Page 1
المقدمة العامة
تعتبر العولمة من أبرز مميزات العصر، حيث تزايدت وتيرة نموها وتعددت أبعادها لتشمل مختلف الجوانب، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية بالإضافة إلى العلاقات بين الدول التي أصبحت محكومة من خلال المصالح الاقتصادية باعتبارها المحرك الجوهري لسلوك المجتمعات البشرية والدافع القوي للتقارب والاندماج، ذلك ما تجسد بتزايد تأسيس الترتيبات الإقليمية أو توسيع القائم منها في إطار إقامة للتبادل الحر أو اتحادات جمركية وغيرها من صور التكامل الاقتصادي، التي أصبحت تشكل أهم فعاليات العلاقات الدولية وأكثرها تأثيرا بالنظر إلى الدول أعضاء تلك التجمعات وحجم مبادلاتها التجارية ومغزى إنشاؤها لإحدى صور التعاون أو التكامل الاقتصادي وما لذلك من إفرازات على العلاقات فيما بينها أو بينها وبين أطراف خارجية أو على إجمالي التجارة العالمية سيما وأن الانضمام إلى / أو إقامة إحدى صور التكتلات الاقتصادية تمثل أبرز المعايير للحكم على مدى اندماج الدولة أو عزلتها على الصعيد الإقليمي أو العالمي في ظل التوجه العام للتحرير التام للمبادلات الدولية ضمن المنظمة العالمية للتجارة في إطار حرية تدفق السلع والخدمات، الأفراد ورؤوس الأموال على الصعيد الدولي بما يجسد مظاهر العولمة الاقتصادية إلا أنه يضع جملة من التحديات أمام اقتصاديات الأقطار النامية.
ومن أبرز الوحدات الفاعلة حاليا على الصعيد الدولي فكرة مناطق التبادل الحر كإحدى صور التكامل الاقتصادي القائم بين مختلف الاقتصاديات، من خلال تحرير التبادل التجاري في ظل تزايد وتيرة العولمة والتوجه نحو تبني مبادئ اقتصاد السوق، سيما وأن المنطقة العالمية للتجارة منحت فرصة إقامة الترتيبات والتجمعات (الاقتصادية، التجارية) الإقليمية في أجل أقصاه (10 سنوات) من تاريخ انطلاقها الفعلي سنة (1994)، لذلك بادرت عدة أقطار لإقامة مناطق للتبادل الحر باعتبارها من أسهل وأبسط صيغ التكامل الاقتصادي بين الدول سواء تقاربت مستوياتها التنموية الاقتصادية سعيا للوصول إلى أرقى الصيغ على سلم التكامل الاقتصادي، أو في إطار علاقات التعاون الاقتصادي القائم بين اقتصاديات تتباين أنماطها التنموية، مما يقيد ذلك التكامل الاقتصادي بينها اعتبارا لجملة المعيقات المترتبة على اقتصادياتها أو اقتصاديات أقطار العالم الخارجي.
واستنادا لمسعى الدراسة المتضمن بحث العلاقات الأوروبية – المتوسطية ضمن مضمار الشراكة بهدف إقامة منطقة للتبادل الحر والتي تمثل انحرافا عن المبادئ التقليدية للتكامل الاقتصادي في التعامل بين اقتصاديات تتقارب أنماطها التنموية إلى شكل جديد يسمح باتخاذ أحد صور التكامل الاقتصادي لتجسيده في صيغة من صيغ التعاون الاقتصادي.
فعلى صعيد الاقتصادي الجزائري وبعد فشله في تحقيق التنمية الاقتصادية خلال تبنيه النهج الاشتراكي وما أفرزه من انحرافات واختلالات على مختلف المستويات، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية و..... والتي تفاقمت مع الأزمة النقطية (سنة 1986) جعلها تدخل في سلسلة طويلة من الإصلاحات الاقتصادية التي مست مختلف المجالات التجارية، المالية، الجبائية، الاجتماعية...، بضغط من المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) بفعل العلاقات المالية القائمة بين الطرفين، نتيجة للمديونية الخارجية الجزائرية، تدابير إعادة الجدولة وبرنامج التعديل الهيكلي، سيما وأن الجزائر من الأقطار التي تطمح إلى تحسين فرص نمو اقتصادها على المديين القصير والمتوسط.
وفي إطار المستجدات العالمية التي تزامنت مع إنشاء المنظمة العالمية للتجارة، (سنة 1994) وظهور مفهوم الشراكة الأورو-متوسطية كنسق جديد للعلاقات الاقتصادية الدولية الذي يعتمد على تحرير المبادلات استنادا لما تضمنه – بيان برشلونة – ضمن مضمار الإستراتيجية الأوروبية الجديدة تجاه الأقطار المتوسطية – بما فيها إسرائيل – فضلت الجزائر نمط الشراكة كبديل اقتصادي مستقبلي لدفع وإنعاش نشاطها الاقتصادي والتجاري وكأفضل بديل حالي متاح لها لضمان إندماجها الإيجابي وبقوة في سيرورة الاقتصاد العالمي، بعد أن توفرت كافة مقومات فشل التجارب التكاملية –على الأقل إلى غاية اليوم- على المستوى المغاربي والعربي.
• الهدف من الدراسة
تتمحور الأهداف العامة لهذه الدراسة في النقاط التالية:
- تسليط الضوء على البعد النظري – التاريخي للشراكة الأورو-متوسطية بداية بالتعاون كأول صورة رسمية لتعامل المجموعة الاقتصادية الأوروبية مع الأقطار حوض المتوسط وصولا إلى الشراكة كنسق جديد للعلاقات بين الطرفين من خلال البحث في خباياه.
- تتبع العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي قبل وبعد بيان قمة برشلونة كتاريخ تحول من نظام مبني على التفضيلات الجزئية أحادية الجانب إلى الشراكة كنمط لتقديم التنازلات من الطرفين في المسعى الهادف لإنشاء منطقة للتبادل الحر ضمن الإطار الأورو-متوسطي.
- الوقوف على مدى مساهمة اتفاقيات الشراكة في تحسين أوضـاع جنوب المتوسط - وتحديدا الجزائر – لأخذ مكانتها اللائقة بها على الصعيد العالمي من خلال تحليل دور الشراكة كإجراء يتحمل بموجبه الطرفان المخاطر ويتقاسمان المكاسب.
