eKtab
EN ع
الشام مهجتي
Read free sample

الشام مهجتي

by نازك دلي حسن

Page 1
الشام مهجتي
 
شخصيات الرواية.
 
"عبد الله(أبو جمال)": جد العائلة وهو من قادة الثورة السورية"متوفى".
 
"جمال": شهيد العائلة وهو الابن الأكبر "لعبد الله".
 
"فؤاد": الابن الأصغر لعبد الله.
 
"اعتدال": البنت الكبرى لعبد الله.
 
"نوال": الابنة الصغرى لعبد الله.
 
"هاني": زوج نوال الأول.
 
"فراس": الابن الأكبر لنوال.
 
"سارة": ابنة نوال الصغرى.
 
"كمال": زوج نوال الثاني.
 
"آمنة": مدرسة اللغة العربية.
 
"فوزية": الخادمة في منزل عبد الله.
Page 2
ـ1ـ
 
"محـسـن": رئيس البلدية السابق.
 
"هيفاء": زميلة سارة في المدرسة.
 
"أم ثائر": زوجة الشهيد أسعد وأم لولديه هالة وثائر.
 
"ثائر": الابن الأكبرلأم ثائر.
 
"هالة": الابنة الصغرى لأم ثائر.
 
"جهينة": زميلة سارة في كلية الفنون.
 
"شكري": والد جهينة.
 
"شاهر": أستاذ في كلية الفنون التشكيلية.
 
"عادل": من أبناء حي عبد الله أصيب بعاهة مستديمة في أثناء الثورة.
 
"جابر": خادم فؤاد في المكتب.
Page 3
ـ2ـ
 
دمشق في أوائل القرن العشرين
 
قـبـلـة لـكـل قـطرة دم سفـحـت.
 
وعطرت التراب
 
ووقفت الأشجار وقفة الإكبار
 
انحنت الشمس بإجلال
 
تعالت أصوات المدافع وصدى صهيل الخيل
 
وبلغ الدخان عنان السماء
 
صور القتلى المخضبة بالدماء
 
ومشانق تتدلى منها جسوم الشهداء
 
آثار الحريق مازالت عالقة على الجدران
 
الليل غيب أحراراً في السجون
 
وترك القلوب تعتصر الأسى
 
في عويل الثكالى وبكاء الأطفال
 
ظل صوت الحق يصدح عالياً
 
انتهت الثورة
 
لقد أضنيت القلوب
 
بعد أن أحرق الحجر والبشر
 
وسفكت الدماء
 
وفجع الناس في أهليهم وأحبائهم
 
لكنهم لم يتخلوا عن هوياتهم
 
ولاعن أرضهم وضمائرهم.
Page 4
ـ3ـ
 
الفصل الأول
 
هل أتاك حديث دار"عبد الله جمال" في حي الشاغور ، التي تشمخ وسط حديقة غناء حافلة بالخضرة ، زاخرة بالشجر ، غنية بالثمر، تلفها أيكة من شجرات الحورالباسقة ، ويتسلق جدرانها اللبلاب الذي يغطي نوافذها ، تدغدغه النسائم التي تتداعى لها الأغصان وتهتز طرباً ، كأنها ترفع لها تحية المجد ، وتؤدي لها واجب الاحترام.
 
تجلت الدار ببهائها الخاص الذي يميزها عما سواها من البيوتات في ذلك الحي المجاهد ، إذ يعود بناؤها إلى العهد المملوكي ، فهي تواجه الناظر إليها ببوابة ضخمة ترتفع إلى علو شاهق ، وتضم باباً أصغر لدخول أهل الدار والزائرين ، فإذا دخلها الداخل ، فقد نعم بجنة تجري من تحتها الأنهار، الصحن المشرق الذي يضحك فيه الزهر ، وتسبح الطير، ويبسم الرخام ، وتزهو النقوش والآيات على الجدران ، يقوم في صدره الإيوان العظيم ، وتطل عليه الغرف المشمسة الدافئة فهو مشتى ومصيف ، وهو نزهة وسكن ، والبركة يتدفق منها الماء ويثب على حافاتها ، وفي وسطها فسقية ذات نوافير تصدح بأجمل الألحان وينتشر رذاذها الذي يبعث الحياة في جوانب الدار، وهي ترتوي من البركة الحسناء ذات البهجة والجمال ، وفي ساحتها تصطف أصص الورود والزهور ويعرش الياسمين والفل على جنباتها.
Page 5
ـ4ـ
 
كل ذلك في تنسيق رائع يأخذ بمجامع القلوب ، ويتصاعد منها أريج عبق يحمل في ثناياه ذكريات ماض عريق يسجل تاريخ النضال ضدالمستعمر ، حيث الحياة تعانق الموت ، وزغاريد النصر تتشح بالسواد.
 
