eKtab
EN ع
الصحة النفسية المدرسية - بيئة ملائمة للنمو النفسى وتحقيق متعة التعلم
Read free sample

الصحة النفسية المدرسية - بيئة ملائمة للنمو النفسى وتحقيق متعة التعلم

by عبدالله محمد عبدالظاهر الخولى

Page 1

الإهداء

أهدى هذا الكتاب إلى االباحثين الجادين فى مجال الإرشاد والعلاج النفسى ، كما أهديه إلى الزملاء المعلمين والمعلمات فى جميع مراحل النمو وخاصة مرحلتى الطفولة والمراهقة ، كما أهديه إلى  كل من يقدمون الخدمات النفسية للمتعلمين سواء فى المدارس أو فى الجامعات .

د/ عبدالله عبدالظاهر الخولى

كلية التربية – جامعة أسيوط

جمهورية مصر العربية  

Page 2

مقدمة الكتاب:

 إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له , ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ، خاتم النبيين ، وإمام المرسلين ، وحجة الله على خلقه أجمعين ، وجاعل رسالته عامة للناس أجمعين إلى يوم الدين ، وبعد ..

حاولنا فى هذا الكتاب تغطية موضوعات حيوية تختص بالصحة النفسية المدرسية , والتى تمس قطاع عريض من تلاميذ وطلاب المدارس بالمراحل العمرية المختلفة , ويقع هذا الكتاب فى أربعة عشر فصلا , اهتمت بتناول  المفاهيم  الأساسية فى الصحة النفسية , و دورالأسرة ثم المدرسة فى تحقيق  الصحة النفسية المدرسية للأبناء والمتعلمين , كما تم تناول دور الاخصائى النفسى المدرسى فى تحقيق الصحة النفسية المدرسية للمتعلمين .

    والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ،،،

{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يونس10

المؤلف

Page 3

الفصل الأول

مفاهيم أساسية فى الصحة النفسية
تطورها ومظاهرها

مقدمة :

تعرّف منظمة الصحة العالمية  (WHO) الصحة  النفسية بأنها حالة من الشعور التام بالسعادة أو الراحة الجسمية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد الخلو من المرض أو انتفاء العجز والضعف. فالصحة النفسية هي: حالة إيجابية توجد عند الفرد تظهر في مستوى قدرته على الاستفادة مما لديه من قدرات وإمكانات إلى أقصى حد ممكن، وقدرته على مواجهة الضغوط والمشكلات بكفاءة عالية، وشعوره بالسعادة والرضا في المجتمع الذي يعيش فيه، وتحقيق التوافق مع الذات والآخرين . فالصحة النفسية وفقاً لذلك تعبر عن حالة من التوازن والتكامل بين القوى الداخلية (الدوافع والحاجات، والقيم والاتجاهات، ومستوى الطموح) وبين القوى الخارجية (كالمتطلبات الاجتماعية: الأسرة، المدرسة..، والمعايير الاجتماعية، وقوانين المجتمع ومتطلباته). وهذا التوازن يؤدى إلى حالة من الاستقرار النفسي النسبي عند الشخص، بحيث تجعله يعيش في سلامة وسلام مع نفسه ومع الآخرين في المجتمع الذي يعيش فيه.

أولا : تعريف الصحة النفسية :

1- المفهوم الشامل للصحة :

للصحة مفاهيم متعددة، ارتبط البعض منها بصحة الفرد في حين ارتبط البعض الآخر بصحة المجتمع أو صحة البيئة التي يعيش فيها الفرد، وقد ارتبط ظهور هذه المفاهيم بتطور مضمون الصحة على مدى التاريخ، لكن هيئة الصحة العالمية عرفت مفهوم الصحة على أنه: حالة السلامة والكفاية البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز. وفي حقيقة الأمر أن التعريف السابق يفتقد إلى جانب مهم جداً وهو الجانب الروحي، كما أنه لا يشير إلى أن الصحة لابد من أن تكون مثالية ومتكاملة لأن ذلك يضعها في مستوى نادراً ما يتوافر، ومع ذلك نجد أن الدول المتقدمة تنظر إلى الصحة المثالية باعتبارها هدفاً بعيد المدى لبرامج وأنشطة تسعى إلى تحقيقها ، فى حين أن ما تسعى إليه الصحة هى تحقيق الجانب الإيجابى ، أى توافر طاقة صحية إيجابية تمكن الفرد والمجتمع من مواجهة المشكلات والمؤثرات سواء كانت جسمية أو نفسية أو اجتماعية دون ظهور أية أعراض أو علامات مرضية . وبالتالي نستطيع أن نستخلص مواصفات الصحة الجيدة وهي كالتالي:

(أ) السلامة :

الخلو من الأمراض والعاهات، لكن هذا الخلو يفتقر إلى طاقة إيجابية من الصحة تقيه المؤثرات وتمكنه من مواجهة المشكلات البدنية أو النفسية أو الاجتماعية دون ظهور أعراض مرضية، فالإنسان هنا يخلو من الأمراض لكنه معرض للإصابة بأي مرض إذا توافرت له الأسباب.

( ب) الكفاية البدنية :

سلامة أجهزة الجسم وتناسق وظائف الأعضاء وتكيفها مع البيئة المحيطة بها.

( ج ) الكفاية العقلية :

سلامة النفس وانخفاض الاضطرابات العقلية والانفعالات والأحاسيس بدرجة تمكن الفرد من التوافق مع نفسه وإمكانياته والعمل على تنميتها بحيث يضع ذاته ضمن إطار معين يتلاءم مع الواقع، والشعور الواضح لشخصيته وتأثيرها على كل من يحيط بها.

( د ) الكفاية الاجتماعية :

قدرة الفرد على التفاعل والاستجابة الإيجابية مع الآخرين من خلال إقامة العلاقات الشخصية والاجتماعية القائمة على تحقيق الأهداف المشتركة وفق معايير السلوك الإنساني الخاصة بكل مجتمع .

( هـ ) الكفاية الروحية :

السعي وراء تكوين النفس المطمئنة من خلال استيعاب خصائص طريق الفلاح التي يتحقق بها تلاؤمه ورضاه وتفاعله مع المجتمع الذي يعيش فيه، والاعتقاد بأن تحقيقها يصل إلى إرضاء اللّه تعالى.

Page 4

- الصحة النفسية :

       يرى Crow & Crow  أن علم الصحة النفسية علم تطبيقى للمعارف النفسية فى مساعدة الناس على تنمية أنفسهم وتحسين ظروف حياتهم ، وعلى أن يعيشوا معا فى سلام ووئام ، وعلى أن يواجهوا الصعاب والأزمات بصبر وثبات وبأساليب توافقية مباشرة . ويستخدم فى ذلك المنهج العلمى فى تفسير علامات الصحة النفسية وعلامات وهنها واضطرابها ، وفى تحديد أساليب تنمية الصحة النفسية فى البيت والمدرسة والعمل والمجتمع ، وفى دراسة الانحرافات التفسية وطرق تشخيصها وتحديد عواملها وطرق الوقاية منها وأساليب علاجها والتنبؤ بما يمكن عمله لكى يحقق الإنسان صحته النفسية ويقى نفسه من وهنها وانحرافها      ( كمال إبراهيم مرسى ، 1988 ).    

  ويتسم عصرنا الحالي بالقلق النفسي وأصبحت السعادة فيه كالسراب يلهث كثير من الناس وراءها وأصبحت الراحة النفسية والطمأنينة والاستقرار أمرا صعب التحقيق، لهذا يعتبر علم الصحة النفسية وليد القرن العشرين، فهو يسعى إلى محاولة العودة بالإنسان إلى سيرته الأولى من الحيوية الجسمية والسلوك المعتاد والشعور بالسعادة مع الذات ومع الآخرين والإقبال على الحياة والإحساس بالرضا والطمأنينة والأمن.

وإن المتتبع لتاريخ الصحة النفسية يلاحظ أنه على الرغم من أن هذا العلم يعد من العلوم التي برزت في عصرنا الحاضر واكتسبت صفة خاصة في العصر الحديث بسبب اهتمامها بأخطر قضايا الإنسان المتمثلة في تأثير عمليات التوافق عليه وشدة تأثره بها وما تفرضه عوامل الحضارة من تحديات يومية تؤثر على نظرة الفرد الى نفسه وعلى كيفية تعامله مع مختلف الظروف ومتطلبات البيئة (القذافي، 1914 ، ص7) .

