في الباب الأول - وهو خمس الكتاب - درسنا الحياة العامّة في العصر الأموي، فحلَّلْنا العوامل التي رفعت الأمويين إلى سُدَّة الحكم بدايةَ العصر، والعواملَ التي هوت بهم نهايته، وتعقَّبْنا بين البداية والنهاية جحافل الفتوح، وهي تقتحم الهند والسند، وترنو إلى جدار الصين، وتجوز قمم الأطلس إلى قمم البرانس، وتساور أسوار القسطنطينية، وتمخر عباب المتوسط بصواري السفن بعدما عبرت ثلاث قارات بحوافر الخيل.
ثم رصدنا ما أصاب الحياة الاجتماعية من تطوُّر يُؤْذِن بالتدهوُرِ، بعدما فتح العرب الأقطار، ومصَّروا الأمصار، ومالُوا إلى الترف والسَّرَف، وغالَوْا في العَزْف والقصْف، وعابثوا القِيان، وارتشفوا من الدِّنان. ونقّرنا عن أموال بيت المال: من أين تُجمع، وعلى مَنْ تُغْدق، وعمَّن تحبس. وواكبنا تدوين الدواوين، وصكَّ النقود، وتنظيم البريد، وبَثَّ الشُّرَطِ في الأسواق والأحراسِ بين الناس، وإنشاءَ الحِسْبة لضبط الموازين والمكاييل، وإعلاءَ شأنِ القضاء لضمان العدل، وقمع الظلم.
ثم انتقلنا إلى الحياة الفكرية، فوجدنا العلوم العربية تنشأ نشأةً إسلامية، منْطَلقها القرآن والحديث، وغايتُها فهمُهما وإفهامُهما، ودرسهما وتدريسُهما كتابةً وقراءة، وضبطاً ونقطاً، وتفسيراً وفقهاً. وزرنا البصرة والكوفة لنقف على بداية الحركة اللغوية، ونراقب فاشية اللحن التي أخذت تفشو بين الأعاجم، ثم تعدوهم عدواها إلى العرب، فتثور حميَّةُ النحاة لحماية الألسنة من اللحن، وتتحوَّل الحمية القومية إلى حركة علمية، تقتبس الإعراب من أفواه الأَعْراب، وتصنعُ القواعد من الشواهد بالسَّماع والقياس وفق أصول أوفت على الغاية في الدقة.
ومن هذا الباب اقتحمنا على الشعراء أسواقهم ومحافلهم، فكان الباب الثاني، وهو أربعة أخماس الكتاب. بدأناه بالنـزول على الشعراء في مِرْبَدِ البصرة، ومجالس الكوفة، وقصور الشام ومصر، وبوادي نجد والحجاز، ومغاني الأندلس وخراسان، ورحنا نُصغي إلى المنشدين، ونجمع النصوص، قبل أن ندرس وننقد، ونحلل ونعلل، ونستخلص من النصوص المختلفة خصائصها المؤتلفة لننسج بأنامل الشعراء الصَّناع نفائسَ الطنافس، فإذا هي أربعَ عشرةَ نفيسةً، بسطنا القول فيها في أربعة عشر فصلاً، غلَبَ على بعضها التقليدُ ومحاكاةُ الأمويين للجاهليين، كالوصف. وتمَّيزَ بعضُها بالتجديد واستلهام الإسلام كالشعر السياسي.
وفي الباب الثاني حَرَصنا فيما درسنا من وصف وغزل، وهجاء ورثاء، وزُهْد وسياسة على أن نسلك في فصول الباب الأربعةَ عشرَ مسلكاً واحداً واضحاً، لا نحيدُ عنه إلاّ إذا ألزمتنا طبيعة الغرض المدروس أن نحيد. بدأنا كلَّ فصل بالعوامل التي مهدَّت للغرض، ثم انتقلنا إلى الأنواع، والأنواعُ حملتنا على التقسيم. فكنا نقسم الغرضَ أغراضاً، ونجعل الموضوعَ موضوعاتٍ، كأن نَشْعَبَ الغزل غزلين: عذريَّاً وعُمَريَّاً، ونَصْدَعَ الفخر فخرين: فرديّاً وقبليّاً ليكون تصويرنا ما نتصوُّر أقربَ إلى الدقة، وأبعد عن التعميم.
وفي دراسة الأغراض بعد تشعيبها وتصديعها بَسَطْنا الأفكار أبعاضاً، والمعانيَ أفراداً، واستعنَّا على التوضيح بالموازنة والمقارنة، وعلى الشرح بذكر المناسبات وتفسير المفردات، وختمنا كلَّ فصل بسمات الغرض الفكرية والفنية، ما وَسَم منها الغرضَ وحدَه، وما شارك في بعضها غيرَه من الأغراض، وما كان تقليديَّاً جاهليَّ الطبيعة، وما كان إسلاميَّاً مُسْتوحىً من الكتاب والسنة.
ولم نُخالف عمَّا انتهجنا إلاّ في الفصل الأخير، أي: الشعر السياسي. وسببُ المخالفة أن السياسة أمٌّ مِنْجابٌ كثيرةُ الأولاد، لكن أولادَها أضدادٌ لا أنداد، فيهم الملتزمُ والمتردِّد، والمعارضُ والمتودِّد، والصادق والمنافق، والمخلصُ لما يعتقد، والطامعُ فيما يغتنم، فشقَّ علينا - على سبيل المثال - أن نضمَّ الألسنة الناطقة بالرأي الأُموي إلى الأفئدة الخافقة بعقيدة الخوارج، وأن نستنبطَ الأشباهَ والنظائر من الأضدادِ والنقائض.
الخوارجُ أصحاب عقيدة والتزام، وأتباع الأمويين جُلُّهم لاكلُّهم متكلِّفون متزلّفون، ووَسْم الفريقين بسمات مشتركة ظلمٌ للفريقين، ومخالفةٌ للحقائق. ولهذا لم يكن بدٌّ من أن نخصَّ كلَّ حزب بدوافعَ ونوازعَ، وكلَّ شعر بقَسَماتٍ وشِيات، بهذا النحو من التخصيص آضَ الفصلُ الواحدُ فصولاً متمايزةَ الخصائص ولم يبق فصلاً مُوحَّد السمات.
وبعدُ... فلكلّ منهج عيوب، فمَنْ وقَفَ على عيب فلنا منه النصح لكي نتجنَّب الزلل، وله علينا الصدعُ بالحقّ مشفوعاً منا بالشكر، ومن الله بالأجر، ومن القرّاء بالدعاء.