بينما يقيم في صدرها ضريح لشهيد العائلة المغفور له "جمال" الذي تحيط بمثواه الزهور المتفتحة على مدار العام ، وهي ترسم صورة بهية منسقة بالأشكال الزاهية ، وكأن المجد يُتَوَّجُهُ بوسام الشرف ، ويرصعه بأكاليل الخلود. وقد أرسلت شجرة النارنج الوادعة ، والعرائش المتدلية من السطح العلوي فيء ظلالها الوارفة ليهنأ بطمأنينة الأبرار ، وكأن أهل الدار الباقين على قيد الحياة يقدمون له تحية المحبة والإجلال والإكبار صباحاً ومساءً.
 
لقد شهد البيت عزاً عريقاً لم تزل عامرة به القلوب ، ماثلاً في الأذهان يخلد تاريخاً أصيلاً يتلألأ كمصباح في زجاجة تستمد زيتها من معين الخلود ، ويضيء ذكريات مجيدة كانت ماثلة في الصالة المجاورة للضريح التي كانت تحفل يومياً باجتماع العشرات من رجال الثورة ، وقادة القوى الوطنية ، مؤكدين تصميمهم على خوض معركة النضال مهما غلت التضحيات وادلهمت الخطوب.
 
هنا كان "عبدالله" يهزالأرض بعصاه بعد أن أصيب في قدمه بعيار ناري أطلقته عليه إحدى الدوريات الفرنسية وهو يقوم بمهمة مقدسة لمساعدة الثوار في عملياتهم البطولية ، وقد خلفت له إعاقة دائمة تشهد بكفاحه وتشير إلى جهاده في سبيل مجد الوطن واستقلاله.
Page 6
ـ5ـ
 
وكان أهل الدار يشعرون بروحه التي لاتزال ترفرف محلقة في فضاء الدار وتضفي عليه جواً من الإلفة وسعادة الخلود. ومازال أهل الشام يدينون "لأبي جمال" و يقرون بأفضاله عندما كان يحيط دروب المجاهدين بالورود ويكلؤهم بعين الرعاية وكريم العناية ، ويمدهم بالسلاح والذخيرة بالتعاون مع أمثاله من الوطنيين الأحرار.
 
وهذا مالفت أنظار السلطات المستعمرة ، حين تناهى لأسماعهم مايقدمه للثوار من مساعدات مادية ومعنوية ، فضلاً عن رص صفوفهم ، فكان ذلك سبباً في استدعائه مراراً من قبل السلطات الفرنسية للتحقيق معه تحت التعذيب ، ولكنه ظل صابراً محتسباً ولم ينبس بكلمه تكشف سر الثوار شأن الرجال الكرام. وقد استطاع بذكائه أن يسدل ستاراً كثيفاً على تحركاته تفادياً من الوقوع في براثن السلطات المستعمرة ، إلى أن آتت الثورة أُكُلَها اليانعة برحيل آخر جندي فرنسي عن سورية عام 1946 ، بعد أن سالت دماء الثوار عزيزة غالية تروي أرض الوطن لتزهر قوة وصموداً.
 
وقد عاشت غوطة دمشق ساعات عرسها ، وتعالت زغاريدها ، وصدحت أهازيجها الرائعة مكللة مجد الثوار برايات الحرية إثر نضال استمر عقوداً من الزمن قدم فيها الشعب تضحيات حفظها لهم تاريخ شامخ بالمجد والفخر غداة جهاد حاسم لم يشهد تردداً ولا خوراً ولا ضعفاً.
 
