eKtab
EN ع
السماء شاغرة فوق اورشليم (2)
Read free sample

السماء شاغرة فوق اورشليم (2)

by سليم بركات

Page 1
مَنْ تُنْسَب إليهم أخبارُ هذا الجزء من الرواية
 
 
 
 تُورانْ موسى شَير: العسكري الهارب
 
 زهراب موسى شير: ابن توران
 
  مراد باديدي: صاحب توران
 
  سور ميزون: أمين خزائن السلاح في قلعة عجلون
 
  عُقاب الخانجي: آمر سَرِيَّة
 
  ميمو، ماريو: صديقا توران، الدليلان إلى صُوْر
 
  لُوْتفا، فَهْرو: ابنتا توران
 
  توهين: أخت توران
 
  سَهْدة، رمانة، شاهناف: شريكات أخت توران في الجاروش
 
  يونس الدامرداش: صاحب الفرس إيزابيلا
 
  محسوب الدامرداش: ابن عم يونس
 
  خاتون بَيْغُوما: شريكة توران في مزرعة الجياد
 
  بَايُوْر: مرافق خاتون
 
  ثيوس: كبيرُ عمَّال مزرعة الجياد
 
  لطيف أرْمُوز، سَايد إيليا، سمعان نَرْدوني، باكْلاَت يُوْكْتون، إبراهيم بيْرون، أسْلي جَمال بَرَابو، بشير سافينازي: عمَّال توران في مزرعة الجياد
 
