Page 1
الفصل الأول
يا جبل المرام:
إليك انشدت أبصارنا بأمراس المستقبل والعناد
ولقد ربضت منذ أول التاريخ هنا
ولم نكن صماً عن نداءاتك على الدوام
كانت محل العراء الذي تشكو اليوم
مرابع من كل لون، وهناءات بلا حدود
يا جبل المرام:
تنغرز اليوم في أنحائك أظافر وحشية
سُدَّتْ الطريق إلى قمتك
نتنت الأرض هنا
استنقع الماء الراكد في أقدم مدن العالم
محرم أن نلزم القرارة زمناً آخر
إن الأوكار تطفر من سفح المدينة،
ومن سهلها،
ولم يبق إلا أن نغادر إلى فوق
أجل، وما إن يكون الصعود
حتى تُنتزعَ الأظفار
وتنمهد الدروب
وتورد الأيام
وتورد الأيام
Page 2
ـ 1 ـ
الأغنية ملء كيانه. هزّته الرعشة عندما لمعت في خاطره صورة الأيام الموردة، ورفع عينيه إلى الجبل الذي يسد منافذ الأفق الشرقي:
جبل المرام!
متى سماه كذلك؟
العاشق الغر: أي هوى هذا الذي تملكه منذ أن ودع طفولته المرّة؟
على هونٍ صافح بصره الأوكار المنتشرة في خاصرة الجبل اليسرى وتساءل: هل عشق المنحوسون فيها القمة الحبيبة قبلي؟ ثم عرج على الخاصرة اليمنى مرغماً، كأن قوة مجهولة تدفعه إليها: إنه السجن.
وزفر مرتين:
كان الهمّ في الأولى،
وكان العزم في الثانية،
ثم باعد بين قدميه وتأبط كفيه، مصمماً أن يديم هذه الوقفة، طيلة دقائق الانتظار المتبقية.
الساعة توشك أن تشير إلى السابعة. أدرك ذلك بحدسه الذي اكتسب دقةً كبيرة في التوقيت، منذ أن بدأ قبل خمسة شهور هذه الرحلة.
كان منزوياً في وقفته وانتظاره خلف ركام عال من مواد البناء، والظلمة تغلفه. كان يحس دائماً أن مدين لهذه البقعة من السفح. من الصعب حقاً أن تقع على ركن أمين في مثل هذه المدينة. الأضواء الساطعة ليست بعيدة من هنا. أمتار قليلة خلف هذا الركام، ويرتمي في قلب الساحة. كيف يغدو الأمر بعد أن يقوم البناء في هذه القطعة، ويشعلها النور؟
اكتأب، إذ عبر هذا الخاطر صدره. لكنه أرخى من كتفيه المتعبين ضحكة ساخرة: هل سأقضي العمر أبحث عن الأركان الأمينة في هذا السفح؟ لن يتحول هذا الركام عمراناً وأنواراً قبل سنين، فهل ستمتد الرحلة حتى تلك الأيام؟ وأفاق على صوت غير بعيد، فأيقن أن عابداً قادم. لا شك أنه تأخر هذه المرة أكثر من كل ما فعل في الماضي، بيد أنه جاء على كل حال. والتفت ناحية الصوت. حاول بصره أن يثقب العتمة، لكنه ارتد مخيباً. وعند استوى رأسه ثانية، سمع دقاق قلبه، فارتعش، وانشدّ بغتة عكس الناحية التي يتطلع فيها. لم ير شيئاً،. تزعزت وقفته الواثقة، وتراجع خطوة، وأنصت، فلم يقع على غير الصمت. حتى الصوت الأول اختفى. أيكون الوهم قد رسم له؟ عابد لا يشعل مصباح سيارته عندما يلج هذه الدرب الوعرة. لقد قال مراراً إنه يود لو أن المحرك يخرس حين يكونان معاً. وحاول وهب أن يمتلك هدوءه ويسترد الثقة المفقودة.
كم لعبت بالأعصاب الأوهام والتوجسات والظلمة والمواعيد. في المرة الأولى كان أن يبرح قبل الموعد. كانت ريبته كبيرة. حتى الأحجار وأكياس الإسمنت وكومات الأخشاب التي تستره، ارتاب فيها يومذاك. عابد نفسه لم يسلم من الشكوك. وقد آلى وهب أن يدرس قبل اللقاء الثاني هذه القطعة شبراً شبراً. خلفه ـ استدار وتملى ـ حفرة كبيرة، وأسوار المنازل مرتفعة. إلى جانبيه الدرب مفتوحة وسالكة، ولكن يمينه ـ التفت بحدة ـ يفضي إلى قلب المدينة: إلى الساحة المفضوحة. وتسمر رأسه صوب اليمين. الدرب موصدة هذه المرة. كيف؟ لقد رأى ملء عينيه سيارة تقطعها. ليست هذه سيارة عابد. عابد لا يأتي من هنا. وتجمد: أيكون وهماً أيضاً؟
حاول أن يتحرك فعجز. لم يلعن قلقه وربيته. ورغم أن صوتاً قد توضح في الطرف المقابل، في اللحظة نفسها، فقد تصلب فترة طويلة. وعندما هم أن يلتفت، كانت سيارة عابد تتسلل موشكة أن توازيه، فأطلق نفساً، وجدَّف. ثم مد قدمه ليلاقي السيارة، لكن نوراً ساطعاً انصب فوقه بغتة، وغمر المكان بكامله، فرأى عابداً داخل السيارة محتضناً المقود، لا ينظر إليه، ورأى كومات التراب المنتشرة والحصى والأكياس وقضبان الحديد. وفي الطرف الآخر رأى سيارة تقطع عرض الدرب. لم يبحث عن مصدر النور. أيقن أنه قد وقع في الفخ. لم تسلم الجرة هذه المرة. بيد أن حضوراً فجائياً امتلكه. أحسّ أن شيئاً داخل جمجمته يتوقد. قاد قدميه إلى موازاة السيارة، همس دون أن يحرف عينيه:
ـ تدبّرْ أمرك واتركني. وقعنا.