أ- الأمويون والهاشميون
يطلق المؤرخون اسم «قريش» على مجموعتين من قبائل العرب: قريش الظواهر - وهؤلاء لم يكن لهم شأن في حياة العرب في الجاهلية والإسلام - وقريش البطاح، وهم قسمان: ولد قصّي ابن كلاب، وبنو كعب بن لؤي. وعن هذين القسمين نجمت بطون كثيرة منها: بنو عامر بن لؤي، وبنو عدّي بن لؤي، وبنو سهم، وبنو مخزوم، وبنو تيم، وبنو زهرة، وبنو نوفل، غير أن أبرز البطون المتفرّعة عن هذا القسم: بنو هاشم، وبنو أمية.
يلتقي الأمويون والهاشميون في فرع واحد من أشرف الفروع القرشية، إذْ يرقى نسبهم إلى عبد مناف بن قصي بن كلاب، غير أن ائتلافهم في النسب لم يطغ على اختلافهم في الأهواء، وتنافسهم في القيادة، وإنما شجّع كلَّ فريق من الفريقين على أن يفوز بقصب السبق في النباهة والسيادة على قريش، لأن السيادة على قريش تعني السيادة على العرب.
في العصر الجاهلي بزَّ الأمويون الهاشميين في التجارة، إذْ ذهبوا بالحظ الأوفى من تجارة الشام وشاطروهم تجارةَ العراق واليمن، حتى غدوا أعظم منهم عيراً ونفيراً، وأوفر صامتاً وناطقاً. ثم شفعوا سلطان الثراء بسلطان اللواء، إذْ صارت إليهم القيادة في الحرب، ولم يتركوا لبني هاشم غير الزعامة الدينية، وهي إلى الشرف أقربُ منها إلى الترف، والبذلُ فيها أكثر من الكسب، لأنها لا تعني غير الإشراف على الكعبة وسقاية الحجيج.
وحينما ظهرت النبوة في بني هاشم خُيَّل إلى بني أمية أن الإسلام شرفٌ هاشمي عتيد، يضاف إلى شرفهم التليد، وأن انتصاره يعني تفوق الهاشميين والزراية ببني أمية، ولهذا نهد كبيرُ الأمويين أبو سفيان صخر بن حرب للنبيّ r يخاصمه ويقاومه لا عُتوّاً في الكفر، بل حرصاً على المكانة. فلما أعيته المقاومة أسلم سنة ثمان للهجرة مكتفياً بالمأثرة التي منَّ عليه النبي بها حينما جعل داره مأمناً لمن يختار الإيمان على الشرك.
وبعد وفاة النبيّ r اختلف الأنصار من أوس وخزرج مع المهاجرين من أمويين وهاشميين، فظاهر الأمويون الهاشميين، وآثروا أن تصير الخلافة إلى رجل من بني هاشم على أن تصير إلى الأنصار أو إلى غير الهاشميين والأمويين من قريش، وساءهم أن يتولاّها قرشي من بني تيم، وهو أبو بكر الصديق.
وربمّا كان الأمويون يودّون لو تصير إليهم الخلافة، غير أنهم لم يجرؤوا على المطالبة بها لأن كبيرهم أبا سفيان بقي يحمل راية الشرك حتى فتح مكة. فكيف ينازعون القرشيين السابقين إلى الإسلام؟ وإنْ لم يكن بدٌّ من خليفة قُرشي فليكنْ من بني هاشم، لا من بني تيم كأبي بكر، ولا من بني عدي كعمر. وعلى الرغم من هذه الرغبة المفترضة لم يجهر الأمويون بمعارضة العُمَرين، بل طَوَوْا مطامحهم إلى حين.
قُتل عمر وآلت الخلافة إلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، فأحسّ الأمويون أنهم ظفروا بما كانوا يضمرون، وانقلبت مُظاهرتُهم الهاشميين إلى منافرة، وبعد أن كانوا يتعصّبون لهم صاروا يتعصبون عليهم، ووقر في نفوسهم أن التاريخ استدار إلى ما كان عليه في الجاهلية، وأن زعامة الدنيا رجَعَت إليهم كرة أخرى، فالتفّوا حول عثمان ليستأثروا بالمناصب والمكاسب، ويُقصوا عنها بني هاشم.
ثم قتل عثمان وبويع علي بن أبي طالب، فانتقلت زعامة الدنيا مرة أخرى إلى بني هاشم، فشقَّ على الأمويين أن يذهب الهاشميون بمجد الدنيا والدين كرةً أخرى على النحو الذي حدث بعد البعثة النبوية، فاتخذوا من الثأر لعثمان سُلَّماً يرتقون عليه إلى سُدّة الحكم. وراحوا يجهرون ويجأرون بما كانوا يضمرون، وتمادوا في اتهام عليّ بالإحجام عن إنقاذ عثمان، وتجمعوا في مكة، ثم انتقلوا منها إلى البصرة، وحاربوا عليّاً في معركة الجمل، فانهزموا، ولكن الهزيمة لم تثنهم عن الإصرار على مناوأة عليّ.
وبعد هزيمة الجمل انتقلت فلولُ المطالبين بدم عثمان إلى الشام، وتجمّعوا حول معاوية، وأخذوا يتنمَّرون للقتال مرة أخرى، وخاضوا معركة صفين، وقبل أن تنـزل بهم الهزيمة رفعوا المصاحف، وفزعوا إلى التحكيم. وتمخّض التحكيم عن انقسام خطير شطر جيش عليّ، وشغل علياً بمحاربة الخوارج. فلما قتل عبد الرحمن بن ملجم علياً خلا الجو لمعاوية، فدعا الناس إلى مبايعته، وأقنع الحسنَ بن علي بالتنازل عن حقِّه في الخلافة، بما أوتي من دهاء وحنكة.
أيحقٌّ لك أن تقول: بهذا الدهاء وبهذه الحنكة استطاع معاوية بن أبي سفيان أن يحوّل نظام الحكم من خلافة أساسُها الشورى، إلى ملكية تتسمَّى بالخلافة، وتستند إلى الوراثة؟ أم أن لهذا التحول عوامل أعمقَ من دهاء معاوية، وأبعدَ تأثيراً في أحداث التاريخ من خبرته وحنكته؟
ب- عوامل التحول من الخلافة الراشدة إلى الحكم الوراثي
يخطئ من يدّعي أن دهاء رجل واحد يستطيع أن يغير مجرى الأحداث، فيصرف التاريخ عن وجهته إلى وجهة أخرى. فأحداثُ التاريخ الكبرى كالثورات السياسية والاجتماعية والتبدلات الطارئة على أنظمة الحكم تأتي نتيجة لأسباب كثيرة، تتداخل وتتفاعل قبل أن ينجم عنها وضع جديد. وانتقالُ الحكم على يد معاوية من الخلافة الراشدة إلى الملكية الوراثية لم يحدث إلا وفق هذا الناموس التاريخي المطّرد. فما أهم العوامل التي أحدثته؟
لقد تهيأت للتغير عوامل كثيرة: بعضُها جغرافي، وبعضها اقتصادي، ومنها ما له صلة ببنية المجتمع الجديد، ومنها ما له صلة بالتطوّر الفكريّ السريع. وهذه العوامل - على تميّز بعضها من بعض - كانت متقارضة لا متعارضة، إذْ أثر بعضها في بعض وتأثّر، ونجم عن تبادلها التأثر والتأثير هذا الانتقالُ في نظام الحكم من حال إلى حال.
