eKtab
EN ع
الشعر البديل
Read free sample

الشعر البديل

by د. إبراهيم علوش

Page 1
المقدمة
 
بعد أن تعرفت إلى الصديق الدكتور إبراهيم علوش مثقفا وناشطا سياسيا منحازا لعروبته وخيارات أمته باستمرار، ها إنني أتعرف من خلال هذا الكتاب، على جانب آخر من شخصيته، يؤكد ثقافة واسعة وإحساسا متواصلا بالهموم القومية والإنسانية، عبر هذه القصائد المترجمة، التي اختارها الدكتور علوش بدقة ووعي واضحين، لتسليط الضوء على صفحة غائبة، أو مغيبة، في المشهد الثقافي الغربي.
 
إن هذه القصائد، التي تنتمي لما بات يعرف بالشعر البديل، هي قصائد مغايرة، قصائد تعرضت، مع شعرائها، للإقصاء والتهميش من المؤسسة الثقافية الغربية، المرتبطة بالمؤسسة السياسية والإعلامية المتغولة، التي تسعى لتقديم صورة للغرب لا تعبر عن كامل المشهد، لتأتي هذه القصائد، التي التقطتها عين الباحث المثقف الدكتور علوش، لتقول لنا إن هناك صورة أخرى بدأت تفرض نفسها على قطاع واسع من المهمشين، سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو دول أوروبا الغربية.
 
في قصائد "الشعر البديل" التي وضعها الدكتور علوش بين أيدي قرائه، في هذا الكتاب الذي سيمثل انتباهة مهمة، فإننا سنتعرف إلى مجموعة من الشعراء الذين تمردوا على خطاب المؤسسة الرسمية، وقدموا أنفسهم متحدثين باسم الضمير المغيب، من خلال مجموعة منتقاة من القصائد، التي ينطبق عليها وصف قصائد المقاومة، لكنها هذه المرة تأتي من هناك، من قلب المجتمعات الغربية، التي حاولت مؤسساتها الرسمية وتحاول، إقصاء كل من يتعارض مع سياساتها العدوانية.
 
ربما كان احتلال العراق، وما نتج عنه من جرائم ارتكبتها الإدارة الأميركية وحلفاؤها، ما كسر أطواق الصمت عند عدد من الشعراء المتمردين الغاضبين، الذين وجدت قصائدهم الغاضبة والمغايرة، اهتماما متزايدا من القراء والمثقفين في الغرب على حد سواء، وبدأ سيل هذا النوع من القصائد يتدفق في عواصم الغرب، ليدين الجرائم المتواصلة ويعلن انحيازه للشعوب المضطهدة.
 
في "الشعر البديل" يشعل لنا الدكتور إبراهيم علوش شمعة استطاع من خلالها إضاءة زوايا معتمة في بنية المشهد الثقافي الغربي، وهو يقدم لنا نماذج من هذا الشعر المقاوم، الذي يمكن النظر إليه باعتباره يمثل "فتحا" جديدا في عالم الترجمة، وفي كسر الحواجز التي حالت، من قبل، في وصول هذا النوع المختلف من الشعر إلى القراء العرب، وهو ما يدعونا إلى بذل مزيد من الاهتمام بهذا الجيل من الشعراء وبقصائدهم التي اخترقت كل جدران الصمت.
 
هشام عودة
 
عمان
 
أيلول 2011
Page 2
الشعر الغربي البديل: مقدمة
 
تعرف مجلة ديتش Ditch الكندية على الإنترنت الشعر البديل بأنه أي شعر غير خطي، غير روائي، غير بليد، غير تأملي، أو غير مفرط في انفعاليته أو رومانسيته أو شخصانيته.
 
فإذا تخيلنا الشعر بلا كل هذه الأشياء، ماذا يتبقى منه يا ترى؟ يتبقى شيءٌ مختلف في موضوعاته وأساليب تعبيره، شيء غير مألوف، مناهض للدراما والعواطف الجياشة، ينمو من استبعاد وتحطيم وتجاوز أوهامه ومشاعره وقممه، شيءٌ ربما يستطيع أن يعبر عن الاحتجاج الفردي أو الاجتماعي أو أن يحدد طبيعة علاقتنا بالعالم بصورة أفضل.
 