 زليخا: طاهيةُ مزرعة الجياد
Page 2
  ميْنَار، سِلفانا: عاملتان في مزرعة الجياد
 
  أنْتَالي: ابنة مينار
 
  كُوْتين كُوْر جهاد: وكيل البريد
 
  ماسيني: زوجة زهراب
 
  سيرينو: أم ماسيني
 
  كرياكوس متَّى: تاجر، صديق توران
 
  جورجي، ستيفانوس، باسيل، متَّى، ميكاييل، يوحنا، ساروفيم: أولاد كرياكوس
 
  آداموس أخيلياذيس: الملاَّح اليوناني
 
  ناظِم خَلَك: شريك مراد باديدي
 
  بْياجيْه: أحد مساعدِيْ قوَّاد دي مونفرات، حاكم صُوْر
 
  ألْدِرِيْكهْ: أمير جرماني في صُوْر
 
  البابا غريغوري الثامن: مُلْهم الحملة الصليبية الثالثة
 
  ريتشارد الأول: ملك الإنغلاند
 
  فريدريك الأول بربروس: ملك الجرمان
 
  فيليب أوغست الثاني: ملك الفِرَنس
 
  صلاح الدين الأيوبي
Page 3
الهَرَمُ قريباً من طبريَّة
 
انزلقت يدُ البابا غريغوري الثامن اليسرى سهواً عن مسند كرسيِّه، ذي التعاريق النَّجْرِ متعرِّجةً بطَّنَها قِشرٌ ذهبيٌّ راكدٌ من مسيلٍ ذهبيٍّ· أفاق من إغفاءة لم تُغمض منها عيناه، بل سَها قلبُه فأغمضَ لحظةً من سكون المجْمع الكنسيِّ، في بهو البلاط الرهيفِ الصمت، بعد خمودِ الأصداءِ نزفتْها كلماتُ الكرادلة في حلقتهم الواسعة· شِسْعُ البهو المترامي الخلاءِ وطَّد للصوتِ المحتجب استراحةً صلبةً، مقسَّمةً بالتساوي في المسافات بين الأعمدة تحيط بتيجانها ملائكةٌ أطفالٌ يسندون السقفَ الهيكلَ الأرضيَّ لبلاط أبِ الكنيسة، ظلِّ الآب الأصلِ، بأكتافهم السماوية· تنهَّد البابا· أعاد يدَه اليسرى إلى النهاية المنحنية لمسند كرسيِّه· أَدار وجهَه بأناةٍ تحت تاجهِ العالي، الثقيل، إلى رسمٍ على جدار البهو انزلقَ على حُمرة اللون الغالبة فيه شعاعٌ من النافذة العالية، وراء الكرسيِّ المُبجَّل· شعاعٌ من صباحٍ ناضج النور على غصن الوقت فتَّقَ الجزءَ الأيمن من الرسم عن رداءٍ أحمر، طويل، ذي طيَّاتٍ اسطوانيَّةٍ من أسفلَ داكنةِ الثنايا· أمُّ يسوع العذراءُ تنظر لَحْظاً إلى الثوب، باستدارة من مجلسها منحنيةً على ابنها الطفل· لا يُرى لابسُ الرداءِ في الرسم· هو نصفٌ أسفل لا غير، إلى يسار المرأة في خمارها البُنيِّ الناصِل· عينا البابا استقرَّتا هناك، على ما اختصَّهُ الشعاعُ لنوره من الثوب أحمر عقيقاً، بطيَّاتٍ داكنة الظلِّ كالخرزةِ الزَبَرْجدِ الزيتونيِّ الكبيرة في خاتم سَنَد اللهِ على الأرض البابا غريغوري، الذي هيَّأ توًّا، قبل استغراق الأعمدة في السكون وطَّدَ للصوت، الذي تعالى قَبْلاً من أفواه الكرادلة، استراحةً صلبةً، منقسمةً بالأعشار المتساوية بين قلوب أهل المَجْمع في قبَّعاتهم المضلَّعة الحمراء، أو الخُمُرِ بسيطةً أرْخَوها على رؤوسهم السارحة في رؤيا الكلمات: السماء جرحٌ فوق أورشليم· سنحمل الجرحَ عن مملكتك أيها الآب، هذا ماردَّدوه قبْل صمتهم المقسَّم أعشاراً متساوية في بهو البلاط المقدس· عينا الحَبْر الأعظم غريغوري الثامن لم تبارحا الشعاعَ النُّورَ منزلقاً في بطءٍ يُقاس بسنين صغيرةٍ كنبضِ قلوبٍ في الرسم· عيون الكرادِلة استقصتْ نظرتَه الثقيلةَ تحت التاج الثقيل إلى الرسم جانبياً من عينيه كنظرة العذراء المقدَّسة من لَحْظِها إلى رداء الشخص الواقف إلى يسارها· رأوا، بإلهامِ الوعد الإلهيِّ للمختاريْنَ رُعياناً لخرافهِ ـ خرافِ الحقِّ، مارآه قلب الحَبْر المعصوم في الثنايا الداكنة للرداء الأحمر، إلى يسار العذراء· ثنايا هي جبهاتُ الأرض تُطوى ظلالاً من هول الوعيد: فرسان الظلِّ قادمون· الفرسانُ الظلالُ، التي لن تنحسر قط· خاصَّةُ الظلالِ أن تنحسر وتَلْشو بانحسار الجسومِ الهيئاتِ الثِّقلِ الكتيم· لكنْ هُم الفرسانُ الظلالُ صادرةً عن الجسم الإلهي الذي لاينحسر· هُم الظلالُ لاتنحَسرُ؛ لاتُؤْسَر؛ لاتُجرَحُ، لاتُقْتَل· فرسانُ الحملة الثالثة الفرسانُ الظلال· الكرادلةُ، والبابا، تنسَّموا الهواءَ داكناً من ثنايا الرداء في الرسم الكبير معلَّقاً إلى جدار البهو، على يمين الكرسي الفخم، ذي النَّجْرِ المتعرِّجِ سواقيَ مبطَّنةً بقشرٍ ذهبٍ· لقد هيَّأَ غريغوري الثامن وحيَ المحنة من جرح أورشليم بدعاء الغفران: أبانا، سامح الحجرَ الذي يَخذل· سامحِ السيف الذي يخذل· سامح الجوادَ الذي يَخذل· سامِحْنا· سيتنفَّس البحرُ الصعداءَ بأساطيلِ أبنائك· ستتنفَّس اليابسةُ المقدَّسةُ الصعداءَ فتح يدَه اليمنى على علامة البلاغ، مواجهاً الفراغَ: أورشليم، قالها من حنجرة اللوعة في كيانه المهشَّم عاراً من فَقْدِ أورشليم· صمتَ· صمت بهو البلاط الأقدس·
Page 4
بسيطةً عَرَضَ البابا غريغوري الثامن  خططَ قلبه ـ قلب الأبِ الأرضيِّ مُعاراً من السماء للأرض في الخطط، على بطاركة أقاليم أوروبا، بعد َعَرْضها، ذلك الصباح المتَّصل الشعاعِ برداءٍ في الرسم، على كرادلته· 
 