 ويختلف الكثيرون من العاملين فى مجال الصحة النفسية فيما بينهم عندما يحددون مفهوم الصحة النفسية وذلك باختلاف منحاهم الفكرى الرئيس ، وهم أيضا يختلفون فيما بينهم باختلاف نظرتهم إلى طبيعة الإنسان ، وما ينبغى أن تكون عليه صحته النفسية . فقد يتفق الأطباء فيما بينهم بشأن مفهوم الصحة الجسمية ، وقد يحددونه فى ضوء عدم وجود أعراض مرضية – وهم يتفقون عليها – وقد يحددونه فى ضوء مدى قيام أجهزة الجسم المختلفة بوظائفها ، وهم يستطيعون قياس نشاط الأجهزة بدرجة مناسبة من الدقة . ويختلف الأمر عندما نتقل إلى مفهوم الصحة النفسية ، فنحن أولا لا نستطيع تحديده فى ضوء الخلو من الأعراض المرضية ، وليس لدينا من الوسائل ما نستطيع عن طريقه قياس مدى قيام الأجهزة بوظائفها المختلفة بدقة – إن جاز لنا استخدام هذا التعبير)عبدالسلام عبدالغفار ، 1996)

 وهناك تعريفات ترى الصحة النفسية فى توافق الفرد الاجتماعى ، وأخرى فى ضوء التكيف المتكامل ، ويلجأ البعض إلى استخدام مفهوم التكامل ، والتأكيد على الجوانب الإنسانية . فيعرف Bohim  الصحة النفسية على أنها حالة ومستوى اعلية الفرد الاجتماعية ، وما تؤدى إليه من إشباع لحاجاته . ويعرف Kilander   الصحة النفسية للفرد بأنها تقاس بمدى قدرة الفرد على التأثير فى بيئته والتكيف مع الحياة ، بما يؤدى بصاحبه إلى قدر معقول من الإشباع الشخصى والكفاءة والسعادة .

وينظر إلى الفرد ذى الصحة النفسية السليمة بأنه الفرد الذى تعلم إرجاء إشباع حاجاته فى مواقف تتطلب ذلك ، مفضلا نتائج بعيدة المدى عن ذلك الإشباع الفورى . وهذا يستلزم منه قدرة مناسبة من ضبط النفس ، وإدراك تام لدوافع سلوكه المختلفة ، واختيار السلوك الذى يتفق مع ما لديه من قيم شخصية واجتماعية ومعايير ، ويتحمل مسؤولية ما يقوم به من أعمال دون اللجوء إلى الحيل الدفاعية . ( أديب الخالدى ، 2002 ) .

 ويرى القريطى أن مفهوم الصحة النفسية مفهوم ثقافى ونسبى بطبيعته ، وهو متغير بتغير ما يجد علينا من معلومات عن الحياة ، وما ينبغى أن تكون عليه ، كما أنه يتغير بما نكتشفه عن أنفسنا وسلوكنا ، وما نحب أن نصل إليه فى حياتنا . ومن ثم فإن ما يعد سلوكا شاذا أو مرضيا أو انحرافيا أو غير معتاد فى مجتمع أو ثقافة ما ، قد لا يعد كذلك فى مجتمع أخر أو فى ثقافة أخرى . وفى ضوء نسبية مفهوم الصحة النفسية تبعا لاختلاف الثقافات والمجتمعات والأزمنة والأشخاص ، بل وتطور الفرد ذاته ونموه من مرحلة إلى أخرى ، نخلص إلى أنه توجد صعوبة بالغة فى إمكانية تحديد معايير ثابتة أو محكات عالمية للصحة النفسية ، فهذه المعايير والمحكات يجب أن تشتق من طبيعة البيئة الاجتماعية والإطار الثقافى الذى يعيش الفرد فى نطاقه فى زمان معين ، كما يجب أن تكون مرحلة نمو الفرد ودوافعه والمجال الذى يصدر فيه السلوك موضع اعتبار )عبدالمطلب القريطى ، 1997 )

ويرى حامد زهران أن الصحة النفسية  هي حالة دائمة نسبياً , يكون فيها الفرد متوافقاً نفسياً ( شخصياً وانفعالياً واجتماعياً أي مع نفسه ومع بيئته ) , ويشعر بالسعادة مع نفسه , ومع الآخرين , ويكون قادراً على تحقيق ذاته واستغلال إمكاناته إلى أقصى حد ممكن , ويكون قادراً على مواجهة مطالب الحياة , وتكون شخصيته متكاملة سوية , ويكون سلوكه عادياً , ويكون حسن الخلق بحيث يعيش في سلامة وسلام .

والصحة النفسية حالة دينامية (Dynamic Slote) تبدو في قدرة الفرد على عقد صلات اجتماعية تتميز بالأخذ والعطاء والتعاون والتسامح (عوض ، 1977 ، ص3) . وهي حالة ايجابية تتضمن التمتع بصحة العقل والجسم وليس مجرد غياب أو الخلو من أعراض المرض النفسي وهذا ما أكدته منظمة الصحة العالمية (WHO) بأنها حالة من الراحة الجسمية والنفسية والاجتماعية وليس مجرد وجود المرض (زهران ، 1988 ، ص9) وهي لها شقان شق نظري علمي يتناول الشخصية والدوافع والحاجات وأسباب الأمراض النفسية وأعراضها وحيل الدفاع النفسي والتوافق وتصحيح المفاهيم الخاطئة وإعداد وتدريب الأخصائيين والقيام بالبحوث العلمية ، والشق الثاني تطبيق عملي يتناول الوقاية من المرض النفسي وتشخيص وعلاج الأمراض النفسية (زهران ، 1978 ، ص10) .

 وهناك من عرف الصحة النفسية فى ضوء عملية التوافق ، وهذا ما دعى إليه "عبدالعزيز القوصى" والذى رأى أن الصحة النفسية هى التوافق التام  (Adjustment)أو التكامل بين الوظائف النفسية (Integration) المختلفة مع القدرة على مواجهة الأزمات النفسية العادية التى تطرأ عادة على الإنسان ، مع الإحساس الإيجابى بالسعادة والكفاية . ويقصد بالتوافق التام خلو الفرد من النزاع الداخلى وما يترتب عليه من توتر نفسى وتردد ، ومقدرته على حسم هذا النزاع حال وقوعه ، ويؤكد على أن نجاح الفرد فى تكيفه مع ظروف بيئته الاجتماعية والمادية وتحقيق حاجاته النفسيه من الأ{كان المهمة للصحة النفسية .

ويرى شوبن ( Shoben  ) أ، التوافق المتكامل Integrative Adjustment نموذجا للصحة النفسية ، وقد حدد عدداَ من مظاهر هذا التوافق المتكامل على النحو التالي :

١ - المقدرة على ضبط النفس.

٢ - الشعور بالمسؤولية الشخصية.

٣ - الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.

٤ - الاهتمام بالقيم المختلفة.

٥ - تعلم إرجاء إشباع الحاجات.

٦-  الانصياع الاجتماعي.

٧ - تفضيل الأهداف بعيدة المدى ذات الأثر الكبير عن الأهداف القريبة ذات الأثر المحدود.

٨-  سلوك يتفق مع قيم ومعايير الجماعة.

٩ - يتحمل مسؤولية أعماله دون اللجوء إلى الحيل الدفاعية.

١٠ - إدراك  حاجات الآخرين واحترامها .

كما أن مفهوم الصحة النفسية يتمثل بمدى النضج الانفعالي والاجتماعي أو مدى توافق الفرد مع نفسه والمجتمع (الداهري والعبيدي ، 1999 ، ص41). فالفرد منا مزود بطاقات نفسية أساسية يحتاج إليها لمباشرة وظائفه النفسية المختلفة وهي الطاقة العقلية المعرفية (Cognitive) والطاقة الانفعالية (Affective) والطاقة الدافعية (Motivation) . ونمو الفرد هو تمايز لهذه الطاقات بحيث يمكن تجميعها في تنظيم كلي متكامل وتوجيهها نحو أهداف معينة في أوقات معينة لتحقيق الوجود الايجابي له (عزت، 1986 ، ص26) .

