Page 1
المقدمة
يضم هذا الكتاب عدداً من المقالات التي تعالج مواضيع في شتى المجالات معالجة وصفية وتحليلية ونقدية وتفكيكية· تواجه الشعوب العربية تحديات مصيرية في شتى مجالات الحياة وتعاني من التخلف الذي له تجليات في مجالات التربية والثقافة والاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية· ومن تجليات هذا التخلف الفقر والجهل والأمية وتبديد الثروات ونهبها والحرمان والخضوع للسيطرة الأجنبية والاستبداد والطغيان الاجتماعيان والنقص في اكتساب العلوم والتكنولوجيا الحديثة وفي تطبيقها والثقافة المشوهة والجمود الفكري وانعدام الحرية الفكرية وغيرها· وهذه العلل نتيجة عن عوامل داخلية وخارجية متفاعلة دامت قروناً تحاول هذه المقالات دراستها· وهذه العلل ذات طبيعة معقدة ولذلك فإن تناولها لا بد من أن يكون مثاراً للخلاف·
وإثباتاً للحقيقة نقول إن هذه العلل ليست مقصورة على الشعوب العربية، فهي منتشرة في كل بقاع المعمورة، غير أن انتشارها يتفاوت بين شعب وآخر، وبين قارة وأخرى، وبين ثقافة وأخرى· ويبدو أن انتشار هذه العلل بين الشعوب النامية، التي يشكل العرب جزءًا منها، أكبر منه بين الشعوب المتقدمة النمو، وخصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية·
ويتضمن قسم من هذه المقالات أيضا آرائي في بعض القضايا المهمة جدا التي تشغل حيزاً كبيراً في فكري ووجداني والتي تقض مضجعي وأسمع هديرها المدوي في عقلي فتكاد تشق أعصاب دماغي· ومن هذه القضايا أذكر على وجه الخصوص وضع المرأة والانغلاق الفكري وعدم الوعي بدينامية الظواهر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية والتردي العربي·
وبالنظر إلى مواجهة التحديات للشعوب العربية وإلى معاناة هذه الشعوب من علل خطيرة يجب أن يكون التناول للمسائل المطروحة صريحا· ولا يمكن الإسهام في تحقيق معرفة أفراد الشعب لواقعهم المزري وفي انتشالهم من ورطتهم إلا بالتناول الصريح غير المقيد· يجب أن يضع هذا التناول النقاط على الحروف، والأوراق على الطاولة، كما يقال، دون لف أو دوران، فالدوران يصيب الرأس بالدوار مما يؤدي إلى سقوط الفرد أو المجتمع فيداس عليه بالأقدام أو باسوأ من ذلك·
Page 2
ومن المنظورين القومي والإنساني تجب إزالة حالة التخلف والضعف العربية ويجب الاتيان بوسيلة لتحقيق هذه الإزالة· وفي هذه المقالات أنطلق من الاعتقاد بوجاهة الأخذ بالنظام الديمقراطي السياسي والاجتماعي بوصفه وسيلة هامة من وسائل تحقيق النهضة العلمية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأنطلق من الاعتقاد بوجاهة الدعوة إلى إقامة وتعزيز المجتمع المدني بوصفه وسيلة من وسائل الحفاظ على النظام الديمقراطي وعلى الشعب العربي· وفي هذه المقالات أنطلق من الاعتقاد بأن النقد وسيلة لمعرفة الذات ومعرفة الواقع وتحقيق الإصلاح وإحراز التقدم في شتى مناحي الحياة، وبأن حسن التنشئة وسيلة مثلى من وسائل الاحتفاظ بالقيم الروحية التي يعتز العرب بها ويتوقون إلى الدفاع عنها·
ومما له صلة بنشوء واستمرار التخلف العربي طبيعة الأنظمة العربية الرسمية وغير الرسمية الحاكمة· وفي هذه المجموعة من المقالات إشارات إلى دور العامل السياسي في نشوء الحالة العربية الراهنة· وقد تعرف تلك الأنظمة وقد لا تعرف مدى أهمية اعتماد العلم وتوخي النقد في الحياة وشؤونها، وقد تدري تلك الانظمة وقد لا تدري حجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها الدولة العربية والأمة العربية·