1- العامل الجغرافي:
حينما وسّعت الفتوح مساحة الدولة العربية الإسلامية فقدت المدينة المنورة موقعها الملائم لإدارة هذه البقاع الآخذة بالاتساع، إذْ نقلها الاتساع المتتابع من مركز الدائرة إلى قطاع جانبي منها، وأفرغها أو كاد يفرغها من الصحابة، وهم مجلس الشورى في دولة الخلافة، فانساحوا مع جيوش الفتوح في مشارق الأرض ومغاربها. فكيف يتسنى للخليفة الأموي أن يجمع أصحاب الرأي في حاضرته بعدما قذفتهم كتائب الجهاد في كل واد بين الهند في الشرق وإفريقية الشمالية في الغرب؟
لقد فرض هذا الوضع الجغرافي النظام الملكيّ فرضاً، لأنه يحصر صنع القرار في شخص الخليفة في الحاضرة، أو في قائد الجيش البعيد عن الحاضرة، أو في الوالي الذي ينتدبه الخليفة لحكم أحد الأقطار. ويُخوِّل من ينوبون عن الخليفة حقَّ التصرف فيما يتولّون من أمور القيادة والإدارة، لأن معايشتهم الأحداث والأوضاع تجعلهم أقدر من الخليفة على تصريفها.
2- العامل الاقتصادي:
تأثير الاقتصاد في سياسة البلاد أظهرُ من أن يُنكر، فغزارةُ الموارد التي جاء بها الفتح من الشام والعراق ومصر جعلت المدينة المنورة في خلافة عثمان تتلقى سيولاً من الغنائم والخراج والأنفال، وتتخلّى عن تشدُّد أبي بكر وتقشُّف عمر، فمال الناس عن الشظف إلى الترف، وعن الزهد إلى البذخ، وأخذت زينة الدنيا تزاحم ثواب الآخرة. فلما نقل عليّ حاضرة الخلافة من المدينة إلى الكوفة، وأصرّ معاوية على التفرد بدمشق فقدت المدينة بعضاً من ثرائها وبهائها، وتنافست الكوفة ودمشق أيُّهما تذهب بالشرف والترف بعدما تنافستا في الريادة والقيادة. ومن يقارن «كسروية» معاوية بتزمّت[2] عليّ يتوقّع أن الترف الأموي الذي انتصر على التزمت الهاشمي آيلٌ بالحكم من الخلافة إلى المُلْك. ولم تمض سنون بعدما انتصر الأمويون حتى وقع المتوقّع.
3- العامل الاجتماعي:
بعدما أخمد أبو بكر حركة الردّة، وبسط سلطان الحجاز على نجد واليمن وتهامة واليمامة خرج الأعراب من مجاهل العزلة السياسية والاجتماعية، وراحوا يتدفقون على المدينة. ونجم عنهم جيل جديد، لم يكن له صحبة، ولم يتخلّق بأخلاق النبوة، لكنه كان مُصرَّاً على المشاركة في صنع الأحداث السياسية، وغايته من المشاركة أن يصيب حظّاً من المكاسب، لا أن يرسّخ المبادئ التي ورثتها الخلافة الراشدة عن النبوة. لقد كان جيلاً ثائراً متمرّداً على الواقع، راغباً في تغييره. والتغييرُ بعدما زالت العصبيات وتوحّدت القبائل في أمة واحدة هو الانتقالُ بالحكم من الخلافة الدينية إلى الملك الدنيوي. فكان الحكم الأموي التعبيرَ الواقعيَّ عن هذا التغيير المرجوّ.
4- العامل الفكري:
وثالث العوامل مرتبط برابع، وهو العامل الفكري الذي سوّغ هذه النقلة، وهي عند التحقيق ردة فكرية من التقدم إلى التخلف، لا تطوُّر سياسيٌّ من الفوضى إلى النظام. لقد قمع أبو بكر الردّة الدينية، وارتضى الأمويّون الردة السياسية، فعادوا بنظام الحكم من شورى الخلافة غير الموروثة إلى التفرّد الملكي الموروث. وكأنَّ الفكر العربي آنذاك لم يستطع أن يرتقي المرتقى الذي حاولت الخلافة الراشدة أن ترفعه إليه، فراح بالعقلية الأعرابية المتخلفة يحارب رشاد الشورى.
ولك أن تقول: إن فترة الخلافة الراشدة كانت طفرة زاهية راقية، سبقت زمانها. فأنظمة الحكم التي ألفتها جزيرة العرب والدول المحيطة بها كانت ملكية وراثية. يتوارث فيها الحكم ملوكُ الغساسنة والمناذرة وأباطرةُ القياصرة والأكاسرة بلا شورى ولا بيعة، فكان ظهور الشورى في بيئةٍ وعصرٍ رسّخا الملكية خطوةً ميمونة نحو الحكم الجمهوري غير المألوف. فلما استجاب الأمويون للمألوف ساروا القهقرى، فوأدوا رشادَ الشورى وإيثارها بفساد الوراثة واستئثاراها.
جـ- ما نجم عن العوامل السابقة
المؤرّخ الموضوعيّ المنصف، سواءٌ أكان يؤثر صراحة عليّ على دهاء معاوية، أم يسوّغ الوسائل التي توسَّل بها معاوية إلى الحكم، لا يستطيع إلاّ أن يُقرَّ بأن العوامل التي ذكرنا أربعة منها تضافرت، فنصرت الأمويين على الهاشميين، لا بدهاء معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، ولا بتزمت علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري، وإنما بالانسياق مع العلة والمعلول، وارتباط النتائج بالأسباب، أي: بالاحتكام إلى منطق التاريخ والانحدار مع التيار.