فالصحة النفسية تجعل الفرد متحكماً في عواطفه وانفعالاته فيتجنب السلوك الخاطئ ويسلك السلوك السوي ، وهي لا تقل أهمية عن الصحة الجسمية العامة بل قد تبقى الصحة الجسمية عاجزة عن إضفاء السعادة على الإنسان ما لم تتوفر له أسباب وعناصر الصحة النفسية وان الاهتمام بالصحة النفسية لصيق الاهتمام بالصحة العامة (محمود وآخرون ، 1985، ص13). فلا غنى للجسم عن صحة النفس ولا غنى للنفس عن صحة الجسم ، وقد بات الأطباء متفقين اليوم أكثر من أي وقت مضى على أن العناية بالصحة النفسية للمرضى عامل أساس في سرعة البرء من الأمراض الجسمية (محمد ومرسي ، 1986 ، ص7)

Page 5

ثانيا : الصحة النفسية من الماضى إلى الحاضر :

دخل الإنسان القرن الواحد والعشرين يحمل معه من القرن الماضي عبئا ثقيلاً من المشكلات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المعقدة، منها ما هو قابل للحل ومنها بعد جهد وتكاليف كبيرة ومنها ما هو خطر وشديد التهديد ولا يمكن حله بسهولة. ولعل تراكم المشكلات وازديادها حدة ما هو إلا نتيجة تطور تاريخي طويل عبر العصور المختلفة، ولكن بالمقابل نجد أننا اليوم نمتلك كماً هائلاً من المعرفة والأدوات العلمية التي تجعلنا قادرين أكثر فأكثر على مواجهة المشكلات – ومنها مشكلات الصحة النفسية- التي تواجهنا ونمتلك أساليب فاعلة لمواجهة القسم الأكبر منها، على الرغم من أن كثير من المشكلات التي نواجهها اليوم غير مألوفة ومتقلبة، وقسم كبير منها يسببها الإنسان بنفسه بوعي منه أو دون وعي.

ولقد اهتم الإنسان عبر العصور المختلفة من تطوره بالصحة كما نهتم بها اليوم وأدرك أهميتها كقيمة عليا، وسعى نحو تحقيقها بشتى الوسائل، غير أن مستوى المعرفة لم يكن دائماً مواز لمستوى طموحات الفرد الصحية. فالمعرفة تراكمية وهي في كل فترة أفضل من سابقتها، إلا أنها لم تكن في أي عصر من العصور موازية لمستوى معرفتنا الراهن. ومع ذلك فمستوى معرفتنا الراهن حول الصحة والمرض يدين بالدرجة الأولى لأولئك الذين لأولئك الذين سبقونا في أننا وصلنا الآن إلى هذا المستوى من المعرفة، تماماً كما سيدين لنا أبناء العصور اللاحقة في إيصال مستوى المعرفة التراكمي إلى ما استطعنا الوصول إليه، ولكن في الوقت نفسه يقع علينا اللوم لأننا مسئولين عن الأضرار التي ألحقناها ببيئتنا وبعلاقاتنا الاجتماعية والتي سنورثها لهم دون ذنب لهم في ذلك. إننا –أبناء هذا العصر- لا نجد الكثير لنلوم فيه سابقينا من هذه الناحية. 

كانت الأوبئة والأمراض المعدية غير الوبائية و الكوارث الطبيعية بأشكالها المختلفة والحروب والجوع هي المارد الجبار الذي يرعب الناس عبر العصور المختلفة ويهدد وجودهم. ومع ذلك فقد عرف الإنسان عبر تاريخه أشكالاً مختلفة من الاضطرابات والمشكلات النفسية، منها ما كان يلقى الاهتمام والرعاية ومنها ما لم يكن كذلك، أو كان لا يعد مرضاً أو مشكلة تستحق الرعاية والاهتمام. وقد سعى الإنسان سعياً حثيثاً عبر عصوره المختلفة لفهم طبيعة هذه الأمراض وأسبابها، فعرف بعضها وغابت عنه معرفة أسباب القسم الأكبر منها، ذلك أن مستوى معرفته في العصور السابقة لم يكن يتيح له التعرف على أكثر مما استطاع معرفته في ذلك الوقت، تماماً كما تواجهنا اليوم كثير من القضايا التي نقف عاجزين عن فهم أسبابها على الرغم من امتلاكنا لمستوى من المعرفة يفوق عشرات الآلاف من المرات مستوى المعرفة في العصور السابقة، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ حتى اللحظة الراهنة.

وكان الإنسان ينظر للأمراض التي تمس العقل نظرة متطابقة مع النظرة الفلسفية والدينية السائدة في تلك العصور القديمة ,  وبالتالي كانت طرق العلاج المختلفة التي ابتدعها الإنسان كانت تختلف مع تلك النظرة للأسباب المؤدية لها . 

أما أمراض الإدمان والأمراض الناجمة عن السلوك الصحي الخاطئ فلم تكن معروفة أو على الأقل كانت العلاقة بين السبب والنتيجة غائبة، أو أن وجود هذه الأمراض لم يكن شديداً وواسع الانتشار لدرجة اعتبارها مشكلة ملحة تتطلب الحل وتتطلب البحث عن الأسباب. كانت الإعاقات الجسدية والعقلية الأوسع انتشاراً، بسبب الحروب والكوارث الطبيعية، وربما كان المعوقين جسدياً أوفر حظاً من المتخلفين عقلياً، لكن  الاهتمام بهم وبمشكلاتهم الخاصة وما ينجم عن إعاقاتهم من عواقب لم يحظ عبر العصور بالاهتمام الكافي , واستمر ذلك حتى نهايات القرن التاسع عشر كي تتاح الفرصة ونتيجة لتطور العلوم بشكل عام وظهور علم النفس كعلم مستقل ولتبدل النظرة  العلمية , واعتبار الظواهر الاجتماعية والنفسية ظواهر خاضعة لقوانين معينة يمكن اكتشافها والتعامل معها، مثلها مثل الظواهر الطبيعية الأخرى.

Page 6

ثالثا : تطور الرعاية النفسية عبر العصور :

       تعود الجذور الأولى للاهتمام بالصحة النفسية والوقاية من الأمراض والاضطرابات النفسية وفهم أسبابها إلى عشرات الآلاف من السنين، وليس هنا من مجال لعرض تفصيلي لهذا الأمر. ففي الصين ومصر الفرعونية وبلاد ما بين النهرين  وحضارات أمريكا الجنوبية وغيرها قدمت إسهامات كثيرة ومتنوعة في محاولات فهم الأمراض والاضطرابات النفسية ، وعالجتها استناداً إلى فهمها لطبيعة الأسباب المؤدية، وحسب ما توفر لديها من أدوات ووسائل. وبغض النظر عن طبيعة تلك الإسهامات والمحاولات، وعن أنها كانت في كثير من الأحيان خاضعة لتفسيرات إما غيبية أو غير متناسبة مع الطبيعة الحقيقة للأمراض، إلا أنه يمكن اعتبارها مؤشراً لاهتمام الإنسان بالجوانب النفسية للصحة منذ القديم، ومحاولة فهم الإنسان في سلوكه وخبرته.

أما الاهتمام بالصحة النفسية بالشكل الذي نعرفه ونمارسه في أيامنا هذه فيرجع إلى العصور الوسطى، التي شهدت بعض أشكال الرعاية النفسية هنا وهناك.  وشكلت هذه المساهمات النواة الأولى للتغيرات اللاحقة فيما بعد. فقد أدرك الأطباء المسلمون أهمية الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للإنسان، فكانت دور الرعاية النفسية منتشرة في كل من دمشق وبغداد والأندلس، وكان العلاج بالعمل والموسيقى من الأساليب العلاجية الشائعة في هذه الأماكن التي كانت تطلق عليها تسمية البيمارستانات، والتي كانت تهدف إلى إعادة الاستقرار والتوازن للمرضى نفسياً.

