eKtab
EN ع
الصهيونية .. النظرية والتطبيق
Read free sample

الصهيونية .. النظرية والتطبيق

by يوئيل رفيل

Page 1

تقديم:

في الحديث عن الصهيونية، يستدرج التاريخ قصة اليهود الذين تفرقوا في شتى أقطار الأرض، وظهر من بين ظهرانيهم من يحاول جمع شتاتهم، في دولة، ليس مهما أين، ولكن الأهم كيف؟ ذلك أن هؤلاء شكلوا عبئا ثقيلا على مساقط رؤوسهم، في مجالات الدس والوقيعة، والابتزاز، وتوظيف المال في خدمة شخوصهم.

وعلى الرغم من أن الدعوة الصهيونية، اصطدمت بالسخرية والاستهزاء، بداية الأمر، إلا أن الداعية الأول، ثيودرو هرتسل، لم ييأس، إلى أن تحقق له الأمر عام 1892 في بازل، حيث بدأ الإعداد للدولة العبرية.

والحركة الصهيونية تقوم أساسا، على مفهوم الدولة الخاصة بالشعب اليهودي، الذي يراوده حلم التفرد بالقوة المميزة، بدل الذوبان في المجتمعات التي يعيش فيها، ومن هنا، اختلطت الأهداف القومية التي يحملها قلة من اليهود، بالتطلع إلى حياة الرخاء، وهو الأمر الذي لا يلوح في الأفق البعيد.

ثمة من عارض، فيما أيد آخرون ساروا على طريق هرتسل، الذي حلق بداية في خيال بدا صعب المنال، وحينما تتالت الإنجازات، اقترب الحلم من الحقيقة.

وحين تقرر تجسيد الدولة على أرض فلسطين، التي يسمونها "أرض إسرائيل"، تجددت الانقسامات في الآراء، فالمهاجرون الأوائل، لم يجدوا في الأرض الموعودة سمنا وعسلا، كما كانوا يوعدون، وكأنهم أرادوا أن يجدوا كل شيء جاهزا وبرسم التسليم، على أن المؤرخين اليهود، أكثروا من التركيز على قضية الأرض القفراء القاحلة، التي تؤوي قلة من الناس، فجاء اليهود ليعمروا الأرض ويحولوها إلى جنات غناء، وهذا طرح دعائي هدفه التأكيد على "أرض بلا شعب".

لا علينا، فقد ثبت مع الأيام، أن الصهيونية حركة عنصرية، تعتمد شعار "شعب الله المختار"، و "الجنس اليهودي المتميز" وإذا كانت قد استطاعت فرض إرادتها على الساحة الدولية، وخاصة في الدول المتنفذة، فإن ذلك ينبع من دوافع سياسية، لا تتصل بحال من الأحوال، بالعشق الدولي-اليهودي، فثمة أصوات ربما كانت هامسة في دوائر سياسية مهمة عالميا، تؤكد الخطر الذي تحمله الصهيونية وأبناؤها، كنذير شؤم للعالم، بيد أن الدعاية الصهيونية تظل الأقوى.

ونحن ننشر هذا الكتاب ليست أسطورة…الصهيونية…النظرية والتطبيق، تتدافع إلى الذهن تساؤلات عديدة:

*كيف استطاع الكاتب الساخر ثيودور هرتسل استقطاب يهود العالم المترامي الأطراف؟

*وكيف تحول إلى الجدية السياسية، ليجسدها عمليا في الفكرة الصهيونية.

*وكيف تمكن وأتباعه القلائل، من نقل يهود العالم من حالة الرفاه والدعة، إلى الكد والعمل؟

*ومائة كيف، ومتى؟ وأين نستطيع أن نصدر بها تساؤلات لا تحصى أدت إلى قيام الدولة الإسرائيلية، بيد أن التساؤل الذي سيظل يداعب كل الأحاسيس هو: أين كان العرب والمسلمون؟ لا نحسب أننا مضطرون للإجابة!!

ندرك أن حيثيات هذا الكتاب لا تعدو كونها دعاية "لفتاكة" الحركة الصهيونية، تحمل كثيرا من التشويهات وقلب الحقائق، بيد أننا أكثر إدراكا، بأنها تحمل موعظة لمن يتدبر، وإذا كان الاستعمار قد قرر، فإننا سارعنا إلى الاستجابة والخنوع، وهنا يكمن الفرق بين النضال العربي الواهن، وبين التصميم اليهودي الذي حارب الاستعمار والعرب في آن معا، ليحقق حلم هرتسل، فيما ظل نضالنا مجرد قبض ريح.

