المقدمة
أولا: موضوع البحث وأهميته
إن التطور التكنولوجي الذي نعيشه اليوم أدى إلى إحداث تغيرات واضحة في حياتنا اليومية، فلم يعد من الصعب على الشخص العادي القيام بشراء حاجياته من أي قطر في العالم وخلال وقت قياسي، فمن خلال شبكة الانترنت يستطيع الإنسان أن يربط نفسه مع العالم ويقوم بإبرام العديد من التصرفات القانونية وبوقت قياسي ينافس الوقت الذي يحتاجه الشخص لإبرام ذات الصفقة في موطنه بالطرق التقليدية.
ولعل من أهم مظاهر التغييرات التي أحدثتها الثورة التكنولوجية في حياتنا، تلك المتعلقة في المجال التجاري، فالنشاط التجاري قد تغير بشكل جذري مع التطور التكنولوجي فقد ظهر عالم من التجارة جديد لم يكن معروف بالسابق وهو ما يسمى بالتجارة الإلكترونية، ناهيك عن أنه حتى التجارة التقليدية باتت تتم تسوية الأمور المتعلقة بها الكترونيا.
وبسبب هذا التطور الهائل في المجال التكنولوجي أدركت البنوك تمام الإدراك أن استخدمها لوسائل التكنولوجيا الحديثة في مجالها البنكي سيساعدها على تقديم الخدمات البنكية لأكبر عدد ممكن من العملاء وبأقل التكاليف الممكنة، مما سيدفعها للمنافسة الناجحة في السوق( [1] )، فأخذت تطور خدماتها البنكية فأظهرت إلى حيز الوجود العديد من وسائل الوفاء التقليدية التي تتم الكترونيا وهي ما تسمى بوسائل الدفع الإلكترونية.
ونظرا لكون النشاط الاقتصادي يعتمد على الشيك اعتمادا كبيرا، فالشيك يقوم بعملية فنية إذ يمكن العميل من استرداد النقود التي أودعها لدى البنك، وهو قبل ذلك يعد أداة سهلة لوفاء الديون التي على المودع في مواجهة الغير فيقوم بوظيفة النقود في التعامل. فالمدين بدلا من أن يفي دينه بالنقود يمكنه أن يفي به بواسطة شيك يسحبه لأمر الدائن وعندما يدفع البنك المسحوب عليه قيمة الشيك إلى المستفيد ينقص دين الساحب وتبرأ ذمته منه( [2] ). كما أن الشيك لا يكون سوى وسيلة لتسوية الديون بين الساحب والمستفيد فحسب، بل يتعدى ذلك بأن يكون وسيلة لتسوية دين المستفيد في ذمة الغير، وذلك من خلال تداوله، ولما كان للشيك هذه الأهمية فانه بات من الواضح انه يحقق مصلحة اجتماعية واقتصادية هامة، خصوصا وأنه يقلل من مخاطر حمل النقد المتداول، إذ أن الشيك غالبا ما يتم تحصيله بشكل قيدي من خلال قيد قيمته في حساب المستفيد، وهكذا يكون الشيك قد حقق زيادة في حجم المعاملات في السوق دون زيادة مقابلة في حجم النقود المتداولة، وهو هدف يسعى إليه المشرع في كل دولة، ولذا كان من المصلحة تشجيع استخدام الشيك( [3] ).
ولما كان للشيك هذه الأهمية البالغة فانه احتل الصدارة بين وسائل الدفع الإلكترونية التي تم استحداثها ليكون الشيك الإلكتروني، احد أهم وسائل الدفع الإلكترونية وليلبي احتياجات المتعاملين بعالم التجارة الإلكترونية، فهو لم يحتل هذه المكانة للأهمية التي يحققها فحسب بل لان للشيك الإلكتروني جدوى اقتصادية تعود بالنفع على البنوك وعلى العملاء في آن واحد، حيث يعمل الشيك الإلكتروني شأنه شأن سائر وسائل الدفع الإلكترونية الأخرى على خفض تكاليف التشغيل مع التميز في تقديم خدمة أفضل للعملاء، حيث تشير الإحصائيات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تكلفة تشغيل الشيك الورقي تقدر بـ 79 سنتا بينما تنخفض تكلفة تشغيل الشيك الإلكتروني إلى 25سنتا، وبالنسبة لمعالجة الشيكات في غرفة المقاصة فتتراوح في الشيكات الورقية بين 1 و1.5 دولار أما بالنسبة لمعالجة الشيكات الإلكترونية ينخفض المبلغ إلى 25 و35 سنتا( [4] ).
ونظرا للأهمية الكبيرة التي يتمتع بها الشيك الإلكتروني وللميزات المتنوعة التي يحققها، فاني ارتأيت أن يكون "الشيك الإلكتروني" هو موضوع بحثي، ولعل لذلك أسبابا عديدة أدت بي لاختيار هذا الموضوع، نتعرف على أهمها فيما يلي:
ثانيا: دواعي اختيار الموضوع
هناك العديد من الأسباب التي دفعتني للكتابة في موضوع "الشيك الإلكتروني" أذكر من أهمها ما يلي:
1. الأسباب الواقعية
يلاحظ أن موضوع "الشيك الإلكتروني" بشكل عام لم يشبع بحثا حتى اللحظة، خصوصا بالنسبة للدراسات العربية، حيث نلاحظ أن معظم الدراسات العربية في هذا الشأن قد عالجت موضوعات تتعلق بوسائل الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الإلكترونية بشكل وصفي وعام، ونرى معظمها قد عرج على موضوع الشيك الإلكتروني بوصفه وسيلة من وسائل الدفع الإلكتروني ولكن بصفحات معدودة بل وببضع سطور في معظم الأحيان، ولم تتم معالجة جوانبه العملية والقانونية بشكل مفصل ومستقل.
ومن منطلق الحداثة العلمية في موضوع أطروحة الماجستير، فإنني ارتأيت أن اكتب في موضوع "الشيك الإلكتروني" علني أقدم موضوعا قانونيا جديدا يكون مرجعا في مكتبتنا العربية.
2. إن موضوع "الشيك الإلكتروني" وان تمت الإشارة إليه في بعض النصوص القانونية (كقانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم 85 لسنة 2001) إلا أننا وحتى يومنا هذا لم نجد معالجة تشريعية وافية له، فنرى أن المشرع في قانون المعاملات الإلكترونية قد أعطى الصلاحية للبنك المركزي في إصدار تعليمات خاصة بموضوع "الشيك الإلكتروني" حيث يتم سد الفراغ التشريعي في هذا الموضوع، إلا أننا لا نرى استخداما واقعيا لتلك الصلاحية الممنوحة من المشرع للبنك المركزي، فنحن حتى هذه اللحظة نعيش في حالة خلاف فقهي فيما يتعلق بكافة الإشكاليات القانونية والعملية التي يثيرها التعامل بالشيك الإلكتروني.