ويبدو أن الطبيب الفرنسي وأبو الطب النفسي الحديث بينيل (Pinel) (1745-1820) قد كان مطلعاً و متأثراً بأساليب الرعاية والعلاج التي كانت متبعة في العالم الإسلامي. ففي إحدى كتاباته العائدة لعام (1819) أشار إلى أنه في عام (1425) تم في مدينة "ساراجوسا" الإسبانية  إنشاء مصحة للأمراض العقلية تحت شعار الصحة للجميع، وكانت هذه المصحة تتبع أسلوب العلاج بواسطة العمل الزراعي. وكانت مثل هذه المصحات منتشرة في أنحاء عديدة الأندلس. وربما قاده تأثره هذا، إلى جانب عوامل أخرى كثيرة، بالمطالبة في عام (1798)، بعد الثورة الفرنسية بتحرير المرضى نفسياً من قيودهم، وألف كتاباً عن كيفية معاملتهم.

وفي واقع الأمر فإن المعاملة السيئة والقاسية –من وجهة نظرنا اليوم- و التي كان المرضى نفسياً يلقونها أوروبا العصور الوسطى، لم يكن ينظر إليها كذلك في تلك العصور، حيث كان الأطباء يعتقدون ربط المرضى بالسلاسل وتعريضهم للضرب وحمامات من البارد والساخن …الخ، يشكل أسلوباً فاعلاً في العلاج يساعد هؤلاء المساكين على التخلص من مرضهم. ير أن قيمة عمل بينيل لا تحمل أكثر من قيمة تاريخية، إذ أن مناداته بتحرير المرضى، وتحرير قسم منهم بالفعل، وتأليفه كتاب حول معاملتهم، لم تقد بصورة آلية لتغيير الوضع وتبدل النظرة للمرضى نفسياً في فرنسا، إذ أن الأمر استمر لفترة طويلة على ما كان عليه. وككل التغيرات الاجتماعية كان لابد من أن يرافق هذه الدعوى تغير في الرؤية الاجتماعية للمرض والاضطراب العقلي حتى تعطي جهود بينيل وغيره ثمارها، وحتى يأتي ذلك الوقت كان لابد من الانتظار طويلاً.

وفي بلجيكا ظهر جيزلان (Guislan) الذي خفف من قيود المرضى نفسياً في عام (1835)، وشهدت هولندا والسويد مؤسسات تعتني بالمرضى عناية إنسانية. أما في إنجلترا فقد قام جون كونولي متأثراً بتعاليم بينيل بمعاملة المرضى معاملة إنسانية. وفي روسيا قام كرونسبولسكي (Zavadsky Kronoplsky) بترجمة كتاب بينيل إلى الروسية.

أما في ألمانيا فقد كانت الرعاية الإنسانية تمارس في مؤسسات قليلة فقط. ففي عام (1817) نادى كريستيان فيروناندهاينز بتحرير المرضى، وفي عام (1860) تمكن غريزينغر Grisinger ) 1817-1868) من تحرير المرضى. وفق عام (1874) افتتحت مصحة ألت- شيربيتس Alt-Scherbetz، وهي ضاحية من ضواحي مدينة ليبزغ الألمانية وما زالت تمارس عملها حتى يومنا الراهن، وكانت المصحة توفر شروطاً إنسانية في ذلك الوقت قياساً بما كان سائداً، وبدأت المفاهيم الإنسانية تدخل شيئاً فشيئاً. ومن خلال هذه المحاولات المتفرقة، التي كانت تحصل هنا وهناك، بدأت تظهر بوادر الاهتمام والرعاية بالصحة النفسية للمضطربين عقلياً، ومعاملتهم معاملة إنسانية وتبدل النظرة إليهم.

وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت آراء نادت بالاهتمام بالجانحين والمنحرفين والمتأخرين عقلياً، ونادت بإعادة التأهيل للجانحين مثلاً كما هو الحال في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، أو في العيادة التي أنشأها ويتمر (Witmer) في بنسلفانيا في عام (1896)، أو في العيادة التي أنشئت لضعاف العقول في بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية (1909)، أو في معهد رعاية الأطفال الجانحين الذي أنشأه ويليم هيلي في العام نفسه في ولاية شيكاغو الأمريكية.

وفي العام نفسه كذلك -(1909)- تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية  اللجنة القومية للصحة النفسية  National Committee for Mental Health وذلك بعد سنة واحدة من نشر بيريز كتاباً يحمل عنوان "عقل يجد نفسه A mind that found it self"، والذي اهتم بنشر الوعي الصحي وبتصحيح مفاهيم الناس حول الصحة والاضطراب العقلي.

وفي الربع الأول من القرن العشرين ظهرت أولى محاولات قياس وتحديد الذكاء (ظهر أول مقياس للذكاء عام 1905 على يد بينيه في فرنسا)، ومن هذه البدايات انطلقت حركة القياس النفسي، التي ساعدت في التحديد الكمي للتخلف والذكاء، وتحديد معايير للصحة والمرض، و السواء والاضطراب…الخ. وفي عام (1984) تأسست منظمة الصحة العالمية World Health Organization والتي يرمز لها اختصاراً WHO ومركزها في لندن ، هدفت إلى التعاون العالمي في المجال الصحي وتقديم المعونة والدعم والخبرات وتبادلها وإلى نشر الوعي الصحي. 

وفي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حدث تطور كبير قلب المفاهيم الطبية-الفيزيائية التي كانت سائدة حول مفهوم المرض النفسي والأسباب الكامنة خلفه من خلال مدرسة التحليل النفسي التي أسسها الطبيب العصبي والنفسي النمساوي سيجموند فرويد (1856-1939). ولعل تأثير التحليل النفسي في حركة الصحة النفسية هو المعلم الأبرز في تاريخ هذه الحركة. وقد أبرزت مدرسة التحليل النفسي أهمية العمليات النفسية في نشوء الاضطراب النفسي، بعد أن ظل الاتجاه السائد في فهم طبيعة الأمراض والاضطرابات النفسية ينظر إليها نظرة فيزيائية، بمعنى أن البحث عن جذور الأمراض والاضطرابات النفسية لابد وأن يتمركز حول البحث عن العوامل العضوية، وأن لكل اضطراب أو مرض نفسي سبب جسدي وحيد. ولم يكن الأطباء يولون الجوانب النفسية والاجتماعية أهمية تذكر في نشوء الأمراض النفسية. فجاءت نظرية التحليل النفسي لتطور المفهوم الاجتماعي للمرض فأسهمت بذلك –وما زالت- في دفع حركة الصحة النفسية وفهم الأمراض والاضطرابات النفسية.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تبرز اتجاهات أخرى كالاتجاهات السلوكية، التي تؤكد على دور عمليات التعلم في نشوء وتطور الأمراض والاضطرابات النفسية، والاتجاهات الدينامية و الإنسانية، والسلوكية المعرفية ،  وتنوعت المبادئ العلاجية المشتقة من هذه الاتجاهات ما يلى :

Page 7

رابعا : نماذج من الصحة النفسية عالميا وعربيا :

     في معظم دول أوروبا الآن لا يقدم الجهاز الصحي المدرسي خدمات علاجية و يقتصر دوره في هذا المجال على تحويل الحالات المرضية ومتابعة علاجها، ويرجع السبب في ذلك إلى توفر الخدمات العلاجية لجميع الأفراد على مستوى طبيب الأسرة و الأخصائي والتأمين الصحي، و انضمت معظم دول أوروبا إلى برنامج "الشبكة الأوروبية لبرامج المدارس المعززة للصحة " و اعتبرت تلك الدول أن التوعية الصحية و تعزيز الصحة من خلال المدارس والتركيز على البيئة الصحية المدرسية الآمنة بمشتملاتها الطبيعية والنفسية المدرسية و الاجتماعية هي من أهم مكونات  الصحة النفسية المدرسية والتي من خلالها يتم إكساب المجتمع المدرسي أساليب الحياة الصحية التي تمارس يومياً و تؤثر في حياة الفرد والأسرة و المجتمع  وأوصت تلك الدول بضرورة تنمية أساليب الحياة الصحية و تعزيزها من خلال :

     ضرورة إعداد الكوادر التربوية و تدريبهم في مجال  الصحة النفسية المدرسية وذلك من خلال برامج تدريبية نظرية وعملية سواء قبل أو بعد الالتحاق بالخدمة وهو ما يسمى ببرامج الصيف التدريبية Summer School        Courses  ويتم إعداد تلك البرامج من قبل متخصصين في  الصحة النفسية المدرسية .

