولكنها تضن بأشياء ، وقد تبسط الكفّ بما عليه قوام الحياة ولكنها في الوقت نفسه تشيح الوجه عن زهر الأماني وآمال المهج .
فما كل طعام في الحياة يُشتهى ، وما كل شراب منها يذاق ! . .
فإذا ما وقف المرء منها على هذا الخُلُق فيها وأدرك تلك الجبلة التي طبعت عليها ، فإن الأمر يهون عليه لأنه حينئذ سيعرف كيف يكبح جماح مناه ، ويتجرع بصمت مرارة الحرمان ! . .
فما خلقت الحياة لتعطي وتجود فحسب ، بل لتمتحن وتبتلي .
فإن الجهل في أسرار الحياة يجعل الكثيرين يلقون عليها بالعتب واللائمة ويرمونها بالشح والإعراض ، ويتأففون من إمساكها ويضيقون ذرعاً بسرابها .
فالحذر الحذر من اللهاث وراء سرابها والانخداع بخلَّب برقها وإلّا فإنّ الفطام صعب والارتداد عنها شاق ، والارتطام بجدار الصحو موجع ! .
وليوطن أحدنا نفسه على أن يقيم صلته بالحياة على ما يفعل وينجز وليس على ما يشتهي ويرغب . وليروض إرادته على تحمّل شدائدها ومرارة علقمها كما يقتضي أدب المجالس منا أن نحتمل ولو إلى حين غلظة جليس لا نوده ، أو ثقيل لا نرغب صحبته .
وما أشبه المرء في فسطاط الحياة هذا بحال من يدخل مطعماً لا يقدم إلا وجبة واحدة حينئذ ليس في وسع ذلك الزائر أن يتشهّى ويبالغ في الطلب ويتشدّد في الاختيار فلن يحظى غير وجبة واحدة وصنف يتيم .
قد لا يرضى الإنسان عن صورته وشكله وقد يستقلل ما وهبته الحياة من طاقات وما منحته من مواهب وقد يألم لتجاوز سحب الحظ أرضه وذبول أمانيه على أرض الجدب ، وقد يتأفف مما يقع له . . .
ولكن عليه أن يعلم أنّ الحياة لا تجود ـ لحكمة ـ إلا ببعض العطاء فينبغي له أن يتقبّل ما يُقدَّم إليه ، ويصبر على خسارة ما يُحجب عنه فقد قُدِّر لنا أن نحتسي الشراب مرنّقاً ونتجرع الطعام بائتاً فعلينا أن نتقبّل ذلك بطيب خاطر ونفس مطمئنة ما دام ليس في وسعنا تحقيق كل ما نريد ، ودفع كل ما نكره ، ولتكن أيامنا القصيرة أوقات عملٍ وإنجاز وملء صحف الحياة بجلائل الأعمال ففي ذلك وحده السلوُّ والتّعزّي ! . .
ما الوجه إلا واحد
وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عدّدت المرايا تعدّدامحيي الدين ابن عربي
كل من اعتاد أن يرى اختلاف الزرع وتلوّن الزهر في الرياض الغناء والجنات الوارفة يُفتن بهذا التنوّع ويؤخذ بذاك التلون ، فيتخذ من ذلك مقياساً للجمال وأمارةً على الحسن ، وقد فاته أن ذلك المقياس لا يستقيم في كل حال ولا يطّرد في كل مشهد .
ولا عجب في هذا الافتتان فذاك ذوق فطري وخلق أصيل في جِبَلَّة الإنسان ونظرته إلى الجمال .
فالتنوع شيء جميل وأمر مستطاب في كلّ شيء غير الوجه ، الوجه الذي صوره البارئ فأحسن صورته ، فإذا ما تشكل الوجه وتعدّد الملمح اصطبغ بالقبح وتجلّل بالدمامة .
وما ذاك إلا من طبائع الأمور لأن التذبذب بين القيم والتأرجح بين المذاهب والتقلب بين المواقف يورث النفس ظلمة وجهامة وينعكس على الوجه قبحاً ودمامةً .
فالوجه الذي يدور مع الليالي ويتذبذب مع الوقائع ، إنما هو وجه دميم مشوه الملامح متجهم الطلعة تشكّل ملامحه مرايا مقعّرة وعدسات محدبة فتضطرب فيه النسب وتخبو فيه الوضاءة وكأن رساماً هزلياً من أرباب الكاريكاتير قد عبث بملامحه وشوه قسماته .
ولو صعدنا النظر في ملامح هذا الكون الجميل لرأينا فيه شاهدَ صدقٍ وحَكَمَ عدلٍ ، فطلعةُ الشمس واحدة لا تتبدل وإطلالة القمر نفسها لا تتغير ! .
ومع ذلك فنحن نشتاق لشروق الشمس شوق المحب ، ونترقب إطلالة القمر ترقب المشوق .