دار الجليل

Page 2

مدخل:

كان عام 1882، معلم طريق في تاريخ (أرض-إسرائيل) الجديدة، حيث بدأت الهجرة التي يمكن تسميتها "بالهجرة الصهيونية"، والتي وضعت أمامها هدفا يتمثل في إحياء الاستقلال اليهودي، وإقامة دولة سيادية للشعب اليهودي.

وقد جاء في الإعلان الكبير الذي نشره أعضاء الهجرة اليهودية الثانية من روسيا، في نيسان عام 1882 "سينتهي شتاتنا القاسي، وبعد تشردنا آلاف السنين، ستجد نفوسنا التعبة المنهكة، الراحة في أرض آبائنا… (أرض-إسرائيل) فهيا لنرفع علم معسكر يهودا".

سميت هجرة مئات اليهود الذين غادروا المهجر، وتوجهوا إلى (أرض-إسرائيل)، بالهجرة الأولى، غير أن هذا الاسم غير دقيق، ففي عام 1700 وصلت إلى (أرض-إسرائيل) مجموعة كبيرة من المهاجرين، وعلى رأسها (يهودا هحسيا)، وكانت أكبر جماعات الهجرة حتى العصر الحديث.

ويرى بعض الباحثين، في هذه الهجرة التي شارك فيها المئات، بداية العهد الجديد في تاريخ إسرائيل، لا سيما وأنها استقت جذورها من دوافع مسيحية، فقد أراد المهاجرون بهجرتهم،تقريب موعد الخلاص بالتوبة وأداء الفرائض من صلاة وصيام وكبح للشهوات.

ويمكن القول أن الانتقال من هجرة ذات طابع مسيحي إلى هجرة تتطلع إلى بناء الأرض والاستقرار فيها، قد تجسد بهجرة الورعين أيام (ابرهام غرشون ميكيطوف)

عام 1747، لا سيما هجرة أكبر الجماعات، التي شملت حوالي ثلاثمائة مهاجر، وصلوا إلى أرض إسرائيل عام 1777. ولقد أعقبت هذه الهجرة، هجرة "المتدينين الأتقياء"، تلامذة الحاخام الأعظم "مفيلنا"، الذين أطلق عليهم اسم "المعارضين". وقد وصلت أولى قوافلهم عام 1808، وتوالت بعد ذلك وفود المهاجرين، بين عامي 1810-1812.

لقد شكلت هجرة تلك المجموعات نواة "الاستيطان القديم"، الذي انضم إليه فيما بعد "الغربيون"، مهاجرو شمال إفريقيا والمغرب، الذين تدفقوا على إسرائيل بأعداد كبيرة منذ عام 1830.

كان الهدف المعلن للمهاجرين الجدد الذين وصلوا عام 1882 الاستيطان في أرض إسرائيل بغية إقامة استيطان مستقل على غرار ما كان في السابق . أما هجرة يهود اليمن والذين جاءوا من الجنوب ومهاجري روسيا ورومانيا، الذين جاؤوا من الشمال فقد كانت هجرة استيطانية تلتها هجرات أخرى من الشرق والبحر.

بلغ عدد اليهود الذين عاشوا في (أرض-إسرائيل) عام 1882، ثلاثين ألفا تقريبا، وازداد عام 1914، عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، ليصل إلى خمسة وثمانين ألفا تقريبا. ورغم ضآلة الهجرة، كانت إنجازات الهجرتين الأولى والثانية في الفترة، ما بين 1882-1914، بمثابة حجر الأساس الذي قامت عليه الركائز الأساسية للدولة اليهودية. وقد انتعشت آنذاك اللغة العبرية، وأصبحت لغة الشارع، كما بدأت قوة الدفاع العبرية بالتبلور، وبرزت أنماط حياتية تمثلت بـ "الموشاف" و "الكيبوتس".

Page 3

حدث التحول الفكري عام 1896، وفي مذكراته، يتحدث دافيد بن غوريون، عن اليوم الذي علم فيه أبناء بلدته "بلونسك"نبأ نشر كتاب "دولة اليهود" (لثيودور هرتسل)، فيقول : "لقد طرنا فرحا لدى سماعنا النبأ، فقد علمنا فجأة بقدوم المسيح: "إنه رجل حسن المظهر، متوقد العينين، ذو لحية سوداء- (ثيودور هرتسل)، سيقود شعب إسرائيل، إلى أرض الآباء".