وتضيف المجلة أن الشعر البديل هو الشعر الذي يرهق الوعاء الذي يحمله: الكلمة، فهو غير تقليدي في وسائله وأساليب تعبيره وليس فقط في موضوعاته، فهو يحطم مفرداته وبنيته أيضاً.
 
والحقيقة أن الشعر البديل ربما يصبح هكذا وسيلة لتأكيد الذات الفردية وتفردها بصورة أفضل لا أكثر، وليس بالضرورة للتمرد على السائد! فلنرَ!..
 
نقوم في هذا الكتاب الصغير بترجمة بعض قصائد الشعر البديل من بلدان مختلفة ناطقة بالإنكليزية لتعريف القارئ بالحركة الشعرية البديلة في الغرب، وبالثقافة غير السائدة هناك، وبقصائد قد لا تعرف على نطاق واسع في مجتمعاتها إلا بين الفئات المتمردة.
 
كلمة "ديتش" نفسها السابق ذكرها أعلاه مثلاً تعني حفرة، وتعادل بالمعنى هنا "قارعة الطريق" بالعربية، وتعرف المجلة نفسها بأنها تحتوي كل ما لا يجد نفسه سائراً في الطريق، أو التيار السائد، فيلقى به أو بنفسه على جانبها، أو على قارعة الطريق، أي على الهامش، ولكن ليس بالضرورة لأنه تافه، بل بالضبط لأنه لا ينسجم مع ما هو سائد.
 
فكلمة "بديل" هنا لا تعني الشعر المقاوم بالضرورة، أو المسييس، مع أن الأخير يمكن اعتباره شعراً بديلاً لما هو سائد. ونضمن هنا أساساً نماذج من ذلك النوع، البديل المقاوم، أو المسييس، ولو لم يكن مقاوماً، مع التنويه أن ترجمة أي قصيدة يحطم بنيتها وموسيقاها فوراً، إلا ما ندر، ولذلك فإن موضوعنا هنا فعلياً هو البديل في المضمون، في المعنى، وفي التوجه السياسي أو على الأقل في الموضوع.
 
أخيراً، حاولنا أن نقدم نبذة عن الشعر البديل والمقاوم باللغة الإنكليزية، وعن بعض الشعراء الذين كتبوه، سواء كانوا ناطقين أصليين بالإنكليزية أو غير أصليين، ولا نزعم أن ما سيأتي يلم بكل جوانب الشعر البديل والمقاوم، أو كل كتابه، ولا المقصود منه أن يكون دراسة شاملة جامعة مانعة، إنما المقصود تعريف القارئ العربي بما يصعب أن يصله عبر قنوات الإعلام والثقافة السائدة من الشعر البديل بالإنكليزية.
 
ونقدم في السطور التالية رؤية للفرق بين الثقافة البديلة والثقافة المقاومة، حيث أن البديل قد يختزل تميزه في الشكل دون أن يكون ثورياً على الإطلاق، ودون أن يحمل رسالة من أي نوع في بعض الأحيان، لا بل حتى حين يكرس الثقافة السائدة بوسائل مبدعة يتم رفضها في البداية، أو بوسائل تنفيسية، ولذلك نركز هنا على الشعر البديل من النوع المسييس أو على الأقل الذي يحمل رسالة إنسانية.
Page 3
في مفهوم الثقافة الغربية البديلة: الهيب هوب Hip Hop نموذجاً
 
لا يوجد الشعر المناهض للتيار السائد في فراغ، بل يكون جزءاً عضوياً من ثقافة بديلة يغذيها وتغذيه، وفي مفهوم الثقافة البديلة تعرف موسوعة ويكيبيديا، أشهر موسوعة شعبية على الإنترنت، مفهوم الثقافة البديلة Alternative Culture، بأنها أي ثقافة تعيش خارج إطار أو على هامش الثقافة السائدة في المجتمع. وليس ضرورياً بهذا المعنى أن تكون الثقافة البديلة في المجتمع كلاً متجانساً، بل يمكن أن تتشكل من عدة منظومات ثقافية لا يربطها رابط سوى في كونها جميعاً مغمورة أو مهمشة اجتماعياً، مقارنةً بالثقافة السائدة. وليس بالضرورة حسب هذا التعريف أن تمثل الثقافة البديلة موقفاً سياسياً ذا رسالة محددة بالمناسبة، أو أن تشكل تعبيراً ثقافياً عن مشروع تغيير، كالواقعية الثورية مثلاً، مع أنها يمكن أن تمثل مثل ذلك الموقف أحياناً، بمقدار ما يمكن أن تمثل ردة أو حنيناً إلى الماضي.
 
ومن الأمثلة على الثقافة البديلة في الغرب ثقافة "الهبيي" Hippie (الخنافس) في الستينات، القائمة على التمرد على القيود الاجتماعية الضيقة المفروضة على السلوك الفردي في الخمسينات والأربعينات، والمتقاطعة سياسياً بشكل فضفاض، ولكن ليس دوماً، مع حركة مناهضة حرب فيتنام، وحركة الحقوق المدنية الداعية لمنح الأقليات حقوقاً متساوية.
 
ولكن في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، بدأت الثقافة البديلة تأخذ منحى التأكيد على الهوية الخاصة بالأقليات العرقية المهمشة في المناطق الفقيرة في المدن الأمريكية. وبدأت تنتج بصورة تراكمية مشروعاً ثقافياً متكاملاً، من خلال مبادرات شعبية عفوية، لمقاومة التهميش وشطب الهوية الذي كانت تمارسه القوى المهيمنة في المجتمع وشركات الإعلام والإنتاج السينمائي والتلفزيوني. وهذا النوع من الثقافة البديلة بات يعرف باسم ثقافة الهيب هوب Hip Hop، وقد انتشرت انتشاراً كبيراً بشكلها العفوي خلال الثمانينات وبداية التسعينات حتى تمت إعادة إنتاجها تجارياً، وبالتالي مصادرتها سياسياً، من خلال نفس وسائل الإعلام والإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ونفس القوى السائدة، التي جاءت ثقافة الهيب هوب للتمرد عليها في المقام الأول.
Page 4
وفي تعريف مفهوم الثقافة المضادة Counterculture، تقول موسوعة ويكيبيديا بأنها المعادل الثقافي للمعارضة السياسية. فهنا يحمل مفهوم الثقافة البديلة شحنة سياسية واضحة، يتضمن التمرد المدروس على المفاهيم والمعايير السلوكية السائدة، وإنتاج أدب وشعر وموسيقى وغناء ورسم يعبر عن ذلك التمرد ويروج له، مثل الرفض الجذري للنزعة الاستهلاكية السائدة في المجتمع من خلال العودة إلى الطبيعة والتخلي عن المنتجات الاستهلاكية للحداثة المعاصرة كالتلفزيون أو السيارة وما شابه، أو رفض المعايير الاجتماعية السائدة التي تقيم نجاح الأفراد من خلال قدرتهم على مراكمة الثروة والنفوذ، وصولاً للتبني العملي والمكشوف أحياناً لسلوكيات مرفوضة اجتماعياً مثل الشذوذ في أحيان أخرى.
 
فالثقافة البديلة يمكن أن تحتوي أشياء مختلفة ومتناقضة، ويمكن أن تعبر عن حالة سياسية-اجتماعية أو عن مشروع تمرد فردي لثائر بلا قضية، فقد تعبر عن سعي للنهوض وتأكيد الذات أو عن يأسٍ يوصل لتدمير الذات، ولكن ثقافة الهيب هوب بالذات لم يكن الأساس فيها الرسالة السياسية المباشرة، بل تجاوز التهميش العرقي أو الاجتماعي أو الاقتصادي من خلال التعبير الفني، وعن مبادرة شعبية لفرض فسحة للتعبير خارج الفضاء السائد، وهو ما يتضمن بعداً سياسياً بالطبع، سوى أن الأساس فيه كان اجتماعياً وثقافياً. والهيب هوب كثقافة بديلة لم تكن نتاج مؤامرة حزبية تم إعدادها في غرف مغلقة، أو حتى من إنتاج مجموعة من المثقفين المتمردين على مجتمعهم، بل كانت من إنتاج فقراء المدن المهمشين، خاصةً في أحياء السود، أي أنها كانت تعبيراً عفوياً عن صراع طبقي في قلب المجتمع الإمبريالي، في البداية من قلب الأحياء الفقيرة في نيويورك نفسها، حتى تمت مصادرتها في النهاية لمصلحة القوى المهيمنة في ذلك المجتمع، وهو ما لا تقوله موسوعة ويكيبديا.
 
ومن المهم أن يدرك الشبان العرب الذين يقلدون ثقافة الهيب هوب المصادرة والمعاد إنتاجها تجارياً بدون أدنى تمييز، كما من المهم أن يدرك الذين يدينون كل شيء غربي بدون أدنى تمييز، بأن الكثير مما يرونه، ليقلدوه أو يدينوه - بشكل أعمى في الحالتين - كان بالأساس احتجاجاً فنياً على التهميش الاجتماعي بين فقراء المدن الأمريكية الكبرى.
 
وقد أخذت ثقافة الهيب هوب أربعة أشكال أساسية:
 
1) DJing وهي عملية تحويل طاولة الاسطوانة الموسيقية من أداة للسماع إلى أداة لإنتاج الموسيقى، من خلال التلاعب اليدوي الماهر بحركتها أو التلاعب اليدوي باسطوانتين موسيقيتين في آنٍ معاً لإنتاج موسيقى جديدة من الموسيقى السائدة. وهنا يتحول المحرومون من الأدوات الموسيقية إلى موسيقيين بقواعدهم الموسيقية الخاصة المعبرة عن ظروف حياتهم بمجرد امتلاكهم للاعب اسطوانات. وتتميز هذه الموسيقى بما يشبه صوت "الخربشة" على الاسطوانة...
Page 5

2) Rapping وهو عملية غناء الراب Rap، أو غناء الشعر الزجلي الشعبي الذي يمكن أن تصاحبه أو لا تصاحبه نغمة موسيقية، بسيطة أو مكررة عادة، ويمكن إنتاجها شفوياً. وكان الراب يغنى على قارعة الشوارع من قبل مجموعات الشبان في غيتوات الأقليات، وكثيراً ما لا يفهم مقلدو الراب أن تمجيد العنف وعصابات الأحياء واستخدام البذاءات فيه جاء للتعبير عن الغضب والنقمة ضد التمييز العرقي أو الاجتماعي، ليتحول فيما بعد، في عهده التجاري والمسيطر عليه، إلى نوعٍ من العبث الأرعن الإباحي الهروبي الفارغ من المضمون، مع أنه بات أكثر تعقيداً واحترافاً في البنية الشعرية والموسيقية، وما زال هناك موسيقى راب مسييسة، يوجد منها نسخ محلية بكل لغات العالم اليوم تقريباً، وقد انتشرت بقوة مثلاً في الأحياء العربية الفقيرة في فرنسا بفرنسية مختلطة بالعربية.

Page 6

3) Graffiti أو الرسم على الجدران، وقد بدأ في فيلادلفيا، وانتشر منها إلى نيويورك، لينتقل منها إلى بقية دول العالم، وقد جُعل مخالفاً للقانون في الكثير من المدن، وأداته الأساسية هي البخاخ الرخيص الثمن بالألوان المختلفة، الذي تحولت بسببه جدران المدن وأنفاق المترو إلى معارض حقيقية للرسامين الذين لا يعرفون معارض الرسم.