نضجت الحملةُ الثالثةُ بفاكهتها على غصون الأعراق في أوروبا· ملك الإفرنس فيليب أوغست الثاني، وملك الإنغلاند ريتشارد الآول، وملك الجرمان فريدريك الأول بربروس، رتَّبوا السياقَ المُحْتَمل لحربٍ بلا دنسٍ تَلِدُ أورشليم الجديدةَ طاهرةً من أنفاس آلاتها· ملك الإفرنس، وملك الإنغلاند أوكلا بحرَ الروم تدبيرَ العبور بهما إلى مراقي السماءِ الأصل فوق الساحل الشرقي لبحر الروم، أما ملك الجرمان فاختارَ وصْلَ اليابسة التائهة في أوروبا، عبر البحر، ورومانيا، وأرض البلغار، بيابسة الملكوت الوعد شرقَ بحر الروم· لكنَّ وَصْلَ اليابستين اقتضى منهُ تقويض مملكة بيزنطة، وإذلال الحياة في كوستنتينوبل بجريرة الإثم الأصل لبيزنطةَ اختلستِ الخلافةَ من إمبراطورية أمِّها روما· مائة ألف فارس وراجلٍ تنفَّسوا مع ملكهم الشيخ هواءَ البحار الصغرى المُرْضعةِ مرتفعات تراقيا حتى السفوح الجنوبِ للأناضول: بحر بونتيوس الأسود، وبحر مرمرة، وبحر إيجة، فخلجان الشمال الشرق من بحر الروم· جمعوا رئاتهم على سهم يُقذَف جنوباً، إنْ قُذِف، عبر جبال أمانوس، فسهول كيليكيا، فجبال الكرد، فامتداد الساحل الشرقي من بحر الروم إلى صُور ـ المَعْقِل المنتظر أن يستعيد أخواتِهِ مدنَ البحر من صلاح الدين· هُمْ تنفَّسوا من هناك؛ من الأعالي الشرقِ لبيزنطةَ موصولةً بتخوم مملكة أرمينيا، ما يستعجلون أن يتنفَّسوه حين ينحدرون  جحافلَ أفقاً للقاء جحافل الإفرنس والإنغلاند، في مكانٍ مَّا من بقايا مملكة أورشليم· وسيتنفَّسون، إذا بلغوا مدنَ البحر من بقايا مملكة أورشليم، شيئاً من رطوبة القصب على ضفاف بحيرة طبرية حيث أطبق صلاح الدين، بمعركته هناك، يدَ الخطط على مشيئة إلهه·
 
الشابُّ الصغير، الذي لم يبلغ العشرين بعدُ، ألقى من قمة الهرمِ التراب نظرةً إلى الغرب، متنفِّساً، في ذلك العصر من يوم في أيار، ثمراتِ المياه الرطبة فوق الأفق البعيد ـ أفق بحيرة طبرية· لم يكن يرى مياهاً، بل يرى الأثر الغامض لشبح أبيه فوق مياه المجهول· قلبه انزلق عن موضعه، في صدره، حتى لامس حوافرَ جواده الأسود حين بلغَ المكانَ، الذي انتصب فيه الهرمُ التراب متآكلاً قليلاً، لكن بأدراج يمكن صعودها إلى القمة المستوية عليها أثرُ دِكَكَةٍ لجلوس الحرس الراصديْنَ· ههنا كان معسكر طغرل، الذي خدمَ الشابُّ بنفْسه الطهاةَ فيه ساعياً بدِلاءِ الطعام وسطوله بين المطبخ وبين خيام الجُند، يوزع عليهم بالمِغْرفةِ قِسْمَةَ البقاءِ وجوداً· لكنْ لامعسكرَ الآن· خلاءٌ مهجور، وبقايا جدرانِ دار واحدة كانت دار المؤن يكثر من حولها بعْرُ الضأن والماعز، كأنما يتَّخذ الرعاة تلك الأطلالَ المتداعية وقاءً من ريحٍ، أو شمسٍ، إذ يعبرون بقطعانهم· 
Page 5
بلغت غصَّةُ زُهرابَ عينَيْ خياله فاغرورقتا وهو يستعرض، من أعلى الهرم، الأعراءَ متراميةً بمنافذَ من أفق على أفقٍ إلاَّ من بعض الغياض في البعيد جنوباً·
 