- محاولة استنتاج أهم الآفاق المنتظرة ومختلف التحديات المحيطة باتفاق الشراكة الأوروبية- الجزائرية على القطاع الصناعي الوطني والتعرض لأهم الإجراءات المعتمدة من طرف الدولة لحماية المنتوج الوطني من نظيره الأوروبي المنافس.
Page 2
• إشكالية الدراسة
بدأت الجزائر مسيرتها التنموية بقطاعات اقتصادية مهمشة غلب عليها الاستغلال الأوروبي، من مرحلة التسيير الذاتي، الثورة الزراعية ثم التسيير الاشتراكي للمؤسسات وكنتيجة للمضاعفات التي أصابت البنية الاقتصادية والاجتماعية للجزائر والتي بدأت مظاهرها تبرز على الساحة الاقتصادية، السياسية والاجتماعية منذ أحداث سنة (1988) حيث مثلت نقطة تحول فعلية للاقتصاد الوطني نحو تبني اقتصاد السوق المبني على أسس الفعالية، الربحية والخوصصة بداية بصدور قانون استقلالية المؤسسات الاقتصادية العمومية إلى صدور قانون النقد والقرض (90/10 – الصادر سنة 1990) واستكمالا بالعديد من التشريعات والقوانين التي مست مختلف القطاعات والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية في إطار إعادة البناء الذاتي للاقتصاد الجزائري من جانب، وفي إطار العلاقات القائمة بين الجزائر والهيئات المالية والاقتصادية الدولية من جانب آخر، ومساعي الجزائر الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة في إطار فعاليات تحرير المبادلات الدولية ومساعي الانضمام إلى تكتلات (اقتصادية، تجارية) إقليمية لضمان الولوج في الاقتصاد العالمي وتفادي جميع مظاهر التهميش والعزلة.
ويعتبر دخول الجزائر في اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مطلبا للالتزام بجملة من المبادئ والأسس المتعلقة بعدم التعاون المالي، الاقتصادي، الاجتماعي، العلمي، الثقافي وتكثيف الحوار السياسي بين الشركاء ضمن مضمار إرساء أكبر منطقة للتبادل الحر في العالم تجمع أقطار الاتحاد الأوروبي وكافة الدول المتوسطية بتعداد سكاني يتراوح بين (600-800) مليون مستهلك.
حيث سيساهم هذا التحرير المستهدف المنتجات المصنعة بفتح السوق الجزائرية أمام عدة صعوبات واختلالات هيكلية والانخفاض المعتبر في تنافسية المنتجات الوطنية أمام نظيرتها الأوروبية، وفي سياق ذلك يمكن حصر الإشكال الرئيسي للدراسة في التساؤل التالي:
"ما هي الرهانات أمام قطاع الصناعة في الجزائر على ضوء اتفاقية الشراكة بين الطرفين الجزائري والأوروبي ضمن مضمار إقامة منطقة تبادل حر تستهدف المنتجات المصنعة؟ وكيف كانت حصيلة المشروع المتوسطي على ضوء ما جاء في بيان قمة برشلونة (1995)؟ وما هي السبل المتبعة لإرساء آفاق واعدة"؟
ويندرج ضمن الإشكالية الرئيسية مجموعة من الأسئلة الفرعية تظهر أدناه:
- ما هو السياق التاريخي، الجيو-استراتيجي الذي برزت فيه إشكالية الشراكة الأورو-متوسطية؟
- كيف يمكن للتعاون أن يرقى في ظل التفاوت في الإمكانيات والاختلال في المعاملات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي؟
- هل تعتبر رغبة الجزائر في الانضمام إلى السوق الأوروبية وبإمكانات متواضعة بديلا أمثل لإمكانية التأثير في السياسة الأوروبية بما يخدم مصالحها من خلال الاستفادة من الدعم الأوروبي لتحقيق مركز تنافسي وتفاوضي مقبول يمكنها من القيام بدور محوري في أية ترتيبات إقليمية وفي الوقت ذاته الحفاظ على خصوصياتها للاندماج في الاقتصاد العالمي بقوة وفعالية بما يضمن لها الاستفادة من المزايا المتاحة وبصيغة تسمح لها بتفادي الآثار المرتبطة عن تباين المستويات التنموية والاقتصادية؟ أم أنها ستتبنى إستراتيجية مغايرة استسلامية في غير صالحها في الوقت الذي تتسع فيه فجوة اللاتكافؤ بين الضفتين؟.
- ما مدى إدراك الاتحاد الأوروبي للواقع الصعب للقطاع الصناعي الجزائري واستعداده لمساندته على تجاوز ذلك؟ وكيف يتم تقييم حصيلة الحماية الإدارية للمنتوج الوطني من خلال مساعي السلطات التجارية إلى غاية اليوم، ومن خلال فلسفة السياسة الاقتصادية الكلية؟
- ما مدى جدية أقطار دول الضفة الجنوبية (تحديد الجزائر) في التعامل بواقعية وموضوعية مع قضاياها الشديد التعقيد في نوع من الشفافية لإقناع الاتحاد الأوروبي في التعاون الجاد لتحقيق مصالح الطرفين؟
• فرضيات الدراسة
لتفسير مشكلة الدراسة ومحاولة الإجابة عن الأسئلة المطروحة سالفا، يمكن تصميم وصياغة الفرضيات التالية:
- عقد الجزائر لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي خيارا حتميا فرضته التحولات الاقتصادية العالمية، أي أن الدخول في تكتلات إقليمية ضرورة حتمية بالنسبة لها لضمان الاندماج في الاقتصاد العالمي، وكخطوة مبدئية لوضع الاقتصاد الوطني في مواجهة تحديات عملية التحرير التجاري الجزائي خلال علاقته مع الاتحاد الأوروبي ولتأهيله للتفاعل مع التحرير الكلي للمبادلات عن الانضمام إلى المنضمة العالمية للتجارة.
- القطاع الصناعي يشكل أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية في الجزائر.
- المشاكل المتفاقمة التي تعانيها المؤسسات الجزائرية مرتبطة بالهدف الذي ترسمه وكيفية تطبيق الإستراتيجية المناسبة للوصول إلى ذلك الهدف.