وأوشك أن يتابع عندما استوقفه نداء حاد من داخل السيارة:
ـ لا تتحرك.
لم يكن صوت عابد.انلجم. ولم يفكر في أن يستدير. سمع باب السيارة يفتح، ثم يغلق، ثم سمع صوتاً يأمره برفع يديه، فاستجاب بعد لحظة، وهربت من رأسه كل المخططات، ورأى شاباً طويلاً نحيفاً، يأتيه من الخلف شاهراً مسدسه، هو وظله، بينما تقدم منه ثلاثة آخرون، شاهرين أسلحتهم أيضاً، ثم سمع صوت الكلبجة فوق معصميه.
Page 3
ـ 2 ـ
زُجَّ وهب بفظاظة في القسم الخلفي من سيارة لاندروفر صغيرة، بينما جلس الشاب الذي كان يصدر الأوامر في القسم الأمامي. أما الثلاثة الآخرون فقد أحاطوا بالغنيمة الجديدة من كل جانب.
خيم الصمت لحظة، سمع بعدها وهب هدير سيارة عابد، ثم اختلط عليه الصوت بهدير سيارة أخرى. كان رأسه مشدوداً إلى أسفل، لكنه مع ذلك كان يبصر ما حوله جيداً. وأحسّ بالأسف لأنه لم يمتلك هذه الرؤية كلها قبل قليل.
ـ أنت وهب إذن؟ أنت تعرفنا بالطبع؟
جاء الصوت، من ناحية الشاب، مشحوناً بالاستفزاز والسخرية، فَأَذِنَ وهب للغيظ أن يتكوم في نواحي الصدر: كان هذا الوقح مع عابد فهل تركه وحيداً؟ أو ليس معه الآن من يقول له هذا الكلام الرائق؟
أردف الشاب:
ـ أنا...
فقاطعه الرجل الذي يجاوره في المقعد:
ـ النقيب هاشم.
صوت الجار خشن. تريث وهب في إيماءة الرأس. ضحك النقيب:
ـ معرفة سابقة؟ هه؟
أجل، لقد عرفتك يا سيادة النقيب. وهل فينا من يجهلك؟ صيتك ذائع في كل خلية، وليس فينا من لم ير وجهك أو يطالع صورتك. لقد وصلت إليك أخيراً. رائع.
لم يتح لوهب أن يسترسل. قال النقيب وهو ينظر إلى الأمام:
ـ لماذا ورطت المسكين؟ لماذا تفعلون دائماً؟ الناس في بيوتها آمنة مطمئنة حتى تأتي سوستكم فتخرب الأول والآخر.
قرر وهب ألا يستمع، والتفت خلفه باحثاً عن المسكين المورّط، لكنه وقع على سيارة لاندروفر أخرى. أتراها كانت تترصد في الزاوية الثانية؟ حاول أن يتمعن في رتل السيارات الذي انتظموا فيه منذ دخلوا الساحة، لكن الرجل المقابل لكزه منتهراً:
ـ سيادة النقيب يكلمك. أطرش؟
فوجئ باللكمة. لم يتألم، لكنه صبّ عينيه فوق الرجل الذي أردف مشيراً صوب النقيب، كأن شيئاً لم يكن:
ـ هناك انظر هناك.
انصاع وهب وهو يزداد اضطراباً وإثارة. ثم وجد أنه على النحو الجديد، يستطيع أن يتملى من الشارع والسيارات والدكاكين والناس بصورة أفضل. وفكر في أن سيارة عابد قد تكون هناك، حيث لا يستطيع بصره أن يدركها. بيد أنه لم يشك في أنها آتية إلى حيث تذهب هذه السيارة به.
ـ أرجو أن تكون عاقلاً مثل رفيقك.
سمع وهب النقيب يخاطبه، واستمر في تلصصه عبر زجاج السيارة الأمامي وهو يفكر: خمسة شهور من الحرمان والتخفي. استشعر غصة حادة في قلبه لأنه التقى بالدنيا، بعد انتظار مرّ، عكس ما يرسم. بلع ريقه وأوشك أن يتعزى، مغرياً ناظريه بالتهام كل ما تقعان عليه. إنه يبصر جيداً. حتى السيقان التي تبرق تحت أضواء الإعلانات الكهربائية، ترتسم له حارة آسرة. ويبدو أن استغراقه طال، فقد التفت صوبه النقيب محتداً وصرخ به:
ـ ألا ترد يا كلب؟ وقبل أن يفيق من المفاجأة، سمع تحقيراً أقذر من الذين يحيطون به، ولمح تهديداً بالضرب، ثم رأى النقيب أخيراً يوصي بالصمت والانتظار، فأحس بالامتهان، وانقلب غيظه قهراً، وود لو أنه كان يقدر على أن يخرس هؤلاء،’ لفعل إذن، ثم نمت نقمته، لتصفع كل الذين يتسببون بالقهر والامتهان.