والفكر الذي يقع بين دفتي هذا الكتاب نتاج مشاهدة الأحداث والتطورات على الساحة العربية والدولية، وداخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها، في شتى المجالات· هذا الفكر انعكاس لتفاعل بيني وبين محيطي الفكريين والاجتماعيين العربي وغير العربي· مضامين هذا الكتاب ثمرة التفاعل الفكري بيني وبين هذه الأحداث والتطورات· إنها ردود فعل المؤلف عليها في سياق انتمائه العربي وطوحاته العربية· ومن قراءة هذه المقالات يمكن للقارئ أن يتبين قبول المؤلف أو رفضه، ويقينه أو شكه، وتشاؤمه أو تفاؤله·
ومن أهداف هذا الكتاب محاولة إزالة الخطأ الفكري الذي ينتشر لدى قطاعات من أبناء الشعب العربي والشعوب الأخرى والذي مؤداه أن العلوم والبحوث الاجتماعية والإنسانية والنفسية تتسم بالموضوعية، وإزالة خطأ فكري آخر وهو الاعتقاد بأن الفكر منفصل عن الشعور·
ويسعى هذا الكتاب أيضا إلى الإشارة إلى أن اللبس الذي يحصل في الفكر العربي في استعمال كلمتي السياسة و السياسي هو أحد الاسباب الرئيسية في سوء الفهم العربي للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي· وتكمن في أساس هذه المقالات فكرة رئيسية هي وجود علاقة بين مختلف العلوم· وفي تناولي للقضايا توخيت الاقتراب من الطرح الموضوعي، وتحقيق هذا الطرح بالغ الصعوبة·
Page 3
والأطروحة الرئيسية في هذا الكتاب هي وجود الطبيعة النشيطة (الدينامية) للظواهر والعلاقات الاجتماعية بالمعنى الأوسع· إن العرب لن يمكنهم القضاء على وجوه التخلف والضعف التي يعانون منها ولن يمكنهم أن يحققوا التقدم والنهضة دون أن يكونوا واعين بالطبيعة النشيطة للعلاقات والظواهر البشرية التي تؤدي وظائف في كل مجالات المسعى والاهتمام البشريين، وواعين بالتالي بدينامية المفاهيم البشرية وبأن السياسة هي السمة الرئيسية لهذه العلاقات· وأحد تعاريف السياسة هو أنها طريقة إحداث التأثير ابتغاء تحقيق غرض معين·
وليس المقصود بالوعي الإدراك فحسب ولكن يقصد به أيضا قرن الإدراك بالعمل الذي يتضمنه ويستلزمه ذلك الإدراك· فإذا وعينا بان التصنيع نافع فلن يكون هناك وعي بالمنفعة من التصنيع ما لم تتخذ التدابير اللازمة لتحقيق التصنيع·
ويمكن تحقيق الوعي بوسائل مختلفة· وإحدى أهم هذه الوسائل أعمال الفكر النقدي· والفكر النقدي يتطلب التعريف الدقيق للمفاهيم التي يستعملها الكتاب وللظواهر التي يشاهدونها ويدرسونها· ويتطلب التحقق من مراعاة هذه التعاريف الوعي باختلاف تعاريف المفاهيم حتى لا ينشأ اللبس في استعمالها وسوء فهمها· ونظراً إلى ذلك ونظراً إلى دينامية المفاهيم والظواهر يجب الأخذ بالنهج الفكري النقدي التفكيكي الذي هو اشد مراعاة واستجابة لهذه الدينامية· ويمكن تبين الأخذ بهذا النهج في عدد من مقالات هذا الكتاب· ويؤدي الفكر النقدي التفكيكي إلى الانفتاح الفكري· وعن طريق تحقيق هذا الانفتاح يحقق تغيير الموقف الذي يؤدي إلى تغيير السلوك ويحقق الحوار الفكري الجاد الذي يؤسس لإقامة المجتمع المدني الذي يشكل بدوره وسيلة هامة لدعم وتعزيز الفكر النقدي والانفتاح الفكري·
والحقيقة هي أن القاسم المشترك الأعظم لشتى التيارات الفكرية من قومية واشتراكية وقطرية ودينية والحداثة والمعاصرة والتراث هو أن العلاقات في كل منها وفيما بينها علاقات نشيطة (دينامية) تتسامى فوق الحدود المصطنعة التي يضعها أصحاب كل من هذه التيارات، وأن هذه العلاقات بطبيعتها سياسية· بقبول هذه الفكرة يمكن للعرب أن يتخلصوا من الإشكال الفكري الذي يعانون منه والذي يتمثل في عدم العثور إلى حد الآن على صيغة فكرية تفي بمتطلبات كل هذه التيارات· وللطبيعة المصطنعة للحدود القائمة بين هذه التيارات نرى الذي ينادي بأحدها لديه أفكار ويتخذ موقفاً ويسلك سلوكا تنتمي إلى تيار آخر أو تيارات أخرى·
Page 4
النقد والإبداع
يعتقد بعض الناس أن النقد والإبداع لا يجتمعان في شخص واحد· غير أن ذلك الاعتقاد خاطئ· لقد نشأ عدد كبير من الناقدين والمبدعين العرب وغير العرب الذين اجتمع في كل واحد منهم الناقد العظيم والمبدع العظيم· وفي نفس المفكر أو الكاتب الناقد المبدع يمكن أن يسيطر الناقد على المبدع او المبدع على الناقد· وتكون سيطرة أحدهما على حساب الآخر ولكن تلك لا تعني إزالة الآخر·