فإذا ما طلعت الشمس من مشرقها وأطلت علينا من شرفتها ملأت أعيننا بالنور ، وصدورنا بالحبور فيما تتقاصر عنه المصابيح المنيرة بتلألئها والسرج الزاهية بتألقها ، والأضواء الساطعة بألوانها ، إن الله في العلا واحد ، والحقَّ في الأصداف واحد ، والنورَ في المشارق واحد فلماذا لا يكون الوجه واحداً ، واهديَّ واحداً ؟
ألا يورث ذلك الجَنانَ ثباتاً ، والنفس سكينةً ؟
Page 3
لا تنظر إلى القول
لا تنظر إلى القول ولكن انظر من يقولصوت الحياة
درج صناع الكلام من خطباء وأدباء ومتكلمين ، أن يغزلوا الكَلِمَ وينسجوا الخطاب ليصبح أكثر جذباً للأسماع ، وأكثر تأثيراً في الألباب .
وكانوا في سبيل ذلك يتأنقون في اختيار اللفظ وتأليف الجمل ويلهثون وراء الأفصح والأكمل والأجمل ، فيولون الجانب البلاغي كل الاهتمام دون اكتراث بالجانب النفسي والحالة الشعورية للمتكلم والمتلقي على السواء .
ومازال الأمر كذلك حتى سئمت الأسماع الإنشاء وأهله ، واشمأزت الآذان من التشدّق بالكلام ، والتقعّر بالبيان ، والتعالي بالخطاب وكرهت النفوس منابر الخطابة ومناضد الكلام ، وزهدت في الاستماع إلى أرباب البيان وفرسان الكلام .
فما عادت الكلمة تصدر عن نفسٍ توّاقة وشعور صادق .
والكلمة إذا لم تخرج من القلب هيهات أن تدخل في القلب .
والخطاب إذا لم يكن على قدّ صاحبه ، يحمل أفكاره ، ويترجم مواقفه ، ويبث لواعجه فليس له في النفوس من وقع ، وليس لصداه من أثر ! . ويصبح عاراً على الناطق به فإذا به يصغر في الأنظار ، ويسقط من الأعين ، ويصبح عرضة للهزء والسخرية والتنذّر .
فماذا لو أن جباناً يتكلم عن البطولة والشجاعة ، وقوّاداً يحاضر عن الشرف والحصانة ولصّاً يتشدّق بالقيم والأصالة ؟ !
فلا شك بأن كلّ سامع سيهتف بهزءٍ ويصفِّق بسخرية مشيراً إلى الخطيب بأصابع الإدانة والاتهام إنّه كذّاب ، إنه متحذلق ، إنه متفاصح ، إنه تاجر كلام وبائع قيم ! .
ثم يضع أنامله في أذنيه ويستغشي ثيابه ويمضي في سبيله لا يلوي على شيء . .
من كان نعلاً
من كان نعلاً فلا يفخرن بالقدم التي تنتعلهصوت الحياة
إن ما يحقّ للإنسان أن يفخر به حقّاً ما كان نابعاً من ذاته ، متفجّراً من أغوار نفسه وليس ما كان خارجاً عنه يهبُّ عليه من كل جانب ، ويَتنزّل عليه من كل شاهق ! . والعاقل الفطن من يرتدُّ إلى مخبآت نفسه فيبحث عما فيها من كنوز المعارف وما تتحلى به من غرر الشمائل وليس بغير هذا يرسم صورة نفسه ويحدّد ملامح شخصيته وإلا سيغدو المرء ظلاً لا هيئة له يتشكل مع كل صورة ، ونعلاً فضفاضاً يتَّسع لكل قدم ، ولن يشفع له ما يصيبه من حظوظ دهره كجاهٍ يناله أو ثراء ينعم به أو منزلةٍ يتبوأ مقعدها .
لذلك هيهات أن يقع حسد الحساد أو تتجه غبطة الأصحاب إلا على ما كان زينة ً للذات وحِلْيَةً للنفس من فرائد الشمائل أو نفيس الطبائع أما ما يتساقط على النفس من سحائب الحظّ وإقبال الدهر فلا يبلغ تلك الحدة من سورة الحسّاد وغيظ الشانئين لأنهم يدركون تماماً أنه لا يد للنفس فيها ، ولا فضل للذات بها .
ومتى أنكر المرء هذه الحقيقة الناصعة ، وأبي الرحلة إلى داخل ذاته تولدت عنده عقد النقص وأدواء الصَّغار فإذا به يبحث عن الكمال في نسب شريف ، أو ثراء وفير ، أو جاه عريض ولكن هيهات هيهات أن يشفع له كلّ هذا ، ومحال أن تقرّ العين بشيء من ذلك ، لأن صاحبها قد ضلَّ عن الطريق وتاه عن فطانِّ ما هو مدعاة للتفاخر فإذا هو ذنبٌ لكل تابع ، ومرتسم لكل صورة ، وخيال لكل حقيقة فما أهون من كان بوقاً يردد كل نداء ، وصدى يصدر عن كل صوت وليس كالحياة شاهد عدل وبينة واضحة على ما نقول . فهذا تاريخ الحضارة لا يقرُّ بالخلود إلا لمن كان عصامياً سيرته حياكة من نسج يده ، وإنجازه ثمرة من نفسه ، وجوده هبةٌ من ذاته .