Page 4
ـ 3 ـ
ـ أنت مصمم على أن تكون وهباً فقط؟
سأله النقيب، قهقه، ثم أردف:
ـ فكّرْ جيداً أيها المغفل. لقد فقدت ذاكرتك سريعاً. ماذا رأيت بعد حتى تنسى شخصيتك؟
وكان اللبس أن يأخذ وهب حقاً. "أنت لست وهب. أنت إدوار صاحب الصيت الذائع. أنت المسؤول عن تنظيم هذا البلد كاملاً".
يلزم أن أشكرك يا سيدي النقيب. لقد أعليت شأني أيما إعلاء. لكنني لست أدوار، ولست المسؤول.
إنني وهب، العضو العادي الذي تعرف لابد.
احتقن وجه النقيب، وكان عناد المعتقل الجديد يغيظه، ويقتل الوقت هباء.
ـ متى دخلت البلاد؟
ـ لم أبرحها من قبل.
ـ ومن كان إذن في لبنان يرسل المال والمناشير يا دجال؟
لقد أراد وهب حقاً أن يذهب إلى لبنان. وفي لحظتا أخرى نادرة تمنى أن يذهب إلى أي مكان. أراد أن يقفز فقط فوق خط الحدود هارباً من هذا الجحيم.
ـ تستطيع أن تتأكد. هذا عنوان..
لم يتح له النقيب أن يكمل. النقيب نزق. جنونه وشيك خلاف ما أوحى في السيارة.
ـ عنوانك عندي أيها الأبله. هل تحسب نفسك ذكياً حقاً؟
طمس التزوير وهباً. ينبغي عليك أن تتخلى عن شخصيتك الحقيقية لترضي الضابط المحقق. لا بأس أن تنزع جلدك حتى يصدقوك. النقيب في عجلة من أمره. إنه يريد أن يفرغ منك سريعاً. أنت غنيمة فوق العادة. يريد أن يحقق بك سبقاً، وربما رتبة وربما. لقد امتد الصمت بك حتى بلغ السيل الزيي. وها هو يقف ضارباً زجاج مكتبه بكلتا قبضتيه، فيتحرك لوقفته الرجال الثلاثة الذين كانوا مبعثرين في أنحاء متفرقة من الغرفة الكابية. وحار وهب. هل ينهض هو أيضاً أم يستمر مكوماً فوق المقعد الخشبي قرب المكتب؟ تذكر في ومضة آخر ما تعلمه عن المحققين سيخاطب النقيب رؤساءه: "قبضت على رئيس المنظمة يا سادتي. انتزعت اعترافه ولسانه فهاكم".
خاطبت عيناه النقيب وهو يحدق فيه: "سيكون من العسير أن تقول لهم ذلك". وفي ذات اللحظة اخترقت أدناه صيحة:
ـ قف يا وغد.
فشبَّ وتعثر بالمقعد، وخطف ناظريه بين النقيب الذي راح يتقدم نحوه ببطء، وبين الرجال الثلاثة الذين أخذوا يتقاربون، وهم يتقدمون صوبه أيضاً.
همّ في أن يتراجع، لكن الإباء أوقف قدمه في اللحظة التي أوشكت أن تتحرك فيها. ثم تذكر وهو يراهم أمامه جميعاً أن الجدار لم يسمح له بالتراجع. لقد كان الجدار لصق ظهره.
Page 5
ـ أعيدوا له ذاكرته.
خاطب النقيب رجاله ثم سعل وتابع:
ـ كنت أود أن أجنبك يا منحوس.
انتزعه أضخمهم جثة من الجدار، وقذف به في وسط الغرفة. لم يرتم. لقد كانت دفعة هائلة لكنه لم يرتم. وعجب لذلك، إلا أن قبضة أخرى، أكثر هولاً، لم تفسح له. هرست القبضة خده الأيمن هرساً، وأحس أن تشويهاً فظيعاً لحق بسحنته. حاول أن يتلمس الناحية التي لا تزال سليمة، فسبقته إليها خطبة ثالثة: هذا طعمكم جميعاً: خاطبتهم عيناه اللتان لم تكادا أن تقعا على النقيب ـ كان يبحث عنه بجنون، لغير ما سبب معروف ـ حتى كان قد انطرح فوق البلاط على قفاه، وقد أحس أن شيئاً في جوفه يتلوى ثم يتقطع. أراد أن يحمي بطنه بكفيه لكن الرجل الضخم، أولهم، شده من شعره، وأوقفه سوياً، فأيقن أن الدم قد تفجر من جلده رأسه، ثم شرع الآخران يهويان بمطارقهما فوق فكيه وصدغيه، بينما كان يحول شعره المشدود دون رغبته التي قاربت البكاء، في السقوط.