·  عمل دليل أو منهج للتوعية والتثقيف الصحي للكوادر التربوية والطلاب مبني على الحالة العامة لصحة المجتمع والذى يشتمل على ما يلى :

- أنماط الحياة الصحية اللازمة لتعزيز الصحة والوقاية من المرض.

- التغذية و الغذاء الصحي الآمن و الممارسات الصحية السليمة.

- مكافحة التدخين والإدمان للمخدرات والعقاقير/  الحوادث و الإصابات/  البيئة الصحية المدرسية /   الإسعافات الأولية /  الصحة النفسية المدرسية  .

1-  الصحة النفسية المدرسية في اليابان:

بدأت خدمات  الصحة النفسية المدرسية في اليابان في أواخر القرن التاسع عشر وكانت أهم مكوناتها الخدمات الصحية، التوعية والتثقيف الصحي بالإضافة إلى الجوانب الصحية للبيئة المدرسية. و أهم ما يميز  الصحة النفسية المدرسية في اليابان الآتي:

 نظام فحوص الغربلة الجماعية  Mass screening systemلاكتشاف أمراض القلب والكلى و الجهاز التنفسي والعيون و الأمراض النفسية المدرسية. ومنذ عام 1973 أصبحت فحوص الغربلة الجماعية لاكتشاف أمراض القلب والكلى عن طريق تحليل البول ورسم القلب الكهربائي والصوتي إجبارية في المدارس أثناء الكشف الطبي على التلاميذ. وفي عام 1989 ميلادية، أضيفت إلى برامج فحوص الغربلة الجماعية برامج لفحص الأسنان واكتشاف عيوب العمود الفقري والاكتشاف المبكر لبعض الأمراض المعدية خصوصا الالتهاب الكبدي والإيدز. وتكمن أهمية فحوص الغربلة الجماعية في الاكتشاف المبكر للمشاكل الصحية ومنع    تفاقمها مستقبلاً .

وطبيب  الصحة النفسية المدرسية في اليابان يكون ممارس عام وهو مسئول عن إجراء فحوص الغربلة الجماعية والتي تبدأ مع بداية العام الدراسي في المدارس ويساعده في ذلك "المشرفة الصحية"، والتي يقع على عاتقها الكثير من المهام التي تشمل:

أخذ البيانات الشخصية عن المتعلم.
الشكوى والتاريخ المرضي للمتعلم وعائلتها.
عمل بعض القياسات مثل قياس الطول والوزن وقوة السمع والإبصار بالإضافة إلى بعض المعايير السلوكية.
إجراء بعض التحاليل مثل تحليل البول وأخذ  عينات الدم واكتشاف السمنة والأنيميا.
تسجيل كافة البيانات في السجل الصحي للطالبة ومناقشة ما توصلت إلية مع طبيب  الصحة النفسية المدرسية.

ب- تفقد البيئة المدرسية : وهي إحدى مكونات  الصحة النفسية المدرسية الأساسية في اليابان و تشمل مجموعة من الإجراءات تتم سنويا تشمل:-

التأكد من صلاحية مياه الشرب و الصرف الصحي الآمن مع إجراء التطهير والتعقيم اللازم.
التأكد من مناسبة الإضاءة و التهوية و التدفئة وقلة الضوضاء داخل الفصول.
حل أي مشكلات صحية متعلقة بالبيئة داخل المدرسة.
السيطرة على حوادث المرور و ضوضاء الشوارع وتلوث الهواء.

[جـ- التغذية المدرسية:  أدخلت التغذية المدرسية في اليابان عام 1889، و تم التأكيد عليها من قبل وزارة التعليم عام 1923 ويستفيد منها الآن ما بين 82,1 % إلى 99,5% من التلاميذ في المدارس الأهلية  والحكومية.

 د- التوعية والتثقيف الصحي : وتهدف إلى تزويد المجتمع المدرسي   بمعلومات مبسطة عن الصحة و السلامة و ممارسة السلوكيات الصحية والتعرف على المشكلات الصحية و تنمية المهارات اللازمة للمحافظة على الصحة.

هـ- القيام بالأبحاث : ذات العلاقة بالمشكلات الصحية في المجتمع المدرسي و قد ساعد على ذلك برنامج فحوص الغربلة الجماعية و اكتشاف الأمراض المختلفة و تنشر هذه الأبحاث دوريا كل شهرين في مجلة خاصة تسمى " المجلة اليابانية لصحة النشء".

و أخيرا يرى اليابانيون:

- أن برامج  الصحة النفسية المدرسية ساعدت كثيرا على تحسين صحة المجتمع الياباني.

- أن برنامج تقديم وجبة غذائية في المدارس ساعد على النمو الطبيعي و تحسين صحة التلاميذ.

- أن عمل رسم قلب و تحليل بول و صورة أشعة عند الكشف الطبي على التلاميذ ساعد على الاكتشاف المبكر لأمراض القلب و الكلى والجهاز التنفسي.

- أن المعلمة المدربة صحيا أو المشرفة الصحية لها دور لا يستهان به و مكملا لعمل طبيب  الصحة النفسية المدرسية وهذا الدور ساعد إلى حد كبير في الحد من انتشار الأمراض المعدية وغيرها.

و مستقبلا يركز اليابانيون على التوسع في نظام فحوص الغربلة الجماعية لاكتشاف أمراض ضغط الدم والسمنة و الكوليسترول و الانحرافات السلوكية ومرض الإيدز و الالتهاب الكبدي البائي و اللوكيميا.

Page 8

-  الصحة النفسية المدرسية في أمريكا:

بدأت خدمات  الصحة النفسية المدرسية في أمريكا عام 1800 م بزيارة الأطباء والممرضات للمدارس لإجراء   الكشف الطبي على التلاميذ ومكافحة الأمراض المعدية، وخلال عام 1843م أدخل علم وظائف الأعضاء والصحة العامة في المناهج الدراسية وكانت هذه هي بداية تدريس المفاهيم الصحية في المناهج الدراسية ، كما أدخل برنامج الغذاء المدرسي عام 1905م.

وقد بدأ الاهتمام بالبيئة المدرسية في المدارس الأمريكية عام 1800م وخلال عام 1949م أصبحت البيئة الصحية المدرسية من أهم مكونات  الصحة النفسية المدرسية في أمريكا.   وبداية اعتمدت مكونات  الصحة النفسية المدرسية في أمريكا على ثلاث مكونات رئيسية هي الخدمات الصحية، البيئة المدرسية والتوعية والتثقيف الصحي، وخلال عام 1970م أضيفت بعض العناصر للبيئة المدرسية شملت الجانب النفسي والاجتماعي وخدمات الغذاء و ملاءمة المبنى المدرسي للفئات الخاصة والاهتمام بخلو الهواء من الملوثات  ، وخلال عام 1989م أضيفت إلى مكونات  الصحة النفسية المدرسية مكونات أخرى شملت النصح والإرشاد والخدمات الاجتماعية والنفسية المدرسية والتربية الرياضية   وتعزيز صحة الكوادر التربوية والتعاون والتنسيق بين نشاطات المدرسة والأسرة والمجتمع من أجل تعزيز الصحة    .

ولقناعة مسئولي الصحة في أمريكا بأن الأخطار التي تهدد حياة النشء اليوم تختلف عن مثيلاتها في الماضي حيث أن50% من حالات الوفيات بين الشباب في أمريكا الآن سببها السلوكيات المنحرفة وأساليب الحياة الخاطئة مثل التدخين وإدمان المخدرات والعقاقير وعدم ممارسة الرياضة والسلوكيات الغذائية الخاطئة والانخراط في العلاقات الجنسية الغير شرعية، كل هذا أدى إلى حوادث الانتحار والقتل والإصابة بأمراض القلب والإيدز والسرطان. وللحد من الأخطار الناجمة تلك وضع مركز مكافحة الأمراض المعدية في اطلنطا أربع إستراتيجيات لمواجهة تلك المخاطر شملت:

اكتشاف المشكلات الصحية الناجمة عن السلوكيات الخاطئة ومراقبتها ودراسة ودعم برامج  الصحة النفسية المدرسية والأبحاث التي تواجه هذه المشاكل.
دعم الجهات ذات العلاقة سواء الصحية أو التعليمية أو المنظمات غير الحكومية لتنفيذ برامج  الصحة النفسية المدرسية خصوصاً في مجال التوعية الصحية ضد السلوكيات الخاطئة.
التقييم والتطوير لزيادة فاعلية برامج  الصحة النفسية المدرسية وذلك حسب ما تقتضيه الحاجة، كما قام المركز بعمل دليل لبعض المشكلات الصحية الشائعة في المجتمع المدرسي الأمريكي وكيفية الوقاية منها مع برامج تدريبية للكوادر التربوية شملت المواضيع الآتية: التدخين والإدمان ، الغذاء والتغذية المدرسية ، ممارسة الرياضة خلال مراحل العمر المختلفة , ومرض نقص المناعة ..