رحل "عبد الله" قبل نهاية الثورة ، بيد أن منزله ظل رمزاً للوطنية الصادقة ، إذ أصر الابن الأصغر"فؤاد" في تلك الحقبة ، بعد أن تخرج من كلية الحقوق ، على الثبات على نهج أبيه المجاهد مستمراً على الاتصال بقيادة الثورة ودعم مسيرتها إيماناً منه بها ووفاء لذكرى والده وتحقيقاً للأهداف المثلى التي حرص ذلك الوالد العظيم على بلوغها حتى انبلج فجر الحرية وسطعت شمسها في أرجاء الوطن.
Page 7
ـ6ـ
 
الـفـصـل الثاني
 
بعد أن انتهت "اعتدال" من أداء صلاة الفجر ، بقيت تتمتم بتسابيح حفظتها ، ولم يلبث أن مسح الصبح بلسانه مداد الظلام ، وراح يرسل خيوطه الفضية الآسرة على الأكمات تصحبه زقزقة العصافيرالتي تلامس الآذان بنشيدها المحبب ، الذي يشيع الحبور في النفوس ، ويبعث الحياة في المخلوقات.
 
مشت "اعتدال" بخطاً وئيدة ، وهي تعبر الممر المفضي إلى غرفة "سارة" ثم وقفت أمام الباب وراحت أصابعها تنقر بخفة على الزجاج وهي تنادي "سارة" .. "سارة" بصوت دافئ حنون لتصحو من نومها ، وهنا انتبهت "سارة" ابنة السادسة عشرة لصوت خالتها وردت عليها بمودة واحترام
 
قائلة : سأنهض حالاً يا خالة.
 
أبعدت "سارة" اللحاف عنها وهي تتثاءب في فراشها وتمسح عن وجهها آثار النوم ، ثم جلست على حافة السرير والتفتت إلى المنضدة الماثلة بجانبها ، وتناولت الصورة الأثيرة إلى نفسها ، الساكنة بين جوانحها ، وراحت تمعن النظر فيها ثم ضمتها إلى صدرها وراحت تقبلها بشغف وحب مرددة بصوت خافت محاذرة أن يصل صوتها إلى أسماع الخالة "اعتدال" وهي تقول: "أحبك يا أمي وكم أنا مشتاقة إليك" ثم أعادت الصورة إلى مكانها وأسندت رأسها إلى وسادتها ، وقد شعرت بغيوم كثيفة تحلق في ذاكرتها ، وكلها مفردات قاتمة متربصة بها.
Page 8
ـ7ـ
 
ومنذ زمن وهي تبحث عن لحن يغرد في فضاءات حياتها دون جدوى. نهضت بتباطؤ من فراشها ، وتوجهت إلى النافذة ، وكشفت ستائرها المخملية ثم فتحتها وأخذت تسرح النظر في الحديقة الغناء وهي تصيخ السمع لزقزقة العصافير التي توجه تحية الصباح إلى الأغصان التي تحمل أعشاشها. كان المنظر رائعاً يأخذ الألباب. ثم راحت تنادي صديقتها "هالة" التي هي في مثل سنها لتصحو من نومها وتشاركها متعة البكور. حين تناهى صوتها لأسماع "هالة" صحت وراحت تنفض عنها آثار النوم المتبقية في أجفانها ، ثم اتجهت إلى النافذة لنداء صديقتها "سارة" ، فقد اعتادت الاثنتان على تبادل الحديث الشائق من نافذتيهما المتقابلتين كل صباح.
 
وقد بادرتها "هالة" قائلة: حتى يوم العطلة محظور علينا نوم الضحى ، مع أنه يوم راحتنا!. أجابتها "سارة" : هذا طبيعي يا "هالة"! فقد اقترب موعد لامتحانات ، ولزام علينا الدراسة بجد وهمة.
 
قالت"هالة": إذا تعالي نتناول طعام الفطور معاً ثم نتابع دراستنا.
 
ردت "سارة" : سأستأذن الخالة "اعتدال" وآتي إن سمحت لي.
 
كان لطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة بين الأهالي في العاصمة أثر كبير في تمتين أواصر المودة ، وجمع القلوب على المحبة. وقد كانت الصلة بين عائلة "عبد الله" وجيرانهم عائلة "أم ثائر" متميزة بالتزاور والتواصل المستمرين مما خلق نسيجاً متماسكاً توثقت فيه الصلات وتمتنت فيه وشائج الألفة وأشاع الدفء في النفوس ، حتى غدت العائلتان مرتبطين بأواصر من الود الصادق ، والإخلاص المحض الذي لا تشوبه شائبة.
Page 9
ـ8ـ
 
في صالة البيت جلس "فؤاد" بجانب أخته "اعتدال" ، تلك الصالة التي ذخرت بالتحف الثمينة ، واللوحات الفنية الرائعة وهما يتجاذبان أطراف الحديث في أثناء تناولهما قهوة الصباح المنكهة بحبات الهال.
 