لقد حكم الراشدون العربَ حكماً مثاليّاً[3]، استمدَّ قوته من روح الإسلام التي عمرت العقول والقلوب بالإيمان والمبادئ، ولم يحكموهم بقوة الاقتصاد التي تملأ البطون والأيدي بالغنائم. فلما زاحمت الغنائمُ المبادئَ وزحمتها فقد الحكمُ الراشدُ القدرةَ على الاستمرار، وأدرك عليٌّ ومعاوية هذه الحقيقة ووقفا منها موقفين مختلفين: أما عليٌّ فقد عارض التيّار الماديّ الجارف، وحاول أن يحمل أنصاره على أن يعارضوه، فلم يقو على المعارضة إلاّ قلةٌ من طُلاّب الآخرة. وأما معاوية فقد سار مع التيار، ولم يكلِّفْ أحداً أن يسير معه، لأن طلاّب الدنيا، وهم الكثرة الكاثرة، انقادوا لأهوائهم، فإذا هم جند معاوية، وإذا الثراء الذي عُرف به الأمويون في الجاهلية يفرض سلطانه من جديد.
وممَّا ساعد معاوية على الظفر أن عرب الشام أَلِفوا ولايته عليهم طوال عشرين سنة، فشقَّ عليهم أن ينصرفوا عمّا ألفوا من زينة الحياة الدنيا، فظاهروا ترفه على زهد عليّ. وممّا زاد طين عليّ بلّة، وجيشه علَّة إلى علة، خروج فريق من هذا الجيش عليه بعد التحكيم، فكان عليه أن يحارب الخوارج قبل أن يحارب الأمويين، لأنهم أقرب إليه وأخطر، ولأنهم بثوا الفرقة بين أنصاره، فكان يستنفر جنوده فلا ينفرون، حتى شكا ممّا كان يلقى من تخاذلهم في بعض خطبه، فقال لهم: «... أصبحتم غَرَضاً، تُرْمَوْن ولا تَرْمُون، ويُغار عليكم، ولا تُغيرون»، وقال أيضاً: «... وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجلٌ شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب».
وبصراحة لابُدَّ من الجهر بها على المؤرّخ أن يعترف بأن ما نجم عن العوامل السابقة انطوى على ارتدادةٍ لا تخلو من جاهلية. فالعالَمُ كلُّه قبل الإسلام كان يُساس بالروح الفردية والأثرة الاقتصادية. والعدلُ الذي جاء به الإسلام دعا إلى إلغاء الاستبداد، وإلى التحرر من الاستغلال، ومن سيطرة القلة على الكثرة، وراح يوزع أموال الدولة على الناس كافّة، فتوهّج هذا النظام في عصر النبوة والخلافة الراشدة. فلما خمد توهُّجه وطغت الأثرة كرة أخرى، رصد معاوية هذا الطغيان، وانقاد له، أي: استجاب لمنطق التاريخ ولم يفرض نفسه عليه، فانتصر، ولم يكن انتصاره ظهورَ حق وزهوقَ باطل، وإنما كان انقياداً لواقعٍ آخذ بالتشكُّل، واتّساقاً مع نظام يفرض نفسه على الأمة.
والإقرار بتأثير هذه العوامل لا يعني إنكار الدهاء الخاصّ. فقد عرف معاوية كيف يجند نتائج ما حدث لمصلحة الأسرة الأموية عامة، لا لمصلحته الشخصية خاصة. فلم يكتف بالخلافة التي انتزعها من الهاشميين بعد مقتل عليّ، بل حرص على أن يورِّثها ولده، فأخذ البيعة ليزيد، وهو يعلم علم اليقين أن بين المسلمين من يَفْضُلُه، فتحوَّلت الإمامة - والقول للجاحظ - إلى ملك كسروي، والخلافة إلى منصب قيصري. ولترسيخ الكسروية والقيصرية اصطنع معاوية القبائل اليمنية القاطنة في بلاد الشام لتغدو القوة الضاربة لكل من يعارض بني أمية في حياته، أو ينازع ولده عروة الخلافة بعد وفاته، متوقعاً أن تأتي المعارضة من قيس ومضر، وفي هذه السياسة القبلية ما فيها من ارتداد إلى الجاهلية كرة أخرى.
دام حكم معاوية ما يقرب من عشرين سنةً بين سنة 41هـ وسنة 60هـ فلما تسنّم يزيد كرسيّ الحكم وقع ما توقّع أبوه، إذْ ثار الهاشميون في العراق، والزبيريون في الحجاز، فجابه يزيد الثوار بعنف أخمد ثورتهم، وعسف استأصل شأفتهم، فقتل عُبَيْدُ الله بن زياد واليه على العراق الحسينَ بن عليّ رضي الله عنهما ، ونكل جنودُه بأهل المدينة، وحاصروا مكة، وأجبروا عبد الله بن الزبير على الخضوع لخليفة دمشق.
توفي يزيد أوائل سنة 64هـ، فحاول ابنه معاوية الثاني أن يتخلّق بأخلاق معاوية الأول في الملاينة والدهاء، وآثر شعرةَ جدّه على رُمْح أبيه، وأقلع عن التنكيل بآل البيت والزبيريين، وكاد يعدل عن التوريث إلى الشورى، غير أن موته أواخر سنة 64هـ فوّت عليه وعلى الأمة ما كان يخامره من الترفُّق بالرعية والحكم بالسوية، والتأسي بالراشدين الأربعة. وبموته انطوى حكم الفرع السفياني، وبدأ حكم الفرع المرواني.
رأسُ الفرع المرواني مروان بن الحكم الذي لم يدم عهده أكثر من سنة واحدة قضاها في إخماد الفتن، معتمداً على قبائل اليمن في سحق قيس ومضر، كأنّه كان يتهدّى بهدي معاوية الأوّل. والمؤسّسُ الحقيقي للدولة المروانية هو عبدُ الملك بن مروان، إذْ تمكن في أثناء حكمه بين سنة 65 وسنة 86هـ أن يقمع الفتن، ويستلَّ الإِحن، ويبطش بالثائرين، ويقضي على ابن الزبير، ويرسخ الحكم الأموي.
د- مسرد الخلفاء الأمويّين
بدأ الحكم الأموي سفيانياً، وانتهى مروانيّاً، ودام واحداً وتسعين عاماً قمريّاً بين [41-132هـ] [661-750م] وفي هذه المدة اعتقب كرسيَّ الحكم أربعةَ عشر خليفة: ثلاثةٌ من ذرية أبي سفيان، وأحدَ عشرَ من ذرية مروان بن الحكم، وآخرُهم مروان الثاني، وتتابعوا على النحو التالي:
1- الفرع السفياني:
معاوية بن أبي سفيان [41-60هـ]
يزيد بن معاوية [60-64هـ]
معاوية بن يزيد [ من ربيع الأول 64- إلى ذي القعدة 64هـ]
2- الفرع المرواني:
مروان بن الحكم [64-65هـ].