تكاثفت الرؤى أمام عينيه، فأبصر النقيب جالساً خلف مكتبه، يبتسم، ثم يضحك، ثم رآه قبالته تماماً، وعجب من أنه تدلى عقب ذلك مباشرة من المصباح الكهربائي الشحيح الذي يهتز فوق رأسه، وسط الغرفة، وازداد عجبه من أن النقيب لا يسقط رغم هذه الوضعية اللامعقولية، ثم أغمض عينيه وأذنيه، وابتعد عنهم، حتى وصل إلى قمة عالية، قبّلها وأشرف منها على جلادية، وهم يتعاركون بوحشية، فرثى لهم وللوهدة التي يتردون فيها، وأدهشه أن الأرض تخسف بهم، بينما تعلو به القمة وتنأى: أتراها كانت قمة جبل المرام؟
امتد به السؤال دهراً، قبل أن يفتح جفنيه على صوت النقيب يأمر:
ـ أنهضوه وهاتوه.
وقبل أن تتحسس أليتاه جيداً طعم المقعد، وتهشّا، سمع النقيب يخاطبه:
ـ ها أنت ترى أنك لم تتحمل وجبة واحدة. جسمك غض على الرغم من سنيك وشبابك. تعقّلْ يا مجنون. ماذا يجديك أن تنكر؟ نحن نعرف جيداً من أنت. نعرف دخولك الحدود. ونعرف من دبجّ ودبر الناشير اللعينة. لا تظن أنك أتيت شيئاً فاتناً. في الخميس الماضي، وفي الساعة السابعة أيضاً ـ أخذ يحتد ـ أين كنت؟ ألم تركب سيارة عابد حتى الجسر الجديد؟ وقبل ذلك بأسبوع أيضاً، ماذا أعطيته على طريق المطار؟
تذكر وهب بصعوبة، ومن خلال الألم الكثيف، أن النقيب قال له هذا الكلام أو ما يماثله منذ فترة غير بعيدة. وتذكر أنه فهم حينئذٍ سبب وقوعه في الفخ، وعرف الرفيق عابد كما لم يعرفه من قبل، وفجأة سأله النقيب:
ـ ألا تزال مصراً على أنك وهب فقط؟
ثقل الضيق على صدره. هل يجهل الإنسان هويته بعد أربع وعشرين سنة؟ لماذا كل هذا التزوير ـ سأل سقف الغرفة ـ لست أدوار يا سيادة النقيب. بماذا تريد أن أقسم لك. أبي هو عفيف المختار وأمي هي نجمة وقريتي على دقائق في سيارتك من هنا.
قذف وهب بهذا كله دفعة واحدة، وكان يحسّ أن كلامه يخرج ممتزجاً بنثار بصاقه المشوب بخيوط باهتة الحمرة، كما أن حركة فكيه سببت له وجعاً، أسرع في إسكاته.
لكن النقيب أصرّ: لاشك أنك مخطئ يا وهب. النقيب أدرى بك من أبيك وأمك. إنه أدرى بك منك. ولقد آن لصبره أن يفرغ حقاً، فعنادك مغيظ، بل مهين.
ـ حيوان. لا ينفع معك الكلام. ألا تعرفون ماذا ينفعه؟ خذوه إلى الصالون الداخلي.
خاطب النقيب رجاله، فنهض وهب وحده. قبل أن يصلوا فعل ونوى أن يسير. ولو كان يدري أين يقع الصالون الداخلي لهرع إليه لكن إخلاصه وطواعيته لم تمنعا عنه أذى الطريق.
خرج من الغرفة، وعبر ممراً ضيقاً، مع الركلات التي كانت تتقاذفه بين الجدارين. وكانت الظلمة تشتد كلما أوغلوا، حتى إذا ولجوا باب الصالون باغته نور باهر. وتعجب من فساحة المكان، كما راقت له الجدران المزدانة بما يجهل. طرحوه أرضاً، وداعب أحدهم رأسه بطرف حذائه، غير متلطف، ثم دحرج آخر من الزاوية دولاباً أوقفه جسم وهب الذي صار يحس بالانفصال عما حوله شيئاً فشيئاً. أراد أن يتفرج عليهم. أدخلوا رجليه في الدولاب، ثم كوروه جيداً، وحشروا رأسه. حسد نفسه لأنه نحيف. لا ريب أن (مسعد) عانى أكثر بسبب سمنته. اكتشف أن خاصية المرونة فيه عالية. صار يتدحرج الآن من الدولاب. أضحكته اللعبة، كما أدمت قلبه، وأثارت الضحكة التي لم تتعد شفتيه غيظ الرجال. تناولوا جميعاً الخيزرانات وشرعوا يتسابقون إليه. كانت قدماه في البداية الفضليين لكن جسمه بأجمعه صار يستهويهم. حتى رأسه استمال خيزراناتهم الملتهبة. وكأن استغراقهم بالعمل كان يشحذ همتهم ويفجر إبداعات جديدة. غاضت الضحكة من قلبه. وتقبض صدره، وعرف أن أضلاعه تتحطم، فخشي أن يدخل أحدها في كبده أو في فؤاده. لم يعد المكان فسيحاً. ولم تعد زينة الجدران معجبة. أطبق الكلح حتى غطى عينيه ورأسه، ثم عمّ أنحاء جسمه، وما إن غلف السواد كل شيء، حتى كان الألم قد نفذ، وكان عناده قد اكتمل، أما أيدي الرجال فكانت لم تكلّ بعد. وعندما أفاق بعد زمن، لقي نفسه غارقاً في الماء، كما تحسس دماً طرياً خلل أسنانه، وفي باطن جفنيه، وأراد أن يتخلص من الدولاب، لكن صوت النقيب قطع عليه محاولته:
ـ سأغيب قرابة الساعة، عندما أرجع يجب أن يكون قد اعترف أو انتهى. مفهوم؟
فجلجل صوت الرجال الثلاثة:
ـ حاضر سيدي.