خلال المعاناة او التجربة النفسية الفكرية الوجدانية الحارة يكون للإبداع فضاء أوسع من فضاء النقد، ويتصدر شخص المبدع ويتراجع شخص الناقد، وذلك لأن الانطلاق النفسي الفكري العاطفي الذي يقترن بالإبداع لا يطيق القيود المبطئة التي تقترن عادة بالنقد· ولا يقصد بذلك أن النقد يفتقر إلى الانطلاق الفكري ولكن هذا الانطلاق أقل سرعة من الانطلاق الإبداعي·
وفي الإبداع فضاء اوسع لعوالم الشعر والخيال والفلسفة والجمال والسحر· وللنقد حيز أصغر في هذه العوالم· لا يمكن للناقد أن يلج هذه العوالم بسهولة وسرعة ولوج المبدع· والمبدع إذا حلق حلق عالياً جداً وإذا استغرقته المكابدة أو التجربة النفسية العاطفية الفكرية كان الاستغراق عميقاً جداً، يغوص في الأعماق التي لا قاع لها· تنقله المعاناة الإبداعية من عالمه· يتعرف بسرعة على عوالمه السحرية المقدسة؛ يدخل بخفة في هذه العوالم التي يرى أنها مألوفة لديه· لا يمكن للناقد أن يخترق الفضاء على وتيرة سرعة المبدع، ولا يمكن للناقد وهو يراعي قواعد لعبة النقد أن يجاري المبدع المنساب في فضاء التجربة غير المحدود· وإذا جارى المبدع الناقد انحسرت شعلة الإبداع المتوهجة فيه وقلت سرعة الانطلاق الجامح وعاد المبدع حزيناً من عوالمه الوردية والبنفسجية والسحرية إلى عالم القيد والضوابط والرتابة، عاد وهو يلتفت بتلهف وراءه إلى العوالم التي خرج منها·
وعندما يعود الكاتب من مملكة الإبداع إلى الاشياء العادية التي نعرفها يمكن ان يعود الناقد فيه إلى الصدارة فيعمل ملكة النقد· ثم قد يشعر ذلك الكاتب أنه مل من الكتابة النقدية فتبدأ محركات الفيض الإبداعي تعتمل في نفسه صوب المكابدة الشعرية والوجدانية والفكرية، فتراه ينطلق بسرعة الموله المنطلق إلى حبيبته، نحو عوالمه السحرية الخاصة به التي تنتظره، كأنه على موعد مع تلك العوالم، يطير إليها بجناحيه اللذين يغطيان مشارق الأرض ومغاربها، ينطلق نحو اشعة الشمس الدافئة الحارة المحرقة، كأنه يريد أن يحترق، كأنه يريد أن يقذف بنفسه في لجة اللهب، كأنه يريد أن يحيى عن طريق الموت، وأن يبعث بالدخول إلى المجهول·
ومن أين لهذا الناقد أن يصل إلى هناك· لن يصل الناقد إلى هناك، إلا اذا كابد التجربة، وعندها لن يعود ناقداً؛ يتلاشى الناقد فيه فيتحول إلى مبدع، لا وقت لديه يضيعه على ذلك الشيء البطيء الحركة العادي المألوف، الذي يسمى الفكر النقدي· فالمعاناة أفقدت الناقد فيه·
Page 5
والنقد أكثر عقلانية من الإبداع، إذ بينما يعتمد النقد إلى حد كبير على اعمال الملكة العقلية تتكون طاقة الإبداع من العقل والذات والعاطفة والخيال· ولذلك فإن النقد أقل انطلاقا من الإبداع· والنقد بالتالي لا يلج عوالم يلجها الإبداع·
وقد يكون النقد والإبداع حاضرين في نفس النص، وقد يحدث ذلك في البداية الاولى من تكون الحالة النفسية الوجدانية الفكرية· وكلما تعزز وتكثف فيض الكاتب فكرا وخيالا وعاطفة ابتعد المبدع عن الناقد في شخص الكاتب، وسبق المبدع الناقد انطلاقا نحو رحاب العوالم البعيدة والمجهولة، تاركا وراءه الناقد الذي تقل سرعة انطلاقه· ولا أظن ان هذا الابتعاد يحدث عند نقطة معينة محددة، ولكنه عبارة عن عملية انسلاخ أو فض اشتباك تدريجي بين المبدع والناقد، يتحرر المبدع فيها تدريجيا من صفة الناقد فيرتاد الفضاء إلى عوالمه بسرعة أكبر وبحرية أكبر دون أن يكون مثقلا بقيود النقد الفكرية·
وقد يحتاج الناقد إلى بعض المراجع المكتوبة أو غير المكتوبة، ولكن المبدع لا يحتاج إلى مثل هذه المراجع، فالمراجع شيء كائن، شيء رجعي مبدع، والإبداع عملية تقدمية، عملية إيجاد شيء غير مكتشف أو غير موجود·