ولعل هذا النقص التشريعي الحاصل يعد من أهم الأسباب التي دفعتني لاختيار موضوع" الشيك الإلكتروني"، علني أوفق في طرح ابرز الآراء الفقهية والتحليلات القانونية التي قيلت في هذا الموضوع لأخلص بجملة نتائج وتوصيات تحوز اهتمام المشرع واهتمام المتعاملين بالشيك الإلكتروني.
3. الأهمية العملية للموضوع
اشرنا في بداية هذه المقدمة أن للشيك دور بالغ الأهمية في المجال الاجتماعي والاقتصادي ويحقق ميزات عديدة للمتعاملين به، وان كانت هذه الأهمية واضحة بالشيك التقليدي فإنها تزداد وضوحا في الشيك الإلكتروني، فالشيك الإلكتروني يحقق مزايا متنوعة بالإضافة إلى تلك التي يحققها الشيك التقليدي، فهو يعمل على خفض تكاليف التشغيل، كما انه يتعدى العوائق والحدود السياسية والجغرافية.
ولعل الأهمية العملية والقانونية التي يثيرها موضوع" الشيك الإلكتروني" كانت هي أيضا من الأسباب الهامة التي دفعتني للبحث في هذا الموضوع.
ثالثا: مشكلة البحث
إن أهم ما يميز موضوع "الشيك الإلكتروني" هو حداثة الموضوع وبالتالي قلة التشريعات الناظمة له وعدم كفايتها، بالإضافة إلى عدم انتشار التعامل به على الصعيد المحلي، وبالتالي قلة وصول النزاعات التي تنتج عن التعامل به إلى المحاكم وهذا ما يفسر انعدام الاجتهادات القضائية عن الموضوع. وبالتالي فان الموضوع يثير العديد من الإشكاليات القانونية والعملية.
ولعل الإشكالية الرئيسية التي تقوم عليها الدراسة تتمثل في عدم وجود تنظيم قانوني خاص بالشيك الإلكتروني، فإلى أي حد يختلف الشيك الإلكتروني عن نظيره التقليدي؟ أو بعبارة أخرى ما مدى الخصوصية التي يتمتع بها الشيك الإلكتروني عن نظيره التقليدي؟
ومن خلال هذا التساؤل الرئيسي سيثار لدينا العديد من التساؤلات القانونية التي سنحاول الإجابة عليها من خلال هذه الدراسة، ولعل من أهم هذه التساؤلات ما يلي:
1) كيف يتم إنشاء الشيك الإلكتروني وكيف يتم إصداره؟
2) ما مدى قابلية الشيك الإلكتروني للتداول؟ وما هي الشروط القانونية لذلك؟ وما هي الآلية العملية المتبعة في ذلك؟
3) ما مدى خصوصية البيانات الإلزامية الواجب توافرها في الشيك الإلكتروني؟
4) ما هي مواعيد تقديم الشيك الإلكتروني للوفاء؟ هل هي ذات المواعيد المنصوص عليها بشان الشيك الورقي؟ أم أنها تختلف عنها؟ وان كانت ذاتها فما مدى ملائمتها للطبيعة الإلكترونية للشيك الإلكتروني؟
وغيرها العديد من الأسئلة والإشكاليات القانونية والعملية الجديرة بالبحث، والتي سنحاول الإجابة عليها.
رابعا: خطة البحث
تقوم هذه الدراسة على المنهجين التحليلي والوصفي، حيث سنقوم بتحليل النصوص القانونية ومعالجتها بشكل تحليلي، ومن ثم نستعرض الآراء الفقهية التي قيلت في مواضعها بشكل وصفي، محاولين الوصول إلى جملة نتائج علمية وقانونية والى توصيات تهدف إلى حل الإشكاليات التي يثيرها الموضوع.
أما بالنسبة لمنهجية تقسيم الدراسة فإننا سنتبع المنهج اللاتيني القائم على التقسيم الثنائي، حيث سنقسم الدراسة إلى فصلين أساسيين يعنى: الفصل الأول منهما في موضوع الشيك الإلكتروني وموقعه من وسائل الدفع الإلكتروني، حيث سنعالج من خلاله ماهية الشيك الإلكتروني وبيان موقعه من وسائل الدفع الإلكتروني، وذلك في المبحث الأول بينما سنعالج التنظيم القانوني للشيك الإلكتروني وذلك من خلال توضيح الشروط القانونية اللازمة لإنشائه وبيان الجزاء القانوني المترتب على تخلفها وذلك في المبحث الثاني.
بينما نخصص الفصل الثاني من الدراسة لمعالجة موضوع التعامل بالشيك الإلكتروني، حيث نعالج في هذا الفصل الآلية العملية المتبعة في التعامل بالشيك الإلكتروني وذلك في المبحث الأول، بينما نعالج الجانب العملي المتعلق بالوفاء بالشيك الإلكتروني في المبحث الثاني. ثم نصل إلى نهاية هذه الدراسة من خلال خاتمة نستعرض فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة ومن ثم نعرض توصيات الباحث التي تم استنتاجها من خلال هذه الدراسة.
تمهيد
تهدف البنوك من خلال المعاملات المالية التي تجريها مع عملائها إلى زيادة الأرباح من خلال السيطرة على التكاليف وخفض المصروفات التشغيلية، كما أنها تسعى جاهدة لتقديم خدمات مصرفية متطورة ومنافسة تستطيع من خلالها التميّز في تقديم الخدمات المصرفية المتطورة و التي تجعلها قادرة على البقاء في السوق و المنافسة، ومع التطور الهائل في مجال تكنولوجيا المعلومات أدركت البنوك أنّ الاستفادة من أدوات التكنولوجيا الحديثة هي الطريقة الأنجح في تحقيق أهدافها( [5] ).
وبالواقع تعمل الشيكات الإلكترونية شأنها شأن سائر وسائل الدفع الإلكترونية الأخرى على خفض تكاليف التشغيل مع التميز في تقديم خدمة أفضل للعملاء، حيث تشير الإحصائيات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تكلفة تشغيل الشيك الورقي تقدر بـ 79 سنتاً بينما تنخفض تكلفة تشغيل الشيك الإلكتروني إلى 25 سنتاً، و بالنسبة لمعالجة الشيكات في غرفة المقاصة فتتراوح في الشيكات الورقية بين 1 و 1,5 دولارات أما بالنسبة لمعالجة الشيكات الإلكترونية ينخفض المبلغ إلى 25 و 35 سنتاً( [6] ).