وحينئذٍ أرخى وهب جفنيه.
Page 6
ـ 4 ـ
كانت اللعبة لا تزال مستمرة حين سمع أمراً بالتوقف. جاء الأمر مفاجأة له، وكان يكابد من أجل أن يبقى أميناً على كل ما تعلم في المخابئ السرية واجتماعات المنظمة: إن صرخت فسيشتمون بك. وإن بكيت فتلك بداية غير حميدة. فقط كزّ على أسنانك. لا تصدق دعاوي الأطباء، فتلك أسنان البورجوازيين يضرّ بها الضغط. كن محايداً فبذلك تنتهي اللعبة بربحك.
لم يكن الصوت الذي أمر بالتوقف للنقيب هاشم. استطاع وهب أن يميز على الرغم من استغراقه الكامل، ثم سمع:
ـ من؟
سأل الصوت الجديد.
ـ يقول إنه وهب يا سيدي.
ـ متى قبضتم عليه؟
ـ منذ ساعتين يا سيدي.
كان الصوت يزداد ألفة لديه، وقد أسف لأن ذاكرته لا تعمل جيداً. سمع الخبطات تقترب منه، وعرف بعد هنيهة أنه وازت رأسه. لم يشأ أن يرفع عينيه. أراد أن يمارس كل عناده. لقد قالوا إن الجولة الأولى لا تستحق أن يبذل فيها كل العناد، فتأتي الجولات التالية إذن وهو خال. لكنه على الرغم من التعلم، والانضباط، لم يرفع عينيه، وطال التصاق القدمين بجسده. ثم سمع الصوت متأنياً:
ـ وهب؟ حقاً؟
وتلا أمر بإخراجه من الدولاب.
فاق ألم ظهره وخاصرتيه وهو يتمدد كل ما تسببت له به خيزرانات وقبضات هؤلاء. وآثر أن يعصر جفنيه أولاً، ثم أن يزفر طويلاً قبل أن ينظر إلى الوجه الجديد. لقد حضرت الصورة الآن تماماً، وعرف صاحب الصوت، لكن شفتيه ظلتا مزمومتين.
ـ أنا عبد المنعم. ألم تعرفني يا وهب؟
لم يرد وهب. لا إشارة ولا نبسة. خمن الرائد عبد المنعم أن الرجل قد تردى كثيراً. لذلك أمر بنقله إلى المكتب. وهناك طلب له الماء والشاي، وقدم له سيجارة فاخرة.
رفض وهب السيجارة، فاكتفى الرائد بأن انتزاع من الجيب المتسع علبة سجائر كانت نابقة الرأس، ورماها فوق المكتب.
ـ لقد عرفتني. أليس كذلك. كيف حال أخيك مسعد؟
وحيدان هما. والغرفة أثرى من تلك التي جلس فيها أمام النقيب هاشم. ليس ثمة ما يشي بالرهبة. حتى الأوجاع والرضوض وخيوط الدم في أنحاء جسده، ألفها جميعاً. وتعجب لهذه الالفة السريعة. الرائد عبد المنعم ازداد هيبة مع السنين. يذكره وهب أكثر فتوة وجاذبية. لم ينفر منه الآن فقط. منذ زمن أذاعت المنظمة خبر الجلاء الرائد عبد المنعم. تبرأ منه هو، وتبرأ أخوه مسعد، وأنكره الناس جميعاً. فأنكرهم هو أيضاً.
لكن الرائد عبد المنعم نفسه. ابن قريتك البعيد، هو الذي يتلطف معك الآن، ويتودد إليك ويخفف عنك، وإطراقة وهب تنتظر، والرائد يقول:
ـ هنا أنا المسؤول الأول. لاشك أن حسن حظك هو الذي قذف بك إليّ. دعنا نتفاهم منذ البداية، ولنتعامل كأقرباء وأصدقاء حقاًَ.
Page 7
قال وهب:
ـ لكنني لست إدوار. أنت تعرف ذلك.
فرد الرائد سريعاً:
ـ اتركنا من حكاية إدوار والنقيب هاشم. أنا آسف (أخفض صوته) لما وقع لك بسبب ذلك. ما يهمني أمور أخرى، فلنختصر الدرب. قل لي يا وهب (اتخذ هيئة جديدة) مع من كنت تعمل خلال الشهور الخمسة الماضية؟
هزّ وهب رأسه مرغماً. ليس يدري هل هي هزة الضحك أم السخرية أم الاستنكار؟ أنت طماع يا سيادة الرائد. كل ذلك تريدني أن أفضي به إليك؟ وبهذا اليسر؟ ودفعة واحدة؟ وعلى كل حال فأنت تبدو أكثر معقولية من ذلك المعتوه الذي أراد أن يبدل جلدي.
ـ كنت وحيداً.
كشّر الرائد وهو يحاول أن يبتسم، ونطق بكره واضح، أخفقت معه محاولات الإخفاء:
ـ ألم يحفظوك أقوالاً أخرى؟ هذه سمعناها كثيراً. كل جني من هذه المنظمة الملعونة يعمل وحده. حتى الذين نعتقلهم وهم مجتمعون يقولون إنهم يعملون منفصلين. العمل الفردي ليس مجدياً. صحيح يا وهب؟
لم يجب وهب. فعلا صوت الرائد وقد لوّنه الانفعال الحبيس:
ـ لا تحرجني يا عزيزي. أجبني باستمرار. أنتم في منظمتكم تؤكدون أن الجماعية هي وسيلتكم، لا الفردية. وهنا أنت تدعي العكس. تريدني أن أصدقك؟ لا. ليس كذلك. هيا وقل إذن مع من كنت تعمل؟
وحرك رأسه ويديه على نحو مضحك. تابع وهب الصمت واكتشف أثناء ذلك غباء الرائد الذي انتظر طويلاً قبل أن يقول بلهجة جديدة:
ـ طيب. هذا اتركنا منه. سنعود إليه فيما بعد. من الذي كان مسؤولاً عنك؟
رد وهب وهو مطرق:
ـ لا أحد.
تمعن الرائد في العينين اللتين لم تبارحا الأرض، وأحس أن حقده يتنامى، فزفر زفرة مسموعة، وسأل:
ـ وأنت عمن كنت مسؤولاً؟
نفى وهب أيضاً:
ـ لا أحد.
سأل الرائد:
ـ وماذا عن علاقتك بعابد؟
تأرجح وهب قليلاً بين الإنكار والتوضيح، ثم آثر الدرب المختصرة:
ـ لا علاقة لي به.
فهمّ الضابط في أن يصدر أمراً، لكنه كان يؤثر أن يدع ذلك احتياطاً أخيراً، وانقضت هنيهات مشحونة، وكلاهما مطرق، ثم قطع عبد المنعم إحجامه، ونهض ورمى عقب سيجارته الذي كان لا يزال طويلاً أمام عيني وهب، وقال مشدداً على مخارج الحروف:
ـ غبي. أغبى من رأيت.
Page 8
ـ 5 ـ
طال لبْثُ وهب في مكانه، وامتد الانتظار، لكنه لم يَثْقُلْ. الحركة في الخارج لم تفتر، والأصوات أيضاً. فتش عن بقايا القوة في جسمه فلم يجد. أدرك أنه خسر كثيراً، وخمن أن اشتباه النقيب به كلفه غالياً: لولا الشبهة لوفرت نصف ما لقيت على الأقل.
حتى الأفكار لم تعد منضبطة. حاول أن يفكر في عابد. أجال عينيه في القبو الذي أيقن أنه سيكون مستقره الأخير، لكن خياله كان كليلاً. وعندما انفتح الباب أخيراً، وتسرب ضجيج إضافي، أحسّ بالارتياح والإنقاذ. بعد قليل أدرك أنه يساق إلى مكان آخر. وعندما انفتح أخيراً باب، ثم انطبق، فأطبق الصمت، تلفت وهب بصعوبة، فوقع على الرائد نفسه، وخلفه رأى كهلاً. تفرس في الوجه الجديد وشك في أن يكون من معذبيه. جلس الرجل قريباً منه، أما الرائد فقد استوى جيداً خلف مكتبه، وتنهنه، وأدار كرسيه مرتين إلى الجانبين قبل أن يسأل وهباً:
ـ ألم تعرفه؟
هز وهب رأسه نافياً. قال الرجل:
ـ كيف حال أخيك مسعد؟
قال الرائد:
ـ الرفيق غنيم يا وهب.
وصعق وهب.
استدار بحدة إلى الرجل، وأراد أن يأكله بعينيه. ارتد غنيم مجفلاً، وتبدلت ملامح وجهه. وكان الرائد يلاحقهما مأخوذاً، ولم يلبث أن خاطب وهباً:
ـ لا أشك في أنك إن كنت لا تعرف الرفيق غنيم وجاهياً، فأنت تعرف عنه من ما يكفي. أما كان في طليعة المؤسسين لهذه المنظمة التي سحرتك؟
ها هو ذا حينما تيقن من أنه قضى كل هذا العمر في ضلال، وهدر كل جهاده من غير طائل، ملك الشجاعة وردع نفسه وانسحب، ودعا كل العاقلين فيكم إلى أن يسيروا سيره ـ كان صوت الرائد قد علا ـ لقد مد يده إلينا، فساعدناه وأكرمناه، ونحن نعف دائماً، بل ونعين كل من يتوب.
كان وهب يود وهو يستمع إلى الرائد، أن يلتفت إلى الرفيق غنيم ثانية، وأن يتملى من جيداً. لقد انتظر في الماضي طويلاً أن يجتمع بالقائد غنيم. كان يحلم بلقائه في سنيه الأولى، وبلقاء الرفاق الأوائل الآخرين، لكن غنيم سقط. انهار منذ أكثر من سنتين. قوضته الأقبية والسجون، وليت البلية كانت به وحده. لقد انقلب دمية في يد هؤلاء، يلوحون بع أمام عيني كل معتقل جديد: ها هو ذا رفيقكم الأعلى قد ارعوى فاقتفوا أثره.