عمل دليل للصحة المدرسية للمراحل الدراسية المختلفة يستعان به في المدارس للتقييم الذاتي والتخطيط لتنفيذ برامج التغذية والتربية الرياضية بالإضافة إلى كيفية التعاون بين الأسرة والمجتمع من أجل تعزيز الصحة.[1].

3- الصحة النفسية فى البلدان العربية :

       على الرغم من الأهمية المدركة للصحة النفسية والاهتمام بها ورعايتها في البدان العربية المتفرقة غير أن الاهتمام بالصحة النفسية بمفهومها الحديث ما زال دون المستوى المطلوب، إذ ما زالت رعاية الصحة النفسية مقتصرة على الغالب على المؤسسات الصحية الطبية، حيث تسعى تلك المؤسسات إلى إبقاء أمور الصحة النفسية ورعايتها ضمن اختصاصاتها ومسؤولياتها، متأثرة بما كان سائداً في أوروبا وأمريكا منذ بدايات القرن العشرين وحتى منتصفه. في حين أن التخصصات النفسية غير الطبية مازالت إلى حد كبير مستثناة وغير معترف بدورها الأساسي في تطوير حركة الصحة النفسية في الوطن العربي، الأمر الذي يعيق تطور حركة الصحة النفسية والاهتمام بها، ويؤدي إلى تكاليف اقتصادية باهظة و أضرار اجتماعية لا حصر لها.

وبكرت مصر بانشاء أقساماً للصحة النفسية ملحقة بكليات التربية، وعيادات نفسية مختلفة تهتم بتقديم الخدمات النفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى أن قانون ممارسة العلاج والإرشاد النفسي للمهن غير الطبية كان قد صدر في عام (1956)، وساهمت فى تأسيس المؤسسات الأكاديمية والجمعيات المتخصصة والمجلات الدورية التي تقدم الخدمات النفسية للفئات  المختلفة.

وفي سوريا مارس قسم الصحة النفسية والتربية التجريبية عمله منذ بين عامي (1976-2000) ضمن إطار كلية التربية، التي تمنح درجة الإجازة في علم النفس والإجازة في التربية-حيث لا يوجد في كلية الآداب قسم لعلم النفس- ضمن المجال التدريسي بالدرجة الأولى، ومنذ ذلك الحين توسع القسم ليشمل على متخصصين من التخصصات النفسية المختلفة.

في عام (1996) تم تأسيس الجمعية السورية للعلوم النفسية وفي عام (1999) أعيدت تسميتها إلى الجمعية السورية للعلوم النفسية والتربوية. وتسعى الجمعية نحو تقديم الخدمات النفسية، غير أنها ما تزال تواجه معوقات في هذا الإطار، منها نقص عدد المتخصصين المؤهلين لممارسة المهنة، وعدم وضوح طبيعة الخدمات ونوعيتها من قبل الجمهور. كما وتنتشر في سوريا المؤسسات الخاصة والعامة والدينية لرعاية المسنين والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة ومعاهد إصلاح الجانحين. ومن هذه المؤسسات ما يقدم خدمات جيدة ومنها ما هو ليس كذلك.

كما ويعتبر كتاب نعيم الرفاعي الذي يحمل عنوان "الصحة النفسية- دراسة في سيكولوجية التكيف" الذي صدر عام (1956) من أوائل الكتب في سورية والوطن العربي الذي يعالج موضوعات في الصحة النفسية والمدرسية.

 وشهد لبنان حركة متزايدة باتجاه الاهتمام بالصحة النفسية ورعايتها. إذ يوجد في لبنان مركز للدراسات النفسية والجسدية يتولى إصدار مجلة الثقافة النفسية المتخصصة، بالإضافة إلى الكتب المتخصصة والتثقيفية بهذا المجال. بالإضافة إلى إقامة المؤتمرات النفسية التي تهتم بقضايا الصحة النفسية في الوطن العربي.

كما تخطو المملكة العربية السعودية تحديدا , ودول الخليج العربى خطوات جادة وطموحة تتمثل في زيادة الاهتمام بقضايا الصحة النفسية والوقاية وإعادة التأهيل، وفي تأسيس الجمعيات والمؤسسات النفسية ونشر الثقافة النفسية عبر وسائل الإعلام والدوريات العامة والمتخصصة، وإقامة المؤتمرات. ولا بد من الإشارة إلى ازدياد الحاجة لخدمات الصحة النفسية في البلدان العربية قد ترافق بوعي متزايد للجمهور نحو أهمية الصحة النفسية ورعايتها، وإمكانية استغلال مواردها نحو تحسين نوعية حياة المواطن العربي.

ومع انتشار الإنترنت على نطاق واسع في بعض الدول العربية وعلى نطاق محدود في بعضها الآخر، تشهد حركة الصحة النفسية في الوطن العربي دفعاً إضافياً، يتمثل في تأسيس مواقع متخصصة في الصحة النفسية أو في علم النفس عموماً، منها ما هو عام ومنها ما هو متخصص، بعضها متواضع وبعضها الآخر ممتاز , ومن الأمثلة على ذلك موقع الحصن النفسي والصفحة العربية للعلوم النفسية وموقع الثقافة النفسية للجميع، وجميع هذه الصفحات قامت بجهود فردية.  ولعل الفائدة الأكبر المرجوة من مثل هذه المواقع فتح باب التعاون بين المتخصصين النفسيين المختلفين، أطباء نفسيين ونفسانيين من مختلف التخصصات وتسهيل التواصل والانفتاح على الآخر وتقبله في تخصصه وحدوده، بالإضافة إلى ما تقدمه من فائدة للجمهور العربي ذاته. ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن غالبية سكان الوطن العربي من المحرومين اقتصادياً، وأن امتلاك الكمبيوتر ما زال من أحلام الرفاهية لدى الكثيرين، وأن خدمات الإنترنت في بعض البلدان العربية حكراً على بعض الفئات، فإن الإسهام الذي تقدمه هذه المواقع في خدمة الصحة النفسية للإنسان العربي سوف ينتظر فترة من الزمن نأمل لها ألا تطول كثيراً.

ولعل ما يلفت الانتباه غياب برامج الصحة النفسية من سياسة الحكومات العربية عموماً. فتنمية الصحة النفسية ليست من الأمور المدرجة في خطط التنمية، وهي إن وجدت فهي متواضعة وخجولة. ولهذا أسباب لا مجال لذكرها في هذا الإطار. ولكن الأمل بأن يتزايد الاهتمام بسياسة الصحة النفسية وأن يتم إدراجها ضمن الأولويات الحكومية، كي نجد ما نكتبه حول سياسات الصحة النفسية في الوطن العربي على الأقل.  

Page 9

خامسا : مظاهر الصحة النفسية :

       الصحة النفسية تكوين فرضى ، بمعنى أننا لا نراها ، ولا نلاحظها ملاحظة مباشرة . وإنما نفترض وجودها بناء على أساليب سلوكية تصدر عن الفرد ، نستطيع أن نلاحظها ، وأن نقيسها بصورة من الصور ، ويمكننا أن نستدل من هذه الأساليب السلوكية على وجود الصحة النفسية أو عدم وجودها . وعلى ذلك فنحن نصف شخصا ما بأنه لا يتمتع بالصحة النفسية إذا صدر عنه سلوك له صفات معينة ، ونصف شخصا أخر بأنه لا يملك قدرا كبيرا من الصحة النفسية ، أو أن لديه نقص فى الصحة النفسية ، إذا صدر عنه سلوك أخر . أما السلوك الأول الذى يشير إلى الصحة النفسية ، فهو السلوك الذى نصفه بأنه سلوك " سوى " ( Normal  ) أو " صحى " ( Healthy  ) . أما الشخص الذى لديه نقص فى الصحة النفسية ، هو الشخص الذى يصدر عنه النوع الثانى ، وهى أساليب سلوكية غير سوية . وهو يشعر أحيانا بمشاعر غير متوازنة وغير إيجابية وقد يعانى من توتر بالغ وضيق شديد .