وبعد مرور سنوات عديدة، قال بن غوريون، في اجتماع خاص، عقد عام 1947بمناسبة مرور (50) عاما على المؤتمر الصهيوني الأول: "لقد أعيدت في هذا المؤتمر نشأة الشعب اليهودي، الذي يدرك حقيقة كونه شعبا، ويعلن رغبته في أن يكون كبقية الشعوب، مستقلا في وطنه".

لم تتجاوز الفترة الفاصلة بين نشر كتاب "دولة اليهود"، وعقد المؤتمر الصهيوني في بازل، بسويسرا، عاما ونصف العام، كانت حافلة بالعمل المضني غير العادي، إلى أن أعلن الزعيم الصهيوني هرتسل مقولته: "في بازل أسست دولة اليهود".

الصهيونية (الكلمة والمصطلح):

للوهلة الأولى، تبدو كلمة "صهيونية" مشتقة من كلمة "صهيون"، لكنها في حقيقة الأمر، ليست كلمة عبرية، وإنما هي مترجمة عن الألمانية.

وقد استخدم الدكتور (نتان بيرنبويم) المصطلح، للمرة الأولى، في الصحيفة الوطنية الصهيونية الأولى في ألمانيا.

لم يكن من السهل "أقلمة" الكلمةمع العبرية، وهناك أمثلة كثيرة تثبت مدى صعوبة استيعاب هذه الكلمة في اللغة العبرية، لا سيما، عبرية أواخر القرن الماضي، التي كانت جذرية ومتعددة المصادر من كافة شرائح المجتمع، بيد أن الأهم من ذلك، هو تطور المعنى على صعيد اللغتين الألمانية والعبرية، ففي البداية أطلقت كلمة "صهيونية" على الحركة الوطنية، أو حركة (محبة صهيون)، ثم بدأت الصهيونية تظهر شيئا فشيئا كحركة سياسية اتسمت بالضبابية بداية. وقد حدث التحول مع ظهور هرتسل، وعلى الأخص مع عقد المؤتمر الصهيوني الأول، الذي كان يهدف إلى إبراز حركة "محبة صهيون" على الساحة السياسية، غير أن الفكرة لم تحظ برضى الكثير من نشطاء الحركة، الذين أعلنوا رغبتهم في مواصلة العمل في إطار مشاريع استيطانية، دون هدف سياسي، على المديين القريب والبعيد، وقد رأى هرتسل أن الفرصة لاحت أمامه للتمييز بين حركته وحركة "محبة صهيون"، من خلال إدخال معنى جديد لمصطلح "الصهيونية"، والقول بأنها حركة سياسية تتطلع إلى "خلق مأوى آمن من خلال حكم معلن لشعب إسرائيل في (أرض-إسرائيل).

ومنذ ذلك الحين، ونحن نفرق بين حركة "محبة صهيون"، والصهيونية السياسية. ومع مرور الأيام، أدخلت إضافات جديدة مثل "الصهيونية المركبة" التي وضعها وايزمان، "الصهيونية التطبيقية"، وغيرها.

وقد وصف هرتسل الصهيونية فقال: "الصهيونية ليست حزبا، إذ يمكن الوصول إليها من جميع الأحزاب، لأنها شاملة لجميع الأحزاب في حياة الشعب، الصهيونية هي الشعب اليهودي، الآخذ في التبلور".

"المؤلف"

Page 4

الفصل الأول
للبداية..التعثر والتصميم
في أحد أيام شباط من عام 1896، وصل (يعقوب هرتسل)، إلى منزل نجله، الدكتور (ثيودور هرتسل)، وأخبره أن كتابه "دولة اليهود"، الذي يحاول فيه إيجاد حل "عصري" للمشكلة اليهودية القائمة، قد عرض في الأسواق.
غير أن هذا الكتاب، الذي يرى البعض في صدوره، نقطة تحول في تاريخ الشعب اليهودي، قوبل آنذاك ببرود شديد، وقد وصفه الأديب (ستيفان تسفيغ) بأنه محض هراء وطرح أحمق.
كان رفض كبار المؤلفين والأدباء لهذا الكتاب، بمثابة ضربة قوية لهرتسل الذي عرف كصحفي وكاتب ساخر، وقد تلقى من الإهانات ما كان كفيلا بإثنائه عن إتمام المسيرة، وخير ما نستشهد به هنا، قصيدة الشاعر الوطني، (حاييم نحمان بياليك)، التي كتبها بعيد نشر كتاب "دولة اليهود"، يصف فيها رد فعل المثقفين اليهود في غرب أوروبا، الذين سخروا من صدور الكتاب:-
كلهم خارقون!!
أي فعل سيقومون به لن يكون عجيبا!
بإصبع صغير صنعوا دولة…
بإبهام اليد أقاموا عالما كاملا!
كل شيء أصبح الآن جاهزا في فينا
في نهاية لحظتين وخمس دقائق
سيكون، لحسن الحظ، لدينا دولة.
لم يكن هذا رأي (بياليك) وحده، فقد كتب الزعيم (ناحوم سوكولوف)، مقالة في صحيفة (هتشفيرا-البوق)، يسخر فيها من (هرتسل) الذي يتحدث عن دولة يهودية من نسج الخيال، غير أن هذه الآراء، تغيرت فيما بعد، وبات أغلب المعارضين، مؤيدين في غضون عام تقريبا.
وخلافا لموقف المثقفين اليهود الذين رفضوا فكرة الكتاب، استوعب الستة ملايين يهودي، الذين عاشوا في شرق أوروبا، دعوة (هرتسل) القائلة "أن الشعب، شعب واحد".
 