أظنُّ أن موضع خيمة أبيك كان هنا، قال مراد سالم بادِيْدي القصير، القوي البُنية، للشاب· مراد لم يصعد الهرمَ كزُهراب، بل ظلَّ في وسطه، يشير بيده إلى مكانٍ مَّا من الأرض المهجورة كان، ذات يوم، سُرادقاً جنوبَ شرق الهرمِ التراب· صُعِقا كلاهما، زهراب ومراد، لَمَّا بلغا المعسكر المهجور على جوادين يسوقان خلفهما بغلين بحوائجهما· لولا الهرمُ لظنَّا أنهما في غير الموضع المقصود· لكنْ لو حدَّقا مليًّا بعيون أعماقهما المستورة إلى الخفيِّ لرأيَا أرواحَ الدجاج من حولهما مستغربةً منهما ذلك الوقوف القلِقَ· أرواح الدجاج، التي فتك بها وباءٌ تأوَّله بعض أهل المعسكر، آنذاك، كعلامة من علامات العقل الظاهر، لم تبارح الأرضَ من حول الهرم مُذْ دُفِنَتْ جسومُها أسراباً في حُفَر التراب، التي استجلب منها الجندُ لَبِناً لبناء دور قُوِّضتْ، من ثمَّ، بأمر أمير عجلون·
 
كانت خيمة  أَبيك هناك، ردَّد مراد جملتَه متبوعةً بالإشارة ذاتها من يده· التفت زهراب، المستطلعُ ناموسَ المهجور من علياء الهرم، إلى حيث أشار مراد· لا، ردَّ· أشار هو بيده إلى الموضع أبعدَ قليلاً: هناك كانت خيمة أبي· أستطيع تخمين الموضع بالخطوات بُعْداً من دار المؤن· كنت أحمل سطل الطعام من جوار دار المؤن إلى المعسكر: ستة ممرات بين ستة صفوف متوازية من الخيام، بعدها خيمةُ أبي· سكنتُ طويلاً في خيمته قال الشاب متراجعاً بلوعة لسانه الخفيةِ إلى عينيه صريحتين في ترديد تلك اللوعة، نظرةً نظرةً، على المكان المهجور· تراجعت الحُمرةُ في بشرته البيضاء عن خدَّيه· تقوَّس قليلاً في وقفته بجسده الطويل النحيل كأبيه توران موسى شير· نزل درجَ الهرم متباطئاً، وهو ينظر إلى مرادٍ، صديق أبيه، بروحٍ مستنجدةٍ: ماذا سنفعل؟، ساءله· 
 
نزل مراد، بدوره، درجَ الهرم المقضومَ الأحِفَّة بأسنان الأمطار· أمسك بغمد سيفه المتأرجح، من وسطه· تقدَّم هادئاً، مُطرِق الوجه، صوب جواده البنيِّ اللون· رَبتَ بيده على عنق الحيوان يتشمَّم من الأرض ضجرَ نباتِ العَرْفَج الخشن، متعفِّفاً عن أكله·
 
لا أعرف، همسَ ردًّا، ببعض التأخير، على سؤال زهراب ذي الوجه النابت اللحية خفيفةً، غيرَ متَّصِلةٍ بين العِذاريْنِ والسَّبَلة، المشوبة بحُمرةٍ خافتةٍ·
 