فمن أعرض عن هذه الحقيقة وأمسى يفاخر بما ليس منه فسيكون حاله نعلاً يفاخر بالقدم التي تنتعله .
Page 4
الجود بالنفس
يجود بالنفس إن ضنَّ البخيل بها الجود بالنفس أقصى غاية الجودأبو تمام
الكرم تاج الفضائل وذروة المكارم ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأعظم أنواع العطاء لأنه جود بأنفس وأغلى ما يملك الإنسان ، وهل لدى الإنسان ما هو أغلى من روحه التي هي سر وجوده ؟
وقد عُدّ الجود من أعظم الفضائل لأن فيه معنى الإيثار ، وفي الإيثار تكمن معاني المحبة وتستتر كل مشاعر الوداد فهيهات أن تؤثر أحداً على نفسك إذا لم تكن تحبه ويكون له في ودِّك نصيب .
لهذا السبب كان الشهيد عظيماً إنه يحب أمته ووطنه حباً شديداً لذلك آثرهما بروحه الطاهرة التي هي أغلى ما لديه ، على حين قد يضنُّ سواه بأبخس الأشياء وأرخص المتاع ! .
ألا يستحق الشهيد ـ بعد هذا ـ الإجلال والإكبار ، والحياة والخلود ؟
فهو حي في السماء ، وحي في الأرض .
حي في السماء لأنه يرتع في الجنان في كنف الرحمن .
وهي حي في الأرض بخلود ذكره ، وعطر سيرته ، فإن ذكره يشرِّف الألسنة ويعطر المجالس ويبعث في القلوب هيبة وفي العيون عِبرة وعَبرة .
ليس الشهيد ذكرى عطرة وسيرة مقدسة فحسب ، بل هو منارة تهدي الأشبال إلى طريق التضحية والفداء ، ومعلِّم يعلّم الأجيال مكرمة الجود والإيثار . وحسبه فخراً أن تعاليمه أوقع في القلوب وأشدُّ تأثيراً في النفوس ، لأنه قرن القول بالعمل ، والمبدأ بالسلوك مترفّعاً عما يفعله سواه ممَّن يطلقون الشعارات الجوفاء التي تحملُ معاني البطولة والنضال ولكنّها تخلو من مكرمة الإخلاص وفضيلة الصدق
شعارات عظيمة سامية غير أنهم اتخذوها أدوات صيدٍ وشباك قنص ! !
ألا يستحق الشهيد منا نظير ما جادت به كفاه ، وما آثر به أمته أن نطأطئ له الرؤوس ، ونحني له الهامات ونكرمه حقَّ الإكرام ونُجِلَّه كلَّ الإجلال ؟
أليس الأجدر بنا أن يكون لنا في السماء أسوة حسنة فنكرمه كما أكرمته ، ونرفع مقامه كما رفعته ؟
وليس تكريم الشهيد بإقامة التماثيل تخليداً لذكراه أو تطويق عنقه بغُرَر المدائح ، وأبكار المعاني وفرائد الأبيات ، بل باقتفاء أثره ومحاكاة سيرته ، بل باستلام الراية وحمل الأمانة التي أشفقت من حملها الجبال ! بل بالثأر له والانتقام للرسالة السامية التي استشهد في سبيلها والهدف النبيل الذي ناضل دونه ، والقيم العظيمة التي دافع عنها .
بوركت أيها الشهيد ! فحسبك فخراً أنك ذدت عما فيه شرف الأمة وكرامتها !
لقد دافعت عن الحمى ، وناضلت دون الدين والقيم وحميت الثغور والأمصار ، ورشفت كأس الموت لتوهب لنا الحياة ، فأنت أنت من أدرك أن الشرف لا يتطهر إلا بالدماء فلك كل الحب والإجلال والوفاء !
Page 5
قصة تاريخية
أعنة الخيل
مع نفحات أنسام الفجر الرخيّة كان نور الصبح يسري في جمرات الليل الأسود فتتأجّج لهباً تُضرِّج حمرته أديم السماء بظلال قرمزية شفافة ، تبهر الأنظار وتخلب الألباب .على حين انطلق نداء الله أكبر يصدح من مآذن المسجد الأموي يردِّد في جنبات الكون ذلك النشيد الإلهي الخالد وكأنه حادٍ ملائكي يطرد فلول الليل وقطعان الظلام ويسوقها إلى ما وراء الأفق البعيد ! . .