Page 7
4) Break-Dancing بدأ في نيويورك كرقص في الشارع على رقعة من الكرتون يقوم فيها شباب الحي فرادى بالتوالي باستعراض مهاراتهم البهلوانية المتوافقة مع الموسيقى من خلال حركات رقص صعبة تلمس فيها الأرض بأجزاء من جسد الراقص مثل الرأس أو الظهر. وهنا تتحول الأرصفة إلى مسارح لنمط جديد من الرقص تم تطويره في الشارع.
 
Street B-boying in San Francisco, CA
 
وبالإضافة لهذه الأشكال المعروفة من ثقافة الهيب هوب، هناك فن الBeatboxing وهو فن إخراج أصوات الآلات الموسيقية بالفم بدون وجود مثل هذه الآلات، وقد أصبح هناك الآن أيضاً نمط من الثياب يلبسها المنغمسون في ثقافة الهيب هوب، وقد تحولت من موضة شعبية إلى موضة تجارية تنتجها شركات الأزياء بأسعار مرتفعة، كما أن هناك لكنة ومصطلحات وأساليب تعبير خاصة بثقافة الهيب هوب. وشتان ما بين هذه الأشياء عندما تنتج بشكل طبيعي في ظروف بيئتها، وعندما تتحول إلى شكلٍ من أشكال الاستعراض الفارغ عند مراهقٍ ولد وفي فمه ملعقة من ذهب... وهو ما يؤذن بتحول الثقافة البديلة إلى فرعٍ مدجنٍ من الثقافة السائدة.
 
لكن الولايات المتحدة في بداياتها الثقافية كانت ذات نزعات ثورية قومية واجتماعية، وبالتالي كانت تحمل لواء الثقافة البديلة بمعناها الثوري المسييس... وهو ما لا بد أن ينعكس بالشعر بالضرورة كما سنرى.
Page 8
بدايات الأدب والنشر في الولايات المتحدة: نزوع للاستقلال الثقافي عن بريطانيا وانتهاك لحقوق الملكية الفكرية
 
تجد على موقع وزارة الخارجية الأمريكية على الإنترنت، في ثنايا القسم الإنكليزي، كتاباً بعنوان "موجز الأدب الأمريكي" Outline of American Literature. ويحمل الفصل الثاني من ذلك الكتاب عنواناً مثيراً هو: الأصول الديموقراطية والكتاب الثوريين 1776-1820. وهي الفترة التي بدأت مع حرب الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني، والمترافقة أدبياً مع الانتشار الواسع للكراسات السياسية صغيرة الحجم ذات النزعة الثورية والاستقلالية التي لعبت دوراً رئيسياً في تحريض الناس وتوعيتهم وتعبئتهم باتجاه المواجهة مع بريطانيا الاستعمارية والعمل المسلح. وهو ما يعتبر اليوم "إرهاباً"، أو على الأقل "تحريضاً على العنف"، لو طبقنا ما أنتجه أباء الاستقلال الأمريكي أنفسهم من أدبيات على حق الشعوب المحتلة والمقهورة حول العالم في مواجهة الإمبريالية الأمريكية نفسها...
 
وقد ازدهرت الكراسات السياسية الثورية خلال حرب الاستقلال والسنوات التي سبقتها، ونشر منها أكثر من ألفين، بعضها كان يبيع عشرات آلاف النسخ أو أكثر، وكان بعض تلك الكراسات يقرأ قراءة للجمهور، حتى اعتبرت الكراسات أحد أشكال الحرب ضد بريطانيا. كما انتشرت الصحف بكثافة في تلك الفترة، في الولايات المتحدة أكثر من أية دولة أخرى في العالم، وكان هذا التوجه نحو الجمهور، وبعضه غير بريطاني بالأصل، يعني تبسيط الكلمة والأسلوب والتخلي عن التعقيد. أما الكتب والأعمال الأدبية، فكانت قليلة جداً ولم يكن لها شأنٌ يذكر في العقود الأولى بعد تأسيس الولايات المتحدة...
 