لم يخطر ببال مراد أن يجد معسكر طغرل فارغاً مهجوراً، بآثار عُفِيَّةٍ كأنما من قرون· هكذا حسبَ بصرُه السنينَ قياساً بالخيبةِ من اللآَّمتوقَّع· هما سنتان، أو أقلُّ قليلاً، لم يزُرْ توران عيالَه· استأخرهُ المشتغلون بحنينهم إليه، والمشتغلون بقلقهم عليه، فأرادَ حَسْمَ الأمر بمواكبة ابنه إلى المعسكر استجلاءً يحسمُ الظنون بالخبرِ الفصلِ، فأطبقت عليه الظنونُ إذ بلغ عراءً قَفْراً ليس فيه من أنفاس الإنسان إلاَّ هرمٌ ترابٌ، وجدرانٌ هي بقايا دار المؤن المتداعية· اختلطت عليه مذاهبُ فكرته في وصف ما هو فيه مع زهراب، وفي تلفيق مخرجٍ للعبور إلى الممكنات: منذ متى هُجِرَ هذا المكان؟، تساءل مراد من غير أن يتسقَّط جواباً من زهراب الحائر حتى الغمِّ·
Page 6
أمسك الشاب، ذو الخِمار الرمادي، برسن جواده· بدا فمُه الواسع أكثر سعةً بحنكه السفلي المتهدِّل حيرةً· لكنَّ عينيه الشهلاوين، الواسعتين، تتبَّعتا كلَّ حركة من مراد؛ كلَّ لفتةٍ أو سكنةٍ؛ كلَّ نَفَسٍ وكلَّ نظرة· انتظر من مراد جواباً عن سؤال مراد: متى هُجر هذا المكان؟ لم يكن يتفكَّر في الخطوة التالية يتهيَّئان بها، هو وصديق أبيه، لِمَا بعدَ المكان المهجور· لقد انحسر خيالُه إلى توسُّلٍ محضٍ يستحثُّ به المكانَ المهجور على ترتيب مشهدٍ يقينٍ يُستعاد فيه المعسكر بكل خيامه، وناسه، كما غادره بعد مهمته ساعياً بالبريد مع سُعاة الوكيل كوتين كُوْر جهاد، صاحب العمامة الخضراء الضخمة، التي يزعم أن البريد الأكثر خطورةً محفوظٌ فيها· لو قَيَّضت المشيئةُ أن يُبعث المعسكرُ من حُجُب المهجور، فسيمرُّ زهراب بين الخيام، من جديد، عوناً للطهاة ينقل آنيةَ الطعام الكبيرة محمولةً بِعصِيٍّ في مقابضها الحلقات إلى الجند· مِغرفتُه، ومغرفةُ شريكه في حمل السطول والدِّلاء، لهما الشرفُ الرِّفعةُ تكيلان المقادير بعقليهما النحاس قبل إفراغها في طاسات الجند المعدن، وآنيتهم النحاس· وزهراب يستطيع، إذا تتبَّع مراد خيالَه، في لحظتهما تلك، أن يقودهُ إلى الخيام الأكثر بذاءةً في الفكاهات، أو الأكثر عِفَّةً واحتشاماً في المخاطبات· هاهنا، ياجناب مراد، كانت خيمة آمر العُشارية دَامُوْزهَالُوكا· اسمه غريب· رجل غريب بعينيه المُكحَّلتين امتداداً من لَحْظَيهما حتى منتصَفَيْ صدغيه· شَرِهُ النظرة· شَرِهُ الفم· كلما دخلنا عليه بالطعام مدَّ طاسته الرماديةَ المعدن هامساً: اسْكُبا لي فيها فَرْجاً في الثانية عَشرة، أو فَرْجَ خَوْدٍ لم تجاوز الخامسة عشرة· يقولها بلكنة أهل بعلبك، في الأرجح· ذلك ما ألْمَحَ إليه أحد شركائي في حمل الأوعية ذوات المقابض ملأى طعاماً، ياجناب مراد· أنا لا أعرف اللهجات، وفروقها· أبي يعرف، ويقلِّدها، من ألسنة أهل بغداد إلى السلاجقة، إلى حوران، إلى صحراء موسى، إلى حضرموت ومكة· داموزهالوكا· ايُّ اسمٍ هذا؟· رأيتُه مرتين يحلق إسْبَ عانته بسكين أمام مدخل الخيمة، غيرَ عابئٍ بأحد· يكشف عن بطنه ممسكاً حاشية ثوبه بأسنانه· كان بعضُ عُشاريته يهرع أحياناً ليستره بعمامته· إنه يريد دخول الجنة بعانة حليقة· داموز يكرر رغبته تلك تصريحاً· ويريد غلماناً في الجنة يحلقون عانته إنْ طالت· هناك كانت خيمة الأعور أحمر سَبْكِي· اسمه أحمر سبكي· ليس آمر عشارية، بل نفرٌ من أنفارها· لم يكن طويلاً، بل عريضٌ كرَجُليْنِ· كيف يكون المرء عريضاً إلى ذلك الحدِّ بلا سُمنة؟· في وجهه ندوب واسعة تُقسِّم لحيته السوداء كممراتٍ، وعلى جبهته فوق عينه العوراء، وعلى أنفه المقطوعة إحدى خِنَّابتيه· للوهلة الأولى بدا لي مرعباً· كان يُصرُّ أنه لا يريد شيئاً من الله إلاَّ الموت في سبيله· ويظن من يريدون على استشهادهم ثمناً دخولَ الجنة تجَّاراً يقايضون الموتَ من أجل الله بالحوريات، والخمر، والحليب، والعسل، والغلمان، والخراف المشوية، وأنهم يفعلون الخيرَ حبًّا بثمن يحصلون عليه· لايفعلون الخيرَ للخير· لاخيرَ مجَّاناً· أحمر سبكي لايريد من الله ثمناً على الخير، إنْ فعل، أو على الموت انتصاراً لدِين الله، إنْ قُتِل في معركة· أنا لستُ تاجراً ـ يقول· لا أريد عيناً سليمةً بدلَ عيني العوراء· سأجلس في الجنة على ضفة نهرٍ ماءٍ، لا نهرٍ عسلٍ أو حليب· سأتصيَّد سمكاً منه لطعامي ولطعام زوجتي وعيالي· هم سيساعدونني في الصيد· لا أريد من الله صيداً وفيراً، بل قَدْرَ كفايتنا· وإن لم نصطد شيئاً فسنشكره أيضاً ـ كان يقول· هنا خيمة عُشارية الأوزبك· لم أفهم من لسانهم شيئاً قط· لكنهم يفهمون كلَّ من يحدِّثهم من الآخرين· إنْ حدَّثتَهم بالعربية باللهجات كلِّها، وبالكردية باللهجات كلها، وبلغات الروم الإفرنج يفهمون·
Page 7
 كنَّا نتصنَّع مخاطبتَهم بلغة الروم الفرنجة، والسَّلاجقة الروم، فيفهمون· لم نكن نفهم ما نقوله اختراعاً من رطاناتٍ طنينٍ ورنينٍ تقليداً للغات الإفرنج، وكانوا هم يفهمون· لا تستغرب، ياجناب مراد، كيف عرفنا أنهم يفهمون مالانفهمه من كلماتنا العديمة المعاني· كانوا يضعون أيديهم على عماماتهم، أو سيوفهم، أو يضمُّون أطرافَ عباءاتهم، أو يركلون طاساتهم· هناك، بعد خيمتهم بقليل، ياجناب مراد، كانت خيمةُ عُشارية الكُرد الداودييْنَ يبجِّلون النبيَّ داودَ قياماً وقعوداً، ويُصَلُّون عليه لاعلى نبيٍّ غيره· وكانوا يعتقدون أنهم يحاربون النصارى الإفرنج ليسترجعوا منهم أملاك النبي داود· يشدُّون على أضراسهم بقسوة وهم يتمثَّلون أنهم يأكلون عيسى المسيح من رأسه حتى قدميه· كانوا أناساً غاضبين دائماً· يتحادثون في غضب حتى لو ضحكوا· على بعد سبع أقدام منهم كانت خيمة عشارية بابا تِلُّو الكثير الدعابات، الطيِّب، ومعه، في عشاريته، ثلاثة من النصارى أسلموا عن يد شيخ في حوران، يحتفظون بأسمائهم النصرانية : لوقا المُحمدي· عازار المحمدي· قُوْستا المحمدي· لكنَّ ما بقي كتنُّور مُسجَّرةٍ، في خيالي، ياجناب مراد، هو منظر شاب من عشارية صدر الدين خالقاني، اتَّكأ بصدره على نصل سيفه، راكعاً، فخرج من ظهره وهو يبتسم· كان الشاب، الذي يُدعى لاتُوْ، أو لاتُوني، يجعلنا نبتسم مدهوشين، إذ يمطُّ جلدَ غَبَبِه، تحت الحنك وفوق الحَرْقدة، ثم يخرقُهُ بإبرة طويلة شبراً فلا تسيل منه قطرة دم· أرعبنا أحياناً، لكنه جعلنا نبتسم أيضاً· أمَّا اتِّكاؤه على نصل سيفه مبتسماً فقد ترك فينا، ياجناب مراد، تنُّوراً مُسجَّرةًً· كلَّما تذكرتُ صورةَ لاتُوني انقبضت أحشائي· لماذا فعل ذلك؟ لم يفكَّ أحدٌ لغزه، قال زهراب وهو يمشي في الخلاء المهجور، معيداً ـ بإشارات من يده إلى الأمكنة ـ ترتيب الممرات في معسكر طُغرل، ورَصْفَ الخيام منتصبة حول الممرات، من الهرم التراب حتى موضع السُّرادق الكبير ـ ملجأ الدواب، وأحواض السَّقيِ، ومذاود العلف· توقف وقد انحلَّت الصورُ، وعاد المُحتجبُ محتجباً: لاخيامَ؛ لاسُرادقَ؛ لاعُشارياتٍ؛ بل خلاءٌ من خيال الخلاء، مهجور إلاَّ من أرواح الدجاج العنيدة ، ومن حيرةِ الرجلين·
 