لكن ما هو المفهوم القانوني للشيك الإلكتروني؟ و أين موقعه من وسائل الدفع الإلكترونية الأخرى؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا الفصل من خلال تقسيمه إلى مبحثين يختص الأول منهما في تحديد ماهية الشيك الإلكتروني و بيان موقعه من وسائل الدفع الإلكترونية، بينما يُعنى الآخر في بيان التنظيم القانوني للشيك الإلكتروني.
المبحث الأول : ماهية الشيك الإلكتروني و موقعه من وسائل الدفع الإلكترونية
تتعدد الخدمات التي تقدمها البنوك لعملائها و تختلف باختلاف نشاطاتهم المختلفة، حيث قام النشاط الأساسي للبنوك على فتح حسابات للعملاء لإيداع ما لديهم من نقود و من ثم تعمل البنوك على تشغيلها و على تقديم القروض لعملاء آخرين لقاء هامش ربح اقتصادي تسعى البنوك دوماً إلى تحقيقه، و مع تطور مجالات الحياة الاقتصادية المختلفة تطورت نشاطات البنوك حيث باتت تمارس مجموعة كبيرة من الأعمال المصرفية المختلفة فقد أخذت بتوجيه العملاء إلى ميادين الاستثمار المختلفة ومساعدتهم في شراء الأسهم والتعامل بالبورصة.
بالإضافة إلى تقديمها لخدمات دفع وتحصيل الفواتير وفتح الاعتمادات المصرفية و تحصيل قيمة الأوراق التجارية المختلفة وغيرها العديد من الخدمات المصرفية التي تقدمها البنوك وتسعىدوماً إلى تطويرها.
ومع ظهور التجارة الإلكترونية الحديثة كان لابد من ضرورة توفير خدمات مصرفية تلائم أعمال العملاء المتعاملين بها، و التي كان من أهمها توفير وسائل دفع إلكترونية تكون ملائمة لطبيعة التجارة الإلكترونية، حيث عملت البنوك على تطوير وسائل الدفع التقليدية التي ترتكز على الدعائم الورقية بحيث يمكن تداولها إلكترونياً من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثة، وبذلك تجلى بوضوح الدور الكبير الذي تقوم به البنوك في تطوير مناحي الحياة الاقتصادية المختلفة.
ونحن في هذا المبحث سنقوم ببيان المفهوم القانوني للشيك الإلكتروني في المطلب الأول، ومن ثم سنقوم باستعراض وسائل الدفع الإلكترونية مُبينين موقع الشيك الإلكتروني منها في المطلب الثاني.
المطلب الأول : ماهية الشيك الإلكتروني
يقوم الشيك حالياً بدور بالغ الأهمية كأداة للوفاء تغني عن استعمال النقود في المعاملات، فقد أصبح يؤدي دوراً هاماً في عمليات البنوك إذ يستخدم كأداة لسحب الودائع من البنوك و تحويلها و تنفيذ عقود الصرف الخارجية، و يعد الشيك أكثر الأوراق التجارية استخداماً في العمل كأداة وفاء و ذلك لما يحققه استخدامه من مزايا و للحماية التي يقررها المشرع للمتعاملين به( [7] ).
و نظراً لأهمية الدور الذي تقوم به الشيكات فقد عملت البنوك على تطوير تلك الوسيلة الفاعلة من وسائل الدفع بحيث يصبح في الإمكان التعامل بها إلكترونياً للاستفادة منها في مجال التجارة الإلكترونية.
وبما أن الشيك الإلكتروني أحد وسائل الدفع الإلكتروني التي نشأت و تطورت عن الشيك التقليدي، فالماهية القانونية للشيك الإلكتروني هي ذات الماهية القانونية للشيك التقليدي، حيث يلاحظ أنّ المشرع الأردني لم يأت بأحكام قانونية خاصة بالشيك الإلكتروني و إنما أحال أحكام كافة الأسناد الإلكترونية إلى الأحكام العامة الواردة في قانون التجارة( [8] )، مع ملاحظة تمتع الشيك الإلكتروني بخصوصية كبيرة في كثير من النواحي عن الشيك الورقي.
أما بالنسبة لآلية التعامل بالشيكات الإلكترونية فيلاحظ أنّ المشرع الأردني قد منح البنك المركزي الحق في إصدار تعليمات خاصة تحدد آلية العمل بالشيكات الإلكترونية( [9] ). إلاّ أنّ الواقع العملي يشير إلى عدم وجود أية تشريعات وضعت لتحديد مفهوم الشيك الإلكتروني و آلية العمل به. و مع ذلك فإنّ للشيك الإلكتروني طبيعة خاصة تميزه في كثير من النواحي عن الشيك التقليدي كما سيتضح لنا من خلال هذه الدراسة.
وقبل الخوض في محاولة بيان مفهوم الشيك الإلكتروني، لا بد وأن نشير إلى مفهوم الشيك التقليدي (الورقي) كونه يشكل المفهوم الأساسي للشيك الإلكتروني أولاً ومن ثم نبين مفهوم الشيك الإلكتروني ثانياً، وذلك من خلال تقسيم هذا المطلب إلى فرعين متتاليين.
الفرع الأول : المفهوم القانوني للشيك التقليدي
عرف القانون الفرنسي الصادر في الرابع عشر من حزيران من العام 1895م (Code Penal) - باعتباره من أوائل القوانين المتعاملة مع الشيك - الشيك بأنه "صك مكتوب على شكل وكالة بالوفاء يتمكن الساحب بمقتضاه أن يسحب لمصلحته أو لمصلحة الغير كل أو بعض الأموال الجاهزة المقيدة لأمره لدى المسحوب عليه( [10] )."
أما المشرّع الأردني فقد عرّف الشيك من خلال نص المادة 123/ج من قانون التجارة الأردني بأنه "محرر مكتوب وفق شرائط مذكورة في القانون و يتضمن أمراً صادراً من شخص هو الساحب إلى شخص آخر يكون معرفاً و هو المسحوب عليه بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامل الشيك - وهو المستفيد - مبلغاً معيناً بمجرد الاطلاع على الشيك."
ويتضح لنا أنّ المشرّع الأردني عندما عرّف الشيك قد أشار إلى أنّ الشيك يجب أن يكتب وفق شرائط مذكورة في القانون، وبالرجوع إلى المادة 228 من قانون التجارة الأردني يتبين لنا أنّ هناك مجموعة من البيانات الإلزامية التي يتوجب توافرها في الشيك، حيث نصت تلك المادة على أنه "يشتمل الشيك على البيانات التالية:
1. كلمة (شيك) مكتوبة في متن السند و باللغة التي كتب بها.
2. أمر غير معلق على شرط بأداء قدر معين من النقود.
3. اسم من يلزمه الأداء (المسحوب عليه).