عبد الملك بن مروان [65-86هـ].
الوليد بن عبد الملك [86-96هـ].
سليمان بن عبد الملك [96-99هـ].
عمر بن عبد العزيز [99-101هـ].
يزيد بن عبد الملك [101-105هـ].
هشام بن عبد الملك [105-125هـ].
الوليد بن يزيد بن عبد الملك [125-126هـ].
يزيد بن الوليد بن عبد الملك [من رجب 126- إلى ذي الحجة 126هـ].
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك [126-127هـ]
مروان بن محمد بن مروان [127-132هـ].
هـ- سماتُ الحكم الأموي
يشقُّ على الدارس أن يسم الحكم الأمويَّ بسمات تميزه من حكم النبي صلى الله عليه وسلم وحكم الراشدين رضي الله عنهم ما لم يرسم صورة سريعة الخطوط والألوان والأظلال للنظام السياسي في عهدي النبوة والخلافة الراشدة، لأن أنظمة الحكم في كل أمة من الأمم ينجم بعضُها عن بعض، أو يتأثر بعضها ببعض، على نحوٍ من الأنحاء. فاللاحقُ - وإن خالف السابق في بعض الجوانب - يوافقُه في جوانب أخرى.
النبيّ r كان الحاكم في السلم والقائد في الحرب، والمشرّع والموجّه في كل حين، يشرح للناس أمور دينهم، ويرسم لهم سلوكهم في دنياهم، مستنداً إلى تفويض إلهي. وليس لأحد أن يعارضه أو يخالف عما يأمرُ به، وينهى عنه، تطبيقاً وتصديقاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 59/7] . وإذا أردت أن تُسمّي هذا النظام القديم باسم جديد فقل إنه حكم إلهي أو ديني (ثيوقراطي)، لأنه مستمدٌّ من الله، ولأن سلطاته الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية كانت في يد النبي صلى الله عليه وسلم، لا ينازعه أحدٌ شيئاً منها.
وتركيز السلطات في يد واحدة لم يكن يعني الاستبداد، وإنما كان يعني الطاعة المقرونة بالتقوى، والإسلامُ نفسه يعني أن يسلم الإنسانُ نفسه لله وللرسول، وهذا الفهم أراح الرعية من التفكير في المعارضة، ولم يُغْرِ الراعيَ في الاستئثار بالرأي، لأن الله الذي خَوَّله الحكم بين الناس أمره بأن يشاور الناس لتعتدل كفتَّا الراعي والرعية، قال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 3/159] . وقال أيضاً: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 42/38] . ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجد أدنى غضاضة في تقبل الآراء السديدة من أعلام الصحابة وأغفالهم، غير متحيز لمشهور على مغمور. وأدلّ ما يدلك على صدره الرحب موقفان أحدهما في غزوة بدر، والآخر في غزوة الأحزاب:
في حديث ابن هشام[4] عن غزوة بدر: «أن الحباب بن المنذر بن الجموح، قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنـزل؟ أمنـزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخَّر عنه؟ أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنـزل فانهضْ...» ونهض رسول الله بالجيش إلى الموضع الذي تخيَّره الحباب.
وفي حديث ابن هشام عن حفر الخندق حول المدينة يوم الأحزاب قال[5]: «يقال: إن سلمان الفارسيّ أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم». فتقبَّل النبي صلى الله عليه وسلم نصحه، وحفر الخندق، فكان حفره عاملاً بارزاً من عوامل الهزيمة التي حاقت بقريش والأحزاب.
فإذا ارتقيت من الحُباب وسلمان إلى أبي بكر وعمر وعلي وجدت هؤلاء الأعلام يطوفون بالنبي صباحَ مساءَ، فيستشيرهم أو يشيرون عليه بأنصع الآراء. ولعلَّه كان يتعمّد استشارتهم ليعلّمهم التناصح والتشاور، ويصرفهم عن التفرّد بالرأي. جاء في الحديث[6]: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم»، فأيُّ إطار يسع الشورى أوسعُ من هذا الإطار الذي رسمه النبيّ لنظام الحكم في عهده ومن بعده؟
وهذا النمط من الشورى لا يعني إلغاء المبدأ الذي قام عليه النظام السياسي النبوي، لأن الأسس والتشريعات إلهية المصدر، وصدورُها عن الله، يحظر على الشورى معارضتها أو إلغاءها أو إحلال شرائع بشرية محلّها. ومقابل هذا الترسيخ للثوابت نجد أفقاً واسعاً للاختيار، وأهمُّ ما في هذا الأفق أن النبيّ r لم يفرض على أمته نظاماً سياسياً يُلزمُ خلفاءَه اتّباعَه، ولم يورِّث الحكم أحداً من أقربائه أو أصفيائه، واكتفى بخطوط عريضة تُتيح للمسلمين أن يتحركوا بين أوجهها المحتملة وفق مبادئ عامة تضمن مصلحة الأمة وإقامة العدل، وتتيح للرعية محاسبة الرعاة إذا انحرفوا أو عسفوا.
وحسبُك دليلاً على أن الراشدين أدركوا أعمق الإدراك ما رمى إليه نبيُّهم أن تقرأ الخطبة التي خطبها أبو بكر رضي الله عنه بعد ما بايعه الصحابةُ لتجد أن الخليفة استوعب النظام المرجوّ، ولخَّصه بسطرين: في السطر الأوَّل قرّر مبدأ الشورى والمعارضة، فقال[7]: «أيُّها الناس، إني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني». وفي السطر الثاني قيّد الشورى والمعارضة بالشرعة الإلهية الثابتة لا بالرغاب البشرية المتقلّبة، فقال: «أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».
بهذه الخطوط والألوان رُسمت صورة النظام السياسي النبوي والراشدي. فهل التزم الأمويون في حكمهم هذا النظام وما انطوى عليه من عدل وشورى؟ وهل أنفقوا مال الدولة في الوجوه التي ألزمهموها الشرع؟ وما الموقف الذي وقفوه من العصبية القبليّة؟ وكيف طبّقوا حدود الشرع؟ أطبقوها بسويّة الراشدين أم بما تقضي به مصلحة الحاكمين؟ ثم ما الأساليب التي اتبعوها في معاملة أعدائهم من الشيعة والزبيريين والموالي؟ أعاملوهم بالتي هي أحسن، أي بشعرة معاوية وحلمه، أم بالتي هي أسوأ، أي: بسوط الحجّاج وحزمه؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة تتضح السمات العامة التي اتسم بها الحكم الأموي.