ماذا سنفعل؟، همس زهراب·
 
فلْنمض إلى عجلون· قد نجد جواباً هناك، ردَّ مراد ذو اللحية المرسومة حَلْقاً حول استدارة وجهه· 
 
رضي مراد باديدي أن يصحب ابنَ صديقه، متفقداً أباه الغائب، بإلحاحٍ من زوجته ـ أمِّ أولاده السبعة شَاهْناف· أخت توران، التي تكبره بسنة، هي التي أوعزت إليها حضَّ زوجها على الرحلة: قد تكتمل سنتان قريباً، ياشريكتي شاهناف، على آخر زيارة من توران إلى عياله· هم قلقون· أنا قلِقة، قالت·
Page 8
لو حصل شيء لتوران، لاسمح الله، لجاء من يُبلِّغ عسكرَ حامية جَعبر، ياشريكتي توهين· يأتي إفرنج، ويذهب إفرنج· الدنيا إمَّا حربٌ، أو تنتظر حرباً· العسكر ينتقلون، قالت شاهناف السوداء العينين الصغيرتين، ذات النُّقْرة في ذقنها الناعمة·
 
هما، توهين وشاهناف، والنساء الثلاث الأخريات: أم ماسيني، والعربيتان سَهْدة، ورمَّانة، شريكات في الجاروش الضخم اشتريْنَه بقِسْمةٍ متساوية بينهنَّ، يجرشن به عدسهنَّ، وقمحهُنَّ المجفَّف بعد السَّلْق، وكلَّ حبٍّ آخر تخيَّرتِ المشيئةُ لهُ طحْناً خشناً قبل الطهو· يتخاطبن نداءً بلقب الشريكة قبل ذِكر اسم من يخاطبن· بعضهنَّ لبعضٍ، في اللعب بخيال الصفة تلك، ظَرْفٌ، ودعابة، إنْ كُنَّ رائقات الأمزجة، فإن اعتكرنَ اعتكرَ اللعب بخيال الصفة حتى حدود السبِّ بلا تمادٍ: ياشريكةَ الضراط، قد تقول إحداهُنَّ إذا استغابت مَنْ ظنَّتْها أهلاً لاستغابتها· ياشريكة روحي، قد تقول إحداهن إذا تودَّدتْ مَنْ ظنَّتْها أهلاً لودِّها· لكنهن لم يتخاصمنَ، قط، خصامَ القطيعة، أو الحَرَد طويلاً· زئيرُ الجاروش يجمعهُنَّ بآصِرة القوَّة فيه إذا اجتمعن من حوله مستأنساتٍ، ومراقباتٍ في الآن ذاته ألاَّتتمادى إحداهنَّ في تعنيف الحجر الأسود تدويراً بنصفه الأعلى على مركزه فوق نصفه الأسفل، فيصيب الرَّحيين حتٌّ في مسامه الخشنة· وهنَّ، مُذ سمعن شذراتٍ متناثرةً من عزم الفرنجة على الاحتشاد ردًّا للعار، بعد خسارتهم بيتَ المقدس، آليْنَ أن يستعرضنَ علومَهن عن الحروب الوشيكة على قَدْرٍ أقصى ممَّا يتحصَّل لخيالهنَّ من عَرْضٍ، واستفاضةٍ، وغُلواءٍ في السردِ، ونقلٍ عشواء من صِفة إلى صفةٍ بنبْرٍ خلْطٍ في أصواتهنَّ الراويةِ يستثِرْنَ الأسماعَ، والأخيلةَ، بخفْضِها حيناً، وإعلائها حينهاً، تهويلاً أو تخفيفاً؛ استهانةً، أو استكباراً للمواقف في ما يرويْنَ، كالصوتِ الزئيرِ ذاته من الفمِ الفراغ المنطبق بين شِدقَيْ رَحَيَيِّ الجاروش·
 