وقد يحتاج الناقد في فكره النقدي إلى التحفظ والاستدراك والتعليل والتوضيح· إنه مقيد بقواعد النقد· ولا تقيد يدا المبدع بهذه القيود· هذه القيود لا ترد في عالم إبداعه· إنه لا يعبأ بالقيود· إنه يريد أن يكسر القيود، وهو يكسرها· أنها لا تعنيه، بل إنها غير موجودة في رؤاه· ليس لديه ترف الالتفات إليها· تعريف ابداعه هو انه غير مقيد· ومعنى إبداعه أن سماءه تخلو من القيود· وهو بصفته مبدعا سيد إبداعه؛ سيد أشيائه المبدعة·
ويتعين على الناقد أن يكون واعيا حتى يمكنه أن يعمل ملكته العقلية· وقد لا يحتاج المبدع إلى أن يكون واعيا· قد تفيض عليه نفسه إبداعا وهو غاف أو منتش أو معانق للبحر على الرمال المعانقة للآفاق أو مناج للقمر الوديع في هدأة الليل أو مخاطب لحبيبته والنعاس يغالبه، أو طارب للأهازيج الشعبية، أو حالم بفردوس يبحث عنه، أو مسحور بموسيقى الرجز أو مأخوذ بغناء الموشحات الأندلسية، أو مستلهم للتاريخ في قصر عربي مهجور أو مساكن الأنباط المنحوتة في الصخور، أو مبهور بصورة الفرسان الملثمين القادمين من بعيد، ويسمع صهيل خيولهم العربية، لعلهم يحملون إليه الأمجاد الغابرة الباقية، أو متفكر وهو يرى صورة طرد آدم وحواء عندما كانا قرب الشجرة من الجنة·
ويمكن أن يحدث صراع بين الناقد والمبدع في نفس الكاتب حينما ينزعج المبدع أو يتبرم أو يضيق ذرعا بنقد الناقد فيه لإبداعه· وقد يدوم هذا الصراع، وقد يهدأ الصراع أحيانا ويثور أحيانا· وقد يؤدي هذا الصراع إلى قتل الناقد أو قتل المبدع في نفس الكاتب· وقد لا يستطيع الكاتب أن يقتل الناقد فيه أو المبدع فيه· وقد ينتهز الكاتب فرصة غفلة الناقد فيه فيسرح مبدعا، ثم يعود حاملا جنيه الإبداعي، وعندها قد يرحب الناقد فيه بهذا الجني أو ينتقده، أو يحظى ذلك العطاء بالنقد والترحاب في الوقت نفسه· وقد يقرر الكاتب أن يكون ناقدا فيحاول أن يجعل المبدع هاجعا· وما يقرر في هذه الحالات هو نشاط المبدع وغليانه وتجربته وعبقره وكينونته الباحثة عن شيء قد تعرفه وقد لا تعرفه· والكاتب المبدع أشد غيرة على إبداعه وأكثر التصاقا به وتفانيا له من الناقد في نفس الكاتب· ولأن المبدع يجل الإبداع ولأن الإبداع تحقيق لذاته فانه لا يعبأ في حالته الإبداعية بالناقد في نفسه·
Page 6
الفكر النقدي وأسباب إعاقته في الوطن العربي
لكل مجتمع بشري مفكروه في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والخلقية· ويمكن أن ينقل هذا الفكر كتابة أو شفويا· فكر هؤلاء المفكرين مستمد من مجموعة العوامل التاريخية والثقافية والقيمية ومن مفاهيمهم ورؤاهم في تلك المجالات المختلفة·
وللمفكر الناقد صفاته، ومن صفاته الرئيسية دينامية النقد الفكري، أي أن النقد عملية فكرية متواصلة· ويمكن تشجيع الفكر النقدي بطرق منها تشجيع الإبداع الفكري العلمي والأدبي والانطلاق الفكري والحرية الفكرية والتخلص من الخوف من الإعراب عن الفكرة والعاطفة·
ويخضع الفكر النقدي لمختلف أشكال القيود· وما هو خمير حافز للإبداع في مكان قد لا يكون كذلك في مكان آخر· وثمة أسباب تاريخية واجتماعية ونفسية لعدم أعمال الفكر النقدي أو للاهتمام الأقل بهذا الفكر· وأحد هذه الأسباب هو أن ذلك الفكر يتطلب بذل جهد عقلي أكبر لفهمه وهذا المتطلب يسهم في جعل الناس أقل حماسا لأعمال الفكر النقدي وللقيام بقراءته·