4. مكان الأداء.
5. تاريخ إنشاء الشيك و مكان إنشائه.
6. توقيع من أنشأ الشيك (الساحب)."
يتبين لنا من خلال التعريفات القانونية السابقة للشيك أنّ الشيك يجب أن يتضمن ثلاثة أشخاص هم الساحب و المسحوب عليه (البنك) والمستفيد مع مراعاة إمكانية اتحاد شخصية الساحب و شخصية المستفيد في نفس الشخص( [11] )، كما يفترض وجود علاقتين قانونيتين سابقتين على إنشائه، الأولى بين الساحب و المسحوب عليه ينتج عنها ما يسمى بمقابل الوفاء، و الثانية بين الساحب والمستفيد.
ويلاحظ أنّ المشرّع الأردني قد أضاف على الشيك شرطين إلزاميين لم يشر إليهما المشرّع الفرنسي في تعريفه للشيك، يتمثل الأول منهما في أنّ الشيك بحسب أحكام القانون الأردني يكون مستحق الأداء بمجرد الاطلاع عليه من قبل المسحوب عليه و هذا الحكم أيضاً أكدته لمادة (245) من قانون التجارة الأردني حيث نصت الفقرة الأولى منها على أنه "يكون الشيك واجب الوفاء لدى الاطلاع عليه و كل بيان مخالف لذلك يعتبر كأن لم يكن"، أما الشرط الإلزامي الثاني و الذي أشار إليه المشرع الأردني في تعريفه للشيك على خلاف المشرع الفرنسي يتمثل في أن المسحوب عليه يجب أن يكون مصرفاً، على الرغم من أنّ نص المادة 123/ج سالفة الذكر أشارت إلى أنّ المسحوب عليه يجب أن يكون معرفاً و ليس مصرفاً إلاّ أنّ ذلك يعد من قبيل الخطأ المادي في الصياغة و يؤكد تحليلنا هذا نص المادة 230/1 من ذات القانون التي نصت على أنه "لا يجوز سحب الشيكات إلاّ على مصارف."
الفرع الثاني : مفهوم الشيك الإلكتروني
لقد أشرنا سابقاً إلى أنّ المشرّع الأردني لم يقم بوضع تعريف للشيك الإلكتروني على وجه الخصوص شأنه شأن سائر الأوراق التجارية الإلكترونية، و إنما أحال بشأنها إلى القواعد العامة في قانون التجارة، و بذلك فإنه فتح المجال لاجتهادات الفقهاء في محاولة وضع تعريفات للأوراق التجارية الإلكترونية تتناسب و طبيعتها الإلكترونية اللامادية مع مراعاة أحكام القواعد العامة في قانون التجارة. و قد يعزى ذلك إلى حداثة وسائل الدفع الإلكترونية و عدم انتشار التعامل بها على الصعيد المحلي عندما بدأ المشرع في وضع قوانين تتعلق بالمعاملات الإلكترونية( [12] )، مما جعل المشرع يختار طريق التجربة العملية للأوراق التجارية الإلكترونية في ظل أحكام القواعد العامة و يتيح المجال للفقه في محاولة وضع تعريفات فقهية لها علّها تكون جامعة مانعة.
وفي محاولة إيجاد تعريف جامع مانع للشيك الإلكتروني فإننا سنقوم بعرض بعض التعريفات الفقهية للشيك الإلكتروني و سنقوم بتحليلها في ظل أحكام القواعد الخاصة في الشيك و الواردة في قانون التجارة الأردني علنا نصل إلى تعريفٍ موفقٍ للشيك الإلكتروني يتناسب والطبيعة الإلكترونية له و لا يخرج عن الأحكام الخاصة للشيك و الواردة في قانون التجارة.
ومن التعريفات التي قيلت بصدد الشيك الإلكتروني نذكر أولاً:
"أنه عبارة عن وثيقة رقمية تتضمن وعداً من الساحب بدفع مبلغ معين للمستفيد بمجرد الطلب( [13] )."
وإذا أردنا تطبيق قانون التجارة الأردني على هذا التعريف فإننا نلاحظ أنّ هذا التعريف لا يفترض بالشيك وجود ثلاثة أشخاص هم الساحب و المسحوب عليه و المستفيد كما يفترض ذلك تعريف المشرع الأردني للشيك كما أشرنا سابقاً، كما أنّ هذا التعريف لم يشر إلى وجود علاقتين قانونيتين سابقتين على إنشاء الشيك (الأولى تنشأ بين الساحب و المسحوب عليه و التي ينتج عنها ما يسمى بمقابل الوفاء أو الرصيد، و الثانية تتم بين الساحب و المستفيد و التي بناءً عليها يتم إصدار الشيك من قبل الساحب لمصلحة المستفيد أو لأمره لتسوية تلك العلاقة). وبالتالي نلاحظ أنّ التعريف السابق يشير إلى وجود عناصر تشبه العناصر التي يقوم عليها سند الأمر (الكمبيالة)، حيث عرف المشرع الأردني سند الأمر أو الكمبيالة بأنه "محرر مكتوب وفق شرائط مذكورة في القانون ويتضمن تعهد محرره بدفع مبلغ معين بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين لأمر شخص آخر هو المستفيد أو حامل السند"( [14] )، و بالتالي فإنّ التعريف السابق لا ينسجم مع تعريف المشرع الأردني للشيك حيث أنّ المشرع الأردني قد اشترط مجموعة من العناصر والتي يجب توافرها في الشيك حتى يعتبر ورقة تجارية مميزة و مختلفة عن سائر الأوراق التجارية الأخرى.
وقد عرف البعض الشيك الإلكتروني بأنه "الانعكاس لذات ورقة الشيك والتي تتم عبر نظام تقني آمن، والمتضمنة أدنى معايير الحماية و الأمان من خلال استخدام التوقيع الرقمي القائم على التشفير( [15] )".
وعند الإمعان في التعريف السابق فإننا نلاحظ أنه لم يشتمل على بيان مفهوم الشيك الإلكتروني و إنما وضح الآلية التقنية التي يتم بموجبها إصدار الشيك الإلكتروني و الآلية التي يتم فيها توقيعه و ميزة تلك الآلية في أنها توفر معايير للحماية و الأمان، و هذا بالواقع لا يعد تعريفاً جامعاً مانعاً للشيك الإلكتروني.
وقد تم تعريف الشيك الإلكتروني - عند البعض - في ظل استقراء نصوص قانون التجارة الأردني و بالرجوع إلى قانون المعاملات الإلكترونية الأردني بأنه "وثيقة رقمية محررة وفق أوضاع شكلية نص عليها القانون تتضمن أمراً من الساحب إلى المسحوب عليه - المصرف - بأن يدفع لشخص ثالث هو المستفيد أو لأمر هذا الشخص - بناءً على رغبة الساحب - مبلغاً من النقود لدى الاطلاع( [16] )".