ران الصمت. واغتبط الرائد في سره: لعل وهب قد بدأ يفكر. كم توفر علينا أيها الرفيق غنيم. كيف سيكون خذلان النقيب هاشم؟ ولكن غنيم لم يكن قد صحا بعد من سوط وهب. لقد لسعه بتلك النظرة اللاعبة، حتى زعزعه. وقال الرائد وهو ينهض:
ـ سأدعكما معاً حتى تشبعا.
Page 9
وخيم سكون ثقيل. وهب يفكر في رفيقه الذي اقترح في أحد الاجتماعات أن تجري للرفيق غنيم محاكمة غيابية، ويكلف رفاقنا السجناء بتنفيذ الحكم. ها هو صوت ذلك الرفيق يتعالى: غنيم خطر على المنظمة. غداً يخرّب معنويات الرفاق. غنيم فشا أسرار المنظمة كاملة. غنيم يجب أن يموت داخل السور الذي أقاموه حوله، في عقر الجنة التي أرادوها له وأرادها لنفسه. غنيم أنشوطة في أيدي الجلادين.
فكّر وهب: لو أن المحاكمة تمت أيها الرفيق لتوليت بنفسي تنفيذ الحكم الآن. وغنيم لم يجرؤ أن يفتح فاه. تكوم الجبن من كل أنحاء عمره وانصب فوقه بعد تلك النظرة. وامتدت الدقائق بهما قبل أن يبدأ وهب:
ـ نعم؟ ماذا تريد أن تقول؟
كنّ غنيم امتناناً للرفيق الشاب، على الرغم من اللهجة غير الودية التي نطق بها. لق هوّن عليه أن يبدأ. أشعل سيجارة مثل سيجارة الرائد، وبلع الصغار ثم قال:
ـ يا أخي العزيز: يا رفيق: الدرب مسدودة. ليس من مخرج إلا إلى الموت. وما الثمن؟ النصر؟ أين هو؟ التغيير؟ دلني عليه وخذ روحي. دع عنك ذلك يا وهب. أنت في زهرة شبابك الآن. انظر إليّ ـ ومد كفه إلى ذقنه ـ لقد أضعت عمري وفتوتي فماذا جنيت؟ وماذا جنيتم أنتم؟ ماذا جنت الناس والبلاد؟ والدرب مسدودة يا وهب. وهؤلاء وحوش حقاً.
امتلك وهب شجاعة لم يعاينها من قبل. وفضل أن يوفر على غنيم جهده، فقاطعه بحماسة وانفعال، ممثلاً:
ـ اعقل يا بني. احك لهم كل شيء. انسحبْ من المنظمة واربط نفسك بهم أيضاً. توّجْ تاريخك بالعار. علامة الوفاء لقضيتك ومنظمتك هي النكوص. كما فعلت يا بني ـ ودار بجمعه إلى غنيم ـ لقد هونت عليك. أليس كذلك؟
هل تريد أن تقول أشياء أخرى؟ خير الكلام ما قل ودلّ. ها أنت تعرى جيداً فهل عرفت نفسك أيها الساقط؟
وفيما أخذ وهب يتدفق، كان غنيم يحتقن ويعاين الحصار، فيفر من كلمة إلى كلمة، ومن شوكة إلى شوكة، حتى وهب وقد أعجزه الاحتمال، كما عجز ذات يوم، وأكبّ من علٍ على وهب، وتفرس، وقد عيَّ، ثم اندفع خارجاً.
ومن الباب انسربت كلماته المهلوعة:
ـ هذا يعجز الشيطان. لا حيلة لي فيه. تدبروا أمره أنتم.
Page 10
ـ 6 ـ
ـ رافض النعمة أنت. ناكر الجميل.
قال له الرائد، وأضاف وهو يقترب من وهب:
ـ أنا بريء منك. لقد أديب حق الجيرة، لكنك تصرّ على أن تركب رأسك. حسناً. هل تعرف ماذا يعني ذلك؟
اعترف وهب في سره أن محيا الرائد وعينيه، وحركة فمه، جميعاً، تسبب هلعاً حقيقياً. وود لو أن هذا الغاضب يترك له فرصة أخرى، لكنه كان قد تيقن منذ زمن بعيد من بطلان التمني، لذلك خرس. بيد أن الرائد عبد المنعم كان مصمماً على أن يتحرك اللسان الملجوم، فمدّ يديه إلى فم وهب، وفتحه بجهد يسير، وحاول أن يقبض على تلك القطعة التي تغيظه بصمتها. وفكر وهب في أن يعض على الأصابع الدخيلة، وانساق مع فكرته قليلاً، قبل أن تفرغ رأسه منا صفعة معمية. وحسب بعد لحظة أن أركان حنجرته ـ وخاصة حلقه ـ تتزعزع، فتفرس في وجه الرائد، وانقضت ثوان من التحدي، وهمّ أن يقذف بقبضتيه المقيدتين في الوجه الوحشي، ثم همّ أن يضرب بكامل جسمه، وكأن الرائد قرأ ما في دخيلة وهب، فرجع إلى مكتبه وضغط على أحد الأزرار، فدخل قبل أن يرفع إصبعه رجلان، وفهم الجميع. فهموا دون أن ينبس أحد.