في ذلك السحر أخذت ميسون تتلمس طريقها بخفةٍ وحذر تطوف على بيوتات دمشق القديمة التي تغفو وقد استسلمت لرقاد لذيذ ناعم آمنة مطمئنة تحت جناحي ذلك النسر الأموي الذي خفض لها جناحي الحب والمرحمة وقد أسرّت في صدرها أمراً ، وآلت على نفسها أن تقوم بما لم يستطعه الرجال ولو كان في ذلك تجرُّع السم الزعاف ،ونزول الموت الزؤام .
وقد حلفت على ذلك بكل محرجة من الأيمان يميناً حتماً جزماً ، لا نكث فيه ، ولا سبيل للتحلل منه .
وبينما كانت الشمس ترقى في الأفق درجة درجة لتستوي على عرش السماء ، اعتلت ميسون منبراً صغيراً ترجو لكلماتها المؤمنة أن تبلغ أقصى أذن في ذلك المحفل الذي ضمّ لفيفاً من الصواحب وثلةً من فتيات الحي . .
" لقد طمى طوفان الموت أيتها الحرائر الصواحب ! وحاق بنا المكروه من كل جانب . وكأني بشياطين التتار قد مزقوا أديم ا لثرى فخرجوا لنا من كل أرض ، واندفعوا نحونا من كل ركن وأقبلوا علينا من كل ناحية ، أما رجالنا فقد آثروا السكينة والدعة . واستطابوا الحياة مع الذل وكرهوا الموت مع الفخار . فأخلدوا إلى ا لراحة والونى ، واستمرؤا الخنوع ، واطمأنوا إلى القعود ! . .
وكأنهم في منأى عن الخطر وليس ثمة حياض يدافعون عنها ، ولا حمىً يخشون انتهاكها ، ولا رسالة يجاهدون في سبيلها .
ولا حيلة لنا إلا أن ننضو عنا خلع الأنوثة ونطمس آيات الحسن وندع الزينة والطيب ونرتدي لبوس الشجاعة وحلل الرجولة ونمضي لنحقق ما تصاغرت دونه همم الرجال .
فها أنا ذا أرفع عن رأسي تاج الحسن لأجدل من شعري حبالاً مضفورة وأعنة مجدولة لخيل الجهاد ومطايا النضال " .
وبأسرع من لمح البصر وتردد النفس أخرجت ميسون من جيبها مقصاً وأتت على أجمل تاج تزهو به كل غادة ، وتفخر به كل حسناء ! وجزَّت ما حباها الله به من شعر يتوج رأسها وضفائر سابغة تزيد حسنها وما هي إلا لحظات حتى أخذت بنات الحي يحذون حذوها ويفعلن فعلها فامتلأ حجرها بالجدائل المقصوصة والغدائر المبثوثة ، والأشعار المنثورة وكأن الليل قد تطاير ريشه بدداً وقطع الظلام قد تناثرت مزقاً .
وقبل أن تهم ميسون بالنهوض أمسكت صديقتها هند بيدها تستمهلها الخروج والكلمات تنبثق ثورة من ثغرها الجميل كما ينتشر النور من مصباح منير :
" ليعلم كل رجل في هذه الديار أننا معاشر الحسان وربات الحجال في أرض الشام كوردة دمشق الجورية لا تتفتح أوراقها إلا لنور الفجر وإطلالة الضياء "
وهنا التفتت ليلى بوجه مشرق فتان ، كأنما استمدت منه شمس الصباح تورّد لونه ونعومة ظلاله تريد أن تعمق مجرى الحديث أو توسِّع من دائرته ! . . بل نحن كعبة حسن لا يطوف بها إلا من توضأ بماء الرجولة ، ولا يدخل حرمها إلا من تجلبب بجلباب الشهامة ، أو اشتمل بشملة الإباء "
فانبرت عفراء تهمس بصوت أعذب من انسكاب المدام ، " بل نحن ناي طروب لا يشدو إلا بنفثات صدر مترع بالحب ، مفعم بالأشجان ، دفّاق بالآهات ، فيجود حينئذ بأرّق الألحان وأعذب الأنغام "
واندفعت ميسون بحماس واندفاع كطائرحبيس انفرج باب قفصه فانطلق ينعم بحريته ثم ولّت وجهها شطر المسجد الأموي حيث ينزوي خطيب المسجد في إحدى رحابه الطاهرة .
وكان بينهما حديث وأي حديث ! فقد آنس الشيخ في نبرات صوتها لهفة قلب نفذ صبره ، وضعف احتماله . تحفُّ به ضلوع أحرّ من الجمر ، وأشدّ تأججاً من اللهب فياله من صوت شجي يصعد في أصدائه زفير النار وأنفاس البركان .