وبالواقع يلاحظ على التعريف السابق أنه اشتمل على بيان مفهوم الشيك وفق طبيعته الإلكترونية كما أنه راعى الشروط الواجب توافرها قانوناً في الشيك، إلاّ أنه و مع كل ما تميز به هذا التعريف من انسجامه مع نصوص القانون الأردني و مراعاته للطبيعة الإلكترونية للشيك الإلكتروني إلاّ أنه حصر حالات إصدار الشيك الإلكتروني في حالتين هما حالة إصدار الشيك لمصلحة شخص آخر (المستفيد) و حالة إصداره لأمر المستفيد (الشيك لأمر المستفيد و القابل للتظهير)، غير أنّ القانون الأردني قد أجاز إصدار الشيك للحامل أو لمصلحة الساحب نفسه و لم يقيد ذلك في الشيكات الإلكترونية.
ونظراً للطبيعة المتطورة لتقنيات تكنولوجيا المعلومات فإنه لا بد لنا و أن لا نغيب تلك الحالات لإصدار الشيك طالما أنّ المشرع قد أجازها و طالما أمكن إعمالها تقنياً.
وبناءً على ما سبق فإننا نستطيع تعريف الشيك الإلكتروني بأنه "محرر رقمي معالج إلكترونياً بشكل كلي أو جزئي وفق شرائط مذكورة في القانون يتضمن أمراً من شخص هو الساحب إلى شخص آخر يكون مصرفاً و هو المسحوب عليه بأن يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامل الشيك - وهو المستفيد - أو حتى لمصلحة الساحب نفسه مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع على الشيك."
ويلاحظ على تعريفنا للشيك الإلكتروني أنه تضمن بيان مفهوم الشيك الإلكتروني في ظل أحكام القانون الأردني، كما أنه بين جميع الحالات الجائزة قانوناً لإصدار الشيك، أما بالنسبة لخلوه من بيان الآلية التقنية التي يتم بموجبها إصدار الشيك الإلكتروني، فالأصل بالتعريف أن يبين العناصر الأساسية التي يقوم عليها المعرف لبيان مفهومه تاركاً آلية العمل للتطبيق العملي خصوصاً و أنّ الشيك الإلكتروني يعد من وسائل الدفع الإلكترونية التي تم تطويرها لتلبية احتياجات التجارة الإلكترونية و بالطبع ستتعدد آليات التعامل بالشيكات الإلكترونية و تتغير مع تطور مجريات التجارة الإلكترونية.
المطلب الثاني : موقع الشيك الإلكتروني من وسائل الدفع الإلكترونية
بدأت النقود بشكل تبادل سلعي ؛ حيث كان الأشخاص يبادلون السلع و الخدمات بسلع و خدمات أخرى، و هو ما يعرف بنظام المقايضة، لكن مع التقدم الاقتصادي و مع عدم إمكانية إيجاد مقياس مشترك للقيم في كل الحالات عجزت تلك الطريقة عن مواكبة التقدم الاقتصادي في المجتمع، مما أدى إلى ضرورة إيجاد طريقة أخرى للوفاء بالالتزامات فسرعان ما ظهرت مرحلة النقود المعدنية حيث كانت تستعمل عدة معادن كالذهب و الفضة و البرونز و غيرها لتعبر عن قيم معينة لإتمام العمليات الاقتصادية، و مع تميز تلك المرحلة عن المرحلة السابقة لها (المقايضة) إلاّ أنها كانت تفرض عبئاً اقتصادياً كبيراً على الدولة، و لعل ذلك كان من أهم الأسباب وراء ظهور نظام النقود الورقية التي كانت تمثل كمية من النقود المعدنية ذات قيمة ثابتة و تحمل أرقاماً صحيحة و صالحة للتداول دون صعوبة، و لكن مع تطور الحياة الاقتصادية و انتشار البنوك و الحسابات المصرفية تم تطوير وسيلة أخرى من وسائل الدفع و هي تلك المتمثلة بالنقود الكتابية و هي التي تتكون من الودائع المصرفية و تنتقل بواسطة الشيكات و التحويلات المصرفية( [17] ).
ومع ظهور عالم اقتصادي جديد و هو عالم التجارة الإلكترونية بات لزاماً على المجتمع أن يطوِّر وسائل دفع تناسب المعاملات الاقتصادية التي تتم إلكترونياً، و من هنا ظهرت وسائل دفع حديثة تعرف بوسائل الدفع الإلكترونية، و نحن في هذا المطلب سنلقي الضوء على تلك الوسائل من خلال استعراض أنواع تلك الوسائل بحسب الطريقة التي تتم بها، لذا سنقوم بتقسيم هذا المطلب إلى فرعين نفرد الأول منهما لمعالجة وسائل الدفع الإلكترونية التي تتم في خارج شبكة الإنترنت، بينما نخصص الآخر للوسائل التي تتم عبر شبكة الإنترنت مبينين موقع الشيك الإلكتروني منها.
الفرع الأول : وسائل الدفع الإلكترونية التي تتم خارج شبكة الإنترنت
تنقسم وسائل الدفع الإلكترونية التي تتم خارج شبكة الإنترنت إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: البطاقات البلاستيكية، البطاقات الذكية، الدفع من خلال الهاتف المحمول( [18] ). و نحن سنستعرض تلك الأنواع في هذا الفرع على النحو التالي:
أولاً: البطاقات البلاستيكية
تعد البطاقات البلاستيكية من وسائل الدفع الإلكترونية ذات الانتشار الواسع لما تحققه من ميزات لمستخدميها، حيث تمكنهم من الحصول على النقد و توفر لهم إمكانية الوفاء بالالتزامات من خلال استخدامها، و هناك العديد من الشركات التجارية المصدرة لمثل تلك البطاقات و منها على سبيل المثال: فيزاكارد، ماستركارد، أميريكان إكسبرس( [19] ).