وأسر"فؤاد" إلى أخته بما كان يخامره من شعور بأن "سارة" ليست على ما يرام!
 
وتساءل هل اعترى علاقتكما شيءً من الفتور؟!
 
أجابته "اعتدال" : بقلق ، وقد احتقن وجهها وبدت عليها علائم التوتر!
 
إنني أعتبر"سارة" بمثابة ابنتي ، وأحمل لها في قلبي أعمق مشاعر المحبة الصادقة ، ونحن على وئام تام ، ولكن قل لي ماالذي جعلك تظن بأن ثمة شائبة تعكر صلتنا؟
 
فأجابها "فؤاد" : ألم تلاحظي أمس كيف انصرفت إلى النوم باكراً! ولم تكن خلال السهرة تشاركنا الحديث؟ بل لم تلق علينا تحية المساء عند مغادرتها الغرفة!
 
وهنا أدركت "اعتدال" أن ما يبدو على "سارة" من تغير مزاجها واكتئابها مرده إلى أنها في شوق إلى أمها ، إذ مضى عليها عامان دون أن تراها ، ثم أوضحت "لفؤاد" قائلة: أنت تعلم يا أخي أنه مهما توثقت علاقتنا فإن ذلك لا يساوي قطرة من بحر حنان الأم أليس هذا هو جوهر الحقيقة؟!
 
فأمّنَ "فؤاد" على كلام "اعتدال" ، وشعر بالحيرة تملأ جوانحه وتغلق نوافذ تفكيره. وأردفت "اعتدال" قائلة: إنه لا يمكننا أن نحل في قلبها مكان أمها أبداً.
 
وتابعت قائلةً: أنا أثق برجاحة عقل "سارة" وتفهمها لواقع الحال ، فهي قادرة على مواجهة الظروف الصعبة التي أحاطت بأسرتها. ثم اردفت قائلة:
Page 10
ـ9ـ
 
لا يغربنَّ عن البال حال أخيها "فراس" ، فهو يستمد القوة ومضاء العزيمة من تصرفاتك الرصينة الدمثة ، ويحاول الاقتداء بك ، فإن ذلك كله لا يغير من الواقع الصعب الذي يعيشه الشقيقان نتيجة لغياب والديهما عنهما. وقد أيد "فؤاد" ماذهبت إليه "اعتدال" مستدركاً: إنهما بحاجة إلى رعاية خاصة واهتمام بالغ ، وإذا كنت أعتبر نفسي مسؤولاً عن "فراس" ، فإنني أطمع في أن تعتبري نفسك مختصة بشؤون "سارة" ، لأن هناك جامعاً بينكما وهوالأنوثة. وهنا استطردت "اعتدال" قائلة: إنه إضافة إلى ماتداولناه عن "سارة" فإنه لا بد من الإشارة إلى أن هناك حالات نفسية وفيزيولوجية تمر بها الفتيات في مثل هذه السن تجعلهن عرضة لتقلبات وتجاذبات لا بد من استيعابها بصبر وأناة. ولم تلبث أن دخلت "سارة" إلى الصالة ، فانقطع الحديث عندما ألقت عليهما تحية الصباح واستأذنتهما بالذهاب إلى منزل "أم ثائر" لتشارك "هالة" طعام الفطور. ولكن "اعتدال" استوقفتها هنيهة إذ دخلت إلى المطبخ وعادت تحمل طبقاً من الحلوى التي صنعتها باكراً ، وأعطته "لسارة" لتقدمه لعائلة "أم ثائر" ، فتناولت"سارة" الطبق شاكرة لخالتها هذه المبادرة الجميلة وراحت تتساءل متى يمكنني أن أصنع مثل هذه الحلوى!؟ فأجابتها "اعتدال" بحنان: سوف تصنعين أفضل منها قريباً. أعدت "أم ثائر" مائدة الفطور ، ووضعت طبق الحلوى الذي أحضرته "سارة" في مقدمة المائدة ، وقد اشتملت المائدة على الكثير من أنواع الأطعمة ، وفي مقدمتها الكشك الذي كانت "أم ثائر" تجيد صنعه ، وهو من الأكلات الشعبية ذات الحضور المميز.