وتنتشر وسائط الاتصال المسموعة والمرئية في شتى بقاع العالم· توجد الملايين من أجهزة الراديو والتلفزيون والكمبيوتر في المنازل والمقاهي في المدن والقرى في الوطن العربي· ويمكن لهذه الأجهزة أن تؤدي دورا في نقل وإشاعة الفكر النقدي· وعلى الرغم من أن هذه الوسائط تؤدي فعلا دورا معينا في ذلك النقل والإشاعة فإن ثمة عوامل تقيد تقييدا شديدا أداء تلك الوسائط لذلك الدور· ومن هذه العوامل أن القائمين على إدارة البرامج الإذاعية والتلفزيونية لا يولون الأهمية الكافية للبرامج العلمية والفكرية النقدية· وقد يعزى عدم إيلاء هذا الاهتمام إلى التوجيه الحكومي أو عدم تقدير مديري البرامج لأهمية مناقشة قضايا الفكر النقدي أو عجزهم عن الخوض في هذه القضايا أو استجابة لتصورهم لرغبة الجمهور أو لمزيج من هذه العوامل·
ومن طبيعة المناخ السياسي السائد في أية بقعة من بقاع المعمورة، وعلى وجه الخصوص في البلدان غير الديمقراطية في العالم الثالث، أنه ليس مواتيا لبلوغ الإبداع الأدبي والفني والفكري· ومرد عدم المواتاة هذا هو أن اعتبارات السياسة - التي هي علم أو فن تحقيق التأثير لتحقيق غرض معين - لا تراعي متطلبات تحقيق الإبداع· من المعروف أن تحقيق التأثير ينطوي على التقييد الفكري والعاطفي، بينما يتطلب الإبداع الانطلاق الفكري والعاطفي، ويتطلب الإبداع الفكر النقدي الذي، في العادة، تثني عنه الاعتبارات السياسية· النظم السياسية غير الديمقراطية لا تحتمل ممارسة حرية التعبير عن الرأي الذي لا يتفق مع مصالح تلك النظم في مواصلة تولي السلطة السياسية الرسمية· ولا تتردد هذه النظم في لجم لسان المفكر الحر الناقد وفي تحطيم قلمه وفي سجنه وحتى الفتك فيه· وبسبب هذه المشكلة لا ينقل الفكر ناهيكم عن الفكر النقدي الذي قد يجول في خواطر الناس إلى الساحة العامة إذا كان ذلك الفكر معارضاً أو غير مؤيد لسياسة السلطة الحكومية، وينكمش الميل لدى المفكر الناقد إلى الإبداع الفكري، أو قد يرى هذا المفكر، اتقاءً لغائلة السلطة المتربعة على سدة الحكم، تقييد انطلاقه الفكري النقدي أو قد يرى أن ينتقي، في تناوله الفكري النقدي، بعض المواضيع التي لا يرى هو أن من المحتمل أن تناوله هذا من شأنه أن يوجد صراعاً بينه وبين تلك السلطة، أو قد يرى تخفيف حدة لهجة الانتقاد في المواضيع والمواضع التي تجدر ممارسة الفكر النقدي فيها·
Page 7
ويتمتع رجل السياسة القوي بقدر أكبر من حرية التعبير· فإذا كان رجل السياسة هذا مثقفاً ومفكراً وأراد اعمال التفكير في مسائل مختلفة فيحتمل احتمالاً كبيراً أن يكون هذا التفكير متأثراً تأثراً أكبر بحكم تحزبه السياسي بالاعتبارات السياسية التي لا تتفق بالضرورة مع مقتضيات التفكير النقدي الحر·
وتوجد ظاهرة عالمية تتمثل في وجود ابتعاد وأحيانا نفور بين المثقفين وغير المثقفين· ومن أسباب هذه الظاهرة الصعوبة التي يواجهها بعض الناس في فهم فكر أصحاب الفكر النقدي وطريقة معالجتهم للمسائل· ولا يشغل الفكر الجاد المتعمق الناقد عموماً مكانه الذي يستحقه على الخريطة السياسية في كل أرجاء المعمورة، غير أنه يبدو أن هذا الفكر يشغل مكاناً أصغر على الخريطة الثقافية العربية· ويعود ذلك إلى أسباب مختلفة منها أن الثقافة في أماكن في الوطن العربي تعني في المقام الأول الأدب من النثر والشعر· ولو أولت وسائط الاتصال الجماهيري المرئية والمسموعة اهتماماً أكبر بالكتابات الفكرية المحضة والنظرية والكتابات الفلسفية لازداد الاهتمام بها ولكبر حجم تلك الكتابات·
وثمة في الوطن العربي ما يمكن أن يسمى تخوفاً من التفكير الحر وتشككاً فيه، مما يضعف الميل لدى المفكرين الناقدين إلى التفكير بحرية· وفي أماكن وظروف مختلفة يقوم عداء أيضاً لهذا التفكير، وهذا العداء يضعف أو يقتل التفكير الحر أو يحبسه داخل صاحبه فيذوي ذلك الفكر تدريجياً ويتلاشى· وفي أماكن في الوطن العربي في أحيان غير قليلة يتعرض المفكرون الناقدون المستقلو الفكر الذين لديهم الجرأة على الإعراب الحر عن الفكر للمضايقة والملاحقة والأذى من الحرمان أو التجويع ولا يحظى التفكير بالتشجيع المادي والمعنوي الكافي، ولا يشجع العلماء والأدباء والشعراء والمفكرون والفنانون من رسامين ومغنين وموسيقيين التشجيع الكافي·
وقد ينشأ عالم أو أديب أو مفكر عظيم تكون له كتاباته الدالة على النبوغ والعبقرية والإبداع ويعيش ثم ينتقل إلى العالم الآخر دون أن يحظى بالاحترام الكافي أو التكريم الواجب أو الإقرار من جانب السلطات الحكومية وغير الحكومية وأفراد الشعب بقيمة علمه وفكره وعبقريته· ولكثرة المؤسسات الاجتماعية والعلمية والثقافية المستقلة الكائنة في الغرب يبدو أن هذه الظاهرة - ظاهرة إغفال الشخص المبدع - أقل شيوعاً في الغرب مما هي في أماكن أخرى تقل فيها هذه المؤسسات ويخضع ما هو كائن منها للسلطة الحكومية القوية المتحكمة· وليس من شأن هذا الإغفال أن يكون مشجعا لاعمال الملكة الفكرية النقدية·
وبالتالي من اللازم أن يزاد عدد المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومنها وسائط الاتصال الجماهيري، التي يكون من مهامها تشجيع الإبداع والمبدعين في مجالات الأدب والعلم والفكر في الوطن العربي، ومن الطبيعي أن يشمل هذا التشجيع عنايتها بالكتابة والإعلان عن النتاجات الفنية والأدبية والعلمية والفكرية النقدية التي يقدمها المبدعون في شتى مراحل عطائهم الابداعي· اذ عن طريق الكتابة عن المبدع والمبدعة وعن نتاجاته ونتاجاتها وعن طريق إشاعة اسمه واسمها وعن طريق تشجيعه وتشجيعها المادي والمعنوي ينشأ لديه ولديها شعور أقوى بالاعتزاز والثقة بالنفس وبأنه يوجد تجاوب بين عالم أفكاره والمجتمع الذي حوله وبأن المجتمع يكافئه أدبياً ومادياً على مجهوده الفكري النقدي ويقدر عطاءه·
Page 8
وفي أحيان غير قليلة يضعف اتجاه الأسلوب اللفظي المجهود العلمي في الكتابات باللغة العربية· وقد يوجد بعض التسويغ لهذا الأسلوب في الكتابات الأدبية ولكن لا تسويغ لاستعماله في الكتابات العلمية التي نجد هذا الأسلوب مستعملا في بعضها·
لقد أهمل في مجتمعنا العربي قدر لا يستهان به من النتاجات العلمية والأدبية والفنية والفكرية النقدية المبدعة أو نسي أو علاه الغبار، مما أسهم إسهاماً ذا شأن في خيبة الأمل لدى بعض المبدعين أو لدى أشخاص كان يمكن أن يكونوا مبدعين وفي تباطؤ اندفاعهم الإبداعي·
وثمة سبب آخر لعدم إعمال العقل النقدي وهو أن العمل الحكومي وغير الحكومي بدوامته المتواصلة يشغل أصحاب العقول الذكية النابهة· منذ آلاف السنين استعملت أجهزة الدولة أصحاب الفكر استخداماً متفاوت الكثافة· وما يزال موظفون ذوو عقول قوية منغمسين في أعمال لا تقتضي أعمال الملكة العقلية المتوفرة لديهم أو لا تشجع على استعمال تلك الملكة أو تثني عن استعمالها· إن الجو السائد في العمل الحكومي على وجه الخصوص لا يشجع على ممارسة التفكير النقدي وهو يشجع أحياناً على التراخي الفكري والكسل الفكري· هذا العمل إذن يمكنه أن يكلف الشعب غالياً لأن ذلك العمل يثني عن استعمال ملكة الفكر النقدي الذي يحقق اكتشاف الحقائق الاجتماعية بالمعنى الأوسع والحقائق الطبيعية، وبالتالي يعود بالنفع على الشعب· ومرد القول أن العمل الحكومي لا يشجع على التفكير النقدي وأنه يشجع أحياناً على التراخي الفكري هو أنه لا يطلب من العامل الحكومي سوى تنفيذ سياسة وضعها كبار المسؤولين الحكوميين، ووجوب تحقيق أو تلبية طلب تنفيذ سياسة من السياسات لا يتفق مع الإبداع· وتنفيذ السياسة معناه أن السياسة قد وضعت وبالتالي لا حاجة إلى الإبداع الفكري لوضع السياسة، وقبول وظيفة تنفيذ السياسة معناه تسخير مقتضيات الابداع الفكري لمقتضيات أداء الدور السلبي، دور الملبي لمستلزمات قبول وتنفيذ السياسة التي وضعها الغير·
وبانفاق المفكرين المنخرطين في العمل الحكومي لمدة طويلة من حياتهم يفوتون على أنفسهم فرصة واحدة، فرصة العمر، فرصة ممارسة الانطلاق الفكري الإبداعي النقدي· وعلى هذا التفويت المقيت تصيب الندامة قسماً منهم· ونتيجة عن عملية نفسية يكون هذا التفويت أحد عواملها الرئيسية قد يناوئ قسم منهم نشوء مواهب إبداعية جديدة·
ويأمل ويطمع قسم من الناس، ومنهم مفكرون، لم ينخرطوا في العمل الحكومي بالاضطلاع بوظائف حكومية· هذا الأمل والطمع يجعلانهم يضعون حوافز الفكر النقدي الإبداعي في مرتبة دنيا حيال متطلبات العمل الحكومي؛ يجعلانهم يكيفون تفكيرهم ومواقفهم وسلوكهم، وهو التكييف الذي ينحو نحو زيادة احتمال شغلهم للمنصب الحكومي، وتكون هذه الزيادة على حساب الفكر النقدي أحياناً لأن اعتبارات شغل المنصب الحكومي تتعارض أحياناً مع الفكر المحلق الإبداعي·
واتجه معظم النشاط الفكري العربي إلى الجامعة· وفي الحياة الجامعية لا يوجد ما يكفي من المحفزات على إعمال الفكر النقدي· في سلك التعليم الجامعي يخضع مفكرون إلى حد لا يستهان به تفكيرهم لما يتفق مع سياسات وممارسات السلطة الحكومية للمحافظة على وظيفتهم ولترقيتهم· في المحيط الجامعي لا يشغل البحث والدراسة النقدية شطراً كبيراً من وقت الأستاذ· ولا يكافأ الأستاذ ما يستحقه من المكافأة على أبحاثه وفكره الاستكشافي· وأحياناً يعاقب الأستاذ على نتائج بحوثه· ولا يجري ما يكفي من التنافس بين الأساتذة على الترقية وتحقيق المنزلة العليا عن طريق إجراء البحث· وقد يتعرض باحث للهزء من زملائه إذا شاهدوا منه قدراً أكبر من المألوف من التفاني للبحث·
ورغم أن المفكر الناقد يمكنه أن يؤدي دوراً ايجابياً هاماً في حياة الشعب وتطور المجتمع فلا يوجد حتى اليوم دور محدد المعالم معترف به للمفكر وللفكر في المجتمع العربي·
Page 9
لزيادة حجم النتاج الفكري تجب إتاحة الانطلاق الفكري
من الملاحظ قلة النتاج الفكري المنشور وتدني نسبة المقبلين على القراءة في الوطن العربي· فبالمقارنة بعدد الكتب الجديدة المنشورة في الدول الغربية تتضح قلة الكتب الجديدة المنشورة في العالم العربي· في الغرب تصدرت المملكة المتحدة الدول الغربية فيما يتعلق بعدد الكتب الجديدة المنشورة· في سنة 1996 قدر عدد هذه الكتب فيها ب 95015· وفي تلك السنة قدر عدد الكتب التي نشرت في إسبانيا ب 44261، والتي نشرت في بلجيكا بما ينيف عن ثلاثة عشر ألفا، بينما قدر عدد الكتب الجديدة المنشورة في الوطن العربي برمته بأنه لم يتجاوز 8171· إن من اللافت للنظر أن يكون عدد الكتب المنشورة في الوطن العربي كله الذي ينيف عدد سكانه عن مئتي مليون أقل بكثير من عدد الكتب المنشورة في بلد صغير من البلدان الأوروبية لا يتجاوز عدد سكانه عشرة ملايين شخص·
وتقوم أسباب هامة وكثيرة لهذه الظاهرة الباعثة على الأسى· وأحد الأسباب هو تفشي الفقر على تفاوت درجاته بين السكان· ليس في الوسع المالي لكثير من الناس ذوي الدخل المحدود شراء الكتاب، خصوصاً إذا كان الثمن غالياً بالمقارنة بدخل الفرد والتزاماته ومسؤولياته المالية· وصاحب المعدة الخاوية التي تجتر نفسها جوعاً يدفعه فقره دفعا إلى التفكير في كيفية تأمين الرزق له ولفلذات كبده الكثيرين في العادة ولزوجته قبل أن ينخرط في القراءة والكتابة ويهتم بنشر ما يكتبه· ونقص التعويض المادي للكاتب عن نتاج فكره وقلمه يسهم في إحباط عزيمته على الكتابة·
والسبب الثاني لهذه الظاهرة هو وجود نسبة عالية من الأميين وفي بعض الأماكن عالية جداً· فالأمية لا تعني عدم معرفة الكتابة فحسب ولكنها تعني أيضاً عدم معرفة القراءة، مما يسهم في تدني نسبة الكاتبين والقارئين، وبالتالي يسهم في قلة نشاط سوق نشر الكتب وتوزيعها واقتنائها· وبالإضافة إلى تفشي الأمية بمعنى عدم معرفة القراءة والكتابة توجد الأمية الوظيفية التي تعني انخفاض مستوى التحصيل الدراسي وبالتالي انخفاض مستوى الأداء لمن يكون قد تخرج من مدرسة ابتدائية وحتى مدرسة ثانوية·