       إذن فالصحة النفسية تعتمد على ما نسميه بالسلوك السوى ، كما يرتبط نقص الصحة النفسية بالسلوك غير السوى . فما هو هذا " السلوك السوى " ؟ . إننا لكى نفهم ماذا تعنى الصحة النفسية علينا أولا أن نعرف ما السلوك السوى ؟ أو على وجه التحديد ما السمات التى يتصف بها السلوك حتى نعده سويا ؟ .

       إذا أردنا أن نحدد السمات التى يتسم بها السلوك السوى ، فليس أمامنا إلا أن نتجه إلى سلوك الأفراد الناجحين والموفقين فى حياتهم الأسرية والمهنية والاجتماعية ، والذين يتمتعون بشخصيات جذابة ، ويتركون أثرا طيبا عند من يتعاملون معه ، ويشعرون بالرضا عن النفس وبالسعادة ومختلف المشاعر الإيجابية الأخرى نحو ذواتهم ونحو الأخرين . علينا أن نتجه إلى هؤلاء الأفراد ( الذين نفترض أنهم يتمتعون بالصحة النفسية ) لنصف سلوكهم . فإذا استطعنا أن نستخلص من هذا الوصف – عن طريق التجريد – سمات معينة فإننا نكون بذلك أمام قائمة بسمات السلوك السوى .   ( علاء كفافى ، 1997 ، 26 )

       ويذكر " أديب الخالدى" أن للصحة النفسية مؤشرات ومظاهر تدل عليها ، ويتوافر العديد منها لدى الفرد الذى يتمتع بدرجة مرتفعة من الصحة النفسية  بعضها ذاتية يشعر بها صاحبها ،   وبعضا الأخر خارجية يدركها الآخرون . ومن هذه المظاهر ما يلى :

1- الاتزان الانفعالى : Emotional Stability    

       إن الاتزان الانفعالى يقصد به الشعور بالتفاؤل والبشاشة والاستقرار النفسى ، والتحرر إلى حد كبير من الشعور بالإثم والقلق ، والوحدة النفسية ، والبعد عن سيطرة المخاوف المرضية ، والأفكار التشاؤمية . ويشير الاتزان الانفعالى إلى حالة من الاستقرار النفسى ، ويطلق عليه أصحاب نظرية التحليل النفسى بمبدأ الثبات الانفعالى ، إذ يرون أن الفرد مزود بالقدرة على الاستجابة للمثيرات المختلفة ، وهذه القدرة هى سمة الحياة . فالإنسان عندما يتعرض لمنبه أو مثير معين يتحول إلى حالة من التوتر أى يكون فى حالة استثارة أو عدم الاتزان الانفعالى ، مما يدفعه هذا إلى القيام بنشاط معين من التوتر والوصول إلى حالة الاتزان .

ويفيدنا هنا أن نشير إلى تحديد الأسس النفسية التى تفسر العلاقة بين الاتزان الانفعالى ، والتوافق الاجتماعى والصحة النفسية وتلخيصها كما يلى :

تكامل شخصية الفرد فى تفاعلها مع البيئة لتحقيق أهدافه .
تفاعل الفرد مع مطالب الحياة الاجتماعية دون التخلى عن تلقائيته.

تكيف الفرد مع شروط الواقع وتقبله لها لتحقيق أهدافه المستقبلية .

الزيادة فى النضج مع تزايد  السن بما يحقق العمليات التوافقية الأكثر تعقيدا .

هـ - احتفاظ الفرد بحالته الانفعالية المتزنة وبصفة خاصة فى المواقف ذات الشحنة الانفعالية .

مساهمة الفرد فى النشاط الجماعى لزيادة كفاءته الفردية وتحسين مهاراته الاجتماعية .  ( أديب الخالدى ، 2002، 49 )

2- العلاقة الصحية مع الذات :

وتتمثل هذه العلاقة فى ثلاثة أبعاد . وهى :

1- فهم الذات :

 وتقبل الذات ، وتطوير الذات . وفهم الذات يعنى أن يعرف المرء نقاط القوة ونقاط الضعف لديه . وأن يفهم ذاته فهما أقرب إلى الواقع ، فلا يبالغ فى تقدير خصائصه وصفاته ، ولا يقلل من قيمتها ، وانطلاقا من المفهوم النسبى العام ، فإنه لا يوجد من يخلو من بعض الجوانب السلبية ، كما لا يوجد من هو عاطل كلية عن بعض الجوانب الإيجابية .

والبعد الثانى تقبل الذات ، يعنى أن يتقبل الفرد ذاته بإيجابياتها وسلبياتها - وألا يرفضها أو يكرهها - لأن رفض الذات أو كراهيتها سيترتب عليه عجز الفرد عن تقبل الآخرين تقبلا حقيقيا . كما أن تقبل الفرد لذاته لا يعنى بالطبع الرضا السلبى عن الذات ، بل إن هذا التقبل لا يمنع الفرد من أن ينتقد ذاته ، وأن يحاسبها ، وأن يقيم سلوكه باستمرار . أما البعد الثالث وهو تطوير الذات فيعنى ألا يقنع الفرد بتقبل ذاته كما هى ، بل عليه أن يحاول تحسينها وتطويرها ، والتحسين أو التطوير يحدث بتأكيد جوانب القوة ، ومحاولة التغلب على النقائص ونقاط الضعف ، والتخلص من العيوب أو التقليل من أثرها على الأقل . إذن فتقبل الذات مقدمة لتحسينها ، لأن من يرفض ذاته لن يسعى ولن يحاول تطويرها .

                           ( علاء كفافى ، 1997 ، 27 )

وتضيف  " حنان عبدالحميد العنانى " أن من مظاهر الصحة النفسية ما يكمن فى التفاعل بين الفرد ومحيطه ، فالاتجاه الإيجابى للصحة النفسية فى مجال التفاعل بين الفرد ومحيطه يظهر فى نوعين من العلاقة التفاعلية ، علاقة الإنسان مع نفسه وعلاقته مع العلم من حوله . أولا : إذا أخذنا علاقة الفرد مع نفسه ، فإننا نستطيع الوقوف عند ثلاثة مظاهر لهذه العلاقة :

( 1)  فهم الفرد لنفسه ، دوافعه ورغباته وتقديره لذاته وقبوله ما هو عليه ، فنحن نرى أن العديد من الآلام والاضطرابات قد تأتى بسبب جهل الفرد بدوافعه ورغباته .

( 2 ) نمو الفرد وتطوره ونظرته إلى المستقبل ، فإذا كان المظهر الأول يشير إلى الإنسان فى فهمه لنفسه ودوافعه ، فإن المظهر الثانى يشير إلى ما يفعله الفرد من أجل مستقبله ومن أجل تحقيق ذاته وتنميتها نموا متكاملا .

 ( 3) وحدة الشخصية وتماسكها تماسكا ينطوى على التغير المناسب من جهة ، والثبات الكافى من جهة أخرى . ثانيا : يتضمن النوع الثانى علاقات الفرد مع محيطه بكل ما ينطوى عليه هذا المحيط من ظروف اجتماعية وطبيعية . ويقودنا هذا إلى الحديث عن المظاهر الرئيسة التالية :

( 1) تحكم الشخص بذاته فى مواجهة الشروط المحيطة به ، ونعنى به قدرته على اتخاذ وتنفيذ قراراته المتصلة بمحيطه ضمن ما به من شروط وظروف .

( 2 ) إدراك الفرد للعالم كما هو ومواجهته بما يقتضيه ، فإدراك الفرد لواقعه ومواجهة ظروفه الطارئة بما يلزم يساعد على التفاعل المثمر بين الفرد ومحيطه .

( 3) سيطرة الفرد على شروط محيطه وتحكمه بها ، وذلك بهدف زيادة سيطرته على المحيط وإحداث تغيير فيه بحيث تأتى النتائج مناسبة لتكوينه هو ، كأن يعمل على تغيير الشروط المحيطة به لإبعاد ما فيها من ضرر أو خطر .