Page 5

دولة اليهود:

كان "ثيودور هرتسل"، الممثل البارز للأفكار الداعية إلى ذوبان اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، وكان سعيه إلى إيجاد حل لمشكلة اللاسامية مسيرة متواصلة، شكلت فيها قضية الضابط اليهودي (الفرد درايفوس)، نقطة تحول مهمة، فقد كان الملازم (درايفوس)، ضابطا في الجيش الفرنسي، وقد اتهم في أواخر عام 1894 بخيانة فرنسا، فحوكم وعوقب، ثم أعيدت محاكمته وبرئت ساحته عام 1906. وقد أثارت القضية برمتها أصداء عميقة في معظم دول غرب أوروبا، لا سيما بعد أن اتضح أن إدانته لم تستند إلى أدلة حقيقية، وأن كل المزاعم ضده، كانت محض تخرصات، اشتقت جذورها من دوافع لا سامية.

ولا شك في أن هذه القضية، شكلت أحد العناصر التي أيقظت النزعة الصهيونية، داخل (هرتسل).

لم يكن لدى (هرتسل) موارد مالية، أو قوة سياسية، يعتمد عليها لتحقيق ما يجول في خاطره، وكان يدرك أن النقاشات الأيدولوجية، أو نشر المقالات في الصحف اليهودية محدودة الانتشار، لن يحدث أي تغيير في وضع يهود أوروبا، لذا كان بحاجة ماسة إلى خطوة تسهم في تحريك المجتمع الأوروبي، وإحداث تغير جوهري في وضع الشعب اليهودي، الذي سيهجر أرض الشتات، ويعود إلى أرضه، وقد أقضّت الفكرة مضجعه، في حقيقة الأمر، واستحوذت على جل اهتمامه، فعكف على وضع كتابه (دولة اليهود)، وواصل الليل بالنهار لإنجاز هذا الهدف. وفي غضون خمسة أيام من 13 وحتى 17 حزيران 1895، تمكن هرتسل من كتابة المسودة الأولى، ذات الصفحات الخمس لهذا الكتاب، الذي كان بمثابة خطاب وجهه إلى عائلة روتشيلد.

ولقد وصف البروفيسور (أفنيري) كتاب هرتسل بالقول: "إنه أشبه ما يكون بمذكرة قضائية دقيقة ومضبوطة، ورغم قلة صفحاتها، تشتمل على الكثير مما يجب أن يقال". ومن الواضح أن (هرتسل)، كان يدرك أنه لا يستطيع تصديع رأس عائلة (روتشيلد)، بقضايا معقدة.

وانطلاقا من قناعته، بأن كتابه يضمن أسسا يمكن أن تحدث (ثورة) في حياة الشعب اليهودي، كتب يقول: "لقد خشيت على نفسي، في بعض الأحيان من الجنون،

الأفكار التي سكنتني، كانت أشبه بعاصفة هوجاء أرّقتني، ورغم أن حياة الإنسان لا تكفي لتحقيق كل شيء، بيد أنني سأترك هنا إرثا روحيا لكل شخص".

بدا واضحا، أن نشر الكتاب بالنسبة لهرتسل، كان بمثابة وصية سياسية، واستكمال كتابته، كان بمثابة الانتهاء من مهمة ألقيت على عاتقه.

Page 6

كان هرتسل يدرك إمكانية أن يرى الكثير من القراء في كتابه مجرد "تسلية ثقافية"، ليس إلا، أو فكرة عقيمة، لا أمل في تحقيقها على أرض الواقع.