وبعد الاستقلال عن بريطانيا، بدا للكثير من الأمريكيين إن انتصار أول حرب تحرير حديثة ضد قوة استعمارية "علامةً إلهية بأن أمريكا وشعبها كان مقدراً لهما العظمة"، كما جاء في مطلع الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي" المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية منذ نهاية عام 2006. وتقول الفقرة الأولى من ذلك الفصل: "أثار النصر العسكري آمالاً بأدب جديد عظيم. لكن باستثناء الكتابات السياسية البارزة، فإن قليلاً من الأعمال [الأدبية] المتميزة ظهرت خلال أو فوراً بعد الثورة".
Page 9
وفي فقرة قد توحي بأن كاتبها إسلامي أو قومي عربي متعصب لو كانت قد نشرت في جريدة أو مجلة عربية اليوم، يضيف الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي": "كان الأمريكيون يدركون لحد الألم مدى اعتمادهم المفرط على النماذج الأدبية البريطانية. فأصبح البحث عن أدب [أمريكي] أصيل هوساً قومياً. وكما كتب محرر إحدى المجلات الأمريكية عام 1816 تقريباً: التبعية حالة من المهانة المشحونة بالعار، وكوننا نعتمد على ذهن أجنبي للحصول على ما نستطيع أن ننتجه بأنفسنا يعني أن نضيف إلى جريمة الكسل وهن الغباء". وهي فقرة تستحق أن يقرأها بإمعان من يقلدون الغرب بدون تحفظ ... كما يستحق أن يقرأها بإمعان المسؤولون الأمريكيون الذين يحاولون أن يفرضوا نموذجهم السياسي والثقافي علينا.
 
ويضيف الكتاب: "الثورات الثقافية، على عكس الثورات المسلحة، لا يمكن فرضها فرضاً بنجاح، بل يجب أن تترعرع في تربة التجربة المشتركة. فالثورات [الثقافية] تعبير عن قلب الشعب، فهي تنمو تدريجياً في الأحاسيس الجديدة وثروة الخبرة. وقد تطلب الأمر خمسين عاماً من التاريخ المتراكم لكي تكسب أمريكا استقلالها الثقافي، ولكي تنتج أول جيل عظيم من الكتاب الأمريكيين من أمثال واشنطن إيرفينغ وجيمس فينيمور كوبر ورالف والدو أمرسون وهنري ديفيد ثورو وهرمان ميلفيل وناثانيل هوثورن وإدغار الآن بو ووالت ويتمان وأميلي ديكنسون. لكن الاستقلال الأدبي لأمريكا تباطأ بسبب استمرار ترابط الهوية مع انكلترا والتقليد المفرط للنماذج الأدبية الإنكليزية أو الكلاسيكية، وبسبب الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي أعاقت عملية النشر".
 
ومن الطريف أن يشكل الاستقلال الثقافي الأمريكي عن بريطانيا، بالرغم من تشابه الجذر اللغوي والعرقي إلى حد بعيد، هاجساً يحتل هذا الحجم من الاهتمام لدى الأمريكيين منذ الاستقلال حتى تاريخ نشر كتاب "موجز الأدب الأمريكي".
 