( 4 ) الشعور بالأمن والطمأنينة ، والذى يتحقق نتيجة لنجاح الفرد فى علاقته مع نفسه ومع ما يحيط به .  ( حنان عبدالحميد العنانى ، 1995 ، 16 )   

3- الشعور بالأمن :

       يشعر الفرد السوى بالأمن والطمأنينة بصفة عامة . وهذا لا يعنى أن السوى لا ينتابه القلق ولا يشعر بالخوف ولا يخبر الصراع ، بل إنه يقلق عندما يعرض له ما يثير القلق ، ويخاف إذا تهدد أمنه ، ويخبر الصراع إذا واجه بعض مواقف الاختيار الحاسمة ، أو بعض المواقف التى تتعارض فيها المشاعر . ولكنه فى كل الحالات السابقة ، يسلك السلوك الذى يعمل مباشرة على حل المشكلة ، أو يعمل على إزالة مصادر التهديد ، ويحسم الأمر باتخاذ القرار المناسب فى حدود إمكاناته .وإذا كان الشعور بالأمن والطمأنينة هو القاعدة فى الحياة الانفعالية للشخص السوى  ، فإن الخوف والقلق والتوجس هى المشاعر التى تشكل أرضية الحياة الانفعالية لغير السوى ، خاصة العصابى ، الذى يكون دائم القلق وتتحكم فيه المخاوف ، وتستبد به مشاعر الدونية والنقص . ( علاء كفافى ، 1997 ، 29 )

Page 10

- المرونة : Flexibility    

       ويقصد بها القدرة على التغير المطلوب ، وتعديل السلوك وبالتالى الاستجابة للظروف المتغيرة . والمرونة قريبة من مصطلح التكيف والذى يعنى " القدرة على تغيير السلوك والاستجابة للمواقف المتغيرة " . ولكن نركز فى المرونة على تقبل الفرد ما أصاب حياته من تغيرات ، والمبادرة إلى التلاؤم معها . وعلى النقيض من ذلك فالشخص الجامد والمتصلب Rigide  هو الشخص الذى ليست لديه القدرة على تغيير أرائه واتجاهاته وسلوكه عندما لا تكون هذه الآراء والاتجاهات والسلوك غير ملائمة . ومثل هذا الشخص لا يتقبل أى تغيير يطرأ على حياته ، وتكون النتيجة اختلال توافقه وعلاقاته بالآخرين . ( غريب عبدالفتاح ، 1999 ، 110 )

       وعندما يواجه الفرد السوى مشكلة يريد حلها ، أو هدفا يروم تحقيقه ، فإنه يسلك سلوكا معينا لتحقيق هذا الهدف . فإذا ما تحقق الهدف انتهى الموقف بالنسبة له . أما إذا لم يتحقق فإنه يجرب سلوكا أخر ، فإذا لم يوفق هذا السلوك أيضا ، فقد يحاول سلوكا ثالثا ، وهكذا حسب قيمة الهدف واحتمالات النجاح فى تحقيق الهدف أو حل المشكلة . وإذا تكرر الفشل فقد يعيد الفرد حساباته ، أى يعيد النظر فى الموقف برمته ، أى فكرته الأصلية عن الهدف ، وعن اتجاهاته المتصلة به . ويحاول أن يعرف كيف واجه الآخرون مثل هذا الموقف ، أو المواقف المشابهة . وقد يحاول الاقتراب وتناول المشكلة أو الهدف من زاوية أخرى .

وهذا يعنى أن الفرد السوى يحاول دائما أن يجد بدائل للسلوك الذى يفشل فى الوصول إلى الهدف ، وهى دلائل سمة المرونة . كما أن من دلائل المرونة أن الفرد يمكن أن ينصرف عن الموقف كلية إذا وجد أن المشكلة أو الهدف أعلى من مستوى إمكاناته ، أو أنها لا تستحق الجهد الذى سيبذل فيها . وفى المقابل فإن السلوك غير السوى يتضمن تكرارا للمحاولات ولو كانت فاشلة . ويتكرر السلوك فى هذه الحالة كما هو ، وإن تغير فإن التغير يمس الشكل دون الجوهر . ويسمى هذا السلوك فى هذه الحالة بالسلوك الجامد ( Rigid ) . ويعود السلوك الجامد إلى عدم قدرة الفرد على إيجاد أساليب سلوكية أخرى بديلة ، بسبب نقص المرونة أو الجمود الفكرى . وبالطبع فإن الشخص غير السوى يبرر فشله فى هذه الحالة بعوامل أخرى .

                                         ( علاء كفافى ، 1997 ، 28 ) 

5- الواقعية :

       من مظاهر الصحة النفسية ، والتى تعد أيضا مظهرا من مظاهر التكيف السوى هى تقبل الواقع ، وهذا لا ينفى أن هؤلاء الأشخاص الأسوياء قد يبدون نوعا من عدم الرضا عن الواقع إلا أنهم يتعلمون تقبل حدودهم ويسعون إلى تحسين أنفسهم فى اتجاه جوانب القدرة فيهم . وعلى العكس من ذلك نجد الأشخاص سيئ التوافق قد يعتبرون أنفسهم ضحية للواقع الخاطئ فيشعرون بالأسى لذلك من أنفسهم أو يلومون أنفسهم والآخرين على الظروف غير المناسبة . فالشخص السوى يتقبل الحقيقة بأن الحياة صعبة فى أغلبها ويرى أن نجاحاته تعوض من إخفاقاته وخيبة أمله .   ( غريب عبدالفتاح ، 1999 ، 115 )

وتعنى الواقعية التعامل مع حقائق الواقع . فالذى يحدد أهدافه فى الحياة ، وتطلعاته للمستقبل على أساس إمكاناته الفعلية ، وعلى أساس المدى الذى يمكن أن يصل إليه باستعدادته الخاصة فرد سوى ، وهذا يعنى أن السوى لا يضع لنفسه أهدافا صعبة التحقيق بالنسبة له ، حتى لا يشعر بالفشل ، بل إنه يعمل على تحقيق ما يمكنه تحقيقه . أى أنه يريد ما يستطيع ، ويستطيع ما يريد . وبذلك فهو يشعر بالنجاح ولذة تحقيق الإمكانات .( علاء كفافى ، 1997 ، 29 ) .

إن الشخص الذى يتقبل الواقع يعرف أن أحدا لا يستطيع أن يدير عقارب الساعة إلى الوراء ، أو ينصرف عن الحاضر لينتقل إلى المستقبل ، فهو يعرف أنه ينبغى أن يعيش الحاضر بالرغم من شعوره بأن الماضى أو المستقبل قد يكون أكثر إشراقا . والشخص السوى أو حسن التكيف لا يحاول الهروب إلى عالم الخيال والأوهام ، حيث قد يجد كل شيىء مستحبا وورديا ، وبدلا من ذلك يتقبل سلطة الواقع ، حيث يجد إشباعاته فى الحياة فى إنجازاته وخبراته التى تحدث فى العالم الحقيقى وليس فى عالم الأوهام وأحلام اليقظة . ( غريب عبدالفتاح ، 1999 ، 116 )

إن الشخص الذى يختار لنفسه أهدافا سهلة التحقيق بالنسبة له ، طلبا للشعور بالنجاح لا يسلك سلوكا سويا . فالواقعية هى أن ينظر الفرد إلى الحياة نظرة واقعية . فكما أنه لا يبالغ فى تقدير ذاته ، أو يقلل من قيمتها ، فإنه كذلك لا يبالغ فى تقدير الأهداف أو الاشياء الخارجية ، أو يقلل من قيمتها . ولا يحتاج السوى بصفة عامة – نتيجة للتوازن النفسى الداخلى الذى ينعم به – إلى أن يشوه الواقع ، بعكس غير السوى الذى يميل – نتيجة مخاوفه ومشاعره السلبية إزاء نفسه وإزاء الا×رين – إلى أن يدرك الموضوع على هواه ، وليس كما هو فى الواقع ، فتحدث عمليات التشويه ، والتى تجعل غير السوى لا يعيش واقعه هو ، بل يعيشه كما يحب ويتمنى ( علاء كفافى ، 1997 ، 29 ).