وهناك ثلاثة أنواع للبطاقات البلاستيكية وهي على النحو التالي:
1. بطاقات الدفع:
وهي عبارة عن بطاقات تمكن المستخدمين لها من إمكانية دفع قيمة مشترياتهم من خلالها. "حيث تقوم فكرة هذا النوع من البطاقات على تحويل قيمة المشتريات من حساب المشتري إلى حساب البائع، حيث يقوم مسجل النقد الإلكتروني بتسجيل قيمة المبيعات بعد أن يقوم بحفظها مع تسجيل اسم الجهة المصدرة لبطاقة المشتري ليقوم البائع بإرسال بيانات المعاملات المسجلة إلى بنكه، ليقوم الأخير بالمطالبة بتلك المبالغ من بنك صاحب البطاقة والذي يترتب على صدور موافقته دخول تلك المبالغ في حساب البائع." ( [20] )
2. البطاقات الائتمانية:
وهي بطاقات تصدرها مؤسسة مالية باسم أحد الأشخاص، و تقوم تلك البطاقة بوظيفتي الوفاء و الائتمان، أي أنّ حاملها يملك إمكانية تتبع سداد المبالغ التي سيستخدمها في الاعتماد المفتوح من جانب مصدر البطاقة. ( [21] )
وبموجب تلك البطاقات يتم منح العميل سقف مالي معين يستطيع أن يستخدمه للوفاء بالتزاماته على أن يقوم بتسديد تلك المبالغ التي يستخدمها للجهة المصدرة للبطاقة أو لمصرف العميل في حال كان المصرف هو الذي يعتمد إصدارها من جهة معينة و ذلك من خلال أجل معين للوفاء.
وتقوم البنوك بإصدار مثل تلك البطاقات إما من خلالها مباشرة أو من خلال شركة تعتمدها البنوك لتلك الغاية (كشركة فيزا و شركة ماستر وشركة أميريكان إكسبرس وغيرها)، و ذلك كخدمات بنكية إضافية للعملاء، كما أنها تستوفي مبلغ فائدة محددة للمبالغ التي يستخدمها العميل عند مرور الأجل الممنوح لمستخدم البطاقة في الوفاء.
وبالإضافة إلى أنّ تلك البطاقات لها سقف مالي معين لا يجوز للمستخدم أن يتجاوزهفهي تتمتع بفترة صلاحية تكون سارية المفعول خلالها و من ثم تنتهي فعاليتها بانتهاء مدة سريانها، كما أنه يمكن للعميل أن يأمر بإيقافها لأي سبب من الأسباب كحالة ضياعها أو سرقتها. ( [22] )
وتجدر الإشارة إلى إمكانية استخدام هذا النوع من البطاقات للوفاء عبر شبكة الإنترنت و ذلك إذا كان هناك حساب للبائع و كان هناك طرف ثالث محايد يعمل كوسيط بين الشركة المصدرة للبطاقة و البنك الخاص بالبائع، حيث يضمن الوسيط صحة البطاقة و ضمان تحويل المبالغ المسحوبة من حساب مستخدم البطاقة إلى حساب البائع. ( [23] )
3. بطاقات الصرف الشهري
و هي تشبه بطاقات الائتمان السابقة، إلاّ أنها تمثل بطاقة تمنح المستخدم ائتماناً معيناً و محدد المدة. و في حال تم استخدام مبلغ الائتمان أو جزءٍ منه، فإنّه يتوجب على المستخدم سداد ما تم استخدامه خلال مدة لا تتجاوز الشهر.
ثانياً: البطاقات الذكية (Smart Card)
وهي عبارة عن بطاقات تحوي معالج دقيق يسمح بتخزين الأموال من خلال البرمجة الأمنية وهذه البطاقة تستطيع التعامل مع بقية الحواسيب و لا تتطلب تأكيد لصلاحية البطاقة من أجل نقل الأموال من المشتري إلى البائع، فالقدرة الاتصالية للبطاقات الذكية تمنحها أفضلية على البطاقات التقليدية ذات الشريط المغناطيسي التي يتم تمريرها على قارئ البطاقات، حيث تصل نسبة الخطأ للشريط المغناطيسي (أي عدد الأخطاء أثناء تمرير كل معاملة) إلى 250 لكل مليون معاملة في حيث أنّ نسبة الخطأ في البطاقات الذكية تصل إلى 100 لكل مليون معاملة( [24] ).
ويمتاز هذا النوع من البطاقات أنه لا يحتاج إلى شخص ثالث (الوسيط أو المعرف) فالبطاقات الذكية تستطيع أن تتأكد من سلامة كل معاملة من الخداع عندما يقدم صاحب البطاقة بطاقته إلى البائع فإن المعالج الدقيق الموجود في مسجل النقد الإلكتروني للبائع يتأكد من جودة البطاقة الذكية من خلال قراءة المعلومات الرقمية المخزنة في معالج البطاقة، حيث يتم تكوين هذه المعلومات الرقمية من خلال برنامج يسمى بالخوارزمية الشيفرية، وهو عبارة عن برنامج آمن يتم تخزينه في معالج البطاقة ليؤكد لمسجل النقد الإلكتروني بأنّ البطاقة الذكية أصلية و لم يتم العبث بها أو تحويرها ( [25] ).
ومن أهم استخدامات البطاقات الذكية أنها تمثل حافظة إلكترونية للنقود دون الحاجة للشخص الثالث المحايد الذي يضمن صحة البطاقة، كما أنّ البطاقات الذكية قد تستخدم لإجراء التحويلات المالية عبر شبكة الإنترنت ( [26] ).
ثالثاً: الدفع عبر الهاتف المحمول
تعد وسيلة الدفع عبر الهاتف المحمول من وسائل الدفع الإلكترونية كونها تتم من خلال الهاتف المحمول، لكنها مع ذلك لا تتم عبر شبكة الإنترنت. و بالواقع هناك عدة صور للدفع عبر الهاتف المحمول نذكر منها ما يلي:
1) اتصال العميل بالبنك و طلب تحويل مبلغ معين من حسابه لديه إلى حساب البائع، مع مراعاة تزويد البنك ببعض المعلومات الخاصة بالعميل كتزويده بالرقم السري و رقم الحساب الخاص بالعميل و المعروف لدى البنك حتى يقوم البنك بإتمام عملية التحويل( [27] ).
2) قيام العميل بإرسال رسالة (SMS) من خلال هاتفه النقال إلى البنك تتضمن رغبته في إجراء تحويل مصرفي من حسابه المفتوح لدى البنك إلى حساب البائع، مع مراعاة تزويد البنك ببعض المعلومات كالرقم السري و رقم الحساب الخاص بالعميل و المعروف لدى البنك و رقم المبلغ المرغوب بتحويله. ( [28] )
3) قيام الشخص بإرسال رسالة (SMS) من خلال هاتفه النقال إلى رقم معين (قد يعود إلى البائع أو إلى الشخص مقدم الخدمة أو إلى أي جهة أخرى كالمؤسسات الخيرية التي تجمع التبرعات). و عند وصول الرسالة يتم خصم مبلغ معين من رصيد المرسل ليتم تحويله بموافقة شركة الاتصالات الخلوية إلى حساب مستقبل الرسالة، و من الأمثلة على هذه الصورة ما يتم الإعلان عنه من قبل المؤسسات الخيرية لجمع التبرعات، حيث يقوم المتبرع بإرسال رسالة إلى الرقم المعلن عنه فيتم خصم مبلغ معين و معلن عنه من رصيد المرسل المعبأ في جهازه الخليوي( [29] ).
الفرع الثاني : وسائل الدفع الإلكترونية التي تتم عبر شبكة الإنترنت
كما هو الحال في وسائل الدفع التقليدية فإنّ وسائل الدفع الإلكترونية تتم بشكل أساسي في إحدى طريقتين، فالدفع الإلكتروني عبر الشبكة إما أن يكون نقدياً أو من خلال أوراق تجارية، و لكن مهم مراعاة الطبيعة الإلكترونية التي تتم بها، و نحن في هذا الفرع سنستعرض وسائل الدفع الإلكترونية التي تتم عبر شبكة الإنترنت من خلال محورين أساسيين يعنى الأول منهما بالأوراق التجارية الإلكترونية بينما يختص الآخر بالنقود الرقمية.
أولاً: الأوراق التجارية الإلكترونية
أصبح استخدام الوسائل الإلكترونية تطبيقاً عاماً في المعاملات المتداولة خاصة بين البنوك و المشروعات و المؤسسات الرسمية و غير الرسمية، و هو ليس حكراً على المشروعات المستخدمة للحاسب الآلي( [30] ).
و مع انتشار التجارة الإلكترونية أصبح التعامل بالأوراق التجارية الإلكترونية يعد جزءاً مهماً من المعاملات الإلكترونية، خصوصاً و أنّ المشرّع الأردني قد فتح المجال للتعامل بالسندات الإلكترونية عموماً من خلال إصداره لقانون المعاملات الإلكترونية، و من خلال نص المادة الثانية من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم (85) لسنة (2001م)، و التي عرّفت المعاملات بأنها: "إجراء أو مجموعة من الإجراءات يتم بين طرفين أو أكثر لإنشاء التزامات على طرف واحد أو التزامات تبادلية بين أكثر من طرف و يتعلق بعمل تجاري أو التزام مدني أو بعلاقة مع أي دائرة حكومية."
و عليه فإنّ السند الإلكتروني قد ينتج عن إرادة منفردة كما هو الحال فيما يتعلق بالأوراق التجارية، و قد ينتج عن التقاء إرادتين كما هو الحال في العقود الإلكترونية( [31] ).
أما بالنسبة لأنواع الأوراق التجارية الإلكترونية فهي كالأوراق التجارية التقليدية لا تخرج عن كونها سند سحب أو سند لأمر (كمبيالة) أو شيكاً. و نحن سنستعرض تلك الوسائل تباعاً على النحو التالي:
1- سند السحب الإلكتروني:
اتخذ المشرع الأردني سند السحب أنموذجاً للأوراق التجارية و أساساً لأحكامها و قواعدها، فقد نظم من خلال الأحكام الخاصة به جميع العمليات الخاصة بالأوراق التجارية مستمداً بعض الأحكام من اتفاقيات جنيف الخاصة بالأوراق التجارية.( [32] )
و قد عرّف المشرّع الأردني سند السحب في المادة 123/أ من قانون التجارة الأردني بأنه "محرر مكتوب وفق شروط يحددها القانون يتضمن أمراً صادراً من شخص هو الساحب إلى شخص آخر هو المسحوب عليه، بأن يدفع لأمر شخص ثالث هو المستفيد أو حامل السند مبلغاً بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين."
و لما كان سند السحب الإلكتروني صورة من صور وسائل الدفع الإلكترونية و امتداداً للتعامل بسند السحب التقليدي، فهو لا يختلف عن نظيره التقليدي إلاّ بكونه معالجاً إلكترونياً بشكل كلي أو جزئي، و قد عرّفه البعض بأنه: "محرر شكلي ثلاثي الأطراف معالج إلكترونياً بصورة كلية أو جزئية يتضمن أمراً صادراً من شخص (الساحب) إلى شخص آخر (المسحوب عليه)، بأن يدفع لأمر شخص ثالث هو المستفيد أو حامل السند مبلغاً بمجرد الاطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين." ( [33] )
و قد يصدر سند السحب الإلكتروني بإحدى صورتين( [34] )هما:
أ- سند السحب الإلكتروني الورقي:
وهو شبيه بسند السحب التقليدي، حيث يصدر على نموذج مطبوع، لكن يشترط أن تتم الطباعة بطريقة تسمح بمعاملة سند السحب الإلكتروني و الاطلاع عليه باستخدام وسائل الاطلاع الإلكترونية.
ب- سند السحب الإلكتروني الممغنط:
و هنا لا يصدر سند السحب الإلكتروني على دعامات ورقية كما هو الحال في النوع السابق، و إنما يتم إصداره على دعامة ممغنطة بحيث يمكن الاطلاع عليها و معاملتها عن طريق الحاسب الآلي دون الحاجة إلى الاطلاع عليها مباشرة( [35] ).
و نلاحظ عملياً أنّ سند السحب بشكل عام لا يستخدم بشكل كبير كأداة فاعلة للوفاء - كغيره من الأوراق التجارية - في المعاملات التي تتم بالطرق العادية و لا بتلك التي تتم بشكل إلكتروني، إلاّ أنّ سند السحب يعد وسيلة متاحة قانونياً للوفاء سواء على الصعيد التقليدي أو حتى الإلكتروني.
2- السند لأمر الإلكتروني (الكمبيالة الإلكترونية):
بالواقع لا يختلف السند لأمر الإلكتروني عن السند لأمر العادي وإن كان هناك بعض الشروط التي يجب توافرها في السند لأمر الإلكتروني لتسهيل التعامل به و تداوله إلكترونياً، حيث يعد السند لأمر الإلكتروني الصورة المتطورة عن السند لأمر التقليدي فهو يتميز عن نظيره التقليدي في أنه معالج إلكترونياً بصورة كلية أو جزئية، إلاّ أنه يتغير في مضمونه القانوني عن نظيره التقليدي( [36] ).
و يعرّف البعض السند لأمر الإلكتروني بأنه محرر شكلي ثنائي الأطراف معالج إلكترونياً بشكل كلي أو جزئي يتضمن تعهداً من محرره بدفع مبلغ من النقود و في تاريخ معين لإذن شخص آخر يسمى المستفيد( [37] ).
3- الشيك الإلكتروني:
يعد الشيك الإلكتروني من أهم وسائل الدفع الإلكترونية و التي تتم عبر شبكة الإنترنت، كما و أنّ الشيك بشكل عام (سواء الشيك الورقي التقليدي أم الشيك الإلكتروني) يعد من أكثر الأوراق التجارية استخداماً في العمل كأداة وفاء فاعلة، و ذلك لما يحققه استخدامه من مزايا عديدة، بالإضافة إلى الحماية الجزائية التي يقررها القانون للمتعاملين به( [38] ).
وقد سبق لنا وأن عرّفنا الشيك الإلكتروني( [39] ) بأنه "محرر رقمي معالج إلكترونياً بشكل كلي أو جزئي وفق شرائط مذكورة في القانون يتضمن أمراً من شخص هو الساحب إلى شخص آخر يكون مصرفاً وهو المسحوب عليه بأنْ يدفع لشخص ثالث أو لأمره أو لحامل الشيك - وهو المستفيد - أو حتى لمصلحة الساحب نفسه مبلغاً معيناً من النقود بمجرد الاطلاع على الشيك."
ومن خلال ما سبق يتبين لنا أنّ الشيك الإلكتروني هو وسيلة من وسائل الدفع الإلكترونية والتي تتم من خلال شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى أنه يشكل أهم ورقة من الأوراق التجارية الإلكترونية لما يحققه لمستخدميه من ميزات و لشيوع استخدامه في الواقع العملي.
ثانياً: النقود الرقمية
تعرف النقود الرقمية بأنها "سلسلة الأرقام التي تعبر عن قيم معينة تصدرها البنوك التقليدية أو البنوك الافتراضية لمودعيها، و يحصل هؤلاء عليها في صور نبضات كهرومغناطيسية على بطاقة ذكية و على الهارد درايف (Hard Drive)، و يستخدمها هؤلاء لتسوية معاملاتهم التي تتم إلكترونياً." ( [40] )
وبالرغم من عدم انتشار هذه الطريقة في الوفاء عبر الإنترنت، إلاّ أنها تعد من أكثر وسائل الدفع الإلكترونية ملائمة و طبيعة الشبكة( [41] )، و قد يعزى السبب في إطلاق ذلك الوصف عليها للمزايا العديدة التي توفرها النقود الرقمية لمستخدميها، حيث توفر العديد من المزايا لعل من أهمها ما يلي( [42] ):
تكلفة تداولها زهيدة:
حيث أنّ تحويل النقود الرقمية عبر شبكة الإنترنت أقل تكلفة بكثير من استخدام الأنظمة البنكية التقليدية.
لا تخضع للحدود:
حيث أنه يمكن تحويل النقود الرقمية من أي مكان في العالم إلى أي مكان آخر وفي أي وقت كان، وذلك لاعتمادها على شبكة الإنترنت التي لا تعترف بالحدود الجغرافية والسياسية.
بسيطة و سهلة الاستخدام:
تسهل النقود الرقمية التعاملات البنكية إلى حد كبير فهي تغني عن ملء الاستمارات وإجراء الاستعلامات البنكية عبر الهاتف.
(4) تسرِّع عمليات الدفع:
تجري حركة التعاملات المالية و يتم تبادل معلومات التنسيق الخاصة بالنقود الرقمية فوراً و في الزمن الحقيقي و دون الحاجة إلى أي وسيط، مما يعني تسريع هذه العمليات على العكس مما لو كانت تتم بالطرق التقليدية للوفاء.
(5) تشجع عمليات الدفع الآمنة:
تستخدم البنوك التي تتعامل بالنقود الإلكترونية أجهزة خادمة تدعم بروتوكول الحركات المالية الآمنة Secure Electronic Transactions - (SET)، كما تستخدم مستعرضات لشبكة الويب تدعم بروتوكول الطبقات الأمنية Secure Socket Layers - (SSL)، مما يجعل عمليات دفع النقود الإلكترونية أكثر أماناً.
أما بالنسبة للآلية التي يتم بها الدفع باستخدام النقود الرقمية في شبكة الإنترنت فهي تتم وفق آلية بسيطة وليست معقدة على الإطلاق، و ذلك على النحو التالي( [43] ):
1. قبل مباشرة عملية الدفع من خلال النقود الرقمية، فإنّه لا بد لكل من التاجر و الطرف الآخر أن يفتحا حسابات مصرفية لدى مصرف معين بالعملة التقليدية وبالعملة الإلكترونية.
2. بعد تمام عملية شراء السلعة أو الخدمة من موقع التاجر على الإنترنت يدفع المشتري ثمن ما يشتريه بالنقود الإلكترونية مستخدماً الرقم السري الذي يمنحه إليه البنك و الذي يمثل رقم حساب العميل لديه بالعملة الإلكترونية.
3. يرسل التاجر إشعاراً إلى البنك بحصول عملية الدفع طالباً تثبيت العملية.
4. يتحقق البنك من وجود رصيد كافٍ في الحساب الإلكتروني للمشتري يغطي قيمة الفاتورة المدفوعة، فإنْ وجد هذا الرصيد يحول البنك القيمة المدفوعة من حساب الزبون إلى حساب التاجر، ثم يرسل إلى التاجر إخطاراً بأنّ عملية الدفع قد تمت و أنّ قيمة الفاتورة قُيدَت في حسابه.
المبحث الثاني : التنظيم القانوني للشيك الإلكتروني
يلاحظ أنّ المشرّع الأردني - وكما أشرنا سابقاً - لم يقم بوضع تنظيم قانوني خاص بالشيك الإلكتروني، وإنما أحال بشأنه إلى القواعد العامة في قانون التجارة، أي أنه أحاله لأحكام الشيك التقليدي الواردة في قانون التجارة، على الرغم من أنّ للشيك الإلكتروني خصوصية تميزه بشكل جوهري عن الشيك التقليدي في كثير من النواحي كما سيأتي بيانه.
وبالرجوع إلى نصوص قانون التجارة الأردني نرى أن المشرِّع قد نظم أحكام الشيك في المواد من 228 إلى 281 من قانون التجارة كما أنه جعل من أحكام سند السحب القواعد العامة التي تسري على الشيك فيما لم يرد بشأنه نص( [44] )، بالإضافة إلى أنه أحال الكثير من أحكام الشيك إلى الأحكام الخاصة بسند السحب و ذلك بمقتضى المواد 237، 241، 244، 255، 265، 266، 269، 274 من قانون التجارة.
ونحن في هذا المبحث سنقوم ببيان التنظيم القانوني للشيك الإلكتروني من خلال بيان التنظيم القانوني للشيك بشكل عام بالاستناد إلى قواعد القانون المدني الأردني و قواعد قانون التجارة مع مراعاة الخصوصية التي يتميز بها الشيك الإلكتروني عن نظيره التقليدي و ذلك من خلال مطلبين؛ يُعنى الأول منهما ببيان الشروط القانونية اللازمة لإنشاء الشيك الإلكتروني، بينما يختص الآخر ببيان الجزاء القانوني المترتب على الإخلال بالشروط اللازمة لإنشاء الشيك الإلكتروني.