- تتحقق التنمية بأبعادها السياسية الاقتصادية والاجتماعية، إن ما اشترك الاتحاد الأوروبي بجدية في تمويل استراتيجيات تنموية طموحة في الدول المتوسطية النامية أي كسب الرهان مرتبط بتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر وتقديم الاتحاد الأوروبي معونات مالية لأقطار جنوب المتوسط (تحديد الجزائر) ومساهمته في إعادة تأهيل المؤسسات.
Page 3
- ديناميكية الشراكة ترتبط بمدى ملائمة حسن اختيار الإطار والتنظيم بما يتماشى وواقع الأطراف المعنية، سيما وأن التجارب التكاملية الناجحة عالميا في صيغة مناطق التبادل الحر وتحديدا القائمة بين الأقطار المتقدمة ترجع للتقارب في المستويات التنموية بالشكل الذي يساعد على التخفيف واحد من حجم الانعكاسات المرتبطة عن عدم تكافؤ العلاقة التنموية كما هو الحال بالنسبة للتجمعات القائمة بين اقتصاديات تتباين أنماطها التنموية مما يؤثر ذلك على الحجم الضئيل للمكاسب التي ستجنيها الجزائر من اتفاق الشراكة المبرم بينها والاتحاد الأوروبي.
- من المنتظر أن يجلب اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي منافع للاقتصاد الوطني حيث سيسمح باستقطاب الاستثمار الأجنبي وتحديدا الأوروبي، كما يساعد على تحفيز الإنتاج الوطني ونقل التقنيات التكنولوجية الجديدة إلى مختلف المؤسسات الوطنية مع توفير المناخ المناسب للمنافسة وما يترتب عنه تحسين القدرة التنافسية للمنتوج الوطني مما يساعد الاقتصاد على التأقلم وبضرورة أحسن مع مقتضيات اقتصاد السوق.
- تحمل منطقة التبادل الحر ضمن مضمار الشراكة الأورو-متوسطية بعض الإفرازات السلبية على القطاع الصناعي الوطني على المدى القصير، ومن المحتمل تحسين الوضعية على المدى المتوسط والطويل إذا توفرت جميع الظروف والعوامل المساعدة على ذلك.
- تظهر الإفرازات السلبية المتوقعة عند تطبيق بنود اتفاق الشراكة نتيجة لعملية التحرير التجاري بين الطرفين، وما يترتب عنه عجز الاقتصاد الوطني على المنافسة بسبب درجة حمايته المرتفعة، ولذلك ستستفيد القطاعات الاقتصادية المحررة كلية والتي تكون غالبا تابعة لاقتصاد الاتحاد الأوروبي من ميزات تحرير التبادل التجاري، وفي الوقت الذي ستعجز فيه عدة قطاعات اقتصادية جزائرية عن المنافسة.
- من الصعوبة ضمان نجاح منطقة التبادل الحر الأورو-جزائرية للاستفادة من المكاسب المحتملة، حتى لو تمت عملية القضاء على جميع مظاهر عدم التكافؤ في العلاقة بين الطرفين والتفاوتات الحاصلة على الصعيد الاقتصادي، الاجتماعي، والسياسي بما يسمح بتضييق فجوة التفاوت في المستويات التنموية لأنها علاقة قائمة بين دولة وحيدة وتكتل اقتصادي يضم (25 دولة) معظمها من الأقطار القوية اقتصاديا.
-في ظل غياب مشروع مغاربي وعربي للوحدة، ومع متابعة المستجدات الحاصلة على الساحة الدولية تتناول الدراسة بالتحليل إقامة منطقة للتبادل الحر ضمن مضمار الشراكة الأور-متوسطية مع تقييم مدى قدرتها على تقييم المكاسب للطرفين أو من حيث محدوديتها في جلب المنفعة المتبادلة، ومن ثمة استنتاج أهمية التعاون والتقارب جنوب-جنوب (على الصعيد المغاربي تحديدا) وذلك بإقامة منطقة للتبادل الحر أو تفعيل القائم منها في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
• منهج الدراسة
استنادا لموضوع الدراسة، المتعلق بالشراكة الأور-متوسطية في إطار مسعى إقامة منطقة للتبادل الحر كأحد صور التكامل الاقتصادي إلى تحديد أهم الآفاق والتحديات المحيطة بالقطاع الصناعي الوطني بعد التوقيع على اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ومن ثمة الإشارة إلى أهم النتائج على ضوء ما جاء في بيان قمة برشلونة (1995)، لإيجاد أحسن المناهج لمستقبل واعد، فطبيعة الموضوع تتطلب تضافر وتكتل مجموعة من المقاربات والمناهج كالتي تستخدم في إعداد البحوث والدراسات العلمية والجامعية، لذلك اعتمد المنهج – الوصفي، التاريخي والسلاسل الزمنية – عند التطرق للخلفية النظرية، التاريخية للشراكة الأورو-متوسطية والتفصيل في مختلف مراحل وتاريخ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي وعند استعراض مراحل تطور القطاع الصناعي الوطني، كما اعتمد – دراسة الحالة عند الإشارة إلى تجربة تونس والمغرب مع الاتحاد الأوروبي، بينما يظهر أسلوب – تحليل المضمون – من خلال الإشارة إلى محتوى وعمق النسق الجديد للعلاقات الدولية (الشراكة)، في حين اعتمد المنهج – الاستقرائي التحليلي والإحصائي،– عند تحليل مختلف المعطيات الاقتصادية الجزائرية لإمكانية استنتاج مختلف الإفرازات المحتملة على الاقتصاد الوطني (وتم التركيز على القطاع الصناعي الوطني) بدخول اتفاق الشراكة حيز التطبيق.