التعبئة، في قلعة جعبر، كقأقأة الدجاج فجراً يتناتشُ خبزاً مبلولاً· السلاجقة، في الشمال، مذعورون، قالت سِيْرِيْنو، أم ماسيني، النحيفة البيضاء· أضافت: أخشى أن تشمل التعبئةُ رجالَ جَعبر كلَّهم
 
كلهم؟، تساءلت شريكتهنَّ العربية سَهدة، ذات الإحدى والثلاثين سنة، بلُكْنتها ـ لُكْنةِ حوران·
 
كلهم· نعم، ردت سيرينو من تحت خمارها الداكن الخضرة، المطوَّق بوشاح بنيٍّ تُؤثره حول رأسها، وليس حول خصرها· مرات عدة، من قبل، استنفر رُسلُ مولانا الملك الناصر شبانَ هذه الأنحاء، وكهولها أيضاً· ويُقال إن التعبئة ستصل حتى حدود الجبال التي تنهار ثلوجها عن القمم، وتنزلق بهمسة
 
ماذا؟، ساءلتها شريكتها في الجاروش رمَّانة، ذات الأربعة والثلاثين عاماً، بلُكنة من عربيَّة الرَّقة ـ مدينة الرشيد·
Page 9
ثلوج تنزلق عن القمم، والسفوح، إن صَوَّت الإنسانُ بهمسة في العبور قربها، ردّت سيرينو· تأملت وجوهَ شريكاتها المستغربات: لاأعرف· سمعتُ بذلك· حتى البغال، والثيران، والأرانب تكتمُ أنفاسَها في العبور قرب تلك الجبال ضربت براحتها ضرباً خفيفاً على صدرها:
 
ـ يشهد الله أنني لم أخترع هذا·
 
بهمسة؟!، تمتمت رمَّانة السمراء، الخضراء العينين· هذه ليست إلاَّ جبال السَّحرة· هم من يدفعون بالثلوج من القمم والسفوح على الناس والبهائم 
 
هذه جبالُ قَاف· لاجبال يسكنها السَّحرة والجنُّ إلاَّ جبل قاف، شرحت شاهْناف المعضلة·
 
من سيستنفرُ رسلُ مولانا صلاح الدين من نواحي جبل قاف؟، تساءلت رمانة، فردَّت شاهناف وهي ترتِّب خمارَها الأصفر بإحكامٍ على رأسها:
 
ـ الجن·
 
أَمِن ثلوجٍ على جبل قاف؟، تساءلت رمانة·
 
لا ثلوج· بل الجن ، ردت شاهناف·
 
ابتسمت الشريكات· لقد انحسرت معضلةُ الخيال في تدبير رابطٍ بين الهمس وانهيار الثلوج عن الجبال إلى مزاحٍ في شأنِ العساكر الإجباريَّة· وهو شأنٌ، حين يعمُّ البلاغُ عن خروج  سعاة قادة المسلمين في طلب مَدَدٍ ممَّن يُجنَّدون إجباراً، يدفع شباناً إلى الاختباء في مخازن قشِّ الدواب، أو يفرون إلى مغاور التلال، أو يصومون أياماً قبل وصول السعاة ليجدوهم موهنين، شاحبين، مُعتلِّين، فينجون من التجنيد·
 
الجن، إذاً، قالت توهين، أختُ توران· مع عساكرنا ملائكة، ولا بأس ببعض الجنِّ أيضاً
 
مادِيْنُ الجنِّ؟، تساءلت رمَّانة، المحمرة الخدَّين كأنما من سَفْع الشمس·
 
مسلمون، وكفَّار· هم مثل البشر، ردَّت توهين، ذات الخمار المقصَّب ذهباً في حواشيه· لكل كائنٍ دِيْنٌ، أكملت المرأة التي تكبر أخاها توران بسنة·