ولقد حرص هرتسل على ألا يرى القراء في كتابه صورة المدينة الفاضلة التي تحدث عنها الفيلسوف المعروف أفلاطون، ووضع فيها أسس دولة نموذجية مثلما يراها، لا ينتابها الشر من أي جهة، بهذا كتب في مقدمة الكتاب يقول: "ينبغي أن أحمي خطتي، لئلا ينظروا إليها على أنها رسم لمدينة فاضلة، فهي ليست دولة مثالية نموذجية… ويخيل إلي أن وضع اليهود في مختلف الأماكن، سيئ للغاية، الأمر الذي لا يجعل لأي مقدمات أخرى أي ضرورة".

ويؤكد هرتسل، أن إيجاد حل قومي-سياسي، للمسألة اليهودية، هو هدف تاريخي، تحقيقه منوط باليهود أنفسهم فقط، ويقول: "اليهود الذين يتطلعون إلى إقامة دولتهم، سيحظون بها وسيكونون جديرين بها".

وفي النص الأصلي لكتابه كتب يقول: "بمقدوري حل المسألة اليهودية، أعرف أن الأمر يبدو أشبه بضرب من الجنون، وأدرك أنهم سيتهمونني، بادئ الأمر، بالجنون ولأكثر من مرة، إلى أن تثبت للجميع، حقيقة كل ما أقول".

كان ظن هرتسل في مكانه، فردة الفعل التي توقعها، بل وخشي منها، لم تتأخر لكن، رغم كل ذلك حدث التغير المطلوب، وأصبحت المسألة اليهودية قضية سياسية قائمة في حد ذاتها.

وقد أكد هرتسل، أن حل المسألة اليهودية، ينبغي أن يكون جزءا من السياسة الدولية، وبعد نقاش قصير لتحديد المكان الذي ستقام فيه الدولة اليهودية، تقرر إقامتها على (أرض-إسرائيل)، وليس في الأرجنتين-كما كان مقترحا.

كانت خطة هرتسل، كما وصفها "بسيطة المبدأ، معقدة التنفيذ"، وتستلزم وجود عنصرين مهمين أولهما: "الهيئة اليهودية"، التي ستعمل كهيئة سياسية، تكون مسؤولة عن المسائل الوطنية، وعلى وجه الخصوص، المفاوضات السياسية، وثانيهما: "شركة يهودية"، تعمل كمؤسسة إدارية وظيفية، تدير شؤون الهجرة اليهودية، تتولى مهمة تصفية أملاك اليهود في الشتات، وتأسيس مجتمع يهودي، في الأرض الجديدة.

كان على "الهيئة اليهودية"، أن تتفاوض مع حكومات يتوقع أن توافق على منح اليهود "سيادة على أرض محايدة"، وتتولى عندئذ إدارة شؤونها كحكومة مؤقتة، في حين كان على الشركة اليهودية، لعب دور شركة "تشارتر" التي ستتم إقامتها في لندن، وفقا للقوانين البريطانية، برأسمال يصل إلى 50 مليون جنيه إسترليني، وستستخدم كمصدر مالي لتنفيذ المهام الملقاة على عاتق الشركة.

Page 7

شكل الدولة:

كانت النقطة الوحيدة التي أجمع عليها مؤيدو ومعارضو كتاب هرتسل، أنه نجح في إدراج المسألة اليهودية على جدول الأعمال الدولي، وكان أول زعيم يصوغ أفكارا صهيونية، ويضعها في قالب صحفي، بل ويبدأ في إخراجها إلى حيز التنفيذ، وقد قام بتشكيل حركة استمد منها القوة اللازمة لدفع النشاطات السياسية الرامية إلى إنشاء الدولة التي طالما داعبت خياله، وحلم بها.

وقد وصف هرتسل، بالتفصيل شكل "الدولة اليهودية"، التي توقع أن تقوم عام 1923، في رواية (التنويلند)، التي صدرت عام 1902، حيث تحدث فيها عن دولة نموذجية من الناحية الاجتماعية، التكنولوجية، والزراعية.

ويجدر بنا التنويه إلى أن معنى كلمة "التنويلند"، في العبرية، الأرض القديمة الجديدة.

وفي وصفه لدولته، تناول هرتسل النواحي الأدبية، الاجتماعية،التجارية، العسكرية وجميع شؤون الحياة اليومية، وقد فضل أن يكون شكل الحكم ملكيا ديمقراطيا أو جمهوريا أروستقراطيا، فالشعوب باعتقاده، غير مهيأة للديمقراطية المطلقة ويرى أن اليهود ليسوا أفضل من بقية شعوب العالم.

أما الأرض التي ستقام عليها الدولة اليهودية مستقبلا، فقد قرر هرتسل، أن تكون ملكا قوميا، يتم تأجيرها للمهاجرين والمستوطنين، وقد طور هذه الفكرة في كتابه (التنويلند)، إذ اقترح أن تتم إعادة الأرض، كل خمسين عاما إلى الملكية القومية، وهذا يعني، أن الأرض لن تكون تحت ملكية خاصة إلى الأبد.

ولقد شغلت قضية الاستيطان فكر هرتسل، الذي كان يدرك مدى أهميتها في حياة كل دولة، ففكر في إقامة مشاريع إسكانية عمالية عامة، وتطوير شبكة خدمات، تمنح الدولة طابع الرفاهية والرخاء، لذلك أراد فرض قيود مشددة على عمل النساء، وتوقع أن يتم إنشاء مدارس فخمة في منازل مضاءة وصحية، تتبع فيها أحدث أساليب التعليم.

كانت قمة أحلام (هرتسل) على الصعيد الاجتماعي، تحديد سبع ساعات للعمل يوميا، وقد اعتمد في ذلك على تجربة عدد من الدول الأوروبية، ورأى أن الأمر في غاية الأهمية، خاصة وأن علم (الدولة اليهودية) يضم سبعة نجوم، ترمز إلى سبع ساعات من العمل.

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان هرتسل مؤمنا بالاشتراكية؟ لقد تضاربت الآراء بهذا الشأن، ففي كتابه (التنويلند)، وصف هرتسل التركيبة الاجتماعية (للدولة اليهودية)، بناء على أسس التعاون المشترك، والتكافل، وقد رأى فيه (بارك كتسنلسون)، شخصية ذات تطلعات ورؤى اجتماعية بعيدة المدى، في حين قال (ناحوم سوكولوب)، الذي كان على معرفة جيدة به "لقد كان برجوازيا".

في وصفه شكل (الدولة اليهودية)، يتناول هرتسل مسألة (الدين والدولة)، وضرورة الفصل بينهما، وتحقيقا لتطلعاته التي تتعارض مع أي صورة للثيوقراطية-أي الحكم الديني في الدولة، يدعو إلى تبجيل الحاخامات، ومنحهم أكبر قدر من الاحترام والتقدير، مع عدم السماح لهم في المقابل بالتدخل في إدارة أي من شؤون الدولة، لتنحصر مهامهم داخل الكنس فقط، تماما مثلما يتمركز الجيش في ثكناته ولقد رسم في مخيلته صورة لجيش صغير نسبيا قوامه 10% من الشعب.

Page 8

كانت هجرة اليهود من المنفى إلى (أرض-إسرائيل)، إحدى مشاكل تأسيس الوجود اليهودي، كان هرتسل يدرك طبيعة المشاكل النفسية والعقبات الاقتصادية التي سترافق المهاجرين في إطار تلك الهجرة، وقد وضع وصفا دقيقا لكل ذلك حسب ما جال في مخيلته، فكتب يقول: "لن تتم تلك المسيرة (باجتثاث) اليهود عنوة من أرض منشئهم، بل سنقتلعهم بحذر مع جذورهم، ونعيد زرعهم مجددا، في أرض أفضل،ولقد بلغت دقة هرتسل، حد الخوض في أدق التفاصيل، فتساءل: كيف سيتم نقلهم، وكيف سيتم ترتيب الجماعات المهاجرة؟ كيف سيهتمون بالمسنين؟ كيف سيختارون الأماكن المناسبة لإنشاء المدن؟ وما الذي سيغري اليهود من الطبقة المتوسطة، بالهجرة إلى "أرض إسرائيل"؟

وعلى الرغم من إمكانية الرد على كل تلك الأسئلة، بيد أن طرحها في حد ذاته، يدل على أن هرتسل، كان يدرك طبيعة التعقيدات الكامنة في خلق (دولة يهودية)، وكان يخشى بالفعل أن يتهم بالجنون.

إن الاطلاع على كتابي (الدولة اليهودية) و (التنويلند)، يثبت مدى التحام هرتسل بالمجتمع الذي عاش فيه، كانت التكنولوجيا الحديثة في ذلك الوقت، تسير خطوات واسعة على طريق التطور، وهرتسل الذي ظن أن المستقبل أمامه، يصف مجتمع المستقبل في (أرض-إسرائيل)، مع قطارات كهربائية في جميع المدن، قطارات سريعة، وشبكة طرق متشعبة، سيارات خصوصية وأخرى عمومية، قنوات مياه ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية، تستغل الفارق في مستوى الارتفاع بين سطحي البحرين المتوسط والميت، باختصار، الكثير من الأفكار التي نحلم بها، أو نقوم بتنفيذها.

كان كتاب (الدولة اليهودية)، بمثابة (بشرى خلاقة)، أطلعت شعب إسرائيل، وللمرة الأولى، على تصور كامل لمستقبله كشعب في (أرض-إسرائيل)، وانطلق استخدام هرتسل لوسائل الإعلام، من خلال خبرته في مجال العلاقات العامة، وقناعته بأن "أرض-صهيون ستحرر بالعمل الجاد"، من أهم العوامل التي أدت إلى تحول تلك النبوءة إلى واقع.

الاستعدادات التي سبقت عقد المؤتمر الصهيوني الأول:

"في هذا المؤتمر، أعيدت نشأة الشعب اليهودي، الذي يدرك حقيقة كونه شعبا، ويعلن رغبته في أن يكون ثانية، ككل الشعوب، مستقلا في وطنه".

لقد أطلق دافيد بن غوريون، عبارته تلك، في إطار خطاب ألقاه عام 1947، بمناسبة مرور خمسين عاما على عقد المؤتمر الصهيوني الأول.

لكن ما الذي حدث في ذلك المؤتمر، الذي كثر الحديث عنه عقب مقولة هرتسل: "في بازل أسست (الدولة اليهودية)، هل غير طابع التاريخ اليهودي بشكل عام، وهل غيره في عصرنا الحالي بصفة خاصة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من استعراض الأحداث، والاستعدادات التي سبقت عقد المؤتمر، الممارسات والنشاطات المذهلة التي جرت من وراء الكواليس، والتي منحت القوة لهذا المؤتمر.

Page 9

المحاولات الأولى:

استمر المؤتمر الصهيوني الأول، الذي عقد في صيف عام 1897 ثلاثة أيام، كان كل ما حدث خلالها، وما اتخذ من قرارات، يشير إلى بداية مرحلة جديدة في التاريخ اليهودي.

لقد أوجد عقد هذا المؤتمر، في واقع الأمر، وللمرة الأولى، هيئة يهودية منظمة، كافحت من أجل إقامة دولة للشعب الذي تشتت بين مختلف الأمم، ونفي من "أرضه" قبل ذلك بألف وثمانمائة عام، كانت تلك المرة الأولى منذ دمار الهيكل الثاني، التي يلتئم فيها ممثلو الشعب اليهودي، من شتى أنحاء المهاجر، ليقرروا مصيرهم بأنفسهم، وليحددوا المسار الذي سينتهجونه، والذي تحققت نتائجه بعد خمسين عاما، عندما تقرر خلال اجتماع الهيئة العمومية للأمم المتحدة، إقامة دولة يهودية لشعب إسرائيل في (أرض-إسرائيل).

ولقد ظهر مصطلح "الكونغرس الوطني-المؤتمر الصهيوني" للمرة الأولى، في كتاب "أوتومنسيفتسيا"-التحرير الذاتي، الذي ألفه الزعيم اليهودي، (يهودا ليف ليئون بينسكر)، وصدر عام 1882، باللغة الألمانية، حيث دعا فيه اليهود، إلى عدم انتظار قدوم المسيح لينقذهم، بل تقرير مصيرهم بأنفسهم.

وقال (بينسكر) في كتابه، "إن شعب إسرائيل في المهجر، ليس شعبا حيا، بل هو شبح شعب، يخيف أمم العالم، وهذا الخوف إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية، هو المنهل الذي تستقي اللاسامية جذورها منه، وحل مشكلة اللاسامية، يكمن في السعي من أجل التحرر الذاتي، الصحوة القومية، وتثبيت اليهود في أرض تكون لهم، وليس في الحملات الإعلامية، التي تشجب كراهية اليهود".

وأود أن أشير هنا إلى أن هرتسل قال ذات مرة "لو قرأت كتاب (الاوتومنسيفتسيا)، لما وضعت كتاب (دولة اليهود).

كان (بينسكر)، نتاجا بارزا لمرحلة ثقافية، وقد شهد تجدد القومية الفرنسية، الذي تجسد من خلال الثورة الفرنسية، كما شهد انعقاد المؤتمر القاري الأول في الولايات المتحدة الأمريكية، فتاق لأن يشهد الشعب اليهودي أحداثا مماثلة.

في عام 1883، نشر (بينسكر) والزعيمان اليهوديان الدكتور (تسفي هرمان شفيرا)، الذي عرف بـ (أبي الصندوق القومي)، والدكتور (ماكس مندلستم)، أحد زعماء حركة "محبة صهيون"، بيانا دعوا فيه إلى توحيد صفوف القوات اليهودية، وبلورة تنظيم حقيقي لحركة "محبة صهيون".

كان بالإمكان، اعتبار اجتماع ممثلي حركة "محبة صهيون"، في إطار مؤتمر (كتوفيتس) عام 1884، بمثابة (كونغرس وطني)، غير أن من شارك في المؤتمر، هم ممثلو روابط الحركة في روسيا، الذين قرروا، بعد وقت قصير، أن تكون مدينة (أوديسا)، مقرا للجنة المركزية الخاصة بهم.

وفي عام 1891، نشر شاب يهودي-ألماني، يدعى الدكتور (ماكس بودنهايمر)، الذي عرف في تلك الفترة كأحد معاوني هرتسل، وكمستشار قانوني في الهستدروت الصهيوني، مقالة تحت عنوان "أيها الصهاينة في كل الأرض، اتحدوا".

لم تتمخض تلك المحاولات في واقع الأمر، عن حدوث شيء، بيد أن الدعوة لعقد "مؤتمر صهيوني"، أحدثت أصداء واسعة بين أنصار حركة "محبة صهيون".

Page 10

في شهر أيلول من عام 1893، اجتمع في العاصمة النمساوية، فينا، عدد من النشطاء اليهود، الذين استجابوا لدعوة الدكتور (نتان بيرنيويم)، ورابطة "يسرائيل هتسعير"-إسرائيل الشابة من ألمانيا، واقترحوا عقد مؤتمر "يصوغ بوضوح، الأهداف النهائية للصهيونية السياسية اليهودية، على شكل مبادئ حزب ملزمة، تكون أساسا للعمل المشترك"، غير أن هذه المبادرة باءت بالفشل أيضا، في ظل غياب الدعم والتشجيع اللازمين لتجسيد الفكرة.

وفي مطلع عام 1894،اجتمع في باريس، ممثلو حركة "محبة صهيون"، ونشطاء حركة "من أجل أرض-إسرائيل"، من شتى أنحاء المهاجر، وقد تمخض اجتماعهم عن تشكيل "لجنة مركزية"، غير أن أيامها كانت قصيرة، إذ عارض "السخي المعروف"، (ادموند دي-روتشيلد)، الذي قدم الكثير من المساعدات للموشافات في إسرائيل، القيام بنشاطات سياسية علنية من أجل (أرض-إسرائيل)، ورفض تقديم الدعم المالي "للجنة المركزية"، الأمر الذي أسفر عن حلها.

ولقد أعقبت هذه المحاولات، محاولات أخرى في عامي 1895و 1896، تمثلت في المشاركة الإسرائيلية الأولى من نوعها في المعرض العالمي، الذي أقيم عام 1896 في العاصمة الألمانية برلين، والتي كانت حافزا لعقد مؤتمر صهيوني، واقتراح نشطاء روابط صهيونية في مدينة (جاليتسيا) في كانون أول 1895، أن تستغل هذه المشاركة، والفعاليات التي ستواكبها، في عقد مؤتمر عالمي للحركات الصهيونية، بيد أن هذه المبادرات، منيت بالفشل أيضا، بعد أن أصرت رابطة "يسرائيل هتسعير"، التي كانت نشيطة في ألمانيا، على عقد اجتماع للعناصر الصهيونية هناك، قبل عقد المؤتمر العام.

كان آخر هذه المحاولات، كما يبدو في حزيران 1896، حيث بعث نشطاء حركة "محبة صهيون"، من مدينة (مينسك) الروسية، كتابا إلى الحركات الصهيونية في شتى أنحاء أوروبا، جاء فيه: "لقد أدرك "محبو صهيون" الوطنيون في السنوات الأخيرة الماضية، أن الطريق الذي نسير فيه، ليس هو الطريق الصحيح… فالعمل على أرض الواقع يفتقر إلى الوحدة والتكاتف، بسبب غياب أسس نظرية مبلورة على نحو جيد… المؤتمرات التي عقدت حتى الآن، لم تتمكن من تعديل هذا الوضع السيء، لأنها تمحورت حول شؤون عملية، ولم تطوق المسألة اليهودية من كافة جوانبها."

بيد أن هذه الخطة، تهاوت، ككل الخطط السابقة في ذلك العام، على أعتاب المنصة التي اقترح هرتسل من فوقها، حلا (بسيطا) للمسألة اليهودية-تمثل في إقامة (دولة يهودية).