انتقل الرجلان بإشارة من الاستعداد قرب الباب إلى الفريسة. حرمهما وهب من لذة الجرّ. لم يسعدا لانقياده. مرة واحدة رسمت الدرب في الذاكرة جيداً. لاركلات في الممر، ولا جدار يرميه إلى جدار. شكر لهما هذا التأدب الزائد. وفي الصالون كان الرجل الثالث يعلق أداة في أحد المسامير التي تكسو الجدران. الدولاب في الزاوية: رآه وهب وكشر له. لن ترهبني هذه المرة أيها العزيز. لم تجفّ الماء بعد، لا عن ثيابه، ولا عن البلاط القذر. وامتدت إحدى القبضات إلى كنزته الوحيدة فعرته منها بطريقة لم يعاينها من قبل. ثم امتدت قبضة أخرى إلى قميصه الداخلي والخارجي معاًَ فنزعتهما بقوة بهرته، وضغطت بعض أضلاعه.
ـ اخلع حذاءك.
وقذف به أمر أحدهم إلى الأرض. أراد وهب أن يطيل فترة خلع الحذاء، لأنهم سكنوا أثناءها. سمع وهو ينفذ الأمر أقداماً تقترب، فحزر أن الرائد قادم. كان النقيب قادماً أيضاً. تباطأت الخطوات بين المدخل وجسم وهب العاري. أنهضه الرائد من جمته. الرائد هو الآخر شجاع وقوي: فكّر وهب وهو يخشى أن تتشقق الجلدة إذا استمر تدخلهم فيها. تفتق ذهن النقيب عن لفتة بارعة: انتزع سيجارته المفلترة المتوهجة من بين شفتيه بعصبية، وراح يضغط على زند وهب. أجفل وهب، إلا أن القبضات الحديدية ضمنت ثباته. عضّ شفتيه ولم يتذوق طعم الدم الذي تفجر منهما، وشمخ برأسه، وانتفض، وسمع بقلبه كما سمع بأذنيه نشيش اللحم المحروق، حتى قال الرائد:
ـ قرفص يا كلب.
تخلت عنه القبضات، وقرفص. وعلى ظهره أخذ الضابطان يتباريان في إطفاء السجائر. ماذا يجدي أن يتململ أو يتزحزح؟ فوق كتفيه يضغط جبل أحد الرجال، وفي منافذ الهواء المتبقية يكمن الآخر. لم يصرخ. كانت أسنانه وجفناه ملجأ وحيداً. حتى الرأس منعوه من أن يفرح بتحريكها. وتطاول عليه الزمن قبل أن يسمع:
ـ ستستمر في السكوت؟
كان الرائد يسأل ساخراً. وقال النقيب وهو يضحك:
ـ هل حسبت نفسك إدوار حقاً؟ هل تتوهم أنك رئيس المنظمة حتى تقاوم؟
استطاع وهب أن يتأكد، على الرغم من الألم الحبيس أن النقيب لم يعد يريده أن يبدل شخصيته. وبعد قليل ـ وكان الضابطان قد شبعا من لحمه ـ تأكد أيضاً أن النقيب يتظاهر الآن أنه كان يهزل، إذْ خاطبه: "أنت إدوار، وأنت المسؤول الأول".
كان الصالون قد أخذ يدور به. حتى الرجال الأشداء الذين يقفون حوله أخذوا يدورون أيضاً. لكن ذلك لم يمنعه من أن يرى خشبة تقترب منه، وترتمي عند قدميه. أمعن جيداً فإذا بخشبة أخرى. لم يكتشف أن الخشبتين موثقتان إلى بعض، إلا بعد أن وضع ساقيه بينهما، وانشدتا. عصرت الخشبتان اللحم والعظم فوق رسغيه عصراً، ومع ذلك استكان لهما بعد قليل، وتخيل أن الخيزرانات قادمة، لكنه انتظر دقائق، توضح بعدها أن خياله قاصر. كان الضابطان الآن يغادران الصالون، وكان شريط أسود مزدوج وطويل يقترب منه. إنه ليس وثاقاً متيناً إذن، فماذا يراد به؟
قطع على وهب تساؤله أن حامل الشريط يجرب أن يلمس قدمه بحذر وخشية واضحة، ثم إذا به يقفز في الهواء ويتزلزل كيانه. لقد تخطى سقف الصالون نفسها، وانقذف إلى الفضاء الأعلى، ثم تأرجح بجنون حتى كاد أن يسقط إلى الدرك الأسفل من النار. وحسب أن لعنة أبدية قد حلت به، ثم فتح عينيه، فأبصر الشريط مرمياً قريباً منه، وأدرك من خلال الوهن القاتل الذي سمعه وسيطر عليه، أن الكهرباء فظيعة، ووحشية، على الرغم من بصماتها الحضارية الرائعة خارج الأقبية والسجون. وانتفض قلبه لإصبعي الرجل تمسكان بطرف الشريط من جديد، وتقربانه من القدمين الموثقتين، فحاول أن يرب، أو يتقلب على الأقل، لكنه اكتشف أن الماء قد زيدت تحته وأن ذلك هو الذي ضمن ناقلية ممتازة للكهرباء، ولم يبعد به ذلك عن لمسة سحرية أخذته بعيداً هذه المرة عن الصالون والسقف والفضاء والنار والرجال الثلاثة والشريط، وجعلته شيئاً آخر، غير وهب ابن نجيب المختار.