فكان حديثها جذوة أضرمت فؤاد الشيخ وشعلة ألهبت مشاعره وحركت لواعجه ، فغدا أشواكاً تقضُّ مضجعه فإذا به لا يطمئن به مجلس ولا يقر به قرار فقام لفوره واعتلى المنبر وفي رأسه تدوي كلماتها الثائرة ، وفي قلبه يتوهج نورها وجلالها . فتتناغم في مسامعه أصداء حديثها مع رَجْع الآذان يتردد في جنبات المسجد داعياً لصلاة الجمعة .
وأخذ في الكلام فكانت كلماته تتحدر تحدر السيل وتتطاير تطاير الحمم . وكأن الله عز وجل قد فجر ينابيع الحكمة على لسانه ، فبين شفتيه تتزاحم الحروف ، وفي قلبه تصطخب المعاني ، وفي صدره تضطرم الأحاسيس ، فلم يجد بأساً من خرق ما اعتاده من تنقيح العبارة وتخير الألفاظ وتزيين المعاني ،وهندسة الكلام ، وكيف لا يكون كذلك وقد أضرمت الفتاة في صدره ما لا ترقى إليه الخواطر ولا تسمو إلى علاه المشاعر .
فكان الكلام ينبحس من أعماقه عذباً فراتاً ، فيملك أعنة القلوب ،ويردُّ شارد الأهواء ، ويقوّم زيغ النفوس ويستهمي ماء الشؤون ، فسرعان ما شخصت إليه الأبصار فسكنت الجوارح واطمأنت النفوس !
ولا غرابة في ذلك ألم يكن كلامه إلهاماً تدفَّق بالحكمة وصدع بالحق ؟ !
كلام لا يعوره ضعف ولا يشينه تصنّع ولا يفسده تكلف ! تتلقفه الأفئدة ، فتستروح به الصدور ، وتهشّ له المهج ! وما إن انتهى الشيخ من ترديد كلمات الفتاة على مسامع المصلين : " ألا أيها الرجال هاكم جدائلنا اصنعوا منها أمراساً لخيولكم واضفروا منها أعنة لمطيكم ، وإلا فخلوا بيننا وبين المجد الذي عنه قعدتم ، والجهاد الذي عنه تثاقلتم " .
حتى ضجَّ المسجد بهتاف واحد قوي شقّ أجواز الفضاء وبلغ عنان السماء ـ الله أكبر ، الله أكبر . .
ثم خرج المصلون للتو يحثون الخطا نحو قلعة دمشق يحدوهم داعي الجهاد ليعدوا ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل وليمضوا مجاهدين في سبيل الله .
لقد كانت تلك الكلمة الشرارة اللامعة الوهاجة التي أججت لهيب حرب ضروس في " عين جالوت " جعلت التتار أثراً بعد عين .
Page 6
ولادات متعددة
لا شيخوخة لنفس تثريها التجاربصوت الحياة
يطل الإنسان على الوجود مرة واحدة في ولادة وحيدة فريدة لا تتكرر ، تنقله من العدم إلى الوجود ، ومن رحم الأم إلى حضن الأرض ، تلك هي ولادة الجسد ! .
ولكن النفس الحكيمة ، تأنف تلك الولادة اليتيمة التي يقف دورها على تلك النقلة المألوفة المعتادة ، فهي لا تقبل بولادة قاصرة كل ما في طوقها ، بثّ الروح وبعث الحياة ، لأنها تدرك أن حياةً متعددة الجوانب ، متنوعة الأنشطة ، تحتاج إلى بعث جديد ، وولادة متكررة عند كل فجر ، وإثر كل واقعة ، وفي منعطف كل حدث ! وذلك للتأمل واستخلاص العبر وتقليب الأمر على كل الوجوه ، والنظر إليه من مختلف الزوايا .
فكما تنتقل الطبيعة من خريف إلى شتاء إلى ربيع فصيف ، ينبغي للنفس أن تنتقل من اختبار إلى عبرة ، ومن تجربة إلى اتِّعاظ ، ومن قضاء إلى اعتبار ، فتتخذ من كل واقعة درساً ، ومن كل ذكرى موعظة ، ومن كل نازلة ثراء ! .
فالعاقل من يعيد تنظيم ذاكرته من حين إلى لآخر ، ولا سيما في موسم النفس حيث ينضّد خبراته في واعيته كما ينضّد كتبه ، وينسّق مشاعره في صدره كما ينسق أزاهره ، ثم يضيء بصيرته من مزود التجارب وكنانة العبر ومستجدات التجارب ، فلا يسكره نجاح ولا يفتُّ في عضده خطب ولا إخفاق !
ولا يكن كلُّ حظه من الدنيا فرحاً أو مسرة ، يأساً أو وحشة بل درساً وعبرة ، وموعظة وخبرة .
بذلك يرتقي المرء ، ويصبح قادراً أن يعلو على الحزن والفرح ، والألم والغبطة ، ويستوي على صهوة الحياة في الإقبال والإدبار ، فما أخسر ذلك الذي لا يتجدد مع كلّ سحر ، ولا ينشط مع كل فجر ،فإنه سيغدو لا محالة بحيرة آسنة أو مستنقعاً نتناً . .
Page 7
في رحاب الإيمان
السجدة الفضلى
" إن السجدة التي هي جديرة بالاهتمام هي السجدة التي تحرم عليك كل سجدة لغير الله "محمد إقبال
من منا لا يبتغي الرفعة وينشد العلاء ويهفو إلى منزلة سامقة بين الذرا والنجوم ؟
يا لها من أمنية غالية تدغدغ الأحلام ، وتتحلّب لها الأفواه ! ولكن السبل إليها كثيرة والعقبات دونها كأداء ، والسارون نحوها في ضلال ! مع أن السبيل إليها أهدى من الكف إلى الكف ، وأدنى من الجفن إلى العين فهلا نظرت كيف يرتفع النبت ، ويستوي على سوقه الزرع !
فإن ذلك لا يتأتى دون أن يغيب في طيات الثرى ويمس بجبهته أديم الأرض ، فمن نشد هذا العلو ورام ذلك الارتقاء فليجعل من الثرى موضعاً لجبهته وموطئاً لسجدته وذلك لمن جعل الأرض بساطاً والثرى له مسجداً ففي ذلك علوٌّ وأي علو ورفعة وأي رفعة ، وسمو وما أدراك من سمو ؟ !
ولنحذر في الوقت نفسه من كل سجدة سواها ، فإننا لا نجني منها إلا الذل والتردي والانكسار ، فإن العزّة لا تلتمس إلا من رب العزة الذي ارتدى عباءة الكبرياء وحلل الجلل وحقّ له ذلك فمن سواه بذلك الرداء جدير !
فإن العزة لا تلتمس إلا من رب العزة كما أن النور لا يلتمس إلا من مشكاة النور ،الري لا يلتمس إلا من ينبوع العذب الفرات ! .
فمن ابتغى العزة بغير ما أعزه الله أذله الله
فقد جمع الجاه بمن ركن إليه
وما المال بمن اطمأن إليه
أزرى العلم بمن استندر إليه !
فمن ابتغى سجدة حق فعليه أن يقطع العلائق بالخلق وليئس مما في أيديهم حينئذ سيأتيه النداء : " اترك نفسك وتعال إلي "
فإذا ما تجرد المؤمن من رداء ذاته كُسي رداء غرّ لا يبلى نسيجه ومقام لا يعلى عليه
فإذا أتاه بذنبه أقبل عليه بمغفرته
وإذا أتاه بضعفه أقبل عليه بقوته
وإذا أتاه بعجزه أقبل عليه بعزته
وإذا أتاه بجهله أقبل عليه بحكمته
وإذا أتاه بفقره أقبل عليه بغناه
وتذكر بأنك إذا رمت هذه السجدة فليكن وضوءها ألا تركن إلى تدبيرك ولا تطمئن إلى طوقك ولا تفتأ تغتسل من ذنبك !
حينئذ ستكون سجدتك سجدة تحرم عليك كل سجدة لسواه ! .
نفسك سائرة
نفسك سائرة بك ، وقلبك طائر بك فكن مع أسرعهماإبراهيم بن داود الرقى
ما أعظم أن ينتقل المرء على ذرا المكارم ، كما تنتقل النسور على قمم الجبال وتتبوأ الأطيار أفنان الأشجار ، ويقبِّل النحل زاهي الأزهار !
ولا بد لمن يتطلع إلى تلك المنزلة أو تشرئب عنقه إلى تلك الذروة أن يشمِّر الساعد ويقوي الجناح ويبسط البساط ليرتقي في الآفاق فتلك منزلة لا تصل إليها خطوات وئيدة ، ولا تبلغها أقدام حنّت إلى الثرى أو اثّاقلت في الأرض .
فيا من تحن إلى أن تهجر الثرى وتجلي الغبار وترتقي في الآفاق لا يكن مطعمك توق وهوى ، وخبز وإدام .
فَمَن لزم الموائد كان سيره دبيب خطوة ، ومن رنا إلى السماء كان ارتقاؤه خفقة جناح !
فيا من أراد للنفس عروجاً ، وللمقعد علوّاً ، ورام لطيرانه جناحاً ولرحلته نجاحاً ! .
انظر أيُّ الدرب ، وإلام المقصد ؟
وابتغِ أطايب الزاد ، فما كل زادٍ يرتضي ذاك الطريق !
Page 8
الأبواب الموصدة
متى كانت أبواب السماء مغلقة ؟صوت الحق
عاش حياته بعيداً عن الناس ، متوارياً عن صخب الحياة ، منصرفاً عن وقائع الأيام ، فقد كان ديدنه أن يهرب من الواجب ويتاقل عن حمل الأمانة ولم يعرف عنه ألبتّه أنّه هشّ لمعروف أو سارع إلى مكرمة أو خفَّ إلى نجدة ، وقد بلغ منه الشحُّ مبلغاً أنه بات يستكثر على البائسين كلمة رضا أو بسمة أمل أو ربتة عطف على كتف ، وكيف يُرجى ذلك ممن في طبعه قسوة لا يلين ، وفي نفسه غلظة لا ترق ! .