ومما يسهم أيضاً في قلة النتاج الفكري المنشور منافسة ومزاحمة وسيلتي الاتصال المرئية والمسموعة لوسيلة الاتصال المكتوبة على الجمهور· ووسيلتا الاتصال المرئية والمسموعة رائجتان اليوم في الوطن العربي· ومما يشجع الناس على السماع والمشاهدة عدم الحاجة إلى بذل عناء أكبر لدى السماع والمشاهدة، بخلاف القراءة التي لا يجيدها عدد كبير من الناس والتي تتطلب، إن توفرت مهارة القراءة، بذل جهد فكري ونفسي أكبر· ومما يشجع أيضاً الناس على السماع والمشاهدة هو العرض الأقل تعقداً للمواضيع واللغة الميسرة أسلوباً ومفردات أو اللغة العامية التي أحياناً يقرأها القارئ أو يتكلمها المتكلم من محطات التلفزيون والإذاعة· ويفضل كثيرون الاستماع والمشاهدة على القراءة على الرغم من أن البرامج المسموعة والمرئية لا تشتمل أحياناً كثيرة على مضامين وتحليلات قد توجد في المجلة أو الكتاب· فالكتب ترقى أحياناً كثيرة إلى مستوى لغوي أعلى وطرح أكثر تماسكاً للموضوع، مما يتطلب توفر قدر أكبر من الالتزام والتركيز الفكريين لا يتوفر لدى كل شخص·
Page 10
ولقلة الاقبال على شراء الكتب وقراءتها فإن عدد النسخ من الكتاب المنشور في الوطن العربي محدود نسبياً· فمتوسط عدد النسخ من الكتاب، حسب بعض التقديرات، لا يتجاوز الألفين أو الثلاثة آلاف· ومن الواضح أن هذا العدد أقل كثيراً من العدد في الغرب، وهو أيضاً أقل من عدد النسخ التي كانت تباع من بعض الكتب العربية التي كانت تنشر في سنوات الأربعين والخمسين·
والقمع السياسي والكبت الاجتماعي من العوامل التي تسهم في قلة المواد المنشورة· فذلك القمع والكبت يكبلان الطاقات الفكرية للشخص العربي· فالمفكر العربي - أكان مؤلفاً أو محللاً أو عالماً أو أديباً أو شاعراً أو غير ذلك - يخاف على نفسه من انتقام السلطات والهيئات الاجتماعية من إعلانه عن آرائه في القضايا السياسية والاجتماعية والنفسية ومن توجيه النقد للمسؤولين عن الحالة السياسية والقومية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية المزرية التي يعاني العالم العربي منها· ولذلك فإن كثيرين من المفكرين يلجمون أفواههم أو أقلامهم ويلوذون بالصمت المدوي أو بالأسلوب الهامس المخفف اللهجة الذي يسم بعض المواد المنشورة·
ومن هذه العوامل أيضاً نشوء الموقف الساخر لدى المفكر العربي· شاهد المفكرون والمثقفون أن السلطات الحكومية وغير الحكومية لم تراع مراعاة كافية مضامين المواد الداعية إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتعليمي اللازم· بل شاهدوا أن لهذه السلطات جداول أعمالها السياسية وأن الفجوة تزداد اتساعاً بين ما يدعو المفكرون إليه وما يدعو ذوو السلطة اليه ويعملون لتحقيقه رغم استمرار تردي الحالة السياسية والاقتصادية والثقافية· بل شاهد المفكرون والمثقفون أنه بدلاً من أن تشجعهم السلطات وتكافئهم على تناولهم للقضايا السياسية والاجتماعية تقوم بملاحقتهم والبطش فيهم رغم تشدقها بأنها تعمل من أجل تحقيق الإصلاح·
إزاء هذه الخلفية نشأ لدى قسم كبير من المفكرين حس بالسخرية تجلى في انكماش الحافز الذاتي على التصدي للتحديات القائمة والانسحاب من حلبة الكتابة والانزواء وفي ترديد الإشارة إلى ما يعتبره المفكرون لعبة كلامية يلعبها ذوو السلطة الرسمية وغير الرسمية، لعبة التشدق ورفع الشعارات دون التصدي الحقيقي لأصول الأزمة السياسية والقومية والثقافية التي يعيشها العرب· وإزاء هذه الخلفية أيضاً نشأ شعور لدى بعض الكتاب والمفكرين بعدم الجدوى من كتابة ونشر المواد لاعتقادهم بأنه ليس في مقدور تدبيج المقالات ووضع الكتب ونشرها إزالة الحالة العربية المتردية القائمة، وبأن إزالة هذه الحالة تتطلب علاجاً أقوى بكثير من نشر المقالات والكتب·