1- العزوف عن الشورى:
حَرَص معاوية منذ كان والياً على أن تكون له الكلمة العليا في حكم الشام. فلما انقلبت ولايته إلى خلافة تأصَّل فيه هذا الحرصُ لئلا تنقلب الشورى إلى فوضى، والفوضى إلى ثورة، فينهار الصرح الذي أقامه. ولعلّه اعتبر بمصرع عثمان وعليّ رضي الله عنهما ، ففسّر ما جرى لهما تفسيراً لا يخلو من صواب، وهو أنهما ما قُتِلا إلاّ لأنّ رحابة الصدور تفرّق الصفَّ، وتصدع الوحدة، حتى إن عليّاً نفسه اعترف بهذه الحقيقة الموجعة حين خطب جنده فقال: «أقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلناً، وأناديكم نداء المستغيث معرباً، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة». وأشقُّ ما يشقُّ على القائد أن تصبح الكثرة الرعناءُ صاحبةَ القول الفصل، فتحمل القائد على الإخفاق. قال عليٌّ كرم الله وجهه: «وقد كنت بالأمس أميراً، فأصبحت اليوم مأموراً، وكنت ناهياً، فأصبحت منهيّاً، فليس لي أن أحملكم على ما تكرهون». ولخّص الفساد الناجم عن فوضى الشورى[8] بجملة واحدة ذهبت مذهب المثل، وهي «لا رأي لمن لا يطاع».
اتعظَّ معاوية كما يُخيَّلُ إلينا بتجربة عليّ، ورأى أن الشورى يجب أن تُحصر في صفوة الصفوة من العقلاء، وأن يُقصى عنها الأعراب والدهماء، فعاد بالشام ثم بالدولة كلها إلى ما كان عليه الحكم أيام الغساسنة وفي دولة بيزنطة المجاورة أي: إلى حكم الفرد. وإن لم يكن بدٌّ من المشاورة والمؤامرة، فليشاور أهل الرأي وليؤامر ذوي الخبرة ممن لهم معرفة بالكتاب والسنة، وخبرة في الإدارةِ والحكم، وحظٌّ من الذكاء والدهاء كعمرو بن العاص، وزياد بن أبيه.
2- توريث الحكم:
عزوف معاوية عن الشورى أغراه في الصدوف عن تولية الفاضل إلى تولية المفضول، ذاهباً إلى إجازتها إذا كانت تحقن الدماء، وتضمن الاستقرار. فأخذ البيعة من بعده لولده يزيد، وفي المسلمين أمثالُ الحسين بن علي، وعبدُ الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير. ولعلّه فعل ما فعل ليجنب الأمة ما قد يعرض لها من اصطراع الأطماع في سبيل الظفر بالحكم، لا إيثاراً لولده وحسب. ومهما يكن الدافع الذي دفعه إلى أن يخطوَ بالحكم هذه الخطوة الراجعة، فإنه ابتدع بدعة كسروية أو قيصرية، حوَّلت شورى الخلافة إلى وراثة الملك.
3- المال في مصلحة الحكم:
والسمة الثانية تُفضي إلى ثالثة، وهي تسخير المال لحماية الحكم الملكي من الانهيار، إمّا بتألّف القلوب المعارضة، وإمّا بتأكيد التأييد من الأنصار القدماء. وهذا التبذيرُ في الإنفاق لا يعني الحيف على أعطيات الجند، فإعداد الأجناد للجهاد كان له الحظُّ الأوفى، وما فضل من المال يصيرُ إلى المعارضين ليؤيّدوا، أو إلى الأعوان ليقيموا على العهد.
في عهد الراشدين، وخاصّة في عهد عمر، كانت الأعطيات تقدّر بحسب السبق إلى الإسلام والتسابق في نصرته. وفي عهد الأمويين أصبح مقدار العطاء يُقاس بمقياس آخر، وهو الإخلاصُ للحكم، والتفاني في خدمة الحاكم، والعمل على ترسيخ الدولة. وعلّل الأمويون صنيعهم هذا بأن الدولة تمثل الإسلام، وتنبثق منه، فمن دافع عنها وأيّدها، فإنه يدافع عن الدين ويجاهد في سبيله. ولمّا كان الناس على درجات متفاوتة في الإخلاص، فإن أعطياتهم كانت على درجات متفاوتة في المقادير، وليس من حقّ أحد أن يطالب الخليفة بالمساواة أو الإنصاف لأنه أعلم من الرعية بمصلحة الدولة، وأحرصُ منهم على حمايتها وتثبيتها.
4- العصبية القبلية فالقومية:
إذا تتبعت المراحل التي جازها معاوية من الولاية على الشام إلى الخلافة أدركت أنه سبق ابن خلدون في الكشف عن قاعدة سياسية مطّردة، وهي أن النظام الملكي لا يستمرُّ، ولا يستقرُّ إلا إذا جُعلت العصبيةُ ركناً من أركانه، أو سمة من سماته.
قال ابن خلدون[9]: «وصاحبُ العصبية إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها. فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتّباع، ووجد السبيل إلى التغلُّب والقهر لا يتركه لأنه مطلوبٌ للنفس، ولا يتمُّ اقتدارها عليه إلاّ بالعصبية التي يكون بها متبوعاً. فالتغلُّب الملكيّ غاية العصبية كما رأيت. ثم إن القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات مفترقة، وعصبيات متعددة، فلابد من عصبية تكون أقوى من جميعها، تغلبها، وتستتبعها، وتلتحم جميع العصبيات فيها، وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى، وإلاّ وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع».
لقد وقع معاوية على هذه الحقيقة، فأقام ملكه فوق عصبيات على صورة دوائر آخذة بالاتساع: أضيقُها وأقواها العصبية الأموية، وأوسطها اتساعاً وقوة العصبيةُ العربية الشامية، أي: العصبيةُ المستمدة من تأييد عرب اليمن المقيمين في الشام، وأوسعُها وأقلُّها قوة العصبيةُ العربية في نطاقها القومي الواسع. ولكل دائرة من هذه العصبيات مجالٌ تجول فيه، وخصوم تناوئهم، وتردُّهم عن أن ينافسوا الأمويين. فالأولى يجابه بها الأمويون الهاشميين وغيرهم من بطون قريش كالزبيريين. والثانيةُ موجَّهةٌ إلى مناوأة قيس ومضر وعرب نجد والحجاز، وبالثالثة يقاومون المواليَ والشعوبَ غير العربية إذا خامرها الطموحُ إلى الحكم.