وحول تلك البدايات لتحقيق الاستقلال الثقافي، يدلنا الفصل الثاني من ذلك الكتاب أن نشأة صناعة النشر الأمريكية قامت بشكل شبه كلي على قرصنة حقوق الملكية الفكرية وحقوق الطبع والتأليف للأدب الأوروبي، خاصة الإنكليزي، بحماية الدولة الجديدة. وهذا الانتهاك المنهجي، المحمي من الدولة عملياً، لحقوق الملكية الفكرية للكتب الأجنبية، كانت توازيه قرصنة حقوق براءات الاختراع للمنتجات الأوروبية في مجال الصناعة، وهو الأمر الذي أشار له أكثر من كاتب عند إصرار حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على تضمين قوانين منظمة التجارة العالمية WTO بنوداً تتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة المعروفة باسم TRIPS أو Trade-Related Intellectual Properties، وهي الحقوق التي تعطي الشركات متعدية الحدود والدول المتقدمة حقوقاً احتكارية للمنتجات وطرائق الإنتاج، وقد أشار نقاد العولمة وقتها إلى أن هذه القوانين، لو طبقت على الدول الصناعية في بداياتها، فإنها كانت ستمنع أية عملية تصنيع حقيقية ومستقلة في تلك البلدان.
Page 10
ويقول الفصل الثاني من كتاب "موجز الأدب الأمريكي" بالنسبة لصناعة النشر الأمريكية: "من سخرية القدر، أن قانون الطبع والتأليف الصادر عام 1790، الذي سمح بالقرصنة [للمطبوعات] كان قومياً في مضمونه، وكان ذلك القانون الذي صاغه نوح وبستر، المعجمي العظيم الذي وضع القاموس الأمريكي المعروف باسمه Webster، يحمي فقط أعمال المؤلفين الأمريكيين، إذ أن الشعور السائد آنذاك كان بأن المؤلفين البريطانيين عليهم أن يحموا أنفسهم بأنفسهم"!! فهل تتذكر السفارات الأمريكية ذلك التي تنشر على مواقعها على الإنترنت تقارير دورية عن مدى تقيد الدول التي توجد فيها بمعايير حقوق الملكية الفكرية؟!
 
ويبدو أن الدولة الأمريكية الوليدة كانت تدرك جيداً ماذا تفعل هنا، حيث يشرح الكتاب المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية أن ذلك القانون، على الرغم من إلحاقه الضرر ببعض المؤلفين الأمريكيين الذين ينشرون في الخارج مثلاً، فإنه أسهم بوضع الأساس للنهضة الثقافية والأدبية الأمريكية التي جاءت لاحقاً. لكن المؤلفين الأمريكيين كانوا قلائل جداً، والأولوية كانت على ما يبدو لخلق أرضية جماهيرية للثقافة كما نفهم من الفقرة التالية في الكتاب: "بالرغم من ذلك، فإن العرض الوفير والرخيص للكتب الأجنبية المقرصنة والكلاسيكيات [الأدبية] في السنوات الخمسين الأولى من عمر البلد الجديد أفاد بتثقيف الأمريكيين، ومنهم الكتاب العظام الأوائل، الذين بدأوا يظهرون على المسرح حوالي عام 1825"!
 
وعند قراءة الفقرات المتعلقة بالجو البائس للكتابة والطباعة والنشر في الولايات المتحدة الأمريكية المستقلة حديثاً، الذي دفع الدولة لحماية القرصنة الفكرية من أوروبا بشكل واعي ومنهجي، نستطيع بسرعة أن نرى مدى تشابهه مع حالة الكتابة والنشر في معظم الدول العربية ودول العالم الثالث، إذ يقول الفصل الثاني من نفس الكتاب: "كانت التحديات العنيدة لبناء أمة جديدة تستقطب الناس المتعلمين والموهوبين للسياسية والقانون والديبلوماسية، فتلك المساعي كانت تعود على أصحابها بالشرف والمجد والأمان المالي، أما الكتابة، فلم تكن تعود على أصحابها بشيء. فالكتاب الأمريكيون الأوائل، بالذات بعد انفصالهم عن إنكلترا، كانوا يفتقدون عملياً لناشرين حديثين أو لجمهور أو لحماية قانونية مناسبة. أما التحرير والتوزيع والدعاية فكانت كلها بدائية"!
 
"وحتى عام 1825، كان معظم المؤلفين الأمريكيين يدفعون للناشرين لكي ينشروا أعمالهم"، وبالتالي كانت الكتابة حرفة للأثرياء والمرفهين، والاستثناء الوحيد كان الكاتب المعروف بنجامين فرانكلين، القادم من عائلة فقيرة، ولكن الذي كان يعمل ناشراً أصلاً، الأمر الذي سمح له أن ينشر أعماله بنفسه... وما عدا ذلك كان الكتاب الذين يحاولون العيش من كد كتابتهم يموتون في العوز.