وكان من عوائده إيصاد الأبواب ، وإغلاق النوافذ ، وإسدال الستائر حتى لا تصل إليه صرخة مستغيث ، أو أنين ضعف ، أو نداء مظلوم ! .
وليس هذا فحسب فمن طريف أمره أنه لا يكتفي بإيصاد الأبواب وإغلاق النوافذ وإسدال الستائر فقد كان يحيط نفسه بضباب كثيف ودخان صفيق وكأني به لم يكن حظّه من اللغة إلا ألفاظٌ مثل " أغلق ، أوصد ، أقفل " فقد كانت هذه الألفاظ أداة تواصل اجتماعي بينه وبين خادمه الحكيم وصديقه الوحيد .
وقد أصبح مألوفاً أن يتعالى صراخه في الغداة والعشي في جنبات بيته النائي منادياً الخادم :
أغلق الباب الخارجي
أغلق باب الحديقة
أغلق باب الكراج
ثم لا يلبث أن يغطي رأسه ويستغشي ثيابه ثم يصيح بالخادم :
أوصد باب الغرفة وأقفل باب النافذة ثم أسدل عليها الستائر .
ولا يسع الخادم المسكين إلا أن يستجيب لما طلب منه ، ويفعل صاغراً ما تضيق به نفسه ولسان حاله يردد داروا سفهاءكم ! .
وما زالت هذه هي الحال حتى حدث ما أضجر الخادم واستنفذ حلمه إذا ترددت في جنبات الدار أصداء أصوات سيده وكأنها تنحنح شحيحٍ يائسٍ مخذول :
أطبق جفنيك ! وأغلق منافذ ذهنك !
فأطبق الخادم جفنيه ثم سرعان ما فتح عينيه وهو يهتف مرتعداً :
هيهات هيهات إني أحس غواشي الظلام تسدل ستائر سوداء تكاد تخنقني ثم أغلق منافذ ذهنه ، فإذا به يستشعر أنه ثور رحى يدور ، يدور ، وما يزال يدور .
فأعاد لتوه فتح مغاليق ذهنه ، فأحس بأنوار ساطعة لا عهد له بمثلها ، فصاح بسيده مزمجراً : لن أكون ثور رحى ، لن أكون ثور رحى .
فقاطعه صوت السيد نعيباً نهيقاً : إذاً أغلق أبواب السماء ! .
وقبل أن يتم كلامه جاءه صوت الخادم الحكيم قاصفاً مدوياً : ومتى كانت أبواب السماء مغلقة ؟ ! ومن ذا الذي يقوى على إغلاقها ! !
فبهت الذي جحد !
Page 9
ألا إنما الدنيا نضارة أيكة
ألا إنما الدنيا نضارة أيكةإذا اخضر منها جانب جف جانب
صاحب العقد الفريد
مما يزهدني في مطالعة شعر الحكمة جفاف العرض ، وتواري الإبداع ، وشحوب نضارة الرونق فيها فقد تشابهت أساليب التعبير فيها حتى غدت كأوراق النعوة متطابقة الديباجة ، متشابهة العرض نضب منها ماء الحياة فهي في معظمها من قبيل شعر الزهد البارد الذي حمل لواءه أبو العتاهية حيث جعل الحياة على رحبها ونضارتها مقبرة كئيبة وأحال كل مظاهر النشاط البشري في عمارة الأرض وإقامة حضارة إلى قافلة تشيع جنازة أو تعزي براحل ، ومسخ دور الإنسان إلى مسافر مترقب في محطة سفر ينتظر مطايا الموت ، وقوافل الفناء ، أن تمضي في رحلةٍ طويلة لا يدرك كنهها ولا تعرف وجهتها ! .
وما زلت أضرب في بيداء شعرالحكمة حيث يأس المنقّب وتعب السائر ولفح الهاجرة حتى توقفت في واحة صاحب " العقد الفريد " في قوله
ألا إنما الدنيا نضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جفَّ جانب
فتوقفت مذهولاً عنده فقد بلغ بي سكرة الفن مبلغها فرأيت أن أتوج به مقالتي وأوشي سطورها بمعانيه ، وإيحاءاته ، وظلاله فقد أتى الشاعر فيه بكل عجيب نفيس وأودع فيه كل ما في " عبقر " من إعجاز عرائسه ، وخواطر جِنّه ، وغياهب واديه ، وأسرار سكونه ! .
فمن حيث المعنى لم يترك الشاعر زيادةً لمستزيد فقد مضى في مضمار الإبداع بعيداً ، وأوغل في أودية الفن كثيراً فلم يترك قدرة للاحق ولا طاقة لمنافس ! .
فقد استطاع إجلاء فكرة مستعصية ، وقَدر على تجسيد ملامح الحياة المتشعبة المتنوعة المتباينة بصورة شعرية شائقة متكاملة يتيمة ! .
أما الفكرة فهي أن الحياة تأبى أن تصفو لأحد صفاءً تاماً لا شائبة فيه ولا غصة ، وتتأبى أن تجود بكل طيباتها ومسراتها مجتمعة لأحد مهما قرب وعلا ، فإذا صفا جانب منها جفَّ جانب وفسد بعضٌ وكأنها تستحي أن تسلب جنة الرحمن شيئاً من طبيعتها وحلية من حليها .
إن المعاني الجميلة والفِكَر الطريفة هي ما يلهث وراءها كل فنان وشاعر ، ولكن ما هو أجمل من المعاني الجميلة هو حسن عرضنا وأناقة تصويرها وجمال التعبير عنها حتى إن كثيراً من النقاد من يقصر الإبداع في الفن على الشكل دون المضمون إذ يرى أحدهم أن المعاني البكر والفكر الشائقة منشورة على قارعة الطريق فهي مبذولة لكل راغب ومعروضة لكل طالب ، وما على الشاعر إلا التفنن في إبرازها في عرض جميل وتصوير بديع وتعبير أنيق .
وإننا لنرى مصداق ذلك في عناصر هذه البيت جميعها فإن فكرته في غاية الروعة وصحتها في منتهى الصدق ، ولكن أسلوب الشاعر في عرضها قد بلغ الغاية في الإعجاز الشعري والإبداع الفني ، وإني لأجزم بأن شاعرنا قد ارتقى في معارج الإبداع إلى منازل لم يبلغ شأوها مبدع ولم يرتق إليها أديب ولكن يجب ألا يغيب عن البال أنه من المحال أن يبلغ الأديب هذا المرتقى أو يرتقي إلى تلك المنزلة ، إذا لم يتحد مع موضوعه ويتمازج معه فيذيبه في نفسه أو يذيب نفسه فيه ! . .
ما أجمل أن نرى مباهج الدنيا كوريقات نضرة في روضة مزهرة أو أيكة فواحة ولكن لا بد للنظر أن يقع في تلك الروضة على قذى أو يلمح قبحاً في ورقة جافة أو زهرة يابسة ! .
إن الحياة هي بحق تلك الروضة التي إذا اخضر منها جانب جفّ جانب فلم نعهدها قط تقبل على أحد إقبالاً كاملاً وقد صفت كل مباهجها وطابت كل لياليها فلا بد للناظر مهما كان أثيراً لديها أن يقع منها على ما يعكر الصفو ويكدِّر السرور ! .
Page 10
في رحاب شهر الصيام
الصوم لي وأنا أجزي بهحديث قدسي
كلما خطر ببالي قول الحق عز وجل " الصوم لي وأنا أجزي به " أتساءل مع السائلين ، ترى لماذا لم يخص الله الصيام بثواب محدد أو مكافأة معينة كسائر العبادات ، بل ترك أمره لتقدير الإله وحكمة الرحمن .
الأمر واضح جلي فهو أظهر من أن يخفى أمره ، وتغيب حكمته ! .
إنَ الصيام يقوم على أجل عبادة وأصعب رياضة ألا وهي مغالبة الهوى ومغالبة الهوى ليس بالأمر اليسير ، والمقصد البسيط ، فدونه مواجهة طغيان النفس ، وثورة أهوائها ،وعصف شهواتها .
والتحرّز من حمم أطماعها ، وغبار أمانيّها ، وسموم لذاتها لذلك كان الصوم السلاح البتار الذي يشهره المؤمن في وجه نفسه ، والمجنَّ الأوقى ، الذي يتقي به الصائم كيد نفسه وحظوظ مرادها .
إنه شهر معترك الأنفس التواقة ، والرغائب الموّارة .
لذلك فالصيام من أشد العبادات ثقلاً على النفس لأنه لا حظّ لها فيه ولا مطمع لها في أي من الرغائب والأماني . على حين قد تتسلل بعض الحظوظ خفية إلى سائر العبادات .
فلكل عبادة سلطان للنفس عليها ، واستطار للهب حظوظها في رحابها . ومما يدل على صواب ما نذهب إليه أن مشكلة الإسلام مع خصومه ليست في استصواب مبادئه والاقتناع بفكره ، وإنما الضعف عن مغالبة النفس ومجاهدة الهوى .
فالنفس حريصة على محاربة كل ما يهدد حظوظها ويحدد من غلوائها ويحجر عليها ما تتوق إليه من جاه وسلطان وثراء . . .
لذلك كانت مثوبة ا لرحمن كبيرة ومكافأته مجزية ! ! .