وحُجَّةُ الأمويين فيما ذهبوا إليه، وهم يقسمون الرعية إلى طبقات أساسُها العصبيةُ، أن بني أموية انتزعوا الخلافة من العرب، بدمائهم وذكائهم، وأن العرب فتحوا البلاد الأخرى ونشروا فيها الإسلام بجهادهم، فهم أولى من سواهم بالتكريم. وعلى هذا النحو بنى الأمويون هيكلهم السياسي على شكل هرم: رأسُه الخليفة الأموي، وأقربُ الناس إليه الأمراءُ، وهم من بني أمية، وحقُّهم في الدولة فوق حقوق العرب الآخرين، يليهم عربُ الشام، وحصّتُهم من المناصب والمكاسب تفوق ما يُعْطاه عربُ نجد والحجاز. ثم تأتي قبائل العرب كافَّة، وهم فوق الأعاجم، ودون الأمويين وعرب الشام. وفي أسفل الهرم المسلمون من غير العرب، وهؤلاء لا يُسمح لهم بأن يكونوا قُرناء العرب وأكفاءهم، لأنهم ما بذلوا مالاً، ولا أراقوا دماً في بناء الدولة، فكيف يُقْرنون بمن بذلوا وقاتلوا وقُتلوا؟
وقد عادت العصبية القومية على الأمويين بفوائد: أُولاها أن العرب على اختلاف قبائلهم ومراتبهم ظلُّوا القوة المحاربة التي تعتمد عليها الدولة في الفتوح، والثانيةُ أنّ الدولة عرّبت الدواوين، فلم تسمح لمن كانوا يعملون فيها بأن يستعملوا الفارسية أو السريانية كما كانوا يفعلون في بداية الأمر. والثالثة أن الوظائف الخطيرة كالقيادة والقضاء وجمع الضرائب وكتابة الرسائل بقيت كلُّها أو جلُّها في أيدي العرب. والرابعةُ أنها جعلت غير المسلمين من العرب أنصاراً للدولة لا مناوئين لها. غير أنها أوجدت التربة الخصبة التي بُذرت فيها البذورُ الأولى للحركة الشعوبية.
5- الصبغة الدينية:
ذكرنا قبلُ أن الزعامة التجارية والعسكرية في العصر الجاهلي كانت لبني أمية، وحينما أسلموا ظلَّ الحنين إلى هذه الزعامة يراودهم طَوالَ العصر الراشدي، لكنهم كانوا يعلمون علم اليقين أنّه لا انفصال في الإسلام بين الدنيا والدين، ولذلك لم يدعوا الهاشميين ينتزعون منهم الصبغة الدينية، بل تعلّلوا بمقتل عثمان، وجعلوا المطالبة بثأره ضرباً من التقوى أو نصرة الحق تصديقاً لقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 17/33] .
وفي السياسة لا يعنينا أن نشقَّ عن قلوب الخلفاء الأمويين لنقيس إيمانهم بإيمان الخوارج، أو آل البيت، أو الزبيريين، ولا يعنينا كذلك أن نقرن فهمهم للإسلام بفهم الأحزاب الأخرى، وإنما يعنينا أن نجيب عن الأسئلة التالية: هل حافظوا على الصبغة الدينية في الحكم؟ وكيف تجلَّت هذه الصبغة؟ وما الفرق بين حكمهم وحكم الراشدين؟
كان للدين في حكم الأمويين مكانة مرموقة، لا ينكرها عليهم أحد، إذْ حافظوا على شعائره، ولاحقوا الزنادقة، وعاقبوا أهل الابتداع، ولم يظهر في خلفائهم من تجرّأ على حرمة من حرمات الله. والمتَّهمون بشرب الخمر - وهم يزيدُ الأول ويزيد الثاني والوليد بن يزيد - لم يشربوا الخمر - إذا ثبت أنهم شربوها - على سبيل التحدّي والمجاهرة بالمعصية. وإنما شربوها على سبيل الضعف البشريَّ أمام الإغواء والانقياد للشهوات.
وعلى الرغم من هذا الحفاظ على الصبغة الدينية في الحكم يبقى الفرق بينهم وبين الراشدين أظهرَ من أن يُنكر. فالراشدون كانوا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم الناس، ويطلبون من الناس أن يحاسبوهم إذا خالفوا حكماً من أحكام الله، والخليفةُ الأموي لم يكن يسمح لأحد بأن يحاسبه أو يراقبه خوفاً من أن تتحول المحاسبة والمراقبة إلى فتنة دامية كفتنة عثمان، وإذا تطاول متطاول أو اعترض معترض كان تطاوله أو اعتراضه خروجاً على القانون، ومخالفة للشرع، ووجب على الخليفة استتابته أو قتله. كما قُتل ابن الزبير سنة 73هـ.
وبين الراشدين والأمويين فرقٌ آخر، وهو أن الراشدين كانوا متفقّهين في الدين، يشرّعون ويقضون بين الناس، ويُصدرون الفتاوى. والأمويّون لم يتصدِّروا مجالس القضاء والإفتاء، ولم يدّعوا أنهم قادرون على التشريع، أي إن الخليفة كان ملِكاً لا إماماً، والدنيا عنده هي الجوهرُ، والدين هو المظهرُ.
وإذا كان الناس قد قنعوا منهم بالمظهر، فإنهم لم يطالبوا الناس بأكثر منه، أي: لم يتشدَّدوا في محاسبة الرعية، فضَّلوا الإرجاءَ على الاقتضاء، أي: فضلوا مذهب الجعد بن درهم الذي يرجئ الحكم على الناس إلى الله، فالله يتولَّى السرائر، ويعاقب على الصغائر والكبائر، ولكنهم في الوقت نفسه حاربوا المذاهب التي وجدوا فيها انحرافاً عن الكتاب والسنة، وجاهدوا في سبيل الله، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وهذا المسلك خلع على حكمهم صبغة دينية واضحة.
كلُّ ما ذكرناه من حفاظ الخلفاء الأمويين على الصبغة الدينية يبهت ويخفت إذا ذكر عمر بن عبد العزيز [ت: 101هـ]، فقد عدَّه المؤرخون خامسَ الراشدين، وثالثَ العمرين أبي بكر وعمر، ورأوا أن عهده - على قصره - كان غرّة مشرقة في ناصية الأمويين، لأنه أقلع عن الاستبداد وسفك الدماء، وقسم الأموال بالسوية بين الرعية، وأبطل لعن عليّ كرم الله وجهه، وساوى الموالي بالعرب في الحقوق، فهادنه الخوارج، وأثنى عليه الشيعة، وخُيِّل إلى الناس أن ابن الخطاب بُعث من جديد، فاطمأنّوا، وأقلعوا عن الكيد والفتنة، ولم يمتعض من حكمه غير المنتفعين بمن حكموا قبله، ومن تضيق صدورهم بالحق والشرع.