ولقد أنجز هذا العمل بالاعتماد على مجموعة من المراجع باللغة العربية والأجنبية والاستعانة بالمجالات، الدوريات، مواقع على الأترنيت، تقارير وملتقيات ودراسات علمية وللتأكد من مصداقية المعطيات المتاحة تم مقارنتها في أكثر من مصدر لتفادي ما قد يشوبها من أخطاء (متعمدة أو غير متعمدة)
• خطة الدراسة:
استنادا إلى الهدف المرجو من القيام بهذه الدراسة التي تم تفريعها إلى ثلاثة أقسام متكاملة، يهتم القسم الأول بالدراسة النظرية – التاريخية وأهم المبادئ والقواعد التي تقوم عليها الشراكة الأورو-متوسطية، أما القسم الثاني فقد جاء ليسلط الضوء على التجربة الجزائرية مع الاتحاد الأوروبي بداية بدراسة تاريخ العلاقات الاقتصادية التي تربط الطرفين منذ اتفاقيات (1976) إلى غاية اتفاق الشراكة ومسعى إنشاء منطقة للتبادل الحر، مع الإشارة إلى أهم الإفرازات المحتملة (الإيجابية والسلبية) على قطاع الصناعة الوطني.
بينما يركز القسم الثالث على أهم النتائج بعد مراجعة بيان قمة برشلونة (1995) بمختلف أبعاده الإستراتيجية والإشارة إلى الاستراتيجيات المطلوبة من الطرفين لكسب الرهان.
Page 4
القسم الأول
وتم تفريعه إلى فصلين أساسيين، يهتم الفصل الأول بالدراسة النظرية التاريخية، من خلال التركيز على مفاهيم جوهرية في الدراسة كالتعاون، الشراكة والشراكة الأورو-متوسطية ثم معالجة صيغة التعاون والحوار بين دول جنوب المتوسط والاتحاد الأوروبي وصولا إلى مبادرات الشراكة بين الطرفين كنسق جديد للعلاقات الدولية وذلك في مبحثين على التوالي، أما الفصل الثاني فيتناول الإطار العام والشامل للشراكة الأورو-متوسطية من مبادئ (تتضمن الدوافع والأهداف) ومرتكزات جوهرية لقيامها (متطلبات وآليات) وصولا إلى إلقاء الضوء على أهم التجارب باتفاق الشراكة لأقطار المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي وذلك في مبحثين على التوالي:
القسم الثاني،
وتم تفريعه إلى فصلين، حيث يهتم الفصل الأول بدراسة تاريخ العلاقات الاقتصادية الأوروبية-الجزائرية من خلال معالجة مختلف أوجه العلاقات القائمة بينهما، بداية بالعلاقات التجارية، المالية وتدفقات الاستثمار وصولا لتوقيع اتفاق الشراكة والسعي لإنشاء منطقة التبادل الحر التي يعترضها جدار من الصعوبات ترجع للتفاوتات والاختلالات الهيكلية على صعيد الاقتصاد الكلي والجزئي الوطني. وذلك في مبحثين على التوالي، أما الفصل الثاني فجاء ليسلط الضوء على أهم الافزازات المحتملة بجديتها على قطاع الصناعة في الجزائر بدخول اتفاق الشراكة حيز التطبيق، بعد البحث في مراحل تطور القطاع الصناعي الوطني قبل مرحلة الإصلاحات الاقتصادية والواقع الحالي له. وذلك في مبحثين على التوالي.
القسم الثالث
وتم تفريعه إلى فصلين كذلك، حيث يتناول الفصل الأول أهم النتائج بعد مراجعة بيان قمة برشلونة (1995) في جوانبه الإستراتيجية الثلاث ومن ثمة استعراض أهم المؤتمرات التي انعقدت لمحاولة تكريس مسار برشلونة وتسريع التقارب والتوافق الأورو-متوسطي وذلك في مبحثين على التوالي، أما الفصل الثاني فجاء ليسلط الضوء على المنهج المطلوب اعتماده من الطرفين لرسم خطوط كسب الرهان بفضاء حر للتبادل والوصول إلى شراكة حقيقية ترتكز على أدنى مستويات التكافؤ الندية في العلاقة، وذلك في مبحثين على التوالي.
• مساهمة الدراسة وأهميتها:
نظرا لهدف البحث المتمثل في دراسة الشراكة كنسق جديد لعلاقات التعاون الاقتصادي القائمة بين اقتصاديات تتفاوت على مختلف الأصعدة والتركيز على مختلف الإفرازات المحتملة بشقيها (الإيجابي والسلبي) على القطاع الصناعي الوطني ثم الغوص في نتائج – بيان قمة برشلونة (1995) – وإيجاد المسالك الضرورية لكسب الرهان، جاءت مساهمة الدراسة بالنظر إلى حداثة موضوعه بالنسبة للجزائر وندرة الدراسات التحليلية العميقة حول اتفاقيات الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي فيما يلي:
- نزع الغموض عن أحد المواضيع الاقتصادية الحساسة التي تمس الاقتصاد الوطني في الوقت الراهن، سيما وأن الجزائر مقبلة على الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة بالإضافة إلى الكشف عن العزلة الإقليمية الشديدة التي تعيشها في ظل تنامي عدد التكتلات الاقتصادية والإقليمية بالعالم وبروز ملامح جديدة للنظام العالمي الجديد.
- تحديد العوامل المؤثرة في تنمية أقطار جنوب المتوسط في ظل اتفاقيات الشراكة الموقعة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، من خلال الكشف عن ما يمكن أن تجنيه تلك الأقطار من مكاسب مع المحافظة على سيادتها.
- محاولة فهم نقاط التوافق والاختلاف بين الجزائر والإتحاد الأوروبي ومدى إمكانية المحافظة على العناصر التوافقية وتذليل عناصر التنافر.
- توضيح أهم الآفاق المحتملة بدخول اتفاق الشراكة حيز التطبيق على مختلف الهياكل الاقتصادية الجزائرية بما يسمح بالحكم على مدى الجدوى الاقتصادية لها بالنسبة للجزائر.
- الحكم على الانحرافات والمخاطر المحتملة بدخول اتفاق الشراكة حيز التطبيق على القطاع الصناعي الوطني مما يتطلب تحديثه وتأهيله مع الوضع الجديد.
- إمكانية تطبيق نتائج هذه الدراسة على ترتيبات إقليمية في مناطق أخرى من العالم.
Page 5
تمهيد
شهد العالم خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفي الوقت الراهن حركة نشيطة وتحولات جوهرية متسارعة.
هذه المستجدات أفرزت مفهوما جديدا للقوى المعتمدة أساسا على القوة الاقتصادية التنافسية في ظل الانفتاح الاقتصادي العالمي الذي يتميز بتحرير التجارة الدولية من خلال إزالة كل أشكال التمييز على حركة انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال، فضلا عن سياسة الاندماج والتوجه لإقامة تكتلات اقتصادية من خلال اعتماد استراتيجيات جديدة لوضع إطار للمبادئ والأسس التي يبنى عليها أي تعامل اقتصادي.
هذا التحول جعل الولايات المتحدة الأمريكية تحتل الصدارة ومكنها من التأثير على صياغة الخطوط الجوهرية للعلاقات الاقتصادية الدولية. بدليل عودة حوض البحر الأبيض المتوسط في مقدمة الانشغالات الدولية من خلال الطرح الأمريكي لمشروع -سوق شرق أوسطية- ليتم توسيعه لاحقا إلى مناطق الضفة المتوسطية الجنوبية وذلك دون إغفال الأهمية الإستراتيجية للمنطقة المتوسطية سواء من جهة مواردها الطبيعية أو طاقتها البشرية سيما بعدما تميزت به العلاقات الأمريكية- الأوروبية في المنطقة.وفي سياق ذلك وفي إطار التوجيهات الإقليمية وعلاقات التكامل الاقتصادي الدولي رغم قلة مقومات التقارب {الاقتصادية، السياسية، الثقافية، العقائدية....} سعى الإتحاد الأوروبي وبخطوات ناجحة لتوطيد وتعميق العلاقة مع دول حوض البحر المتوسط، اقتناعا منه بأهميتها، وذلك لإقامة فضاء اقتصادي أوروبي -متوسطي يتبوأ مكانته بين التكتلات الإقليمية والعالمية { الأمريكية على وجه التحديد} -لأن ما يمكن تسميته ''بالأبعاد الجنوبية southern dimensions" للدول العظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو المجموعات القارية، أصبح يشكل عنصرا مهما في الجيو –إستراتيجيات المعاصرة لذلك فالطرح الأوروبي بالتعاون مع جنوب المتوسط كمقابل للتوسع والانفتاح نحو الشرق يمثل تعبيرا واضحا عن سياسة أوروبا الجديدة في المنطقة المتوسطية.
لتتجسد الأرضية وترسم المعالم لتلك الإستراتيجية بانعقاد مؤتمر – برشلونة –BARCELONE-- الوزاري للتعاون والشراكة الأورو-متوسطية في (27-28/ نوفمبر 1995) والذي شاركت فيه دول عربية متوسطية (باستثناء ليبيا) وأخرى متوسطية غير عربية (12عضو) بالإضافة إلى ممثلي أعضاء الإتحاد الأوروبي (15عضوأنداك) وذلك لإرساء خطة متماسكة للعلاقات بين الضفتين من خلال إقامة إطار عمل دائم ومتعدد الأطراف يقوم على روح الشراكة.
وعلى ضوء هذا التصور قسم- الفصل الأول- من الدراسة الذي يتناول – مفاهيم أولية وخلفية تاريخية عن الشراكة الأورو-متوسطية –إلى مبحثين، حيث يرتكز المبحث الأول إلى إبراز المفاهيم الأساسية والمحددات الجوهرية التي تقوم عليها الدراسة، كالتعاون، الشراكة والشراكة الأورو-متوسطية، ويعرج بعدها إلى تناول البعد التاريخي للشراكة الأورو-متوسطية، بداية بصيغة التعاون باعتبارها أول إستراتيجية رسمية متبعة من طرف المجموعة الأوروبية تجاه المنطقة المتوسطية، إلى المبادرة الأوروبية بإجراء حوار مع العرب وعقد اتفاقيات التعاون في إطار سياسة التقارب المتوسطي الشامل (منذ 1972) ثم تناول الإستراتيجية الأوروبية الجديدة في المنطقة المتوسطية بعد ثبات فشل وعدم فعالية السياسة المتوسطية الشاملة –PMG-بظهور نسق جديد للعلاقات بين الطرفين باعتباره حصادا لعقود طويلة من الجهود والمبادرات الأوروبية والمتوسطية التي بذلت لدعم التعاون وتعميق العلاقة بينهما.
Page 6
أولاً: مفاهيم أولية
تتعدد المفاهيم النظرية لتحقيق التنمية الأمن، السلم والاستقرار على المستويين الوطني والدولي، ولكن ثمة مفاهيم- مصطلحات- أساسية تكتسي أهمية جوهرية في دراستنا هذه وهي، التعاون والشراكة التي لها طابعا متميزا في ضبط عناصر التحليل ومنه التحكم في الموضوع وباعتبارها من أكثر المفاهيم النظرية اقترابا لموضوع البحث فهي تختلف في مستويات تشابكها وتطورها في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية وحتى الثقافية لذلك سيتم الاعتماد عليها للوقوف على مدى تطابقها مع الواقع الذي تعالجه هذه الدراسة وذلك بتحليل الإستراتيجيات الجديدة المطروحة ومدى ملاءمتها في مواكبة عمليات التنمية في ظل تنامي ظاهرة العولمة، وفيما يلي سيتم التطرق إلى أهم أسس التي ترتكز عليها مفاهيم التعاون والشراكة.
التعاون:-coopération-
1. المدلول اللغوي للتعاون:
ويعني التعاضد والتآزر، وهي سياسة مساعدة اقتصادية، تقنية ومالية لبعض الدول السائرة في طريق النمو.
(coopération:politique d'aide économique; technique et financière à certain pays en voie de développement."(1"
ولقد لجأت هذه الأخيرة -الدول السائرة في طريق النمو- في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية للتفكير الجدي والسعي إلى تطوير علاقتها فيما بينها أو مع غيرها من الدول الغربية، وبناءا على ذلك توجهت إلى تبني نماذج إنمائية، بعضها مستنبط من الواقع المحلي والبعض الآخر مستورد،(2) وفي كلتا الحالتين فالهدف كان واحدا وهو محاولة حصر أسباب التخلف من جهة والانطلاق نحو تشييد اقتصاديات تواكب التطورات الدولية السريعة. وبعبارة أخرى فالتعاون لا يمكن أن يحدث ما لم تشهد الدول النامية انطلاقة حقيقية في تنمية اقتصادياتها ومحاولة اقتحامها للأسواق الدولية
وفي الحقيقة فالتحولات التي عرفها المجتمع البشري في القرن العشرين (3) كانت نتيجة إفرازات الثورة الصناعية وما تبعها من ابتكارات في المجالات التقنية وزيادة في حجم الإنتاج على المستوى الدولي. ولقد كان هذا ضروريا للوصول إلى تأمين الحاجات والخدمات الإنسانية الضرورية ولاستمرار بقاء الدول بكيفية جماعية وسلمية، وغالبا ما يتخذ التعاون- –Coopération طابعين: طابع مفرد يعبر عن إرادة الأمم أو الأطراف أو الشعوب في المساعدة والعمل معا، أما الطابع الثاني فهو التعاون المكـره الذي يكـون عن طريق إجبار الدولة على التعاون في مجال معين دون إرادتها، وهذا ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في العديد من المناطق في العالم أثناء الحرب الباردة لمواجهة المد الشيوعي سواء في شكل -أحلاف عسكرية -كمنظمة حلف الشمال الأطلسي - أو تعاون اقتصادي مثلما كان عليه الحال ولا يزال ما يطلق عليه بالنمو الآسيوية (هونغ كونغ، تايوان، سنغافورة، كوريا الجنوبية وماليزيا) وكذلك بالنسبة للدول الأوروبية المتضررة من الحرب العالمية الثانية في تفاعلها مع مشروع مارشال(4).
كما يمكن أن يتم التعاون في إطار منظمات دولية كصندوق النقد الدولي- - FMI البنك الدولي للإنشاء والتعمير –BIRD-والمنظمة العالمية للتجارةOMC--كما حدث مثل هذا التعاون في المعسكر الاشتراكي (سابقا) والذي تجسد في مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة الكوميكوم –COMECOM-والذي حال دون استمراره بانهيار الإتحاد السوفياتي.
ومن الأمثلة الأكثر شيوعا منذ القدم ما كان يعرف بالتحالف- -ALLIANCE وهو تعبير يطلق على تنظيم أو التزام عدد من الدول باتخاذ تصرفات تعاونية معينة(5)، ضد دولة أو دول أخرى في ظروف معينة ويستعمل مصطلح الحلف أساسا لتحديد نوع معين من الاتفاقيات كالحلف الأطلسي، حلف وارسو، وحلف جنوب شرق آسيا، وفضلا عن ذلك فهناك أمثلة لهذا النوع من التعاون دون اتخاذه طابعا رسميا كالعلاقات الخاصة القائمة بين أمريكا وبريطانيا والتي تجلت في أشكال متعددة من التعاون المميز، كذلك هناك تعاون يعرف بالانحياز فالدولة الصغيرة ولكي تقي نفسها من المخاطر الداخلية والخارجية تعتمد في حماية وجودها على القوى العسكرية للدول الكبرى أو تتلقى منها توجيهات مباشرة أو غير مباشرة تكون في حالة انحياز لها أكثر من كونها متحالفة معها.
ومن الواضح أن العامل الاقتصادي يكتسي دورا مميزا في تطوير مفهوم التعاون وإثرائه وتوسيع مجالات تجسيده وبذلك أصبح التعاون الاقتصادي ذو دلالات لا يمكن إنكارها على صعيد العلاقات الدولية سيما بعد نهاية الحرب الباردة(6).فهو العامل الرئيسي الذي يودي إلى تحسين المستوى الاقتصادي والمعيشي للدول التي يتم التعاون فيما بينها ويقلل من النزاعات الدولية مما يدعم ذلك الاستقرار والأمن ويزيد من ثقل الدولة.
Page 7
2- المدلول الاصطلاحي للتعاون:-
هناك العديد من التعاريف الخاصة بالتعاون ولكنها تختلف باختلاف توجهات الباحثين ومواقعهم ومن أبرزها تم ترصيده في ما يلي:
يرى- إكرام عبد الرحيم-" أنه مجموعة مكثفة من التفاعلات والاتصالات في المجالات المختلفة التي تسمح بالبناء وتحقيق التقدم وتعظيم درجة الأمن بين عدة أطراف ليسوا بالضرورة متقاربين جغرافيا أو منتمين إلى دين واحد أو ذو أصول عرقية واحدة."(7)
أما- -JEAN TOUSCOZ يتكلم عن "علاقة شراكة يضع من خلالها الفاعلون الدوليون وسائل مشتركة لتحقيق غايات معينة".(8)
فيما يعتبر "–GONIDEC ET CHARVIN-صيغة من العلاقات الدولية والذي يتضمن تنفيذ سياسة (وبالتالي إستراتيجية تكتيك) متتابعة خلال فترة زمنية معينة لذلك تسعى تلك الآليات المستمرة إلى توطيد العلاقات الدولية في مجال ما أو عدة مجالات مع التخفيف من القيودعلى حرية تنقل الوحدات المعينة"(9)
'' la coopération est un mode de relations internationales,qui implique la mise en œuvre d’une politique,) donc d’une stratégie et d’une tactique(poursuivie pendant une certaine durée de temps, et destinée à rendre plus intimes, grâce a des mécanismes permanents, les relations internationales dans un ou plusieurs domaines déterminés sans mettre en cause l’indépendance des unités concernées",
كما قد يعني التعاون الارتباط والتنسيق في الميادين الاقتصادية وقد يشتمل مفهوما أوسع كأن يتضمن التعاون في مجالات متعددة كالاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة (10)، حيث يكون التعاون في:
- المجال الاقتصادي: في شكل اتفاق بين دولتين أو أكثر(11)، وقد تتفق الدول على الانضمام إلى مؤسسات دولية وضعت لدعم الاقتصاد والتجارة بين الدول.
- المجال السياسي الأمني: يتجسد في أنشطة الأمم المتحدة السياسية في العمليات السلمية
- المجال الثقافي والاجتماعي: فيتجلى في إطار المساعي التي تقوم بها بعض المنظمات الدولية التي تهتم بالجوانب الثقافية والاجتماعية -كاليونسكو وجامعة الدول العربية-.
وتأسيسا على ذلك فالتعاون الاقتصادي يتضمن مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى التخفيف من العقبات والمشكلات القائمة في وجه العلاقات الاقتصادية الدولية، لتيسير عمليات التبادل الدولي(12)، فالاتفاقيات التجارية الدولية التي تهدف إلى تنشيط التبادل التجاري الدولي تشكل نوعا من أنواع التعاون الاقتصادي والتي عادة ما تكون بين اقتصاديات ذات أنماط تنموية وقوميات مختلفة (دول متقدمة ودول نامية) وغالبا ما تكون في شكل اتفاقيات لتحرير التجارة -كتشكيل منطقة التفضيل الجزئي(13)-.
* عموما ينطلق التعاون من مجرد التشاور والتفاهم إلى توطيد للعلاقات وتكوين روابط جماعية بدافع عدم القدرة على الاستمرار في عزلة عن العالم الخارجي ومن المؤكد أنه لا يؤدي حتما إلى بناء نوع من الوحدة المؤسساتية ومن هنا فهو يختلف عن غيره من المفاهيم كالشراكة.
Page 8
فإنطلاقا من الحوصلة المقدمة حول مفهوم التعاون يمكن استنباط جملة من الأفكار تدرج البعض منها فيما يلي:
*- التخصص في العمل الدولي:
يترتب عنه زيادة في حجم المبادلات التجارية، فكل دولة مهما كانت قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية يستحيل أن توفر كل حاجاتها وحماية وجودها واستمرارها دون التعامل مع بقية أعضاء المجتمع الدولي لذلك فالتعاون يعتبر ضرورة تقتضيها مصلحة الدول وهذا ما نعرفه عن أول نظريات تقليدية فيما يخص التبادل الدولي ومزاياه.
فإذا كانت الدولة (أ) مختصة في إنتاج سلعة ما وبسعر أقل نظرا لتجربتها و/أو وفقا للتقنيات المتوفرة لديها والدولة (ب) مختصة في إنتاج سلعة أخرى لنفس الأسباب فالواقع يدفع البلدين حسب نظرية التكاليف النسبية أو نظرية التكاليف المقارنة (14) لدافيد ريكاردو (1817) إلىتبادل هذه السلع بين البلدين بدلا من محاولة إنتاج السلعتين في نفس البلد لوحده وللوصول إلى ذلك تلجأ الدول إلى تبني مجموعة من الإجراءات وتنسيق السياسات فيما بينها.(15)
* الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل فيما بين الدول:
لقد ساعد تحرير التجارة الدولية وتزايد حرية انتقال رؤوس الأموال الدولية مع وجود الثورة التكنولوجية والمعلوماتية بشكل كبير على الترابط بين مختلف دول العالم وتأكيد عالمية الأسواق حيث أدت المستجدات العالمية مجتمعة إلى زيادة درجة الاعتماد المتبادل) (interdépendance والتي يمكن قياسها بين بلدين أو بين مجموعتين من البلدان في إطار العلاقات الاقتصادية الدولية والذي يعني معرفة زيادة درجة التعرض (exposition aux chocs exogènes) للصدمات الاقتصادية الوافدة من العالم الخارجي- نظرا للارتفاعالكبير في نسبة النشاط الاقتصادي المعتمدة رخائه أو كساده على ما يحدث في العالم الخارجي- ومن خلال ذلك يمكن تحسين مستوى الأداء الاقتصادي للبلدان التي تشملها ظاهرة الاعتماد المتبادل.(16)
وفي إطار إعادة صياغة العلاقات بين الدول ظهرت صورة جديدة من العلاقات التكاملية وتشمل -الشراكة-
الشراكــة:Partenariat -
1- المدلول اللغوي للشراكة
وتعني اختلاف النصيبين بحيث لا يميز الواحد عن الآخر وهي مصدر الفعل شارك تشاركا ومعناه وقعت بينهما شراكة.(17)
* كما تعني: نظام شراكة يجمع بين الشركاء الاجتماعيين أو الاقتصاديين.
(Le partenariat système associant des partenaires sociaux ou économiques(18"
فمع تنامي ظاهرة العولمة تزايدت مبادرات التكامل الجهوي سيما في بعض الدول النامية ورغم نجاح قيام المنظمة العالمية للتجارة (OMC)لتنظيم التعاون المتعدد الأطراف فإن الميول لإنشاء تكتلات جهوية مازالت مستمرة في العديد من مناطق العالم للبحث عن إحدى أشكالالتكامل المعرفة في النظريات الاقتصادية(19)، وقد حاولت العديد من الدول النامية الدخول في مرحلة جديدة من مبادرات التكامل والاندماج وفقا لمنطق الانفتاح التجاري أو الاقتصادي وتأسيسا على ذلك ولضمان نجاح هذه المحاولات سعى البعض من هذه الدول إلى إقامة شراكة مع دول جد متطورة للسماح لها بالنفاذ إلى أسواقها واستقطاب استثمارات أجنبية التي يمكن أن تحسن من أدائها الاقتصادي وتخفف من مشاكلها ومن ثمة تدعم مركزها على الصعيد الدولي.
Page 9
2- المدلول الاصطلاحي للشراكة:
تعددت التعاريف الخاصة بالشراكة بتعدد المهتمين بتفسيرها وفيما يلي عرض لأبرزها:
حيث عرفها الدكتور –معين أمين السيد أنها ''العلاقة المشتركة والقائمة على تحقيق المصالح المشتركة من جهة وتحديد مدى قدرات ومساهمات كل طرف من جهة أخرى للوصول إلى الغايات المنشودة والمتوقعة(20).
أما الدكتور –محمد قويدري – فيرى أنها " إحدى الوسائل العلمية الفعالة لتدعيم المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الدول المساهمة من خلال الاستغلال المشترك للإمكانيات والموارد المتاحة في هذه الدول كما أنها تمثل إحدى الوسائل الأساسية لتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.(21)
في حين يرى -الأستاذ حسن إبراهيم – "أنها النفع المتبادل المتضامن والمتكامل المبني على التكافؤ والاعتماد المتبادل interdependance- والمصير الحضاري المشترك ".(22)
أما –jean touscoz فيرى " أن الشراكة عبارة عن تنظيم أو اتفاق بين بلدين أو أكثر في مجال أو مجالات متعددة بطريقة لا تؤدي إلى نوع من البناء المؤسساتي بل الغرض منها بلوغ أهداف محددة وليست بالضرورة مشتركة كما تعتبر وسيلة لتقريب سياسات الأطرف من أجلتحقيق درجة ملائمة تسمح بالدخول في التكامل الاقتصادي وترجع أهمية الشراكة إلى كونها وسيلة هامة للاستغلال الأمثل للإمكانيات وتحقيق مصالح متبادلة لهذه الدول ".(23)
ومن جملة التعاريف السابقة، فالشراكة هي محلولة لصياغة نمط جديد من العلاقات بين متعاملين مختلفين من خلال الجمع بين طرفين أو أكثر نظرا لوجود مصالح متبادلة بينها بحيث يساهم كل طرف بالإمكانيات المتوفرة لديه (كالعمل، رأسمال، المهارة الفنية....) لتحقيق غاياته التي تلبي متطلباته والتي لا تتعارض مع مصلحة أي طرف من الأطراف المشاركة ومن هنا يطرح التساؤل خول الشراكة الأورو متوسطية التي تندرج ضمن موضوع دراستنا.
Page 10
ويرتبط هذا المفهوم بالدول الواقعة على ضفاف البحر المتوسط الذي يجمع دول جنوب أوروبا من شمال البحر وبين بعض الدول الواقعة جنوب شرق المتوسط ونظرا للأهمية الإستراتيجية لحوض المتوسط وبالتحديد بالنسبة للإتحاد الأوروبي سعى- هذا الأخير - إلى ربط وتطوير علاقاته مع دول جنوب وشرق المتوسط ولقد تجسد ذلك في فكرة مشروع الشراكة الأورو متوسطية.و ظهر مفهوم المتوسطية مع بداية السبعينيات إثر السياسة المتوسطية التي قام بها الإتحاد الأوروبي مع الدول الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسط حيث تعتبر أول الترتيبات التي عقدت مع هذه المجموعة من الدول ما تم في أوائل السبعينيات، ففي عام (1972) وضع الإتحاد الأوروبي أول مفهوم شامل تجاه كافة الدول الواقعة جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط محاولا إيجاد نوع من التوحيد في معاملة الدول أعضاء الإتحاد الأوروبي مع الدول المتوسطية.
وتعتبر المحاور الأساسية لهذه الإستراتيجية مشكلة الأمن والاستقرار داخل منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، قضية توريد النفط والمواد الخام إلى أوروبا، سياسية التنمية الموجهة نحو إفريقيا والتي يلعب جنوب المتوسط فيها جسر التواصل بين أوروبا وإفريقيا، وقد تم في الفترة الممتدة من(1972إلى 1976) توقيع العديد من الاتفاقيات بين المجموعة الأوروبية (آنذاك) وبعض الدول المتوسطية حيث وفرت هذه الاتفاقيات قدرا كبيرا من التعاون بين الطرفين في مجالات مختلفة كالتجارة، الصناعية والقطاع التمويلي وتقديم لبعض المنتجات الزراعيةوالمنتجات نصف المصنعة إعفاء جمركية، فضلا عن الاتفاقيات الاقتصادية والتمويلية التي تم توقيعها بين الطرفين والتي يتم بموجبها تحويل الإعانات المالية والقروض دون فوائد وإئتمانات التنمية إلى الدول المتوسطية.(24)
وفي سياق ذلك ينظر –ناصيف حتى -إلى الشراكة الاور متوسطية على أنها "نهج أوروبي للتعاون مع دول كانت كلها تقريبا وإلى أمد قريب ضمن منطقة النفوذ الأوروبية بأسواقها ومواردها الأولية."(25)
ومن هنا يتضح توجه الإتحاد الأوروبي إلى إقامة شراكة مع دول جنوب وشرق المتوسط لاعتبارات تاريخية وجغرافية حيث كانت معظم دول جنوب وشرق المتوسط مستعمرات لبعض الدول الأوروبية مما يمكن- هذه الأخيرة- من بسط نفوذها عليها في مختلف المجالات السياسية منها والاقتصادية.
فبالنسبة إلى أوروبا" الشراكة تعني مصالح مشتركة تهدف إلى تكثيف المبادلات الاقتصادية والتعاون في المنطقة وتفسر أيضا على أنها توسيع للدعم الأوروبي لحكومات ودول تعاني من مشاكل متعددة إنها ببساطة دعوة للتفتح"(26) فالشراكة بهذا المعني دعوة للاندماج في الاقتصاد العالمي ومواكبة المستجدات العالمية في مختلف الميادين.
أما –فتيحة تلاهيت– فترى أن" الشراكة بين الإتحاد الأوروبي ودول الضفة الجنوبية للمتوسط مشروع تعاون وحتى يصبح هذا التعاون ممكنا يجب تحديد المصالح والأهداف لكل الأطراف المشاركة".(27)
وبالنسبة لدول جنوب وشرق المتوسط تمثل الشراكة أداة جوهرية لمواجهة التغيرات العالمية ومواكبة التحولات الجديدة في المنطقة ويتطلب منها ذلك إصلاحات وتغييرات جذرية في هيكلتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لذلك فالشراكة بين الطرفين مبنية على المصالح المشتركة وعلى التقارب والتعاون في جميع المجالات الاقتصادية المالية، السياسية، الاجتماعية والثقافية.وبالتالي فهي تمثل نقطة تحول في مسار العلاقات الاقتصادية الدولية نتيجة للمستجدات العالمية على جميع الأصعدة وفي مقدمتها انهيار المنظومة الشيوعية التي فسحت المجال للولايات المتحدة الأمريكية بالبروز كقطب عالمي مهيمن في مختلف الميادين مما دفع ذلك بالإتحاد الأوروبي إلى محاولة التحرر من القبضة الأمريكية والخروج من تحت مظلتها وذلك بتوطيد علاقاته بدول جنوب وشرق المتوسط وتطويرها من مجرد علاقات تعاون إلى علاقات حوار بين الطرفين والارتقاء بها إلى شراكة حقيقية وتعاون فعال يتيح للإتحاد الأوروبي الفرصة للظهور كقطب عالمي له ثقل اقتصادي ووزن سياسي ومن ثمة منافسة الولايات المتحدة الأمريكية في إطار المشروع -الشرق أوسطي- في المنطقة.