وزعم أصحابُ الأهواء أن حكمه أضعف السلطة الأموية، وأغرى بها أعداءها، واتهموه بأنه خيالي مثاليّ، يحلم بالمدينة الفاضلة، وبأن فكره السياسي، على فضله ونبله، عَجَز عن أن يجابه الفساد. وبالغ بعض المؤرخين في نقده وحمّله التبعة الكبرى في سقوط الدولة الأموية. فما فحوى هذا الادّعاء؟ وما العوامل التي أدَّتْ إلى سقوط الأمويين؟
و- عوامل سقوط الحكم الأموي
[10]
لا يُحمِّلُ عمرَ بنَ عبد العزيز تبعةَ ما حاق بالحكم الأموي إلاَّ مَنْ يكرهُ تحكيم الدين بالدنيا، أو من يجهل حقائق التاريخ. أمّا الأول فإنه يضيق ذرعاً بالإصلاح الذي يقمع الفساد، وبالحقّ الذي يدفع الباطل، وبالخُلق الذي يهذّب السلوك، ويرى أن المتفقّه في الدين يصلح للفتيا، ولا يصلح للسياسة. وأمّا الثاني فإنه يربط حياةَ الدولة وموتها، وازدهارها واندثارها برجل واحد، وينسى أن وراء الأحداث والظواهر التاريخية عواملَ متداخلة، يؤازر بعضُها بعضاً، ويُفضي بعضها إلى بعض، ثم تؤدّي إلى دثور نظام، وظهور آخر. ودولةُ الأمويين لا يُمكن أن تسقط إلا في إطار النواميس التاريخية المطردة، ووفق العوامل التي تصدق عليها، وعلى غيرها من الدول، وأهمُّها:
1- تولية العهد اثنين:
إن الحرص المفرط على الاستئثار بالحكم حمل بعض الأمويين على أن يولوا العهد اثنين من أبنائهم أو إخوتهم يحكم أحدهما بعد الآخر، وهذا الضربُ من التوريث يورث العداوة بين الأبناء والأشقاء، ويدفع أحد الوريثين إلى الائتمار. ومروانُ بن الحكم أولُ من ابتدع هذه البدعة إذْ ولّى عهده ولديه: عبد الملك وعبد العزيز.
2- العصبية القبلية والقومية:
ضيَّق الأمويون على أنفسهم إطار الأنصار باعتمادهم على بني أمية وعرب اليمن المقيمين في الشام، ومعاداتهم القيسيين والمضريين، وإبعادهم الأعاجم عن المراكز والوظائف البارزة في الدولة. ثم باعتقادهم أن العرب أفضلُ الأمم. وهذا الاعتقاد أشلى عليهم الفرس، وأغرى بهم القيسيين، وهيّأ العوامل المناسبة لظهور الحركة الشعوبية.
وليس من الإنصاف أن نحمّل الأمويين وحدهم وِزر الشعوبية، فهذه الحركةُ بدأت منذ اختلط العرب بالأعاجم، واشتدَّت حينما أصبح أكثر الفرس رعية في الدولة العربية الإسلامية، فراح مرازبتهم وسراتهم وأصحاب الشأن منهم يبكون أمجادهم الضائعة، ويتهمون العرب بالتخلف، وقابل العربُ الفرسَ بالتفاخر والتعالي، وتحوّل التنافسُ إلى معركة فكرية تشتجرُ فيها الأقلام قبل الرماح، والألسنة قبل الأسنة، وشرع المتنافسون يترامون ويتراشقون بالتهم.
وحينما تسلَّم الأمويون زمام الحكم أعلنوا الزرايةَ بالأعاجم، وتحيَّزوا للعرب عامة، ولبني أمية خاصة، وجعلوا هذا المسلك سياسةً رسمية للدولة. ولم تبطل هذه السياسة إلا في عهد عمر بن عبد العزيز، غير أن فترة حكمه القصيرة لم تكن أكثر من هدنة، نقضَها الأمويون بعد وفاته. وعاد الفرس يُظاهرون من يثورون على الأمويين، إذْ أيَّدوا المختار الثقفي، وآزروا الخوارج، وثاروا مع يزيد بن المهلب، وكانوا الوقود المهيَّأ للاشتعال في ثورة العباسيين، والقوة الفعّالة في تدمير الحكم الأموي.
3- الانغماس في الترف:
كان بنو أمية منذ العصر الجاهلي أهل سرف وترف، فلمّا أسلموا وحكموا تضاعف ثراؤهم، وتدفق عليهم المالُ من كل وجه، وإذا استثنيتَ عمرَ بن عبد العزيز، وجدت خلفاء بني أمية إلى الرغد أقرب منهم إلى الزهد، وعلى التمتع بملذات الدنيا أحرصَ منهم على التقشف. واشتهر من خُلفائهم ثلاثةٌ من المترفين المسرفين: يزيدُ بن معاوية النـزّاع إلى اللهو، ويزيد بن عبد الملك الذي نهج نهجَ يزيد الأول، والوليد بن يزيد الذي بزَّ اليزيدين في مجونه.
قال المسعودي في يزيد بن معاوية: «كان صاحب طرب وجوارح وكلاب وفهود ومنادمة على الشراب». وقال البلخيّ في يزيد الثاني: «كان صاحب لهو وقصف». وقال الزركلي في ترجمته: «فيه مروءة كاملة مع إفراط في الانصراف إلى الملذات». وقال ابن الأثير في ترجمته الوليدَ بن يزيد: «كان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكاً في اللهو والشرب وسماع الغناء، فظهر ذلك من أمره، فقتل».
4- شيخوخة الدولة:
إذا خطر لك أن تأخذ بما جاء في مقدمة ابن خلدون عن أعمار الدول من نشوئها إلى دثورها وجدت أن لبداية الدولة الأموية ونهايتها عواملَ اجتماعية وعسكرية، لا ترتبط بحاكم مترف كالوليد بن يزيد ولا بحاكم متقشف كعمر بن عبد العزيز، وإنما تجري وفق نواميس عامة، تصدق عليها، وعلى غيرها من الدول.
قال ابن خلدون[11]: «الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال، والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط، فيكون أربعين سنة». وإذا افترضت أن الجيل ثلاثون سنة فدولة بني أمية عاشت بين سنة 41هـ وسنة 132هـ ثلاثة أجيال. علّل ابن خلدون رأيه فقال: «الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس.. والجيل الثاني تحوّل حالهم بالملك والترفُّه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف.. وأما الجيلُ الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية».